القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز

القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز كنز ورسالة لمنهج حياة للعالم الإسلامي اجمع
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

  الجهاد في سبيل الله

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:09 am

۞بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ۞
۞ٱلْسَلآمّ ٍعَلْيّكَمُ وٍرٍحَمُةٌ اللَّــْـْہ ۆبُركَاته۞
۞أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من ♥️هَمْزِهِ، ♥️ونَفْثِهِ،♥️ونَفْخِهِ۞
۞الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ۞
۞أَشْهَدُ أَنّ لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله ♥️وأَشْهَدُ ان محمداً رسول الله۞
۞تحية من عند الله طيبة مباركة۞

الجهاد في سبيل الله - المقدمة والتعريف
(1)

الحمد لله ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومجتباه . أما بعد
فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام وناشر لوائه وحامي حماه ، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به .
وإن المجاهدين في سبيل الله هم صفوة خلق الله وسادة عباده ، وهم الناصحون للعالم كله على الحقيقة ، الباذلون نفوسهم ومهجهم ليسعدوا البشرية بالتمتع بهذا الدين ، فينالوا بذلك رضوان الله في الدنيا والآخرة .
قوم باعوا أنفسهم وأموالهم لله ، ورغبوا في عاجل لقائه ، لينالوا الحياة الآجلة الأبدية التي يصطفي الله لها من خلقه خيارهم ، فيتخذهم عنده شهداء .
قوم ندبهم لإعلاء كلمته فانتدبوا ، وأمرهم بالدعوة إليه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، فسارعوا للقيام بذلك واستجابوا ، يقيمون على خلقه الحجة ، ويرشدونهم إلى الصراط المستقيم ومهيع المحجة ، ينيرون بوحي الله الدروب ، ويحيون بدينه القلوب ، يضمون من اهتدى بهدى الله إلى صفهم ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ويقومون بالسيف والسنان طغاة الصد عن سبيل الله ، حتى يدخلوا في الدين الحنيف أو يخضعوا لسلطان القائمين بأمر الله .
قوم يختارون الجوع والعطش والخوف على الشبع والري والأمن في هذه الحياة ، ليفوزوا في دار الكرامة بأجل نعيم أعده لهم الله ، ينام الناس ويسهرون ، ويتمتع الناس بملذات الدنيا وهم عنها شهواتها راغبون ، إذا نام القاعدون على فرش من حرير وتوسدوا ألين الوسائد ، افترش المجاهدون الحصى وتغطوا بنقع غبار العاديات ، وتوسدوا عدة الحرب وسيوف الغارات .
يتسابق الناس إلى تجارة الفضة والذهب الفانية ، ويشمرون هم إلى تجارة السوق الرابحة الباقية : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تحري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) ( 1 )
قوم رفع الله منزلتهم على من سواهم ، وجعلهم قادة البشر ومعلميهم وآمريهم وناهيهم : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ( 2 )

( 2 )
تعريف الجهاد في سبيل الله

1-الجهاد في اللغة ، مأخوذ من الجهد ، وهو بذل الطاقة ، أو الوسع ، أو هو المشقة.
قال الراغب رحمه الله في مفرداته : " الجَهد والجُهد : الطاقة والمشقة ، وقيل الجهد بالفتح المشقة ، والجُهد الوسع "
وقال ابن حجر في الفتح (6/3) : " والجهاد بكسر الجيم ، أصله لغة المشقة . "
2- وهو في الشرع – عند غالب الفقهاء – قتال المسلم الكافر ، بعد دعوته إلى الإسلام أو الجزية ، وإبائه .
مراجع : بدائع الصنائع (9/4299) الشرح الصغير على أقرب المسالك للدردير (2/267) فتح الباري (6/3) مطالب أولي النهى (2/497)
وهذا التعريف ليس شاملا لمعنى الجهاد الشرعي .
وأشمل تعريف له ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، حيث قال : " والجهاد هو بذل الوسع – وهو القدرة – في حصول محبوب الحق " وقال في موضع آخر " وذلك أن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان " مجموع الفتاوى (10/191-192) .
فهذا التعريف يشمل كل أنواع الجهاد التي يقوم بها المسلم ، يشمل اجتهاده في طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه في نفسه ، واجتهاده في دعوة غيره – مسلما كان أو كافرا - إلى طاعة الله ، واجتهاده في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله ، وغير ذلك .
والقيد " في سبيل الله " شرط في كون الجهاد شرعيا ، وهو يخرج كل سعي واجتهاد لا يقصد به وجه الله … وسيأتي الكلام على هذا القيد بالتفصيل في مكانه .

( 3 )
حكم الجهاد في سبيل الله

في حكم الجهاد عند العلماء ثلاثة أقوال :
القول الأول : أنه فرض كفاية ، وفرض الكفاية هو الذي لا يتعلق بكل مكلف من المسلمين عينا ، وإنما الفرض القيام به قياما كافيا من طائفة منهم ، فإذا قامت به طائفة كافية سقط فرضه عن غيرها ، وإن لم تقم به طائفة قياما كافيا ، كان فرضا على جميع المسلمين أن يخرجوا منهم من يكفي قيامهم به ، ولو لم يكف إلا المسلمون جميعا وجب عليهم القيام به جميعا ، ويأثمون كلهم بتركه ، فيصبح في هذه الحالة فرض عين لا فرض كفاية . وعلى هذا القول عامة المذاهب وجمهور علماء المسلمين .
وقد استدل أهل هذا القول بالقرآن والسنة من وجهين :
الوجه الأول : ورود نصوص دالة بعمومها على وجوب الجهاد .
الوجه الثاني : ورود نصوص تدل على أن ذلك الوجوب كفائي وليس عينيا .
1- النصوص الدالة على الوجوب بعمومها
أ – من القرآن :
من ذلك قوله تعالى : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) [ التوبة 5 ]
وقوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم …) الآية [ البقرة : 266 ]
وقوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم …. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله … ) الآية [ 190-193 ]
وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض …. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) [ التوبة : 38- 39 ]
وقوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ) [ التوبة 41 ]
وقوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة … ) [ التوبة 36 ]
ب ـ من السنة :
ـ من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجهاد واجب مع كل أمير ، برا كان أو فاجرا ) أخرجه أبو داود (3/40) وفي صحة الحديث كلام أوردته في كتاب ( الجهاد في سبيل الله – حقيقته وغايته )
- وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم ) رواه أبو داود ، وهو حديث صحيح .
- وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم (3/1517) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ماتت على شعبة من نفاق ) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا .
قالوا : هذه النصوص واضحة في أن الجهاد فرض يأثم المسلمون بتركه ، لأنها وردت بصيغ لا تحتمل إلا ذلك ، كصيغ الأمر في قوله ) فاقتلوا المشركين . وقاتلوا في سبيل الله . واقتلوهم حيث ثقفتموهم . فإن قاتلوكم فاقتلوهم .( ( والكفار لا يكفون عن قتال المسلمين إلا لضعف طارئ أو خضوع المسلمين لهم ) ) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة . انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا … )
وصيغة التوبيخ والإنكار كما في قوله ( مالك إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم من الحياة الدنيا بالآخرة . إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) .
هذا هو الوجه الأول من الاستدلال بالنصوص على أن الجهاد فرض لازم ، وهي واضحة في الدلالة على المراد .
أما الوجه الثاني الدال على أن فريضة الجهاد فرض كفاية ، وليست فرض عين فسيأتي في الحلقة القادمة .
أقوال العلماء مبسوطة في مصادرها ، وقد تركتها من أجل الاختصار ، وهي مستوفاة في الأصل ، وأذكر منها على سبيل المثال الكتب الآتية ، وهي شاملة للمذاهب الأربعة :
المبسوط (10/3) للسرخسي … الكافي لابن عبد البر (1463) حواشي تحفة المحتاج على المنهاج للنووي (9/212) المغني لابن قدامة (9/196) بداية المجتهد (1/ونهاية المقتصد (1/396)

( 4 )

الوجه الثاني الدال على أن الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين .
النصوص التي ذكرت في الوجه الأول دلت دلالة عامة على أن الجهاد فرض ، وقد وردت نصوص أخرى تدل على أن هذه الفريضة كفائية وليست عينية ، والقياس يقتضي ذلك أيضا .
أولا : الأدلة من القرآن الكريم :
من ذلك قول الله عز وجل : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) [ التوبة 122 ]
ودلالة الآية على المقصود من وجهين : الوجه الأول : في قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) أي ما صح ذلك ولا استقام أن يهب جميع أفراد المؤمنين القادرين على الجهاد للغزو ، لما في ذلك من ضياع من وراءهم من العيال ، ومن ترك السعي للرزق وحرث الأرض وعمارتها التي لا يتم الجهاد إلا بها .
سواء فسر الفريق المتفقه في الدين بالنافرين للجهاد ، أم بالمقيم في البلد .
الوجه الثاني من دلالة الآية ، يؤخذ من قوله تعالى : ) فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ( فإنه ظاهر بأن الله تعالى كما نفى في أول الآية أن ينفر المسلمون للجهاد كافة ، حض في آخرها على أن ينفر من كل جماعة من المسلمين طائفة لتقوم الطائفة النافرة بفرض الجهاد الذي يسقط عن الباقية ، وتقوم الباقية بالمصالح التي لا بد منها …
ـ وقوله تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) [ النساء : 95 ]
ودلالة الآية على أن الجهاد فرض كفاية واضحة ، لأن الله فضل المجاهدين على القاعدين بدون عذر ، ووعدهم جميعا بالحسنى ، فالقاعد عن الجهاد بدون عذر لا يأثم إذا قام به غيره قياما كافيا ، ولم يستنفره ولي الأمر .
ـ وقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) [ آل عمران 104 ]
والجهاد قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما فرض كفاية.
وفي الحلقة القادمة سيكون الكلام في دلالة السنة - وكذا المعنى - على أن الجهاد فرض كفاية .

( 5 )

ثانيا : الأدلة من السنة على أن الجهاد فرض كفاية:
1- من السنة القولية :
من ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا إلى بني لحيان من هذيل ، فقال : ( لينبعث من كل رجلين أحدهما ، والأجر بينهما ) وفي رواية : ( وليخرج من كل رجلين رجل ) ثم قال للقاعد : ( أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج ) رواه الإمام مسلم [ 3/1507 ].
فالحديث صريح في أن الجهاد ليس فرضا على الأعيان ، بل هو فرض كفاية ، وإلا لما قال : ( لينبعث من كل رجلين أحدهما ] ولما أثبت للقاعد الذي يخلف الخارج أجرا
[ والأحر بينهما ]
ومن ذلك حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلفه في أهله وماله بخير فقد غزا ) مسلم أيضا نفس الجزء والصفحة .

2- السنة الفعلية :
فقد كان صلى الله عليه وسلم يخرج في الغزوات تارة ، ويبقى في المدينة تارة ، ويؤمر غيره على الغزوة أو السرية ، كما في حديث بريدة عن ، أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا علفى جيش أو سرية ، وصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : ( اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله … ) الحديث . رواه مسلم [ 3/1357 ]
ولم يكن يأمر جميع أصحابه بالخروج ، بل يأمر بعضهم دون بعض ، إلا أ ن يكون نفيرا عاما ،كما في غزوة تبوك . وهذا من أقوى الأدلة على أن الجهاد ليس فرض عين وإنما هو فرض كفاية .
2- المعنى يقتضي كون الجهاد فرض كفاية .
ومما يدل على أن الجهاد فرض كفاية المعنى الذي شرع له ، وهو إعلاء كلمة الله ، فإذا قامت به طائفة من المسلمين حتى تحقق هذا المعنى فعلت كلمة الله في الأرض ، وقُهِ أعداء الإسلام المحاربون له بتلك الطائفة ، فقد حصل المقصود الذي شرع له الجهاد ، فلا محل لجعله فرض عين على كل المسلمين كالصلاة مثلا .
تنبيه مهم
وهنا لا بد من التنبيه على معنى فرض الكفاية الذي لا يفهم فقهه كثير من الناس ، ولو فقهه المسلمون حق الفقه ، لكان للجهاد في هذا العصر شأن آخر ، غير ما أصيب به المسلمون من ذلة وصغار في كل أنحاء الأرض .
ففرض الكفاية الذي يسقط عن الأمة بقيام طائفة به ، هو أن تكون تلك الطائفة كافية في القيام به ، وليس المراد مجرد قيام طائفة مجاهدة ولو لم يكن جهادها كافيا ، فلا يصح إسقاط الجهاد عن الأمة الإسلامية كلهم بقيام طائفة منهم في جزء من الأرض ، ولو كانت كافية في ذلك الجزء ، مع بقاء أجزاء أخرى ترتفع فيها راية الكفر، فإن كل جزء من تلك الأجزاء يجب على المسلمين القريبين منه أن يجاهدوا – ما داموا قادرين - من حارب الله ورسوله وعباده المؤمنين ووقفوا عقبة لصد الناس عن الدعوة إلى الله حتى يقهروهم ، فإذا لم يقدروا على قهرهم ، وجب على من يليهم من المسلمين أن ينفروا معهم ، وهكذا حتى تحصل الكفاية . ولهذا فال في حاشية ابن عابدين : " وغياك أن تتوهم أن فرضيته ( الجهاد ) تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم مثلا ، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية ، فلو لم تقع إلا بكل الناس فرض عينا ، كصلاة وصوم "
قلت : والذي يتأمل أحوال المسلمين مع أعداء الله المحاربين للإسلام ، يجد أن الجهاد اليوم فرض عين على كل قادر عليه من أفراد المسلمين ، وليس فرض كفاية ، لأن بعض طوائف المسلمين التي تقوم بالجهاد ضد عدوان الكفار على أرضها وعرضها ومقدساتها في عقر دارها لا تكفي لقهر عدوها ، بل العدو هو الذي يقهرها ، بل ينصر العدو عليها من يدعي الإسلام ، وما قضية المسلمين في فلسطين بخافية على المسلمين !!!
راجع في تفسير الآيات الكتب الآتية : الجامع لأحكام القرآن [ 3/293 ] جامع البيان عن تأويل آي القرآن [ 11/70 ] التفسير الكبير للرازي [ 11/9 ]
وراجع في كتب الفقه : المبسوط [ 10/3 ] والمغني لابن قدامة [ 9/196 ] وبدائع الصنائع [ 9/4300 ] وتكملة المجموع للعقبي [ 18/ 47 ] وحاشية ابن عابدين [ 4/124 )

( 6 )

القول الثاني في حكم الجهاد أنه فرض عين .
وهو رأي سعيد بن المسيب رحمه الله ، وبه قال بعض الشافعية ، وذكره ابن قدامة في المغني ورد عليه ، وذكره ابن رشد عن عبد الله بن الحسن واستدل هؤلاء بأدلة فرض الجهاد المطلقة ، وقد ذكر كثير منها في القول الأول من الكتاب والسنة ، ومضى ذكر ما عارضها من النصوص الدالة على أنه فرض كفاية ، وبهذا يعلم أن القول الأول هو الراجح ، والله أعلم .
==========
مراجع هذا القول : فتح القدير لابن الهمام (5/439) المغني لابن قدامة (9/196)
حواشي تحفة المحتاج (9/439) بداية المجتهد(1/396)

( 7 )
القول الثالث : أن الجهاد مندوب .

أي إن الجهاد في سبيل الله ، ليس واجبا عينا ولا كفاية ، ونقل هذا القول عن ابن عمر وعطاء والثوري وابن شبرمة رحمهم الله .
ويفهم من عبارات بعض العلماء أنهم قد يحتجون بدخول التخصيص على النصوص العامة التي تدل على وجوب الجهاد ، لأن النص إذا دخله التخصيص ، يصبح ظني الدلالة فيضعف الاحتجاج به على الوجوب ، فيبقى على الندب .
ولكن هذا الاستدلال في غاية الضعف ، لأن العام إذا دخله التخصيص عند أهل الأصول قصر تخصيصه على بعض أفراده …وقد حمل بعض العلماء مراد ابن عمر ومن ذكر معه على أنهم أرادوا أن الجهاد ليس بفرض عين ، وغنما هو فرض كفاية ، فإذا قامت به طائفة كافية أصبح في حق غيرها مندوبا .
ولهذا قال الجصاص رحمه الله ( في أحكام القرآن (3/114) : " ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ( قلت فكيف والمسلمون اليوم يعتدى عليهم في داخل منازلهم ومساجدهم ؟؟!! ) ولم تكن فيهم مقاومة لهم ، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم ، أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين ، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة ، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم ، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى ما كان بإزاء العدو مقاومين له ، ولا يخافون غلبة العدو عليهم ، هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية ؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمر بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم ، وأن يقعدوا عنهم . وقال آخرون : على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية . "
قلت : وحمل قول هؤلاء – إذا صح عنهم – على هذا الوجه متعين ، وإلا فلا وجه له ، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك ، غير الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم .
وإذا لم تكن نصوص القرآن والسنة الواردة في فريضة الجهاد ، وإجماع الأمة الإسلامية على مضمونها ، والواقع التاريخي لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، إذا لم تكن كافية في الدلالة على أن الجهاد في سبيل الله فريضة ، فأي فريضة بعد ذلك ستثبت بنصوص هي أقل من نصوص الجهاد عددا ، وأضعف دلالة ؟! وعلى هذا فالقول بأن الجهاد مندوب وليس بفرض عين ولا كفاية قول ساقط لا يجوز التعويل عليه …
وينبغي أن يعلم أن هذا الخلاف إنما هو في الجهاد بمعناه الخاص ، وهو قتال الكفار ، والراجح فيه ما مضى من أنه فرض كفاية .
أما الجهاد بمعناه الشامل الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فإنه فرض عين في الجملة ن بمعنى أن المسلم لا يخلو في وقت من الأوقات من جهاد واجب عليه ، إذ ليس الجهاد مقصورا على قتال الكفار ، بل يشمل جهاد النفس والهوى والشيطان ، وجهاد الأسرة لاستقامتهم على طاعة الله ، وجهاد كثير من المسلمين الذين لا يلتزمون بطاعة الله بدعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وتعليمهم أمور دينهم ، وجهاد ولي الأمر بنصحه وإرشاده ، وكلمة الحق عنده ، وإعداد العدة لجهاد العدو الكافر .
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم – زاد المعاد (2/65) " ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة ، وكان محرما ، ثم مأذونا فيه ، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ، ثم مأمورا به لجميع المشركين ، إما فرض عين على أحد القولين ، أو فرض كفاية على المشهور ,
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب ، وإما باللسان ، وإما بالمال ، وإما باليد ، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع " .
ولعل هذا المعنى الذي أشار إليه ابن القيم يفهم من قوله تعالى ) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ( الحج [ 78 ]
فقوله : ) جاهدوا في الله حق جهاده ( ثم أمره بعد ذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله ، يدل على شمول الجهاد لكل ما كلفه الله عباده .

( 8 )
أين المسلمون من هذه فريضة الجهاد اليوم ؟!

وإذ قد تبين لنا حكم الجهاد في سبيل الله ، بأدلته التي لا تقبل الجدال من مسلم عاقل منصف ، فإننا يجب أن نسأل أنفسنا : أين نحن من هذه الفريضة على تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، أو على التعريف الاصطلاحي الخاص ، على أن المراد به قتال الكفار فقط ؟
لقد قعد غالبنا اليوم عن القيام بهذه الفريضة التي لا حياة لنا بدونها ، بل إن الطامة الكبرى أن نرى كثيرا ممن ينتسبون إلى الإسلام يحاربونها ، ويقفون في وجه من يريد القيام بها ، وإن ما عليه غالب المسلمين اليوم من البعد عن الله لأمر يؤسف له ، فحياتهم – في الغالب – حياة جهل وغفلة ومعصية للخالق جل وعلا .
وما نحن عليه اليوم من ترك أعداء الإسلام يقتلون إخواننا المسلمين ، وينتهكون أعراضهم ، ويعذبونهم ، ويخرجونهم من ديارهم ن ويخبرون بيوتهم ، ويرملون نساءهم وييتمون أطفالهم ، ويدنسون مقدساتهم ، لهو تعرض للإثم وترك لفرض عين على كل مسلم في الأرض - كل بما يقدر عليه – لعدم وجود طائفة كافية تقوم بهذه الفريضة ، قياما كافيا ، في شتى أنحاء الأرض ، بل لعدم وجود طائفة تقوم به في بعض أجزاء الأرض دفاعا عن المسلمين ، فضلا عن الجهاد ابتداء ، وقد اتفق علماء الإسلام – استنباطا من نصوص الوحيين - على المسلمين أن يخلصوا المرأة المسلمة ، إذا سباها أعداء الإسلام ، ولو أدخلوها في دار الحرب ، ما داموا قادرين على ذلك .
فقد قال بعض فقهاء الحنفية : " مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر ، ما لم تدخل دار الحرب ، وفي الذخيرة : يجب على من لهم قوة اتِّباعُهم لأخذ ما بأيديهم من النساء والذراري ، وإن دخلوا دار الحرب " حاشية ابن عابدين [ 4/126 ]
وهذه بلدان المسلمين اليوم تتعرض لغزو أعداء الإسلام ، والاعتداء على أهلها وانتهاك أعراضهم ، وسلب أموالهم ، وتخريب مساكنهم ، وإفساد مصالحهم ، ونساؤهم معتقلات مهانات وراء قضبان السجون على مرأى ومسمع من سكان عواصم المسلمين المحيطة بهم من كل جانب ، فلا يتحرك المسلمون لنجدتهن والدفاع عنهن ، وهن لسن في المشرق ولا في المغرب عنا ، بل في قلب وطننا الإسلامي ، وفي أغلى بقاعه !
لا بل إن بعض الطغاة في البلدان الإسلامية يقفون في وجه رجال الجهاد وأطفاله ونسائه الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم ، ويستجيبون لزعماء الكفر في عقد مؤتمرات تدين من يبذل نفسه وأهله وماله لدحر العدو المعتدي ، ويسمون المجاهد إرهابيا ويحاصرونه من داخل بله وخارجه ، خذلانا له ، ونصرا لعدوه ، بأساليب ماكرة يظنونها تخفى على أولي العقول والألباب !
كما أن أعداء الإسلام من المنتسبين إليه يصدون دعاة الإسلام عن الدعوة الصادقة إلى الله ، ويصدون الناس عن الاستماع لأولئك الدعاة الذين يبلغون دين الله بأمانة ، ويفقهون الناس أن الإله المعبود المطاع الحاكم هو الله ، وأن غيره لا يطاع إلا في دائر طاعة الله ، وأن على المسلمين جميعا أن يحكموا كتاب الله في حياتهم كلها ، لا يقدمون عليها هوى ولا رأيا ولا نظاما ، أيا كان ، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون للناس : إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ظلم الحكام إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .
هذه الدعوة بهذا المفهوم يطارد أهلها اليوم في كثير من البلدان الإسلامية ، فضلا عن غيرها ، ويحال بينهم وبين الناس ، حتى لا يسمعوها فيستجيبوا لها ، فيلتزموا طاعة الله ، ويخرجوا عن طاعة الطغاة المتألهين عليهم .
وهذا يدل أن أعداء الإسلام في داخل البلدان الإسلامية وخارجها ، يحاربون الجهاد في سبيل الله بمعنييه : الشامل والخاص !

( 9 )
خسارة الأمة الإسلامية بمحاربة الجهاد وفتح الأبواب لدعوات الفساد!

وإذا كان الإسلام الذي يجب تبليغه ، هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه ، كما قال تعالى : ) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( [ آل عمران 85 ] وقال تعالى : ) إن الدين عند الله هو الإسلام ( [ آل عمران 19 ] إذا كان الإسلام كذلك ، والدعوة الصادقة إليه محاربة – وفي ذلك مصيبة وخسارة عظيمة على العالم كله – فـإن المصيبة العظمى والخسارة الجلَّى ، أن تفتح الأبواب لدعوات الكفر التي تدعمها دول ومؤسسات وشركات عالمية بالمال الوفير والرجال المدربين الأكفاء في تخصصات متنوعة ، والمرافق الكثيرة ، من وسائل اتصال مسموعة ، ابتداء من النشرات وشريط الكاسيت ، ووصولا إلى شبكة الاتصالات العالمية – الإنترنت – أو منظورة أو مقروءة ، ومواصلات ، برية وبحرية وجوية ، ووسائل تعليم ، من مدارس ومعاهد وجامعات ودراسات عليا ، ووسائل توثيق وإحصاء في مراكز بحث متخصصة ، ونواد رياضية وثقافية واجتماعية ، كلها تتسابق إلى عقول المسلمين شبابا وشيبا ، لتفرغها مما بقي فيها من الحق ، وتملأها بالباطل ، إضافة إلى إفساد الأخلاق وإماتة الضمائر ، وتجفيف منابع الخير ، والتفريط في العزة والكرامة والإباء التي منحها الله للمسلمين بهذا الدين العظيم .
وهاهي المؤسسات النصرانية تنشئ المطارات التي تفوق مطارات الدولة في المناطق الإندونيسية التي لا تجدي فيها وسائل المواصلات غير الطائرات ، تنشئها لطائراتها التي خصصتها لمن يسمون بالمبشرين ، تحت ستار الشركات التجارية ، وبها ينتقل المنصرون من مدينة إلى أخرى ، ومن قرية إلى قرية ، ومن سهل إلى جبل ، ومن غابة إلى غابة ، من أجل تنصير المسلمين وإخراجهم من دينهم ، على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي حكومات وشعوبا ، وقد غطوا في نوم عميق ، تاركين تلك المنزلة العظيمة التي منحهم الله : ) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ( . [ آل عمران : 110 ]وما حصل في إندونيسيا حصل في غيرها من البلدان الأفريقية . لا بل وصل التنصير إلى بعض البلدان العربية الإسلامية القريبة ، حتى أصبحنا نسمع من يرتد علنا ويسمي نفسه اسما نصرانيا ويلح على المسئولين في بلاده أن يثبتوا اسمه النصراني في وثيقته ، بدلا من اسمه الإسلامي ، وأصبحت الكنائس تشيد في أطراف الجزيرة العربية التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أنم يجتمع فيها دينان!
هذا ماعدا الغزو المسلح الذي تشنه دول الكفر على شعوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، كما هو الحال في فلسطين المسلمة التي تحيط بها عواصم الإسلام من جميع الجهات ، وكما حصل في أفغانستان ، والبوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان ، وكما يحصل في جنوب السودان الذي يتعاون على حربه اليهود والنصارى والمنتسبين إلى الإسلام ! وما يحصل في الفليبين لجبهة مورو الإسلامية ، وما تفعله الصين في التركستان الشرقية ، وما تفعله الهند في كشمير وبالمسلمين في داخل الهند ، وما يعانيه الإريتريون المسلون من استيلاء الأقلية النصرانية على مقاليد الحكم وتشريد الأغلبية المسلمة وإنزال الأذى والإذلال بها … !

( 10 )

فأين هم المجاهدون الذين يحطمون جسور الطغيان ويقاتلون أئمة الكفر ، ليتمكن الدعاة إلى الله من تبليغ رسالات الله إلى عباد الله ؟ وأين هم المجاهدون الذين يدفعون عن المسلمين المقهورين المستضعفين في كل تلك البلدان وغيرها .
بل أين المجاهدون الذين ينصرون المظلومين من اعتداء القوي منهم على الضعيف ؟!
أين من يقوم بهذه الفريضة الخطيرة قياما كافيا ، حتى يقال : إن الجهاد اليوم فرض كفاية وليس فرض عين ؟
أين الطائفة الكافية من الدعاة ؟ وأين الطائفة الكافية من ذوي البأس الذين يقاتلون في سبيل الله ؟ وأين الطائفة الكافية من أغنياء المسلمين الذين ينفقون من أموالهم لتبليغ رسالة الإسلام وتجهيز المجاهدين ؟ وأين طائفة حكام المسلمين الكافية التي تقوم باستنفار الأمة وقيادتها لرفع راية الإسلام كل فيما يقدر عليه ؟
أين هم جميعا من هذا الخطر الداهم الذي يكاد يسيطر على كل جزء من أرض الإسلام ؟
إن الداعية المسلم إذا وجد في أي شعب من الشعوب الإسلامية ، لم يجد من يعينه الإعانة الكافية بالمال ليقوم بتبليغ دعوة الإسلام ، مع أن أموال المسلمين ينفق كثير منها في غير محلها ، من المحرمات أو المباحات المبالغ في الإنفاق فيها أكثر من إنفاقها في الواجبات ، وتنفق في الكماليات والترف أكثر من إنفاقها في الضرورات . وكثير من تلك الأموال تصب في أيدي أعداء الله الذين يحارب غالبهم الإسلام بطريق مباشر أو غير مباشر ، وهم يصوغونها في قوالب متنوعة لتدمير المسلمين : تدميرهم في إيمانهم ، وتدميرهم شريعتهم ، وتدميرهم في أخلاقهم ، بطرق شتى : مناهج تعليم ، ووسائل إعلام ، ومغريات شهوات ، إضافة إلى بناء أولئك الأعداء مدارس وجامعات ومراكز بحث ، وملاجئ وكنائس ، ونوادي لجلب أبناء المسلمين إلى تلك المؤسسات لإفساد عقولهم وقلوبهم بما يخالف دينهم .
فهل الجهاد والحالة هذه فرض كفاية ، أو هو فرض عين على كل قادر من المسلمين ، كل في مجاله ، حتى توجد الطائفة الكافية للقيام بكل ما يحتاج إليه المسلمون من أنواع الجهاد في كل صقع من أصقاع الأرض ؟
وهل ينتظر المسلمون إلا سخط الله ونكاله وخزيه الذي قد حل بهم فأصبحوا أذلة في الأرض بعد عزهم ، وفقراء بعد غناهم ، ومقودين بعد كانوا قادة العالم ؟!
وهناك أهداف أخرى من أهداف الجهاد في سبيل الله ، منها رد العدوان على المسلمين ، فهل قام المسلمون أو الطائفة الكافية منهم برد العدوان على المسلمين في كل أنحاء الأرض ، حتى يقال : إن الجهاد فرض كفاية اليوم ، قد قام به بعض المسلمين فسقط عن الباقين ؟!
هل خلت الأرض من مسلمين يعذبون ، ويسجنون ، ويخرجون من ديارهم وأهليهم وأموالهم ليهيموا في الأرض طالبين اللجوء في البلدان غير الإسلامية ، ويقتل الكثير منهم ويمثل بهم ؟ كلا ! وليس هذا التعذيب والإخراج والسجن في بلاد الكفر الصريح فقط ، بل في كثير من بلدان المسلمين العربية منها وغير العربية ، التي تربع على كراسي حكمها من حارب الله ورسوله وشريعته وأولياءه من الدعاة والعلماء .
إن كثيرا من دعاة الإسلام وعلمائه يلاقون من حكام بلادهم ما لا يلاقيه أشد الناس إجراما ، كالجواسيس والقتلة وقطاع الطرق ، كما سيأتي في حلقات لاحقة .
فالجهاد فسبيل الله فريضة ، وهو اليوم فرض عين يأثم كل قادر من المسلمين على أي نوع من أنواعه ، إذا لم يقم به ، حتى ترتفع راية الإسلام ، وتحرر بلدان المسلمين من المغتصبين ، ويدفع عن المسلمين العدوان الظالم في كل مكان .
ومعلوم أن الطواغيت الظلمة لا يهادنون المسلمين ، ولو طلب المسلمون مهادنتهم ، لاعتقادهم بأن ثبات دين الله في الأرض وقوة أهله خطر عليهم وعلى مصالحهم التي لا تقوم إلا على الكفر والظلم والعدوان .
ألا ترى أن نبي الله شعيبا – عليه السلام – الذي اختلف قومه في دعوته : أمنت بها طائفة ، وكفرت به أخرى ، وهو يدعو الطائفة الكافرة إلى الصبر حتى يحكم الله بينه وبينهم ، فيأبون إلا أن يخرجوه هو وأصحابه من ديارهم ، أو يعيدوهم في ملتهم ، ولا يطيقون وجود فئة تؤمن بالله وبرسالته في ديارهم ، كما قال الله تعالى : ) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ( [ الأعراف 88 ]
وهنا يقف الداعي إلى الله كالجبل الأشم مجاهدا في سبيل الله ، للحفاظ على دينه ، والتبري من الكفر الذي نجاه الله منه ، ويلجأ إلى القوي القادر يستنصره فيأتيه نصره ، ويفتح الله بينه وبين عدوه ، وهو خير الفاتحين : ) قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيه إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ( [ الأعراف 87-91 ]
وهكذا بسير الأنبياء والرسل والدعاة إلى الله من أتباعهم ، يدعون الناس إلى تحكيم شرع الله ، ويقيمون الحجج والبراهين على صحة ما يدعون إليه من الحق ، فيقف الطغاة المعارضون لأمر الله يتوعدون أولئك الدعاة بالإخراج من ديارهم ، ويتهكمون بهم ويسخرون منهم ، ويستهزئون با القيم التي يدعون إليها ، كما قال تعالى عن قوم لوط : ) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ( [ الأعراف 80-82 ]
فالجهاد الذي هو فريضة لازمة لإعلاء كلمة الله ، وإنقاذ المستضعفين ، وقهر أعداء الله ، هو فرض عين اليوم ، وليس فرض كفاية ، حتى تقوم به طائفة من المسلمين بإزاء كل عدو ، فتكفي لدحره وإخراجه من الظلمات إلى النور بالدخول في الإسلام ، ومن الظلم إلى العدل ، ودفع عدوانه عن المسلمين وغير المسلمين .
عندئذ فقط يكون الجهاد فرض كفاية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:11 am


( 11 )
الحالات التي يتعين فيها الجهاد في سبيل الله

ويتعين الجهاد عند العلماء في ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن يهجم العدو على بلاد المسلمين ، والأعداء اليوم يهاجمون بلدان المسلمين ، بل يحتلون أرضهم ، ويسفكون دماءهم ، ويخربون بيوتهم ، في مناطق كثيرة من الأرض .
الحالة الثانية : أن يستنفر ولي الأمر المسلمين ، كما قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير( [التوبة 38-39]
وفي الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سوم الفتح : ( لا هجرة يوم الفتح ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا ) أخرجه الإمام البخاري كما في الفتح (6/37) ومسلم (3/1487) .
و قال الحافظ في الفتح (6/36) : " وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام " .
وقال الكاساني رحمه الله في بدائع الصنائع (9/4301) : " فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل ، فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة " .
الحالة الثالثة : أن يلتقي الصفان : صف المسلمين وصف الكافرين للقتال ، فإنه يحرم على المسلمين الفرار في هذه الحالة ، لأنه من تولية المسلمين أدبارهم الكافرين الأدبار ، وقد نهى الله تعالى المسلمين عن ذلك ، وتوعد عليه بالغضب وجعله من كبار الذنوب ، كما قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره – إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة – فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( [ الأنفال 15-16]
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( اجتنبوا السبع الموبقات " قالوا : يا رسول الله وما هن ؟ قال : " الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ن وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المؤمنات المحصنات الغافلات " رواه البخاري ، وهو في الفتح (5/393) ومسلم (1/92)
لكن في الآية الكريمة – آية الأنفال – استثناء حالتين ، إذا فعلهما المؤمن لا يأثم ، وإن كان ظاهرهما أنه ولى العدو ظهره :
الحالة الأولى : التحرف للقتال ، وهو أن ينتقل المجاهد من موقع في القتال إلى موقع آخر ، احتيالا على العدو ، كأن يدير ظهره موهما له أنه هارب ، ثم يكر عليه .
الحالة الثانية : التحيز إلى فئة ، وذلك أن يعلم المجاهدون أن لا طاقة لهم بقتال العدو ، إما لكثرته وقلتهم ، أو قوة عدته ، وضعف عدتهم ضعفا لا يقدرون معها الوقوف أمامه ، فينحازون إلى طائفة من جيشهم لمناصرتهم ، سواء كانت هذه الطائفة قريبة أم بعيدة ، فالتحيز بهذه النية ليس حراما ولا إثم فيه .
وقد لخص ابن قدامة رحمه الله المواضع التي يتعين فيها الجهاد ، فقال : " ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع :
أحدها إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان ، حرم على من حضر الانصراف وتعين المقام ، لقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ( [ الأنفال 45 ] وقوله : ) واصبروا إن الله مع الصابرين ( [ الأنفال 46 ] وقوله : ) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ( [ الأنفال 15-16 ]
الثاني : إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم .
الثالث : إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه ، لقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ( [ التوبة 38 ] والآية التي بعدها . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) " [ المغني 9/197 والحديث متفق عليه .]

( 12 )
أقوال العلماء في كثرة العدو وقلة المسلمين

كان المسلمون في مبدأ الأمر مأمورين أن يقف الواحد منهم أمام عشرة من الكفار ، وإذا فر في هذه الحالة اعتبر آثما ، ثم خفف الله عنهم بعد ذلك ، فأجاز لهم الفرار من العدو إذا زاد عدده عن ضعفهم ، وأوجب على الواحد منهم الوقوف أمام الاثنين ، لقول الله تعالى : ) يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ( [ الأنفال 65-66 ]
وللعلماء في هاتين الآيتين رأيان :
الرأي الأول : أن آية الضعف ناسخة للآية التي قبلها ، فيجب على المسلم أن يقف أمام اثنين من الكفار ، ويجوز له الفرار من أكثر م نذلك . ويرى بعض العلماء أن ذلك جائز ، ولكن ليس من قبيل نسخ الآية الثانية للأولى ، وإنما هو من باب التخفيف للحكم .
الرأي الثاني : أن ذكر العدد في الآيتين ليس مقصودا لذاته ، وأن المسلمين إذا وقفوا في الصف لقتال الكفار ، فليس لهم حق الفرار من العدو والتولي عن الزحف مطلقا ، واستدلوا بنهي الله سبحانه عن أن يولي المسلمون عدوهم أدبارهم ، وبحديث أبي هريرة الذي مضى ذكره قريبا ، وفيه عد الرسول صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من الموبقات .
قالوا : وآخر الآية التي ادُّعِيَ نسخُها ، وهو قوله تعالى : ) بأنهم قوم لا يفقهون ( يدل على أن انتصار المؤمنين على الكافرين هو بسبب حسن قصدهم واعتمادهم على ربهم ، لأنهم يقاتلون في سبيل الله ، راجين نيل رضاه وإعلاء كلمته والفوزز بالشهادة في سبيله ، وهم بهذا الفقه يقدمون الموت على الحياة ، والله معهم وناصرهم على عدوهم ، بخلاف أعدائهم الكافرين – مهما كثر عددهم – فليس عندهم فقه يجعلهم يثبتون في المعركة ثبات المؤمنين ، والثبات من أهم أسباب النصر ، والله تعالى في صف عباده المؤمنين ، فكثرة الكفار لا تنفعهم ، وقلة المؤمنين لا تضرهم إذا ثبتوا .
وقد أثبتت التجارب التاريخية انتصار العدد القليل الثابت من المؤمنين على العدد الكثير من عدوهم ، كما نص الله تعالى على ذلك في قوله تعالى : ) كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( [ البقرة 249 ]
ومن ذلك ما حصل في معركة بدر ، حيث كان عدد الكافرين ألفا ، وعدد المسلمين ثلاثمائة يزيد قليلا .
من ذلك ما حصل في معركة مؤتة ، حيث كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل ، وعدد عدوهم من الروم مائتا ألف .
ومن ذلك ما حصل لجيش طارق بن زياد في الأندلس ، حيث كان عدد المسلمين سبعمائة وألف مقاتل ، وعدد جيش العدو سبعون ألف مقاتل .
وعلى هذا الرأي ابن حزم رحمه الله الذي حمل – كعادته - على من ادعى نسخ الآية الأولى بالثانية وأنه يفهم منها جواز الفرار من العدو الكثير العدد ، فقال : " وأما الآية فلا تعلق لهم فيها ، لأنه ليس لهم فيها نص ولا دليل بإباحة الفرار من العدد المذكور ، وإنما فيها أن الله تعالى علم أن فينا ضعفا ، وهذا حق إن فينا لضعفا ، ولا قوي إلا وفيه ضعف بالإضافة إلى ما هو أقوى منه ، إلا الله تعالى وحده ، فهو القوي الذي لا يضعف ولا يغلب . وفيها أن الله تعالى خفف عنا ، فله الحمد ،وما زال تعالى ربنا رحيما بنا يخفف عنا في جميع الأعمال التي ألزمنا ، وفيه أنه إن كان منا مائة صابرون يغلبوا مائتين ، وإن يكن منا ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ، وهذا حق ، وليس فيه أن المائة لا تغلب أكثر من مائتين ولا أقل أصلا ، بل قد تغلب ثلاثمائة ، نعم وألفين وثلاثة آلاف ، ولا أن ألفا لا يغلبون إلا ألفين فقط ، لا أكثر ولا أقل . ومن ادعى هذا في الآية فقد أبطل وادعى ما ليس فيها منه أثر ولا إشارة ولا نص ولا دليل . بل قد قال عز وجل : ) كم من فئة قبيلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( فظهر أن قولهم لا دليل عليه أصلا .
ونسألهم عن فارس شاكي السلاح قوي لقي ثلاثة من شيوخ اليهود الحربيين هرمى ، مرضى ، رجالة ، عزلا ، أو على حمير ، أله أن يفر عنهم ؟ لئن قالوا : نعم ليأتُنَّ بطامة يأباها الله والمؤمنون وكل ذي عقل ، وإن قالوا : لا لَيَتْرُكُنَّ قولهم " [ المحلى 7/292-293 ]
ويرد على هذا الرأي إشكال ، وهو أن المسلمين قد يرون – أحيانا أن لا طاقة لهم بقتال الكفار ذوي الكثرة العَدَدِية ، أو القوة العُدَدِية ، فما ذا يفعلون ؟ إذ وقوفهم أمام عدوهم قد يكون فيه استئصالهم ، وفيه تكليفهم بما لا يطاق ، وهو خلاف شرع الله ، وإن فروا كانوا آثمين متولين عن الزحف ، وهو كذلك تكليف بما لا يطاق .
والجواب : أن الله تعالى قد جعل لهم مخرجا باتباع أحد أمرين :
الأمر الأول : التحيز إلى فئة منهم ولو بعدت كما مضى . وهذا يشمل رجوع المجاهدين إلى إمام المسلمين لطلب النجدة
الأمر الثاني : التحرف للقتال . وهو الانتقال من مكان إلى مكان آخر يمكنهم فيه التحصن و الثبات ، ولو ولوا العدو أدبارهم في الظاهر ، لأنهم إنما يفعلون ذلك ليتمكنوا من الثبات والمصابرة والمغالبة .
فلا يبقى عذر للمسلم أن يفر من عدوه بدو نية هذين الأمرين . [ راجع بدائع الصنائع 9430 والمحلى 7292 ]
وهذا الرأي قوي ، وهو اللائق بعزة المسلم واستبساله واعتماده على ربه .
وقد يشكل عليه كون الآية كون آية التخفيف قد حدد فيها العدو المغلوب بمائتين ، وعدد المسلمين الغالبين مائة ، وهكذا ألف من المسلمين يغلب ألفين من الكافرين بنسبة واحد إلى اثنين ، والآية التي قبلها فيها مائة تقابل ألفا ، بنسبة واحد إلى عشرة ، مما حمل بعض المفسرين – وعلى رأسهم الإمام ابن جرير – على القول بالنسخ . [ راجع جامع البيان عن آي القرآن 10/41 ] .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بما يأتي :
الأول : حمل ذكر العدد على أقصى ما يستطيع المسلمون الثبات أمامه ، سواء في كثرة عدده أو عدده ، مع مراعاة الترف والتحيز المذكورين .
الثاني : حمل الآية الأولى ) إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ( على حال قوة المسلمين ، والآية الثانية : ) فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين … ( على حال ضعفهم .
فهنا حالتان : حالة قوة يثبت فيها الواحد من المسلمين لعشرة من الكفار .
وحالة ضعف يثبت فيها الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار . فهو تخفيف وليس بنسخ . [ راجع روح المعاني 10/31 ، في ظلال القرآن 10/1550 ]
الثالث : حمل الآية الأولى على الندب ، وحمل الآية الثانية على الوجوب [ راجع تفسير المنار 10/93 ]
والذي يظهر هو الرأي الثاني الذي قواه ابن حزم رحمه الله . وقد سبق إيراد الإشكال عليه والجواب عنه . والله أعلم .

[img]( 13 ) إضاعة الجهاد بأعمال الفساد والخلاصة أن جنس الجهاد فرض عين على كل المسلمين ، وأن الجهاد بمعنى قتا الكفار فرض كفاية ، إذا قامت به طائفة من المسلمين قياما كافيا لكسر شوكة أعداء الإسلام ، وإعزاز هذا الدين في الأرض ، وإلا أثم الجميع حتى يقوم به من يكفي على الوجه المذكور ، وأن الجهاد فريضة من فرائض الإسلام التي لا قيام للإسلام بدونها ، حتى ليكاد يكون ركنا من أركان الإسلام ، وما ضاعت الأمة الإسلامية وذلت إلا بتركها الجهاد بمعنييه العام والخاص . قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص ، رحمه الله : " وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد ، وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام وأداء الفرائض ، وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الإسلام ، إلا أن فرضه على الكفاية كما بينا " [ أحكام القرآن 3/15 ] وإن ترك المسلمين لفريضة الجهاد في سبيل الله ، والتأخر عن إعداد العدة لإقامته ، لجريمة عظيمة في حق دينهم وخيانة لله ولرسوله ولعزتهم ، لا سيما في هذه الأزمنة التي أصبح الإسلام فيها محاربا في غالب المعمورة ، فخسر بترك الجهاد في سبيل الله العالم كله بله المسلمين الذين يتحملون إثم تلك الخسارة . ولقد كان المسلمون الأوائل يتساءلون : أيهما أفضل الجهاد في سبيل الله ، أم طلب العلم – وطلب العلم جزء من الجهاد بمعناه العام – وهذا التساؤل إنما هو في حال قيام بعض الأمة الإسلامية بالجهاد قياما كافيا . ومع هذا نرى اليوم أعداء الإسلام قد هيئوا لشباب الإسلام ميادين كثيرة لتبديد طاقاته ، وتلهيته عما ينفعه في دينه ودنياه ، لا عن فريضة الجهاد بمعناه الخاص فقط ، بل عن طاعة الله بعامة ، أي عن فروض العين وفروض الكفاية كلها ، وأصبح ذلك من الأمور المألوفة لدى عامة المسلمين ، حتى ماتت في نفوسهم الغيرة على دينهم ، وهان عليهم عزتهم وكرامتهم ! فهناك الأعداد الهائلة من صفوف الرياضة – وحدها – في العالم الإسلامي ، لو ربيت على طاعة الله ، وأعدت للجهاد في سبيل الله ، وفقهت غايتها في هذه الحياة ، لكان لهذا للشباب - الضائع الممسوخ الذي أصبح في عداد الحيوان يتسلى بهم الفارغون ، كما يتسلى أهل أسبانيا بنطاح الثيران – شأن آخر في رفع راية الإسلام وعزة المسلمين : كما كان لشباب الإسلام في عصوره الزاهرة المفضلة ، إذ كانوا يتسابقون قبل أن يصلوا إلى سن التكليف إلى خوض المعارك الجهادية ضد أعداء الإسلام . وهناك صفوف أخرى لا حصر لها تولى أعداء الإسلام إعدادها لحمل جراثيم الفساد الخلقي التي تقتحم قلوب أبناء المسلمين ، فتميتها وتحولها من قلوب بشرية مفطورة على الخير إلى قلوب حيوانية ، ليس لها هم إلا تلبية الشهوات ، لا تفكر إلا في البطن والفرج والزي ، لا فرق بين أن يأتيها من طريق حلال أو حرام ، مثلها في ذلك مثل من قال الله تعالى فيهم ) والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ( [ محمد 12 ] ومن أمثلة هذا النوع صفوف الرقص الفاضح ، والغناء الماجن ، والموسيقى الملهية عن الحق والخير، وسائر الملاهي التي لم يبق منزل في الأرض ولا مكان إلا وصل فسادها إلى أهله ، إما مباشرة في المراقص والمسارح ودور السينما ، ومراكز الفتن ونوادي الشر ، وإما عن طريق وسائل الإعلام - كالمذياع وتلفاز وجرائد ومجلات - التي يديرها ويسيرها من لا يخاف الله ولا اليوم الآخر ، من ذوي الهوى والشهوات . ولوسائل الإعلام العربية – وبخاصة الفضائيات النصيب الأوفر من الفساد والإفساد – حتى عم الأرض بلاؤها ، وأصبح متاع الحياة الدنيا ولعبها الذي هو غاية المفسدين في الأرض ، هو غالب ما يسعى إليه الكثير من المسلمين ، كبارا وصغارا ، رجالا ونساء ، كما قال تعالى : ) وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ( [ الحديد 20 ] وقال تعالى : ) اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد … ( [ أل عمران 185 ] لقد أراد أعداء الإسلام أن يصرفوا شبابه بتلك الألعاب ويلهوه بها عن معالي الأمور ، ومصالح الأمة ، التي لو علمها الشباب حق العلم وتصورها حق التصور وعلم واجبه نحوها ، لانصرف إلى تحقيقها ، ولَحَرَم أعداء هذه الأمة وأذنابهم ما يتمتعون به من خيرات بلاد المسلمين التي لا يحصلون عليها إلا بجهل المسلمين وانحطاطهم ، وسفالة أهدافهم في حياتهم ، وعدم قيامهم بدفع العدوان على دينهم وحقوقهم . أين هذا الانحطاط الذي لم يشهد التاريخ مثيلا له في حياة المسلمين ، من طموح السلف الصالح الذين كانوا يوازنون بين الأعمال الصالحة ، عندما يكون لهم الخيار في فعل أي منها ، ليعلموا أيها أفضل ، ليتسابقوا غليه ويقدموه على غيره ، طمعا الطاعة التي هي أرضى لله سبحانه وتعالى . واقرأ لمثل هذا القصة الآتية : عن النعمان بن بشير الأنصاري ، رضي الله عنه ، قال : " كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحجيج ، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام ، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم . فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه . قال : ففعل ، فأنزل الله عز وجل ) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ؟ لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ( [ التوبة 19 . والقصة في صحيح مسلم 3/1499 ، وذكرها ابن كثير في تفسيره 2/342 ] ويتساءل علماء الإسلام : أي العملين أفضل تعلم العلم أم الجهاد في سبيل الله ؟ ثم يجيبون : " فإن قيل تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين ؟ قيل له : إذا خيف معرة العدو وإقدامهم على المسلمين ، ولم يكن بإزائه من يدفعه ، فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد ، فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم ، لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه ، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال ، ولأن تعلم العلم فرض على الكفاية ، لا على أحد في خاصة نفسه ، ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه من المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل واحد . وما كان فرضا معينا على الإنسان غير موسع عليه في التأخير ، فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره ، وسقط عنه بعينه ، وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها ، هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال ، فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى ، فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية " [ أحكام القرآن للجصاص 3/119 ] . قارن بين حديث النعمان ، وما ذكره الجصاص ، وبين انصراف كثير من المسلمين اليوم عن الجهاد بنوعيه العام والخاص ، إلى اللعب واللهو ومتاع الحياة الدنيا ، وكثير منه من المحرمات ، أو المباحات المبالغ فيها ! وما دامت موازين حياة كثير من المسلمين بعيدة كل البعد عن موازين حياة السلف الصالح ، فإن حكم الجهاد في سبيل الله – وغيره من الأحكام – سيبقى ليس ذا بال في نفوسهم ، بل إن نفوسهم لا تزال نافرة من أحكام الله ، ولا سيما الجهاد في سبيل الله ، الذي يقتضي الجد في الأمور ، وهجر الراحة والترف واسترخاء والتثاقل إلى الأرض ، نلك النفوس ألفت اللهو والخلود إلى الأرض والهزل في الحياة . هذه هي فريضة الجهاد في سبيل الله ، وتلك هي حال الأمة الإسلامية اليوم أمة أضاعت الجهاد ، وأخلدت إلى اللعب واللهو ، ففقدت العزة ، وأصيبت بالذلة ، فالجهاد فرض عين عليها ، والإثم عام شامل ، حتى يقوم علم الجهاد قياما كافيا .[/img]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:13 am


( 14 )
الأعذار التي تبيح التخلف عن الجهاد في سبيل الله

مقدمة
لم يكلف الله تعالى الناس هذا الدين لإنزال الحرج بهم ، أو تحميلهم مالا يطيقون من الأعمال ، بل كلفهم الله هذا الدين رحمة بهم ، ولإتمام نعمته عليهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، كما قال تعالى : ) ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ( [ المائدة 6 ] وقال تعالى : ) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( [ البقرة 257 ]
وقد مضى أن الجهاد معناه بذل الجهد والطاقة والوسع ، فما لم يكن داخلا في جهد الإنسان وطاقته ووسعه لا يكلفه الله إياه ، وقد نفى الله عن المؤمنين الحرج في سياق أمرهم بالجهاد بمعناه الشامل الذي يتضمن كل أنواعه ، كما قال تعالى : ) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ( [ الحج 78 ]
وكل نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله فيه حرج ، على الفرد أو الأمة ، فإن تكليفهم إياه منتف عنهم .
قال تعالى : ) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ( [البقرة 232 ، الأنعام 152 ]
وقال تعالى : ) لا تُكَلَّف نفس إلا وسعها ( [ البقرة 232 ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ( [ البقرة 284 ]
قال : فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بركوا على الكب ن فقالوا : يا رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ، ولا نطيقها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ ( بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( [ في سورة البقرة 93 : ) قالوا سمعنا وعصينا ( وفي سورة النساء 46 : ) ويقولون سمعنا وعصينا ( قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله في إثرها : ) آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( [ البقرة 285 ]
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى ، فأنزل الله عز وجل : ) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( قال : نعم ) ربنا ولا تحملنا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ( قال : نعم ) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ( قال : نعم ) واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ( قال نعم . [ الآية من سورة البقرة 286 ] والحديث في صحيح مسلم 1/116 ]
والقائل : " نعم " هو الله تعالى يحكيه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم . ومعناه : استجبتُ دعاءكم ، فلا تؤاخذون بما نسيتم أو أخطأتم ، ولا تحملون إصرا ، ولا تُحَمَّلون ما لا طاقة لكمم به ، وسأغفر لكم وأرحمكم ، وأنصركم على القوم الكافرين .
وفي رواية لابن عباس : " قال : قد فعلت " مكان " نعم " التي في رواية ابي هريرة .
بل إن الله تعالى نهى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يأتوا من الأعمال ما يشق عليهم ، كما في حديث ابي هريرة رضي الله عنه : ( إياكم والوصال ) قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله ، قال : ( إنكم لستم في ذلك مثلي غني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون ) [ البخاري مع فتح الباري 4/ 206 ومسلم 2/774 ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " الأمر والنهي الذي يسميه العلماء : [ التكليف الشرعي ] هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة ، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم ، كالمجنون والطفل ن ولا تجب على من يعجز ، كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد ، وكما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائما ، وغير ذلك على من يعجز عنه " [ مجموع الفتاوى 10/344 ]
وهذا المعنى واضح في كثير من الكتاب والسنة .
وسبق أن الجهاد فرض كفاية ، وقد يكون فرض عين في بعض الأحوال .
وهناك أعذار تسقط عن صاحبها وجوب مباشرة الجهاد ، سواء كان النفير عاما أم لا ، وأعذار أخرى تسقطه إذا لم يكن فرض عين ، وسيأتي الكلام على هذه الأعذار في الفقرة الآتية .

( 15 )
الكفر مانع من صحة العبادة ، وليس بعذر

الكفر لا يعتبر عذرا يسقط التكليف بالعبادة عن الكافر ، وإنما هو مانع عن صحة الأداء ، بمعنى أنه لا يترتب على أداء الكافر أيَّ عبادة إسقاط فريضة وقبول عمل و ثواب ،كما قال تعالى : ) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ( [ القرقان 23 ]
ويبحث علماء أصول الفقه هذا الموضوع في مبحث : هل يخاطب الكافر بفروع الشريعة ؟
وهذا يشمل جميع الأعمال التي يؤديها الكافر ، ظنا منه أنها تنفعه عند الله ، ولو كانت من أعمال البر ، كالصدقة وبر الوالدين وغيرها ، لأن الإيمان أساس لقبول الأعمال وترتب الأجر والثواب عليها ، ولهذا قيد الله دخول من عمل صالحا الجنة بكونه مؤمنا ، كما قال تعالى : ) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ( [ النساء 124 ]
وقال تعالى : ) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم آجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( [ النحل 97 ]
والجهاد من أعظم الأعمال الصالحة التي لا تصح من كافر ، وهو – أي الجهاد – ملازم لهذا القيد [ في سبيل الله ] الذي لا ينطبق على عمل الكافر .
وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأعمال التي ظاهرها الصلاح ، الصادرة من الكافر : هل تنفعه ؟ فأجاب أنها لا تنفعه بسبب كفره ، كما في حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت ك قلت : يا رسول الله ، عبد الله بن جدعان ، كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه ؟ قال : ( لا ينفعه . إنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) [ مسلم 1/196 ] أي إنه لم يؤمن بالله واليوم الآخر .
ومنع الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل المشرك الذي تردد عليه مرتين يستأذنه في القتال معه ، ليصيب من المغنم وهو على شركه ، ثم إذنه له بعد أن دخل في الإسلام ، دليل واضح على عدم صحة الجهاد من الكافر ، كما في حديث عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدر ، فلما كان بحرة الوَبَرة ، أدركه رجل قد كان يدرك منه جرأة ونجدة ، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه ، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئت لأتبعك وأصيب معك ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تؤمن بالله ورسوله ؟ ) قال : لا . قال : ( فارجع فلن أستعين بمشرك ) قالت : ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل ، فقال : كما قال أول مرة . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال له أول مرة ، قال : ( ارجع فلن أستعين بمشرك ) قال : ثم رجع فأدركه بالبيداء ، فقال له كما قال أول مرة : ( تؤمن بالله ورسوله ) قال : نعم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فانطلق ) [ مسلم 3م1449 ]
هل يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب ؟
وقد اختلف العلماء في التوفيق بين حديث عائشة المذكور ، وأحاديث أخرى حصلت فيها الاستعانة بمشركين . قال الإمام النووي رحمه الله : " وقد جاء الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه ، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول – أي حديث عائشة – على إطلاقه ، وقال الشافعي وآخرون : إن كان الكافر حسن الرأي ، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به ، استعين به ، وإلا فيكره ، وحمل الحديثين على هذين الحالين "[ شرح النووي على صحيح مسلم 12/198 وما بعدها ]
وهناك وجوه أخرى في الجمع بين الحديثين .
والذي يظهر أن الأصل عدم مشروعية الاستعانة بكافر ، إلا في حالات نادرة يعلم فيها من حال الكافر – أو تدل القرائن – على صدقه وعدم خيانته ، وتكون الحاجة إلى الاستعانة به شديدة ، لعدم وجود من يستعان به من المسلمين في تلك الحالة : " وإن كان في الاستعانة به مصلحة للمسلمين ، كما استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط ، إذ كان دليله في الهجرة إلى المدينة ، زكما استعان بصفوان بن أمية في غزوة حنين " [ فتح الباري 6/129 وراجع سيرة ابن هشام 1/491 ، 2/440 ]
هل يجوز الاستعانة بالمسلم الفاجر ؟
أما الاستعانة بالرجل الفاجر الذي يظهر الإسلام ، فقد دلت السنة على جوازها ووقوعها ، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، الذي ترجم له الإمام البخاري رحمه الله بقوله : [ باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ] ونص الحديث كما يأتي : " شهدنا مع رسول الله عليه وسلم ، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام : ( هذا من أهل النار ) فلما حضر القتال قاتل الرجالَ قتالا شديدا ، فأصابته جراحة ، فقيل : يا رسول الله ، الذي قلت : إنه من أهل النار ، فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا ، وقد مات ، فغال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إلى النار ) قال : فكاد بعض الناس أن يرتاب ، فبينما هم على ذلك ، إذ قيل : إنه لم يمت ، ولكن به جراحا شديدا ، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح ، فقتل نفسه . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : ( الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ) ثم أمر بلالا فنادى في الناس : ( إنه لا يدخل الجنة غلا نفس مؤمنة ، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) [ صحيح البخاري بفتح الباري 6/179 ، وصحيح مسلم 1/105 ]
وقال ابن تيمية رحمه الله : " ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم ، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار ، أو مع عسكر كثير الفجور ، فإنه لا بد من أحد أمرين : إما ترك الغزو معهم ، فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا ، وإما الغزو مع الأمير الفاجر ، فيحصل بذلك دفع الأفجرين ، وإقامة أكثر شرائع الإسلام ، وإن لم يُمكن إقامة جميعها ، فهذا واجب هذه الصورة وكل ما أشبهها ، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين ، لم يقع إلا على هذا الوجه " [ مجموع الفتاوى 28/506 ]
وذكر بعض الكتاب المعاصرين الإجماع على جواز الاستعانة بالمنافق والفاسق ، لخروج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال . [ كتاب المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية ، صفحة 226 وما بعدها ] .

( 16 )
الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد إجمالا وتفصيلا .

أما الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد إجمالا ، فهي : الجنون ، والصبا ، والضعف ، والمرض ، وعدم سلامة الأعضاء ، كالعمى والعرج الشديد ، وعدم إذن الوالدين أو أحدهما ، والدين الذي لم يأذن صاحبه للمدين بالجهاد ، وعدم الراحلة والمال أو أحدهما ، والرق .
وأما تفصيلا فكما يأتي :
أولا : الجنون .
المجنون ليس أهلا للتكليف ، لأن من شرط التكليف قدرة المكلف على العلم بما يُكَلَّف أداءه ، والخطاب إنما يوجه إلى العاقل ، فالمجنون معذور في أصول الإسلام وفروعه ، والقلم مرفوع عنه .
قال الآمدي رحمه الله " اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف ، لأن التكليف خطاب ، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال ، كالجماد والبهيمة " (1)
وقال صدر الشريعة الحنفي : " باب المحكوم عليه ، وهو المكلف ن ولا بد من أهليته للحكم ن وهي لا تثبت إلا بالعقل … " (2)
ثانيا : الصبا :
والصبي – أيضا – غير مكلف بجميع العبادات ، وإن كان مشروعا تمرينه على بعضها ، كالصلاة والصوم ، بعد أن يميز . قال في الهداية : " ولا يجب الجهاد على صبي " (3)
وقال الكاساني : " ولا جهاد على صبي " (4)
وقال النووي : "ولا جهاد على صبي ومجنون " (5)
وقال في المهذب : " ولا يجب على الصبي والمجنون " (6)
ومن أدلة ذلك حديث عائشة رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المبتلى حتى يبرأ ، وعن الصبي حتى يكبر ) وفي حديث ابن عباس عن علي رضي الله عنهم : ( عن المجنون حتى يبرأ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يعقل " (7)
============
(1) الأحكام في أصول الأحكام (1/138)
(2) شرح التوضيح على التنقيح .
(3) فتح القدير لابن الهمام (5/442)
(4) بدائع الصنائع (9/4301)
(5) حواشي تحفة المحتاج (9/231)
(6) تكملة المجموع (18/52)
(7) الحديثان في سنن أبي داود (4/558) ، وراجع التمهيد لابن عبد البر (1/107-110) ورمز السيوطي للحديثين في الجامع الصغير بالصحة . وقال الحاكم : " عللا شرطهما " (4/35) وأوردهما شيخنا الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير (3/179)

( 17 )

ثالثا: الأنوثة
والمرأة معذورة أيضا، فلا يجب عليها الجهاد، لضعفها. قال الكاساني: "ولا جهاد على الصبي والمرأة" [بدائع الصنائع (9/4301)]
وقال النووي: "ولا جهاد على صبي ومجنون وامرأة" حواشي تحفة المحتاج (9/231)
وذكر ابن قدامة من شروط وجوب الجهاد "الذكورية". [المغني (9/197)]
وقد دلت السنة على أن المرأة لا جهاد عليها . فقد استأذنت إحداهن من الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال صلى الله عليه وسلملكن أفضل الجهاد: حج مبرور) [البخاري (رقم الحديث : 2784، وهو في فتح الباري (6/4)]
والمعروف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن عمل الصحابة من بعده، أنهم كانوا يخرجون معهم بعض نسائهم في الغزوات والمعارك، وكن يشاركن في مداواة الجرحى وسقيهم وخدمتهم، وقد تشترك المرأة في الدفاع عن نفسها، أو عن غيرها-وهذا قليل-
ولم يقف الباحث على نص يدل على استنفارهن مثل الرجال.
وسورة التوبة التي كان النفير فيها عاما، انصب اللوم فيها على المتأخرين من الرجال، ولو كن داخلات في النفير العام لوجب على كل قادرة أن تخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم: الزوجة مع زوجها، والبنت مع أبيها، والأخت مع أخيها، وهكذا ...
بل قد ورد في السنة في هذه الغزوة نفسها ما يدل بوضوح على أن الأصل في النساء عدم الاستنفار ، كما في حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، قال: " خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟! فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي) [البخاري، رقم: 4416، وهو في الفتح (7/71) ومسلم (4/1780)
هذا هو الذي ظهر للباحث من الواقع التاريخي، في عصر النبوة والخلافة الراشدة.
ولكن العلماء رحمهم الله نصوا على أن المرأة تدخل في النفير العام ، مستدلين بآية النفير، وفيها: {انفروا خفافا وثقالا...} التوبة: 41
قال الكاساني: "فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد، فهو –أي الجهاد-فرض عيني، يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين، ممن هو قادرعليه، لقوله سبحانه وتعالى: {انفروا خفافا وثقالا} فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه..." [بدائع الصنائع (9/4301)]
ولكن العدو هجم على المسلمين في غزوة أحد، وفي غزوة الأحزاب، ولم يعلم أن النساء خرجن كلهن مع الرجال، بل النصوص تدل على أنه يخرج منهن إلا عدد قليل. ففي غزوة أحد ذكر منهن عائشة وأم سليم وفاطمة وأم سليط، رضي الله عنهن، وإن وردت أحاديث تدل على مطلق المشاركة مع الرجال في بعض الأعمال [راجع فتح الباري (6/75-81)
وقصة صفية بنت عبد المطلب وحسان تدل على النساء كن في الحصون. [السيرة النبوية لابن هشام (2/228)]
والذي يظهر أن المرأة لا يتعين عليها الجهاد إلا إذا نص على النساء في النفير العام، أو هجم العدو على البلد وهي في بيتها، فعليها حينئذ المشاركة في الدفاع عن نفسها وعن غيرها في حدود قدرتها.
وقد قال كبير المنافقين عبد الله بن أبي يوم أحدلرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوا لله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط، إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم" [السيرة النبوية لابن هشام (2/63)]
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى رأي ابن أبي هذا قبل أن يعزم على الخروج بعد مشاورة أصحابه.
فقوله: "وإن دخلوا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم" يظهر منه أنهن يشاركن الرجال في هذه الحالة، غير أن مشاركتهن محدودة، ليست كمواجهة الرجال للأعداء، هذا هو الأصل، فإذا وجدت امرأة قوية عندها جرأة على قتال العدو عند الضرورة، فلا تمنع من ذلك، كما فعلت نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، من الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف والرمي بالقوس، حتى خلصت إليها الجراح.[ السيرة النبوية لابن هشام (2/18)]
وفي مصنف الإمام عبد الرزاق الصنعاني: " عن معمر، عن إبراهيم-وسئل عن جهاد النساء؟-فقال: كن يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيداوين الجرحى، ويسقين المقاتلة، ولم أسمع معه بامرأة قتلت، وقد قاتلن نساء قريش يوم اليرموك حين رهقهم جموع الروم، حتى خالطوا عسكر المسلمين، فضرب النساء يومئذ بالسيوف في خلافة عمر رضي الله عنه" [المصنف (5/2908)]
وقد يفهم من كلام المفسرين لآية النفير العام دخول النساء فيه، ولو لم ينص عليهن.
ففي تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله: "قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك ندنا بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله خفافا وثقالا، وقد يدخل في الخفاف كل شيء كان سهلا عليه النفر، لقوة بدنه على ذلك وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا تيسير بمال وفراغ من الاشتغال، وقادرا على الظهر والركاب، ويدخل في الثقال كل من كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معسر من المال، ومشتغل بضيعة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ ذو السن والعيال، فإذا كان قد يدخل في الخفاف والثقال من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا، ولم يكن الله جل ثناؤه، خص من ذلك صنفا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نصب على خصوصه دليلا، وجب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد، خفافا وثقالا، مع رسوله على كل حال من أحوال الخفة والثقل" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (10/140)]
ونص الفقهاء على شمول النفير العام للمرأة، كما قال الكاساني: "فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضا على الكل عينا، بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها: [بدائع الصنائع (9/4301)]
وعلى كل حال فالضرورة تقدر بقدرها، فإذا دعت الضرورة إلى مشاركة المرأة في المعركة، وجب أن تشارك بما تقدر عليه، وإن كان في النفس شيء من دخول النساء في النفير العام، لما ذكر من الوقائع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا إذا نص ولي الأمر عليهن، أو هجم العدو على الديار، فإنه يتعين عليها الجهاد بالدفاع عن نفسها وعن غيرها في حدود طاقتها [راجع المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية، ص 106، 219 وما بعدها

( 18 )

خامسا : الرق .
العبد المملوك مأمور بطاعة سيده ، ولا يجوز له أن يعصيه ن ما لم يأمره بمعصية ، وطاعة العبد سيده شبيهة بطاعة الولد أبويه أو أحدهما ، وقد ثبت للعبد المملوك الذي يجمع بين طاعة ربه وطاعة سيده أجرين ، كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( للملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والطاعة أجران ) البخاري بفتح الباري %/177
وقد حفز هذا الأجر المضاعف أبا هريرة رضي الله عنه على التطلع إليه ، حتى كان يود أن يكون عبدا لولا أن ذلك يحول بينه وبين حريته الكاملة في أداء طاعة الله وطاعة أمه ، فقد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وللعبد المملوك الصالح أجران ) والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله ، والحج ، وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. البخاري بفتح الباري ( 5/175) ومسلم (3/1284) قوله : " والذي نفسي بيده … " من كلام أبي هريرة ، كما ذكر الحافظ في الفتح .
وفي كلامه هذا دليل على أن العبد لا يجوز له أن يجاهد إلا بإذن سيده ، قال الحافظ : " وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء ، لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد .. " ولو لم يكن إذن استئذان العبد سيده في حضور الجهاد واجبا ، لما قال أبو هريرة ذلك ، ما دام الرق لا يمنعه من الجهاد متى شاء .
ومما يستدل به على استئذان العبد سيده ، حديث عمير مولى آبي اللحم ، قال : " شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا فيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بي فقُلِّدت سيفا ، فإذا أنا أجره ، فأخبر أني مملوك ، فأمر لي بشيء من خرثى المتاع " رواه أبو داود (3/171)
قال ابن الأثير في النهاية : " والخرثى أثاث البيت ومتاعه . وقال المحشي على سنن أبي داود : وأخرجه الترمذي والحاكم وصححه . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
وراجع : فتح القدير (5/442) لابن الهمام ، وحاشية ابن عابدين (4/125) ، وحواشي تحفة المحتاج (9/231) ، والمغني (9/197) لابن قدامة .

( 19 )

سادسا : الدَّين
والمدين الذي ليس عنده ما يتركه لقضاء دينه الحال ، ليس له أن يخرج إلى الجهاد في بسبيل الله بدون إذن دائنه ن بل عليه أن يبقى ليعمل ويقضي دينه ما لم يأذن له صاحب الدين ، لأن خطايا المجاهد الذي يقتل في سبيل الله تكفر ما عدا الدين ، كما في حديث قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم ، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال ، فقام رجل ، فقال : يا رسول الله : أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب ، مقبل غير مدبر " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف قلت " ؟ قال : أريت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ، إلا الدين ، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك ) رواه مسلم (3/1501)
أما إذا كان عنده ما يتركه لقضاء دينه ، فلا يدخل في ذوي الأعذار الذين يجوز لهم التخلف عن الجهاد ، أو يجب عليهم التخلف .
ومما يدل على ذلك ما ورد عن أبي الدرداء رض ي الله عنه ، أنه كان يقف حين ينتهي إلى الدرب ، وفي ممر الناس إلى الجهاد ، فينادي نداء يُسمِع الناس : أيها الناس ، من كان عليه دين ، ويظن أنه إن أصيب في وجهه هذا لم يدَعْ له قضاء ، ولا يتعنىَّ ، فإنه لا يعود كفافا " جامع الأصول (2/580)
ومثل الدين في عدم التكفير للخطايا جميع حقوق الآدميين ، فإن الجهاد وغيره من الطاعات لا تكفرها ، وإنما تكفر حقوق الله تعالى . يراجع شرح النووي على مسلم (13/29)
هذا ، ولا يلزم من عدم تكفير الجهاد في سبيل الله الدين ونحوه ، أنه لا يكتب للمجاهد أجر جهاده وشهادته ، فذاك شيء وهذا شيء آخر ، بل يرى بعض العلماء جواز خروج المدين بدون استئذان صاحب الدين ، إذا كان رضي ببقاء ذنب الدين عليه ، كما قال الشوكاني رحمه الله : " وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين ، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين ، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببا لمغفرة كل ذنب ، استأذن صاحب الدين في الخروج ، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد جاز له الخروج بدون استئذان " نيل الأوطار (7/251) ويراجع تكملة المجموع (18/56) وحواشي تحفة المحتاج (9/232) وروضة الطالبين (10/210) وحاشية ابن عابدين (4/126).

( 20 )

سابعا : ومن الأعذار الضعف البدني والعجز المالي
مما عذر الله تعالى به عبده المؤمن عن الخروج للجهاد في سبيل الله ، فقدُه القدرة على ذلك ، سبب ضعف في بدنه ، من مرض ، وعمى ، وعرج ، وشلل ، وقطع يد أو رجل ، وشيخوخة ، ونحوها ، مما لا يقدر معه على مباشرة الجهاد .
وكذلك الفقر الذي لا يتمكن معه على الإنفاق على نفسه ، ذهابا وإيابا ، وأثناء المعركة ، ولا شراء ركوب وسلاح ، أو النفقة على العيال ، فإن في ذلك عذرا له في تخلفه عن الجهاد .
ويشترط في ذلك – أي في كون الضعف البدني والعجز المالي عذرا له – أن يكون المتخلف ناصحا لله ولرسوله وللمؤمنين ، نادما أشد الندم على تخلفه ، عازما على الخروج لو زال عذره ، طالبا من الله تعالى نصر إخوانه المجاهدين وهزيمة أعدائهم من الفار والمشركين ، فإن لم يكن كذلك ، بأن كان مسرورا بعدم خروجه للجهاد ، متخذا عذره الظاهر ذريعة لذلك ، مرجفا وراء المجاهدين ، غر مبال بنصر المؤمنين ، أو متمنيا نصر أعداء الله الكافرين على أوليائه المؤمنين ، فإنه آثما بذلك .
قال تعالى : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه
تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) [ التوبة 91-92 ]
قال ابن كثير رحمه الله : " ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال ، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه ، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد ، ومنه العمى والعرج ونحوهما ، ولهذا بدأ به . ومنها ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله ، أو بسبب فقر لا يقدر على التجهيز للحرب ، فليس علة هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ، ولم يفرجوا بالناس ، ولم يثبطوهم ) [ تفسير القرآن العظيم ( 2 / 381 ) ] .
وقال الكاساني : ( وأما بيان من يفترض عليه فنقول : إنه لا يفترض إلا على القادر عليه ، فمن لا قدرة له لا جهاد عليه ، لأن الجهاد بذل الجهد وهو الوسع والطاقة بالقتال أو المبالغة في عمل القتال ، ومن لا وسع له كيف يبذل الوسع والعمل ؟! فلا يفترض على : الأعمى ، والأعرج ، والزّمِن ، والمقعد ، والشيخ الهرم ، والمريض ، والضعيف ، والذي لا يجد ما ينفق . قال سبحانه وتعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) الآية [ النور : 61 ] وقال سبحانه : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) [ التوبة : 91 ] فقد عذر الله جل شأنه هؤلاء بالتخلف عن الجهاد ورفع الحرج عنهم ) [ بدائع الصنائع ( 9 / 4301 ) ] .
وقال في المهذب : ( ولا يجب على الأعمى لقوله عز وجل : ( ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ) [ الفتح : 17 ) ] ولا يختلف أهل التفسير أنه في سورة الفتح أنزلت في الجهاد ، ولأنه لا يصلح للقتال فلم يجب عليه. ولا يجب على الأعرج الذي يعجز عن الركوب والمشي ، لأنه لا يقدر على القتال ، ولا يجب على الأقطع والأشل لأنه يحتاج قي القتال إلى يد يضرب بها ويد يتقي بها . ولا يجب على المريض الثقيل للآية ، ولأنه لا يقدر على القتال .
ولا يجب على الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه فاضلا عن نفقة عياله لقوله عز وجل : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) [ المجموع ( 18 / 53 ) والآية من سورة التوبة 91 ] .
وآية النور التي استدل بها الكاساني رحمه الله استدل بها كثير من العلماء على نفي الحرج عمن ذكر فيها ، لكن منهم من رأى أنها عنت التخلف عن الجهاد ، ومنهم من استدل بعموم النفي وإن كان السياق بظاهره يدل على نفي الحرج عن هؤلاء في أكلهم في بيوتهم من سمّى الله في الآية [ راجع تفسير ابن جرير الطبري ( 18 / 167 ) وما بعدها .
وقال القرطبي رحمه الله : ( قوله تعالى : ( ليس على الضعفاء ) الآية ، أصل في سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن الشيء سقط عنه ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة ، أو العجز من جهة المال . ونظري هذه الآية قوله تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) [ البقرة : 268 ] وقوله : ( ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ) [ الجامع لأحكام القرآن ( 8 / 226 ) والآية من سورة النور : 61 ] .
ولاختلاف المفسرين في تفسير آية النور : أعنت التخلف عن الجهاد بذاته أم يستدل بعموم نفيها؟ ، وعدم اختلافهم في آية الفتح ، قال في المهذب : ( ولا يختلف أهل التفسير أنها في سورة الفتح أنزلت في الجهاد ) كما مضى قريباً .
هذا وقد جمعت بعض النصوص الفقهية تلك الأعذار كلها بعبارات وجيزة ، منها ما قاله أبو الضياء خليل بن إسحاق المالكي في مختصره : ( وسقط بمرض ، وصبا ، وجنون ، وعمى ، وعرج ، وأنوثة ، وعجز عن محتاج له ، ورقٍ ، ودين حلّ ، كوالدين في فرض كفاية .. ) [ حاشية الدسوقي ( 2 / 175 ) وراجع الكتب الفقهية الآتية : فتح القدير لابن الهمام الحنفي ( 5 / 442 ) حواشي تحفة المحتاج في الفقه الشافعي ( 9 / 231 ) وروضة الطالبين للنووي ( 190 / 208 وما بعدها ) ] .
وهذا سرد للأعذار بدون ذكر أدلتها ، كما هو الغالب في المتون الفقهية . أما ذكرها مع أدلتها من الكتاب والسنة فقد عني بها ابن قدامة رحمه الله ، فقال : ( ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط : الإسلام ، والبلوغ ، والعقل ، والحرية ، والذكورية ، والسلامة من الضرر ، ووجود النفقة ) .
فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شرط لوجوب سائر الفروع ، ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد ، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد ، وقد روى ابن عمر قال : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربعة عشرة فلم يجزني [ البخاري رقم الحديث 4097، فتح الباري ( 7 / 492 ) ومسلم ( 3 / 1490 ) .
وأما الحرية فتشترط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد ، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد [ قال المحشي على المغني : " ذكر ابن حجر في تلخيص الحبير 4/91،92 أن النسائي أخرجه ، وانظر تحفة الأشراف اهـ ] ، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج .
وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، على النساء جهاد؟ فقال : ( جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة ) [ راجع ما سبق في ص : 87 ] ، ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها ، ولذلك لا يسهم لها . وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض ، وهو شرط لقول الله تعالى : (ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ) [ راجع الصفحة التي قبل هذه ] ، ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد . وأما وجود النفقة فيشترط لقوله تعالى : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) [ سبقت في ص : 95 ] ، ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها ) [ المغني ( 13 / 8 ] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:15 am


( 21 )

حبسهم العذر
من رحمة الله بعباده المؤمنين وفضله وإحسانه عليهم ، أنه يكتب للعاجز منهم عن العمل أجره إذا علم من نيته الصدق والإخلاص والنصح ، كما لو كان قام بالعمل ، قال تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولي الضرر – والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ، وأنفسهم ، فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ، وكلا وعد الله الحسنى ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ) [ النساء : 95 ] .
نفى الله تعالى أن يستوي في القرب منه والحظوة عنده القاعدون والمجاهدون ، واستثنى من القاعدين أولى الضرر ، فجعلهم في عداد المجاهدين ، ويفهم من نفي استواء المجاهدين والقاعدين ، واستثناء أولى الضرر من هؤلاء أن أولي الضرر يستوون هم والمجاهدون في حصول أصل الثواب والمضاعفة .
ورأى بعض العلماء أنهم يستوون في الأصل ، ويزيد المباشرون للجهاد – وغيره من الطاعات – بمضاعفة الثواب .
واحتج أهل الرأي الأول بأمرين :
الأمر الأول : أن المعذورين ما منعهم إلا عجزهم ، ولو لم يكن بهم عذر لكانوا مع المجاهدين ، وفضل الله واسع ، وقد استثناهم هو سبحانه من القاعدين الذين نفي المساواة بينهم وبين المجاهدين ، فالقاعدون بعذر مستثنون من نفي المساواة .
الأمر الثاني : ما ورد في صحيح السنة مؤكداً هذا المعنى ، كما في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال : ( إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شِعْباً ولا وادياً إلا وهم معنا ، حسبهم العذر .. ) [ البخاري رقم الحديث 2839 ، فتح الباري ( 6 / 46 ) ] .
وفي حديث جابر : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : ( إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حسبهم المرض ) [ مسلم ( 3 / 1518 ) .
قال الحافظ ابن حجر : ( قال المهلب : يشهد لهذا الحديث حديث أنس قوله تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ) الآية [ النساء : 95 ]، فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين ، ثم استثنى أولى الضرر من القاعدين ، فكأنه ألحقهم بالفاضلين ، وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه الضرر عن العمل ) [ فتح الباري ( 6 / 46 ) ] .
وقد ورد ما يدل على أن هذا الاستثناء نزل بعد أن شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض من منعهم الضرر عن اللحاق بالمجاهدين ، ونزول نفي المساواة بين المجاهدين والقاعدين ، فالذي شكا من نفي المساواة بين المجاهدين وبينه لقعوده بسبب الضرر إنما شكا راجياً أن يدخل في هذا النفي ، ونزول الاستثناء بعد شكواه يدل أنه استجيب له فأصبح مساوياً للمجاهدين ، كما في حديث البراء بن عازب قال : ( لما نزلت الآية : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فجاء بكتف فكتبها ، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته ، فنزلت : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولي الضرر ) [ البخاري رقم الحديث 2831، فتح الباري ( 6 / 45 ) ومسلم ( 3 / 1508 ) .
قال القرطبي في تفسير الآية الكريمة – بعد أن ذكر بعض النصوص المتقدمة : ( فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي ، فقيل يحتمل أن يكون أجره مساوياً ، وفي فضل الله متسع ، وثوابه فضل لا استحقاق ، فيثبت على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل ، وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة ، والله أعلم . قلت : والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك ( إن بالمدينة رجالاً ) الحديث [ الجامع لأحكام القرآن ( 5 / 342 ) ] .
واحتج أهل الرأي الثاني القائل بأن صاحب العذر الذي أقعده عن العمل وهو حريص على مباشرته يستوي هو والمباشر في الأصل دون المضاعفة بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك ، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة ، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة ) [ البخاري رقم 6491، فتح الباري ( 11 / 323 ) ومسلم ( 1 / 118 ) ] .
قال الحافظ : " واستدل بقوله حسنة كاملة على أنها تكتب حسنة مضاعفة لأن ذلك هو الكمال ، لكنه مشكل يلزم منه مساواة من نوى الخير بمن فعله في أن كلا منهما تكتب له حسنة ، وأجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل ، لقوله تعالى : ( من جاء بالحسنة ) [ الأنعام : 16 ، والنحل : 89 ، والقصص : 84 ] والمجيء بها هو العمل .
وأما الناوي فإنما ورد أنه يكتب له حسنة ، ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنة ، والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة ، والعلم عند الله " [ فتح الباري 11 / 325 ] .
قال ابن رجب رحمه الله : ( فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه ، ولم يعمله ، فإنهما لو استويا من كل وجه لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات ، وهو خلاف النصوص كلها ) [ جامع العلوم والحكم ص 309 ] .
والذي يظهر عدم القطع بالمساواة في كل شيء ، لأن المجاهد المباشر للجهاد قد يستوي هو والقاعد في النية الصادقة والحرص الشديد على مجالدة العدو وقهره ، وعلى الشهادة في سبيل الله ، ثم يزيد المجاهد المباشر ببذل المال ، والتضحية بنفسه في ساح الوغى وتلقي الضرب والطعان بصدره ، ومفارقة أهله وأولاده ، والتعرض لشدة البرد والحر والجوع والعطش ، ويكفي في نفي المساواة بين القاعد بعذر والقاعد بدون عذر أن القاعد بلا عذر لا أجر له مطلقاً ، بل قد يكون آثماً إذا كان الجهاد فرض عين ، وقد يكون قعوده مباحاً إذا كان الجهاد فرض كفاية ، وفي كلتا الحالتين لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله .
أما القاعد بعذر مع النية الصادقة والحرص الشديد فله أجر مثل أجر المجاهد ، ولا يشترط أن يساويه في كل شيء ، بل تكفي المساواة في الجملة ، ومع ذلك فإن فضل الله واسع يؤتيه من يشاء .
ومما يدل على أن من لم يباشر العمل لا يساوي المباشر من كل وجه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم ، فقال : ( وما ذاك ) قالوا : يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ( تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة ) قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) [ البخاري رقم 843 ، فتح الباري ( 2 / 325 ) ، ومسلم ( 1 / 416 ) ] .
وجه الدلالة من هذا الحديث أن فقراء المهاجرين لم يذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليهم تأخرهم في الأجر عن أهل الأموال الذين يشاركونهم في الصلاة والصوم ويفضلونهم في الصدقة والعتق إلا أنهم حريصون على أنهم لو كانوا مثلهم أغنياء لفعلوا مثل فعلهم ، ونيتهم – لا شك – مكتوبة لهم كما مضى ، ولكنهم يريدون ثواباً مساوياً لثواب من باشر التصدُّق والعتق ،فدلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الذكر ، ولا زالوا سابقين في الإنفاق والعتق ، فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدل أن التفاضل في العمل أمر لا بد منه ، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء ، ولو كانت نية الطاعة والحرص عليها كافية في المساواة لبيَّن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك . والشخصان المستويان في صدق النية والحرص على الطاعة ، ثم يزيد أحدهما بأن رزقه الله مالاً يتصدق منه ويعتق ويجهز الغزاة أو يخرج يجاهد بنفسه ، والآخر لم يتمكن لفقره هما شبيهان بفقراء الصحابة وأغنيائهم الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للفقراء : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) .
لكن بقي هنا النظر فيما قاله ابن حجر رحمه الله في شرحه هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، فإنه قال : ( ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن متمنِّى الشيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر ، كما سبق في كتاب العلم في الكلام على حديث ابن مسعود الذي أوله : ( لا حسد إلا في اثنتين ) فإن في رواية الترمذي من وجه آخر التصريح بأن المنفق والمتمني إذا كان صادق النية في الأجر سواء ، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء ) فإن الفقراء في هذه القصة كانوا السبب في تعلُّم الأغنياء الذكر المذكور ، فإذا استووا معهم في قوله ، امتاز الفقراء بأجر السبب مضافاً إلى التمني ، فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال ) [ فتح الباري ( 2 / 331 ) ] .
واللفظ الذي في سنن الترمذي من حديث ابن كَبْشة الأنماري هكذا : ( إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالاً وعلماً ، فهو يتقي ربه فيه ، ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل . وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً ، فهو صادق النية ، يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته فأجرهما سواء ) [ سنن الترمذي رقم الحديث 2427 ، تحفة الأحوذي ( 6 / 615 ) ] .
والذي يظهر أنه لا فرق بين المساواة في الأجر بين هذين الرجلين وبين المساواة في الأجر بين المجاهد والقاعد المعذور ، وأنهما يستويان في كلّ منهما في أن الفاعل والمتمني الصادق كليهما يؤجران ، فهما سواء في أنهما أثيبا بخلاف من لم يفعل ولم ينو نية صادقة فإنه لا أجر له مطلقاً ، فالذي لم يفعل لعذره وهو ناوٍ الفعلَ لو مُكِّن منه استوى مع من فعل في أنه أجر على نيته ، وليس شرطاً أن تكون المساواة من كل وجه ، بل لعل قوله صلى الله عليه وسلم فيمن أوتي مالاً وعلماً أنه بأفضل المنازل ، وقوله فيمن أوتي علماً ولم يرزقه مالاً : فأجرهما سواء ما يشير إلى التفريق بين الفاعل المباشر وبين الناوي الصادق ، وأن هذا يكتب له أجر نيته فقط وذاك يكتب له أجر نيته وفعله يدل عليه قوله فهو بنيته ، فلا حاجة إذا إلى القول بأن جواب النبي صلى الله عليه وسلم لفقراء المهاجرين كان قبل أن يعلم أن متمني الشيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر ، إذ يحمل على أن الجواب كان مراداً به عدم التساوي الكامل بين الناوي الصادق الذي لم يفعل والناوي الصادق الفاعل ، وقد اضطر ابن حجر رحمه الله بسبب عدم جزمه بذلك أن يقرب فقراء المهاجرين بأغنياء إخوانهم بشيء آخر ، وهو أن فقراء المهاجرين سنُّوا سنة حسنة عمل بها الأغنياء ، فهم بذلك ينالون أجراً آخر قال فيه : فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال .
وقد يفهم من كلام ابن تيمية رحمه الله مساواة الناوي الصادق الذي لم يفعل لعذر ، وهو ما يعبِّر عنه بالمريد إرادة جازمة ، بالناوي الصادق الذي فعل ، حيث قال : ( فالمريد إرادة جازمة مع فعل المقدور – مراده مع فعل المقدور لو قدر عليه – بمنزلة العامل الكامل ) ولكنه رحمه الله عبَّر بعد ذلك بما يدل أنه لم يرد المساواة الكاملة ، أو لم يجزم بذلك ، حيث قال : ( فالله تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز ، ولم يَنْف المساواة بين المجاهد والقاعد العاجز ، بل يقال : دليل الخطاب يقتضي مساواته إياه ، ولفظ الآية صريح استثنى أولو الضرر من نفي المساواة ، فالاستثناء هنا هو من النفي ، وذلك يقتضي أن أولي الضرر قد يساوون القاعدين وإن لم يساووهم في الجميع ) [ الفتاوى ( 10 / 731 ) ، راجع أيضاً الفتاوى ( 14 / 123 ) ] فقوله قد يساوون القاعدين وإن لم يساووهم في الجميع يدل أن المساواة الواردة في كلامه أولاً ليست المساواة الكاملة وإنما هي المساواة في الجملة ، والله أعلم .

( 22 )

إذا نصحوا الله ورسوله
هذا ويجب أن يعلم – هنا – أن هؤلاء الذين يكتب الله لهم الأجر وهم في بيوتهم لعدم قدرتهم على مباشرة الجهاد ، إنما هم الناصحون لله ورسوله ، الذين تكاد قلوبهم تطير من شدة رغبتهم وقوة حرصهم على الجهاد في سبيل الله إلى أرض المعركة ، الذين اشتدَّ ندمهم وظهر حزنهم بسبب عجزهم عن القيام بأمر الجهاد مباشرة ، ولهذا قيَّد الله نفي الحرج عن ذوي الأعذار بقوله : ( إذا نصحوا لله ورسوله ) [ التوبة : 91 ) ] .
وقد ضرب الله لهم مثلاً بالبكائين الذين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحملهم ليخرجوا معه لجهاد الأعداء ، فاعتذر بأنه لا يجد ما يحملهم عليه ، ، فخرجوا يبكون مغمومين بسبب ذلك ، كما قال تعالى عنهم : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ؛ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ) [ التوبة : 92 ] ، بخلاف من قعد وهو غير عازم ، أو لم ينصح لله ورسوله .
قال ابن كثير : ( فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ، ولم يرجفوا بالناس ، ولم يُثبّطوهم ولهذا قال : ( ما على المحسنين من سبيل ، والله غفور رحيم ) [ تفسير القرآن العظيم ( 2 / 381 ) ]

( 23 )
هتاف الشهادة وريح الجنة .

وعلى الرغم من أن الله تعالى عذر عباده المؤمنين الذين قد تحول الأعذار بينهم وبين مباشرة الجهاد إلا بمشقة ، ككبار السن وصغار السن أو بعض ذوي العاهات ، فإن نفوس أهل الإيمان العميق الحيّ المتحرك الصادق لم ترض بالتخلف عن الجهاد ، بل لقد كان الشيخ الكبير السن ، الأعرج الذي عذره الله ينافس أبناءه الشبان الأقوياء على الخروج للجهاد في سبيل الله حرصاً على أن ينال الشهادة ويدخل الجنة ، كما في سيرة ابن هشام : ( أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا له : إن الله عز وجل قد عذرك ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن بَنِيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هده في الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أنت فقد عذرك الله ، فلا جهاد عليك ) وقال لبنيه : ( ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة ، فخرج معه فقتل يوم أحد ) [ السيرة النبوية ( 2 / 90 ) ] .
وكذلك كان الغلمان يتنافسون في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويبذلون كل وسيلة يقدرون عليها لإقناعه صلى الله عليه وسلم بأنهم قادرون على الجهاد معه ، فإذا فاز أحدهم بصفةٍ أذن له بسببها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثب الآخر محتجاً بصفة أخرى ، قال ابن هشام : ( وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ – أي يوم أحد – سَمُرة بن جندب الفَزَاري ورافع بن خديج أخا بني الحارثة وهما أبناء خمس عشرة سنة ، وكان قد ردهما ، فلما أجاز رافعاً ، قيل له يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعاً فأجازه ، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب ) [ السيرة النبوية ( 2 / 66 ) ] .
وروى ابن جرير في تفسير آية : ( انفروا خفافاً وثقالاً ) [ التوبة : 41 ] بسنده عن حبان بن زيد الشرعبي ، قال : ( نفرنا مع صفوان بن عمرو ، وكان والياً على حمص قِبَل الأفسوس إلى الجراجمة ، فلقيت شيخاً كبيراً هَمًّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار ، فأقبلت عليه فقلت : يا عم لقد عذر الله إليك ، قال : فرفع حاجبيه فقال : يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً ، من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله ) [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( 10 / 138 ) ] .
والخلاصة أن غير القادر على مباشرة الجهاد شرعاً أو طبعاً لا حرج عليه ، بل له ثواب نيته وهو قاعد إذا حسنت نيته ونصح لله ورسوله ، وأن قوة الإيمان تنسي صاحب العذر عذره ، فيكلف نفسه الخروج والقتال طمعاً في الشهادة ونيل رضا الله ودخول جناته .

( 24 )
أبدية الجهاد في سبيل الله

وفيه خمسة فروع :
الفرع الأول : أهداف الجهاد تقتضي أبديته .
الفرع الثاني : عالمية الإسلام تقتضي أبديته .
الفرع الثالث : رد الرسول صلى الله عليه وسلم على من ظن توقف الجهاد ( حتى تقوم الساعة ) .
الفرع الرابع : صفقة الجهاد قديمة أبدية ( صفقة دائمة ) .
الفرع الخامس : تطبيق السلف الصالح للجهاد يقتضي أبديته ( التطبيق العملي ) .

الفرع الأول أهداف الجهاد تقتضي أبديته
شرع الله تعالى الجهاد لإخراج الناس من الظلمات إلى النور من جهة ، ولتكون كلمة الله هي العليا من جهة ثانية ، ولحماية المسلمين من أن يفتنوا في دينهم أو تستباح حرماتهم وتحتل أرضهم من جهة ثالثة ، وكل هذه الأمور يجب أن تستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولا يمكن استمرار تحقيقها إلا باستمرار الجهاد في سبيل الله .
وقد اقتضت مشيئة الله أن يوجد في الأرض حزبه وحزب الشيطان ، وأن يكون بجانب الحق الباطلُ ، وأن يعيش على وجه الأرض محقُّون ومُبطلون ، وأن يصطرع هؤلاء وأولئك من أول الحياة إلى آخرها : ( قلنا اهبطوا منها جميعاً ، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هُداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .. ) [ البقرة : 38 – 39 ] .
( ولقد خلقناكم ، ثم صورناكم ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ قال : أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين . قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ، فاخرج إنك من الصاغرين . قال انظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين . قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ، قال اخرج منها مذؤماً مدحوراً لَمَن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) [ الأعراف : 11 – 18 ] .
فما دام في الأرض مسلمون – ولا بد أن يكونوا – وما دام في الأرض كافرون ولا بد كذلك أن يكونوا – فلا بد من وجود الصراع بين المسلمين والكافرين لتباين طبيعة الإسلام والكفر ، فالإسلام يصرّ على تحرير الناس من عبادة كل ما سوى الله وتعبيدهم لله وحده ، والكفر يصرّ على بقاء الناس في الظلمات بل على إخراجهم من النور إلى الظلمات وتعبيدهم لأرباب متفرقين من دون الله : ( الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ البقرة : 257 ] ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ البقرة 217 ] .
والواقع يؤيد إصرار أعداء الله على صد الناس عن دين الله وغدرهم بالمسلمين وعدم الوفاء بعهودهم لهم ، وأنه لا يجدي في تقويمهم إلا القضاء على رؤوس الفتنة من قادتهم وإذلالهم بالجهاد في سبيل الله ، وهو أمر دائم ما دام في الأرض كفر وإسلام .
ولهذا كانت آخر مرحلة من مراحل الجهاد صريحة صارمة لا تقبل تأويلاً ولا تحريفاً ، كما قال تعالى في سورة التوبة : ( كيف يكون للمشركين عَهْدٌ عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين . كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة ، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ، وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله ، إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون . فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ، ونفصِّل الآيات لقوم يعلمون . وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ، ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمُّوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة ، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يُعَذِّبهم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينصرْكم عليهم ، ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويُذْهِب غيظ قلوبهم ، ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) [ التوبة : 7 – 15 ] .

( 25 )

الفرع الثاني عالمية الإسلام تقتضي أبديته
وكون الإسلام ديناً عالمياً يجب على جميع الناس أن يدخلوا فيه ، ويجب على المسلمين أن يبلغوهم إياه ويدعوهم إليه يقتضي أبدية الجهاد ، فقد كان الرسول يُبعث إلى قومه خاصة وبعث خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس عامة .
والنصوص الدالة على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم كثيرة ، و سبق شيء منها في التمهيد .
ففرض على المسلمين أن يبلغوا هذا الدين لكافة الناس أينما كانوا ، ولو وجد أحد على غير الكوكب الأرضي الذي يعيشون عليه ، على سطح القمر أو المريخ أو الزهرة أو غيرها ، لوجب على المسلمين تبليغه هذا الدين ، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا .
وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما في قصة فتح أبي عبيدة لمدينة حمص ، قال ابن كثير رحمه الله : ( لما فتح أبو عبيدة حمصاً بعث خالد بن الوليد إلى قِنَّسرين ، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب ، فقاتلهم خالد فيها قتالاً شديداً ، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، فأما من هناك من الروم فأبادوهم وقتل أميرهم ( ميناس ) . وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا ، فقبل منهم خالد وكفَّ عنهم ، ثم خلص إلى البلد فتحصًّنوا فيه ، فقال لهم خالد : ( لو كنتم في السماء لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا ، ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه ، ولله الحمد ) [ البداية والنهاية ( 7 / 52 ) ] .
ولو كان طواغيت الكفر يسمحون للدعاة إلى الله بأن يبلغوا دين الله إلى الناس في كل مكان أداء للواجب الذي فرضه الله عليهم ، ويتركون الناس يسمعون الدعوة إلى الإسلام ويستجيبون له إن شاءوا أو يرفضون باختيارهم ، لقيل إنه لا ضرورة ملجئة للقول بأبدية الجهاد ، بل لا ضرورة لفرضه على المسلمين ، ولكن الأمر بخلاف ذلك كما سبق عند الكلام على حكم الجهاد وكونه ضرورة ، وكما سبقت الإشارة في مطلع هذا المبحث من اصطراع الإسلام والكفر على الدوام .
وبالرجوع إلى الواقع التاريخي من أوثق مصدر يوجد على ظهر البسيطة ، وهو القرآن الكريم ، للصراع الذي دار بين الدعاة إلى الله وفي طليعتهم رسل الله وأعداء الله من الطواغيت الذين أرادوا استعباد الناس من دون الله ، يتضح بجلاء ضرورة كون الجهاد في سبيل الله أبدياً ، وكذلك ما يشاهد في كل عصر وفي هذا العصر من تجمع أعداء الله ضد المسلمين وضد هذا الدين للقضاء عليهم وعليه ، وها نحن نرى اليوم تكالب أعداء الإسلام من كل فج وصوب على حرب المسلمين وإذلالهم ، كما هو الحال في فلسطين التي يقتل فيها اليهود أهلها من المسلمين بتأييد من أقوى دولة مادية صليبية . كل ذلك يحتم أبدية الجهاد في سبيل الله .

(26)

الفرع الثالث الدال على أبدية الجهاد
رد الرسول صلى الله عليه وسلم على من ظن توقف الجهاد
لقد ظن بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم – بعد أن دانت الجزيرة العربية بالإسلام، وارتفعت رايته على أرجائها – أن الجهاد قد انتهى، وأن لا حاجة إلى الاستمرار في إعداد العدة، لأن الحرب وضعت أوزارها، فردّ الرسول صلى الله عليه وسلم مكذِّباً ذلك الظن مبيناً أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، لوجود حزب الله في الأرض ووجود أحزاب الشيطان فيها، وأن إعداد العدة والتدريب على القتال أمر لا بد منه إلى قيام الساعة كما في حديث سلمة بن نُفَيل رضي الله عنه، كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله أذال الناس الخيل [أذال الناس الخيل، أي امتهنوها، وتوقفوا عن العناية بها، وإعدادها للحرب] ووضعوا السلاح قالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (كذبوا ! الآن جاء القتال، ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله. الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحي إلى أني غير مُلْبَث، وأنتم تتبعوني، ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام) [أخرجه النسائي، وهو في جامع الأصول رقم 1048، مطبعة الملاح، قال المحشِّي: أخرجه النسائي في الخيل وإسناده صحيح وأخرجه أحمد في المسند (4 / 214،215)].
وقوله في الحديث: (حتى تقوم الساعة، إلى يوم القيامة) وتعقيبه على ذلك بقوله: (ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض) فيه إشارة على أن الأمة الإسلامية إذا تركت جهاد أعدائها ضرب بعضها رقاب بعض، وهذه الحال يؤيدها الواقع التاريخي، فما ترك المسلمون الجهاد إلا جعل الله بأسهم بينهم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، دلف الأذن) وفي الحديث كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشَّعر، ويمشون في الشَّعر) [مسلم (4 / 2233) وراجع شرح النووي على مسلم (18 / 37)].
وما تضمنه حديث أبى هريرة وإن كان قد حصل فعلاً كما ذكر الإمام النووي وغيره، يدل على أبدية الجهاد واستمراره، لأنه ما من وقت خلا من صراع بين المسلمين والكافرين، وهذا منه. [مسلم (4 / 2233) وراجع شرح النووي على مسلم (18 / 37)].
وهؤلاء اليهود يسرحون ويمرحون في قلب رقعة الأمة الإسلامية، ويتجمَّعون من كل الآفاق، وهم شُذّاذها الذين كتب الله عليهم الذلّة والمسكنة، ووعد الرسول صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق – أن المسلمين سيقاتلونهم قبل قيام الساعة، ويهيئ الله لمن لم يقاتلهم ما لم يكن في الحسبان، حيث ينطق لهم الحجر والشجر الذي يختفي وراءه اليهودي، فينادي الجماد والنبات ليدل المجاهدين على أعداء الله ليقتلوهم، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) [البخاري مع فتح الباري (6/103) ومسلم (4/2238]
ولعل الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم إنما يجمعهم في بلاد المسلمين في فلسطين لينزل بهم هذا اليوم المنتظر وما يسبقه من الإعداد لهم والتنكيل بهم.
ولعل ما يحدث من زعماء بعض الشعوب الإسلامية من مودَّتهم وموالاتهم وتسهيل سبل بقائهم ما هو إلا تقدير سماوي يمهِّد لكتائب شباب الإسلام المجاهدين الطريق إلى قتلهم واستئصالهم هم وأذنابهم من أعداء الإسلام الذين يُسَمَّون بأسماء إسلامية، وهذا من الأدلة الصريحة على أبديَّة الجهاد في سبيل الله، وإذا كان قتال الترك قد حصل كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فإن قتال اليهود سيحصل كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

(27)

وفي حديث آخر عن حسان بن عطية قال: مال مكحول وابن أبي زكريا إلى رأي خالد بن معدان، وملت معهما، فحدثنا عن جُبَير بن نُفَير، قال: قال لي جبير بن نفير: انطلق بنا إلى بني ذي مخبر – رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال فأتيناه، فسأله جبير عن الهدنة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم فتنصرون وتغنمون، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم، وتجمع للملحمة، زاد في رواية: ويثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة) [أبو داود (3/210) وابن ماجه (2/1369)، وهو في جامع الأصول، قال المحشِّي: وإسناده صحيح (10/26)].
وإن يوماً عصيباً على المسلمين يضطرهم إلى التحالف مع أعدائهم الذين لم يهدؤوا لحظة عن حربهم، ضد عدو مشترك ينتصرون عليه ويغنمون، ثم يغدر النصارى بالمسلمين فيقاتلونهم ويكرم الله العصابة المسلمة بالشهادة على أيديهم ؛ إن هذا اليوم لم يأت بعد وإنه لآتٍ.
ومن أصرح الأحاديث الدالة على أبدية الجهاد حديث أبي هريرة الذي فيه نزول عيسى بن مريم في وقت تسوية المسلمين صفوفه وإعداده أنفسهم للقتال بعد اقتسامهم الغنائم في حربهم مع الروم – وفيه أن عيسى بن مريم يقتل الدجال، وعيسى آنذاك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق [دابق: قرية قرب حلب كما في معجم البلدان]،فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا قالت الروم خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً، يفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يغتنمون الغنائم قد علَّقوا سيوفهم بالزيتون، إذا صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) [مسلم (4/221)].
فإذا كان المجاهدون المسلمون يقتسمون الغنائم، ويحملون السيوف، ويسوون الصفوف لقتال الدجال وجنده، وينزل عليهم عيسى عليه السلام وهم على تلك الحال، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في أحاديث كثيرة: يقاتلون حتى تقوم الساعة، ألا يدل ذلك كله على أبدية الجهاد ؟!.
وقد استنبط الإمام البخاري رحمه الله من حديث عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم) [البخاري رقم الحديث 2852] استنبط منه أبدية الجهاد، إذ بوب له بقوله: (باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وفيه – أي في هذا الحديث – بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة، لأن من لازم بقاء الجهاد، بقاء المجاهدين وهم مسلمون، وهو مثل الحديث الآخر: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق) [فتح الباري (6/56)] وقال السرخسي: (وهو فرض قائم إلى قيام القيامة، قال النبي صلى اله عليه وسلم: (الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال) [المبسوط (10/2)] وقال ابن الهمام: (ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة لم يُنْسَخ، فلا يتصوَّر نسخه بعد النبي صلى الله عليه وسلم) [فتح القدير (5/438)].

(28)

الفرع الرابع صفقة دائمة في الكتب السماوية المنزلة
قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهَم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوْفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيْعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: 111]
لقد تمت الصفقة بين الله تعالى وهو مالك الثمن والمثْمن، وعباده المؤمنين على مر العصور والأزمان، وإلى أن تقوم الساعة، صفقة لا إقالة فيها ولا استقالة، سلعتها الجنة، وبائع السلعة الله الخالق المعبود، ومشتريها المؤمنون، وثمنها الأنفس والأموال لمقارعة أعداء الله في كل زمان، سُجِّلت في الكتب السماوية السابقة، ونزل بها القرآن الكريم، وهي باقية ما بقي القرآن الكريم الذي وعد الله بحفظه: (إنا نحن نزلنا القرآن وإنا له لحافظون) [الحجر: 9].
قال سيد قطب رحمه الله: (إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله، إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها، ولا تصلح الحياة بتركها: (ولولا دَفْع الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض) [البقرة: 251] (ولولا دَفْع الله الناس بعضهم ببعض لَهُدِّمت صوامعُ وبيع وصلوات ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً) [الحج: 40].
إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه، ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق، بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق، إن دين الله لا بد أن ينطق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردَّهم إلى العبودية لله وحده، ولا بدَّ أن يقف له الطاغوت في الطريق، بل لا بد أن يقطع عليه الطريق، ولا بد لدين الله أن ينطلق في الأرض كلها لتحرير الإنسان كله، ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقاً، ومادام في الأرض كفر ومادام في الأرض باطل، وما دامت في الأرض عبودية لغير الله تذل كرامة الإنسان، فالجهاد في سبيل الله ماضٍ، والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء، وإلا فليس بالإيمان: (ومن مات ولم يَغْزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق) رواه أبو داود والنسائي [في ظلال القرآن (11/177) طبع دار الشروق.]
والحديث أخرجه مسلم (3/1517) وهو في سنن أبي داود كما قال (3/22)، وفي النسائي (6/7) طبع الحلبي.
وقال في موضع آخر – معلِّقاً: قوله تعالى في سورة البقرة: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) [البقرة: 193] قال: (وإذا كان النص عند نزوله يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة، وهي التي كانت تفتن الناس، وتمنع أن يكون الدين لله، فإن النص عام الدلالة، مستمر التوجيه والجهاد ماض إلى يوم القيامة. ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين، وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله والاستجابة لها عند الاقتناع والاحتفاظ بها في أمان، والجماعة المسلمة مكلّفة في كل حين أن تحطِّم هذه القوة الظالمة.. وتطلق الناس أحراراً من قهرها يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله) [في ظلال القرآن (2/102)].

(29)

الفرع الخامس التطبيق العملي يدل على أبدية الجهاد
ولم يقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان من المسلمين عن الجهاد في سبيل الله يوماً من الأيام، فقد وجَّه أبو بكر الصحابة بعد القضاء على فتنة الردة إلى بلاد فارس، واستمر بعده الجهاد والفتوحات الإسلامية إلى أن ضعف المسلمون في إيمانهم وعلمهم وتطبيقهم العملي للإسلام، فأذلهم الله عندما توقفوا عن رفع راية الجهاد، قال ابن كثير: (لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث إليه الصديق أن يسير إلى العراق … وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله عز وجل، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم) [البداية والنهاية (6/342)].
ونص الفقهاء أنه يجب على الإمام أن يقوم بالغزو مرة كل عام – إذا لم تدع الحاجة لأكثر من ذلك - قال ابن قُدامة: (وأقل ما يُفعل مرة في كل عام لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة، فكذلك مُبدَلُها وهو الجهاد، فيجب في كل عام مرة إلا من عذر، وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب ذلك، لأنه فرض كفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه) [المغني (9/198)].
فالجهاد لا يخلو منه عام من الأعوام من أول ما شرع إلى أن تقوم الساعة.
والذي يراجع تاريخ المسلمين يرى أنهم لم يتركوا الجهاد في أي زمن من الأزمان، إلا عندما يبتعدون عن الإسلام، ويخلدون إلى الأرض، ويصبحون نَهْباً لأعداء الإسلام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:22 am


(30)

فضل الجهاد في سبيل الله
وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: فضل الجهاد في القرآن الكريم.
الفرع الثاني: فضل الجهاد في السنة النبوية.
الفرع الثالث: فضل الجهاد من أقوال السلف.
تمهيد:
سبق الكلام على تعريف الجهاد في سبيل الله، وأنه شامل لنشاط المسلم كله مادام يبتغي به وجه الله، وسيأتي مزيد من البيان لذلك، إن شاء الله في فصل أنواع الجهاد.
وتصوُّر فضل الجهاد في سبيل الله لا يتم إلا بدراسة كل ما يتعلق به من نصوص في الكتاب والسنة وأقوال السلف فيه، وتاريخ المجاهدين من الأنبياء والدعاة إلى الله من أتباعهم، ثم بممارسة من أراد تصور الجهاد تصوراً كاملاً لكل أنواعه، حتى يكون ممَّن اختارهم الله شهداء من المجاهدين في سبيله، فيرى ما وعد الله به المجاهدين في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتمنى أن يحييه الله مرات عديدة ليجاهد في سبيل الله كل مرة.
أنالنا الله ذلك كله، وألهم شباب الإسلام في كل أنحاء الأرض للسير في طريقه، إنه على كل شيء قدير.
الفرع الأول فضل الجهاد في القرآن الكريم
لو أراد الباحث استقصاء فضائل الجهاد في القرآن الكريم بحسب شموله لكل نشاط المسلم، لتعذَّر ذلك عليه، لأن كل أَمْر أَمَر الله به على هذا، هو من الجهاد الذي يسعى المسلم لتطبيقه، وكل نَهْي نهَى الله عنه فتركه من الجهاد في سبل الله الذي يسعى المسلم للابتعاد عنه، وهكذا كل صفة حميدة، فالسعي للاتصاف بها من الجهاد في سبيل الله، وكل صفة ذميمة، فالاجتهاد في البعد عنها، هو من الجهاد في سبيل الله.
لهذا كان لا بدَّ من ذكر نماذج تتصل بالجهاد بمعناه الخاص، الجهاد في سبيل الله يحقق للأمة الإسلامية الخير على الأمم الأخرى، لأنه قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا فلاح للمسلمين إلا به، بل عاقبة المسلمين بدونه الخسران في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، لن يضروكم إلا أذىً، وإن يقاتلوكم يُولُّكم الأدبار ثم لا ينصرون) [آل عمران: 110،111].
وقال تعالى: (ولْتَكُن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون) [آل عمران: 104].
وقال تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر]
وقال: (يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) [المائدة: 35].
قال السرخسي: (فأما بيان المعاملة مع المشركين فنقول الواجب دعاؤهم إلى الدين، وقتال الممتنعين منهم من الإجابة، لأن صفة هذه الأمة في الكتب المنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبها كانوا خير الأمم قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية [المبسوط (10/2)].
وكما تفضل هذه الأمة الأمم الأخرى بهذه الصفة، يفضل المسلمُ المجاهدُ المسلمَ القاعدَ بهذه الصفة، كما قال سبحانه وتعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولى الضرر – والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً، وكُلاًّ وعد الله الحسنى، وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، درجاتٍ منه ومعفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً) [النساء 95-96].

(31)

المجاهدون يثابون على حركاتهم كلها
قال تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلَّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يُصيبهم ظمأ ولا نَصَب ولا مَخْمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يَغِيظُ الكفار، ولا ينالون من عدو نَيْلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) [التوبة: 120-121].
ظاهر من الآيتين أن حركات المجاهدين في سبيل الله وسكناتهم وجوعهم وظمأهم وتعبهم ونفقاتهم صغرت أم كبرت، وإغاظتهم الكفار بأي نوع من أنواع الأذى المشروع الذي يلحقونه بهم، كل ذلك يكتبه الله لهم عملاً صالحاً ويجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لأن المجاهدين في سبيل الله لا يرغبون بأنفسهم عن نفس نبيهم صلى الله عليه وسلم التي بذلها طيلة حياته في سبيل ربه، وكذلك لا يرغبون بأنفسهم عن أنفس قادتهم المجاهدين الذين يبذلونها في سبيل ربهم مقتدين بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك كان لهم هذا الفضل العظيم الذي فضَّل الله كل دقيقة من عملهم وجليلة في سبيل الله ليغريهم بثوابه الشامل وفضله العميم.

(32)

تجارة رابحة
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارة تُنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يَغْفِرْ لكم ذنوبكم، ويُدخلْكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنّاتِ عدن، ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب، وبشِّر المؤمنين) [الصف: 10-13].
هذه التجارة هي التي يتمناها أولياء الله المجاهدون لتوصلهم إلى رضى ربهم، ورأس مالها الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وربحها غفران الله ودخول الجنات، يضاف إلى ذلك نصر الله لأوليائه على أعدائه.
وهي الصفقة المعقودة بين الله وبين عباده المؤمنين، كما قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: 111].
المجاهد تاجر يتعامل مع الله الذي يشتري منه نفسه التي هو خالقها، وماله الذي هو مالكه ومعطيه، ويعطيه ثمن نفسه وماله الجنة نقداً لا نسيئة فيه، مضموناً لا خوف من فقده، لأن الله هو المشتري وهو الذي وعد به، وهل توجد تجارة مثل التجارة التي تكون مع الخالق سبحانه ؟

(33)

حفظ الحق وغلبة الباطل
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلكم فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتولِّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: 54-56].
وقال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا آمنا ولولا دَفْعُ الله الناس بعضًهم ببعض لَهُدِّمت صوامعُ وبيَعٌ وصلوات ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور) [الحج: 40-41]. (1)
فالجهاد في سبيل الله يظهر فضله عندما تأسن الأرض بكفر الكافرين وردة المرتدين وإفساد المفسدين، فإذا المجاهدون هم الذين يطاردون الكفر ويقضون على الردة، ويدفعون عن الحق ويغلبون الباطل، فيقوم في الأرض دين الله ويُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر.
===========================
(1) فائدة مهمة: هذه الآيات الثلاث جاءت بعد آيات الحج من الآية 27 إلى الآية 38 من السورة، ويبدو لي أن فيها إشارة إلى أن المسلمين الصادقين المخلصين الذين يؤدون مناسك الحج أداء متقنا يُرضيِ اللهَ يكونون مؤهلين لأن ينصرهم الله على عدوهم الذي يعتدي عليهم، وهم جديرون بالدفاع عن تدنيس المعابد وتخريبها، سواء كانت مساجد أو غيرها من معابد أهل الكتاب، ويفهم من ذلك أن المسلمين الذين لا يتصدون لردع المعتدين على مساجدهم، لا يكونون أهلا لنصر الله تعالى، وقد يستنبط من الآيات أن المسلمين الذين يؤدون مناسك الحج ولم يدافعوا عن مساجدهم وأماكن العبادة من تخريب المعتدين،لم يتأثروا بعبادته تعالى في بيته الحرام، ولو تأثر حجاج بيت الله بعبادة الله في بيته المسجد الحرام، لما صبروا على أسر اليهود المسجد الأقصى قبلتهم الأولى ومسرى رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا صدهم عن تحريره صاد، أوردهم عنه راد، كما هو الحال اليوم، حيث نرى الشعوب الإسلامية في القنوات الفضائية، يتظاهرون كأمواج البحر، يطالبون حكامهم بفتح الحدود لقاتلوا اليهود وينتصروا لإخوانهم المسلمين العزل الذين يشن العدو اليهودي عليهم بجيوشه وعدده الحربية، ويقتل صغارهم وكبارهم، ويهدم بيوتهم ومساجدهم، فلا يجدون من زعماء العرب إلا الإنكار اللساني الفاتر مع القدرة على غيره، والتفرج على مآسيهم، ومجاملة اليهود والنصارى المعتدين فإنا لله وإنا راجعون.
الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه
قال تعالى: (أجعلتم سِقاية الحاجِّ وعِمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ؟! لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القومَ الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسِهم أعظمُ درجةً عند الله وأولئك هم الفائزون، يُبشرهم ربهم ربُّهم برحمةٍ منه ورضوانٍ وجناتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيمٌ، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم) [التوبة: 19-21].
فضل عمارة المساجد – ولاسيما بيت الله الحرام – عظيم عند الله تعالى، ولكنه يفضله الجهاد في سبيل الله، لأنه لولا الجهاد في سبيل الله ما عُمِرت المساجد، بل تُهدَّم ويصد عن سبيل الله فيها.
قال ابن القيم رحمه الله: (فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عُمّار المسجد الحرام - وهم عُمارهُ بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن - وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات، فنفى التسوية بين المجاهدين وعُمَّار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عُمّاره بقوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن باالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يَخْشَ إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) [التوبة: 18] فهؤلاء هم عمار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم) [طريق الهجرتين 623 طبع قطر].
وأي فضل أعظم من عبادة تحقق لصاحبها الرحمة والجنات والرضوان الذي هو غاية المؤمن ومطمح بصرة ؟
وإذا كانت هذه الآية تبشِّر المؤمن بهذا الفضل العظيم فإن آيات أخرى تنكر على المؤمن طلب هذا الفضل بدون الجهاد في سبيل الله: (أمْ حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين) [آل عمران: 142].

(34)

فوزٌ على كل حال
قال تعالى: (قل هل تربَّصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربَّص بكم أن يُصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا، فتربَّصوا إنا معكم متربِّصون) [التوبة: 52].
المجاهدون في سبيل الله فائزون على كل حال، فإن انتصروا على عدوهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم وسبوا نساءهم وذراريهم، نالوا أجر قتالهم وعَزُّوا، وذَلَّ الكفر وأهله، فكانت حسنى لهم.
وإن كانت الأخرى فقُتِلوا هم في سبيل الله، نالوا الشهادة التي لا يعطيها الله إلا من اصطفاه، فكانت أعظمَ الحُسْنَيَين، بخلاف الأعداء الكفرة، فإنهم لا ينتظرون إلا إخزاء الله لهم وإذلالهم بانتصار أوليائهم عليهم – وذلك وبال عليهم – وعذاب الله لهم في نار جهنم وهو أشد وبالاً.
وإذا كان الجهاد في سبيل الله هذه حاله فوز على كل حال؛ فأيُّ فضل يوازي هذا الفضل وأي خسارة ينالها من فرط فيه ؟
هذا بالإضافة إلى خسارة عدو المجاهدين على كل حال كما مضى.

(35)

حياة غالية
قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خَلْفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يُضيع أجر المؤمنين) [آل عمران: 169-171].
يحدِّد الله آجال الناس كلِّهم في هذه الحياة، فيفارقونها، وتُواري أجسادهم في التراب، ولكن المجاهدين الذين يقتلون في سبيل الله لا تنقطع حياتهم، على الرغم أنهم في الظاهر يموتون كغيرهم وتُوارى أجسادهم التراب، بل ينتقلون إلى الحياة الحقيقية الغالية التي يجري عليهم الرزق الحقيقي الذي لا انقطاع له مثل حياتهم، ولا يصيبهم حَزَن ولا هم، بل هم في سرور مستمر واستبشار بمن وراءهم من المؤمنين الذين يتمنون لهم اللحاق بهم، واستبشار بنعمة الله وفضله وجزيل أجره ومثوبته.
والناس – في الدنيا – لا يشعرون بهذه الحياة الغالية، وذلك الرزق الدائم والاستبشار السار، ولكن عدم شعورهم لا يبيح لهم إنكار تلك الحياة، بل لا يبيح لهم أن يقولوا – قولاً –: إن الذين قتلوا في سبيل الله أموات: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون) [البقرة: 154].
ويصبح الشهيد في موكب تتطلع نفوس المؤمنين بالله إلى مرافقته موكب الأنبياء والصديقين والصالحين: (ومن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً) [النساء: 69]، وكفى بذلك فضلاً.

(36)

ملائكة السماء تتجر في مع المسلمين في أسواق الجهاد !
قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلةٌ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يَكفيكم أن يمدَّكم ربُّكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوِّمين. وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبون فينقلوا خائبين) [آل عمران: 123 – 127].
وقال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني مُمدُّكم بألف من الملائكة مُردِفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيزٌ حكيم) [الأنفال: 9-10].
وقال: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنانٍ) [الأنفال: 12].
وقال: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حُنَين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغْنِ عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رَحُبَتْ ثم وَلِّيهم مُدْبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين) [التوبة: 25-26].
وقال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً) [الأحزاب: 9].
المجاهد في سبيل الله الذي هو بشر يأكل ويشرب ويجوع ويعطش ويتعب ويطيع ويعصي ويتوب، يلتقي في أرض المعركة أخوانا له جاءوا من الملأ الأعلى لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يعطشون ولا يجوعون، وما جعلت هذه الأرض مأوى لهم، وما كانوا في حاجة إلى أن يحيط بهم غبار المعارك الجهادية، ولكنهم علموا أن لهذا المجاهد سوقاً رابحاً وأراد ربُّه أن يريه هذا الإنسان الذي يشترك معه في الإيمان وقد جعله الله خليفة في الأرض، يصارع الباطل وأهله في سبيل الله، وشرع لأهل الملأ الأعلى أن يتعاونوا مع إخوانهم المؤمنين في الأرض على إحقاق الحق وإبطال الباطل بالقوة والبذل والتضحية، وأي فضل مثل هذا الفضل، يلتقي البشر وهم من سكان الأرض بالملائكة وهم من سكان السماء، في هذه الأرض متعاونين على طاعة الله مجاهدين في سبيله؟
ألا ما أربحها من سوق لا يتخلّف عنها ملائكة السماء !

(37)

شهادة بالدم
قال تعالى: (إن يمسَسْكم قَرْحٌ فقد مسَّ القوم قَرْحٌ مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلَم الله الذين آمنوا ويتخذَ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين) [آل عمران: 140].
يشرع الله لعباده أن يشهدوا له بالوحدانية، فيستجيب له عباده المؤمنون، وفي طليعتهم الملائكة وأولوا العلم من البشر: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم) [آل عمران: 18]
يشهد المؤمنون لله بالوحدانية بأقوالهم وأفعالهم كلها: (قُل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أموت وأنا أول المسلمين) [الأنعام: 162-163].
ومن هؤلاء يصطفي الله لنفسه من بَفْضُل غيره من المؤمنين في أداء هذه الشهادة، أولئك هم المجاهدون الذين يشاركون المؤمنين في أداء الشهادة بالقول والعمل، ويزيدون عليهم فيشهدون بأن هذا الدين حق ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، حتى تراق دماؤهم، فينالون الفوز بالجهاد في سبيل الله في الأرض، ويُبعثون يوم القيامة شاهدين بتلك الدماء، فهم شهداء لله على غيرهم من خلقه، كما أنه الله تعالى يكرمهم بالشهادة التي ينالون به من الفضل ما هو معلوم من نصوص القرآن والسنة التي مضى بعضها، وهي شهادة تثبت لكل ذي شك بأنها حق (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الحديد: 21، الجمعة 4].
المجاهدون لا يخذلون المظلومين !
قال تعالى: (فَلْيُقاتل في سبيل الله الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يَغْلب فسوف نُؤتيه أجراً عظيماً، وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمِ أهلها واجعل لنا من لَدُنا ولياً، واجعل لنا من لدُنْك نصيراً، الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) [النساء: 74-76].
فأين يضع أنفسهم من خذلوا المستضعفين في فلسطين، مع قدرتهم على نصرتهم ؟؟!!

(38)

الفرع الثاني: الأحاديث الواردة في فضل الجهاد

حِرْصُ الصحابة على معرفة أفضل الأعمال وممارستها:
لقد كان أصحاب رسول الله – لشدة حرصهم على الإكثار من طاعة الله والاستزادة منها – يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال التي تُرضي ربهم عنهم، فيجيب على أسئلتهم، وقد تختلف إجابته من شخص لآخر، أو من حالة لأخرى، إذ أن السائل قد ينقصه أداء عمل من الأعمال الصالحة، فيذكره الرسول صلى الله عليه وسلم حثاًّ على أدائه، وقد يكون المقام يقتضي أداء عمل آخر من الأعمال الصالحة لحاجة المسلمين إليه، فيذكره صلى الله عليه وسلم حثاً على أدائه، وقد يكون المقام يقتضي أداء عمل آخر من الأعمال الصالحة لحاجة المسلمين إليه، فيذكره صلى الله عليه وسلم في إجابته حضاً على القيام به.. وهكذا.
سأل ابن مسعود رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، كما روى ذلك هو قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على ميقاتها) قلت ثم أي ؟ قال: (ثم بر الوالدين) قلت ثم أي ؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني) [البخاري مع فتح الباري (6/3)، ومسلم (1/89)].
فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الجهاد في هذا الحديث في الدرجة الثالثة بعد حق الله، وحق الوالدين.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دُلني على عمل يعدل الجهاد، قال: (لا أجده)، قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر ؟) قال: ومن يستطيع ذلك ؟ قال أبو هريرة: (إن فرس المجاهد ليستنُّ في طِوَله [أي يذهب ويجيء في مرح ونشاط وهو مربوط في حبله، الفتح (6/5)]، فيكتب له حسنات) [البخاري رقم الحديث 2785، فتح الباري (6/4)، ومسلم (3/1498).
هذا الصحابي السائل كان يعلم فضل الجهاد، فأراد – والله أعلم – أن يدله الرسول صلى الله عليه وسلم على عمل يساويه يستطيع المداومة عليه في غير وقت الحرب. أو أنه إذا عجز عن مباشرة الجهاد الذي علم فضله يأتي بالعمل الذي يعدله وهو يقدر عليه، وفي كلتا الحالتين هو يدلُّ على حرص الصحابة رضي الله عنهم على زيادة العلم بالأعمال التي لها فضل كبير ليزاولوها وينالوا من الله ثوابها.
وقد أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم بجوابين، كل منهما يدل على فضل الجهاد العظيم: الجواب الأول قوله: (لا أجده) أي لا أجد عملاً يعدل الجهاد وهو واضح في أفضلية الجهاد على ما سواه من الأعمال.
الجواب الثاني قوله: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر ؟)، وهذا الجواب كذلك يدل على أفضلية الجهاد على ما سواه من الأعمال، لأن القيام المستمر الذي لا فتور معه، والصيام المتواصل الذي لا إفطار معه عير مستطاعَيْن، كما أجاب بذلك السائل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن يستطيع ذلك ؟) وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الجواب. وقد نهى هو صلى الله عليه وسلم عن إجهاد النفس في القيام والوصال في الصيام، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين للسائل أن الاستمرار في القيام بالأعمال الصالحة مجتمعة – لو كانت مستطاعة – قد تعدل الجهاد، وفي هذا ما فيه من بيان فضل الجهاد في سبيل الله.
قال الحافظ: (وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي ألاَّ يعدل الجهادَ شيء من الأعمال)، وقال أيضاً: (قال القاضي عياض: اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد، لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تستطيع ذلك) [الفتح (6/5)].
يضاف إلى ذلك تعقيب أبي هريرة رضي الله عنه: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات)، والظاهر أن القاضي عياض يشير إلى هذا بحالات المجاهد وتصرفاته المباحة.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله) قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شِعْب من الشِعاب، يتقي الله ويَدَع الناس من شره) [البخاري،مع فتح الباري (6/6)، ومسلم (3/1503)].
في هذا الحديث – كذلك – يبدوا حرص الصحابة على التنافس في الأعمال الصالحة التي هي أحب إلى الله، والسؤال هنا عن أفضل الناس، ولا يكون أفضل الناس إلا إذا أتى بأفضل ما يحبه الله ورسوله، وإجابة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة في تعظيم الجهاد في سبيل الله حيث جعل المؤمن المجاهد هو أفضل الناس. بخلاف المؤمن المتقي الذي قَصَر نفسه على نفسه – أي إن أعماله الصالحة لا تتعداه إلى غيره – فإنه جاء في الدرجة الثانية، ثم إن هذا المؤمن المتقي الذي انزوى في شِعْب من الشِّعاب لا يكون له هذه الدرجة الثانية إلا إذا كان لابد من الانزواء مثل أن يكون الزمن زمن فتنة بين المسلمين، [راجع فتح الباري (6/84)]،وإلا فإن الاختلاط بالناس ونصحهم مع تقوى الشخص في نفسه أفضل من المتقي المنزوي بدون سبب.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد ؟ قال: (لَكُنَّ أفضل الجهاد، حج مبرور) [صحيح البخاري، مع فتح الباري (6/4)].
وفي الحديث دلالة واضحة على فضل الجهاد وتعظيمه من وجوه:
الوجه الأول: تطلُّع النساء إلى ما سبقهن به الرجال من هذا الفضل.
الوجه الثاني: قول عائشة رضي الله عنها: نرى الجهاد أفضل العمل وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لقولها.
الوجه الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: (لَكُنَّ أفضل الجهاد، حج مبرور) قيَّد كَوْن الحج أفضل الجهاد بكونه للنساء: (لَكُنَّ) وفي هذه زيادة تأكيد لكون الجهاد أفضل الأعمال لغير النساء.
وفي حديث أنس رضي الله عنه، قال: كُنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلالاً صاحب الكِساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) [البخاري مع فتح الباري (6/84)، ومسلم (2/788)].
ويظهر في هذا الحديث فضل من قام بالخدمة في الغزو وهو مفطر، على من صام وعجز عن الخدمة لمشقة الصوم.
قال الحافظ رحمه الله: (بالأجر، أي الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوم، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُوَّام) إلى أن قال: (قال ابن أبي صُفْرة: فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام، قلت: وليس ذلك على العموم) [فتح الباري (6/84)].
قلت: هو كذلك في كل حالة تشبه هذه الحالة: من قام بأعمال الغزو كان أفضل ممن قام بعبادة لازمة شغلته عن عمل الغزو، لأن الجهاد أفضل العمل لا سيما في مثل هذا الوقت الذي يكون المسلمون أحوج فيه إلى التعاون في أعمال الجهاد. والله أعلم.

(39)

درجات المجاهدين
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قَال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشِّر الناس ؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة) [البخاري مع فتح الباري (6/11)].
بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حداً أدنى يقف عنده من أراد دخول الجنة غير منافِسٍ في درجاتها العُلاَ، وهو أن يؤمن بالله ورسوله، ويقيم الصلاة ويصوم رمضان، ولو لم يجاهد في سبيل الله، وحداً أعلى لمن طمحت نفسه إلى الفردوس والمنافسة في الدرجات العُلا.
وعندما سمع الصحابة رضي الله عنهم الشِّقَّ الأول من الحديث فرحوا به وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم بأن يبشروا الناس بذلك، فانتقل بهم إلى ما هو أعظم وأفضل، وهو بيان درجات المجاهدين التي لا ينالها غيرهم من الصنف الأول.
وليس في الحديث تسوية بين الجهاد وعدمه، كما توهم بعض العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم: (جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) بل فيه أن أصل دخول الجنة مضمون له جاهد أو لم يجاهد، وهذا هو الحدّ الأدنى كما مضى، أما الحدّ الأعلى فقد ذكره بقوله: (إن في الجنة مائة درجة) الحديث، وهذه علة لترك التبشير، أي لا تبشِّروهم بما سبق، لئلا يتركوا الأفضل وهو أن في الجنة مائة درجة.. الخ
كما بين ذلك الحافظ مستدلاً برواية الترمذي ونصها: (قلت يا رسول الله ألا أخبر الناس ؟ قال: (ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة) قال الحافظ فظهر أن المراد لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه، فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد [فتح الباري (6/12)].

(40)

الجنة تحت ظلالا السيوف
عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، كتب إلى عمر بن عبيد الله حين خرج إلى الحروريَّة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: (يا أيها الناس لا تمنَّو لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [البخاري رقم 3024، فتح الباري (6/156) ومسلم (3/1362)].
وأي فضل أكبر من هذا الفضل ؟ يصول المجاهد ويجول في حومة الوغى وهو يعلم أنه يتجوَّل في عرصات الجنة تحت ظل سيفه وسيف عدوه، وما أن يسقط في هذه الأرض حتى يرى مقعده في الجنة وتظِله الملائكة [سيأتي هذان المعنيان قريباً].
==== يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليكرر الشهادة الغالية ! =======
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا الإيمان بي وتصديق برسلي، أن أُرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خَلْف سريَّة، ولوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أُقتل، ثم أحيا ثم أُقتل) [البخاري مع فتح الباري (1/92) ومسلم (3/1497)].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) [البخاري رقم 2817، فتح الباري (6/32) ومسلم (3/1498)].
فالمجاهد – كما يظهر من حديث أبي هريرة – رابح على كل حال، انتصر على عدوه فعاد إلى بيته غانماً مأجوراً، أم استشهد فدخل الجنة، وهذه الأخيرة هي الكرامة التي ميَّز الله بها الشهيد حيث لا يتمنى أحد غيره أن يحييه الله فيقتل مراراً، لما رأى من الخير العظيم المترتب على الشهادة في سبيل الله، لا بل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود الذي ما كان يقعد خَلْف سراياه إلا إشفاقاً على أمته بأن تكلِّف نفسها الخروج في كل سرية مثله فيشق ذلك عليها، إنه صلى الله عليه وسلم ليتمنَّى أن يقتل ثم يحيا ثم يقتل في سبيل الله حباً في كرامة الشهادة عند الله، قال الحافظ: (قال ابن بطال: هذا الحديث – حديث أنس – أجل ما جاء في فضل الشهادة) [فتح الباري (6/33)].
أي شيء نشتهي ؟!
عن مسروق قال سألنا عبد الله – هو ابن مسعود – عن هذه الآية: (ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون) [آل عمران: 169] قال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: (أرواحهم في جوف طير خُضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعةً، فقال: تشتهون شيئاً ؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) [مسلم (3/1502)].

(41)

وإنه في جنة الفردوس
عن أنس رضي الله عنه، قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، قد عرفتَ منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: (ويحك أو هَبِلْتِ ؟ أَوَ جنةٌ واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) [البخاري مع فتح الباري (6/25)].
اللون لون الدم والريح ريح المسك
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (كل كَلْمُ يُكْلَمُه المسلمُ في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجَّر دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك) [البخاري مع فتح الباري (1/344) ومسلم (3/1496)].
ينطلقون في الغرف العلا من الجنة
عن نعيم بن همار الغطفاني رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل ؟ قال: (الذين إن يُلْقَوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلا في الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه) [أحمد (5/287) قال البنَّا في الفتح الرباني (13/30): وقال الهيثمي رجال أحمد وأبي يعلى ثقات]
نقد الثمن !
عن قيس الجُذامي – رجل كانت له صحبة – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يُكفَّر عنه كل خطيئة، ويُرى مقعده في الجنة، ويُزوَّج من الحور العين، ويُؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر، ويُحلَّى حُلة الإيمان) [أحمد (4/200) قال البنَّا في الفتح الرباني (13/30): أخرجه ابن سعد وسنده جيد].
قال الحافظ: (وروى ابن ماجة من طريق شِهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: ذُكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين، وفي يد كل واحدة منهما حُلة خير من الدنيا وما فيها). ولأحمد والطبراني من حديث العبادة بن الصامت مرفوعاً: (إن للشهيد عند الله سبع خصال – فذكر الحديث، وفيه: - ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين) إسناده حسن، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن مَعْدِ يكرب، وصححه) [فتح الباري (6/15-16)].

(42)

لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة
عن عتبة بن عبد السُّلمي رضي الله عنه – وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القتلى ثلاثة: رجل مؤمن قاتل بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذلك الشهيد المفتخر) وفي رواية الممتحن [رجَّح هذه الرواية البنا في الفتح الرباني (13/32)] في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة. ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا، وجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، مُحيت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محَّاء الخطايا، وأُدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض. ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله في ظاهر أمره حتى يقتل، فإن ذلك في النار، السيف لا يمحوا النفاق) [أحمد (4/185)، قال البنا: وإسناده جيد، وانظر الجهاد لابن المبارك (1/30)].
تُظِلُّه الملائكة بأجنحتها
عن جابر قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثواب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبكِه مازالت الملائكة تظلُّه بأجنحتها حتى رفع) [البخاري مع فتح الباري (7/374)].
رضي الله عنهم وأرضاهم
عن أنس رضي اله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقواماً من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمَّنُوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا كنتم مني قريباً، فتقدَّم فأمَّنوه، فبينما يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أومئوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: (الله أكبر، فُزْت وربِّ الكعبة) ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجل أعرج صعد الجبل، قال همام – أحد رجال السند – فأراه آخر معه، فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد لقوا ربهم رضي الله عنهم وأرضاهم،فكُنا نقرأ: أن بلِّغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ثم نسخ بعد. فدعا عليهم أربعين صباحاً على رَعْل وذَكْوان وبني لحيان وبني عُصَيّة، الذين عَصُوا الله ورسوله [البخاري رقم 2801، فتح الباري (6/18) ومسلم (3/1511).
ورضا الله هو غاية ما يسعى إلى حصوله المؤمنون.
دار الشهداء !
عن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت الليلة رجلين أتياني، فصعدا بي الشجرة، وأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، لم أر أرَ قط أحسن منها، قال: أمَّا هذه الدر فدار الشهداء) [البخاري رقم 2791، فتح الباري (6/11)]

(43)

الأوسمة النبوية للمجاهدين:

1-سيف من سيوف الله
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، نعى زيداً وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب – وعيناه تذرفان – حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) [البخاري رقم 3952، فتح الباري (7/287)].
إذ كان من يُسَمَّونَ بالقواد العظام من عُبَّاد الدنيا والطغاة والجاه والثناء يستبسلون في بعض المعارك مع أعدائهم لينالوا رتباً عسكرية، أو تُخلَّد ذكراهم – كما يقولون – بإطلاق أسمائهم على بعض الشوارع في المدن أو غير ذلك مما يرونه تكريماً لهم؛ فإن المجاهد المسلم ينال أشرف ثناء وينال أعلى الأوسمة الإلهية والنبوية، ثناء صدق ووسام شرف، وهاهو ذا أحد أبطال الإسلام وقادته العظام حقاً ينال هذا اللقب النبوي الخالد على مدى الدهر: (سيف من سيوف الله) وهو وسام يناسب العمل الذي قام به خالد رضي الله عنه، لأن وظيفته كانت الجهاد في سبيل الله، فناسب أن يلقب بسيف الله، لأنه أذل أعداء الله وانتصر عليهم بمقارعته لهم بالسيوف فإذا ذكره المسلمون على ألسنتهم لم يذكروا اسمه أولاً، وإنما يذكرون هذا اللقب الذي أكرمه الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: سيف الله خالد.
ولو لم يكن خالد رضي الله عنه أبلى في سبيل الله بلاءً حسناً وقاد جيوش الإسلام للجهاد في سبيل اله لما حاز هذا الشرف وما نال هذا الوسام النبوي العظيم.
2- يا ابن ذي الجناحين !
وينتقل المجاهد إلى جوار ربه وينال رضوانه، وينال أقاربه التكريم من أجله.
وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سلَّم على ابن جعفر قال له: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) [البخاري رقم 3709، فتح الباري (7/75).
بعد أن هنأه الرسول صلى الله عليه وسلم باستشهاد أبيه وما ناله من تكريم الله بقوله: (هنيئاً لك، أبوك يطير مع الملائكة في السماء)، قال الحافظ: (أخرجه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة) أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده ضعف لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة، وهو مُخضَّب الجناحين بالدم) أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم، وأخرجه أيضاً هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: (دخلت البارحة الجنة، فرأيت فيها جعفر يطير مع الملائكة) وفي طريق أخرى عنه أن جعفر يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه، وإسناد هذه جيد، وطريق أبي هريرة في الثانية قوي إسناده على شرط مسلم) [فتح الباري (7/76)].
المجاهدة أولى بالتكريم من ذات النسب !
عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسَّم مُروطاً بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مِرْط جيد، فقال له بعض من عنده: (يا أمير المؤمنين، أعْطِ هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم – يريدون أم كلثوم بنت علي -) فقال عمر: (أم سليط أحقُّ به من نساء الأنصار ممَّن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال عمر: فإنها كانت تَزْفُر لنا القِرَب يوم أحد) [البخاري رقم 4071، فتح الباري (7/366)]
فقد قدّم عمر رضي الله عنه أم سليط على زوجه أم كلثوم حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم إكراماً لها على خدمتها في الغزو.

(44)

الثناء على القوم بكثرة شهدائهم
عن قتادة قال: ما نعلم حيّاً من أحياء العرب أكثر شهيداً أغر يوم القيامة من الأنصار، قال: (وحدّثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون) [البخاري رقم 4078، فتح الباري (7/374)].
=== فضل المجاهدين من الملائكة ===
عن رافع الزُّرَقي قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما تعدّون أهل بدر فيكم؟) قال: (من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها -) قال: (وكذلك من شهد بدراً من الملائكة) [البخاري رقم 3992، فتح الباري (7/311)].
الملائكة الذين اشتركوا في معركة بدر مع المسلمين خيار الملائكة، كما أن الصحابة الذين شهدوا خيار المسلمين كما ورد ذلك صريحاً في بعض الروايات، سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم كيف أهل بدر فيكم ؟ قال: (خيارنا) قال: (وكذلك من شهد بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة) [فتح الباري (7/313) فالمجاهدون من الملائكة أفضل ممَّن سواهم.
الزمن يسير والأجر كبير !
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَغدوةٌ في سبيل الله أو رواحة خير من الدنيا وما فيها) وفي رواية من حديث أبي هريرة: (خير ممَّا تطلع عليه الشمس وتغرب) [البخاري رقم 3792، فتح الباري (6/13)، ورقم 2793 أيضاً، ومسلم (3/1499).
يخرج المجاهد في سبيل الله خَرْجة واحدة في أول النهار، أو خَرْجة واحدة في آخره، فتكون خرجته الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها، أي عمل يعدل هذا العمل؟ وأي نشاط يقوم به الإنسان ينيله هذا الفضل الكبير؟.
وليس المراد من الحديث المفاضلة بين الدنيا وما فيها وبين الغدوة الواحدة أو الروحة الواحدة في سبيل الله، بمعنى أنهما يشتركان في الخير وتفضل الغدوة أو الروحة على الدنيا في الخير، كما قد يتوهَّم ذلك، لأن الدنيا لا تساوي ذرة من الجنة.
قال الحافظ: (قال ابن دقيق العيد [إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (4/504) بحاشية العدّة للأمير الصنعاني، وما نقله الحافظ ليس مطابقاً تماماً لنص ابن دقيق العيد وإن كان المعنى واضحاً فيه]: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون من باب تنزيل المُغَيَّب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس، لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة).
والثاني: أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها، لأنفقها في طاعة الله تعالى. قال- القائل هو ابن حجر -: ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد [الجهاد (1/34)] من مرسل الحسن، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة فتأخَّر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم).
والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قَدْرَ سَوْطٍ يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات؟ والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا [فتح الباري (6/14)].
أمن دائم ورزق مدرار وعمل صالح مستمر
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سَوْط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها) [البخاري رقم 2892، فتح الباري (6/85)].
وعن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأُمن الفتَّان) [مسلم (3/1520)].
مرابطة المجاهد في ثغر من ثغور المسلمين لحماية البلاد الإسلامية من الأعداء، أو للانقضاض عليهم عند الحاجة؛ لها منزلة عظيمة عند الله تعالى، فهي خير من الدنيا وما عليها يحوزها المؤمن فينفقها في طاعة الله، لا بل إن رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، يضاف إلى ذلك أن رزقه دائم لا ينقطع، وأمنه مستمر، لا يخاف من موت ولا نصب ولا غير ذلك، وهذا جزاء من الله للمجاهد الذي اقتحم المكاره وألقى بنفسه في المخاوف والأتعاب من جوع وعطش وغيرهما.
قال النووي رحمه الله: (هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجَرَيان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيه أحد، وقد جاء صريحاً غي غير مسلم: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمى له إلى يوم القيامة) [شرح النووي على مسلم (13/61)] وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأجري عليه رزقه) موافق لقول الله تعالى في الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: 169]، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة) [شرح النووي على صحيح مسلم (13/16)].
وقال ابن قدامة رحمه الله في تفسير معنى الرباط وبيان فضلة: (معنى الرباط، الإقامة بالثغر مقوِّياً للمسلمين على الكفار، والثَّغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم.
وأصل الرباط من ربط الخيل، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، كلٌ يُعِدُّ لصاحبه، فسُمِّي المقام بالثغر رباطاً، وإن لم يكن فيه … وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفاً، لأنهم إليه أحوج، ومقامه به أنفع..) [المغني (9/203) وما بعدها].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:25 am



(45)

فضل المجاهد في أي موقع من ساحات المعركة
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسهُ، مغبَّرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شُفِّع له يُشفَّع) [البخاري رقم 2887، فتح الباري (6/81)].
أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على المجاهد في سبيل الله الذي لزم سلاحه وأعدَّ نفسه لذلك، حتى اغبرَّ جسمه، وانتفش شَعره، لبعده عن الترف والتنعم والراحة، ومظهره الذي لا وجاهة فيه، أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أينما كان عمله ما دام في سبيل الله، حارساً أم في مؤخرة الجيش، وطوبى اسم للجنة ونعيمها [راجع النهاية في غريب الحديث (3/141)].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم سَهِر، فلما قدم المدينة، قال: (ليت رجلاً من أصحابي صالحاً يحرسني الليلة) إذْ سمع صوت سلاح، فقال: (من هذا؟) فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، ونام النبي صلى الله عليه وسلم [البخاري رقم الحديث 2885، فتح الباري (6/81) ومسلم (4/1875)].
أثنى صلى الله عليه وسلم على من يحرسه من أصحابه بصفة الصلاح، وذو الصلاح في اصطلاح الشرع من نماذج القدوة الحسنة التي أثنى الله على من رافقها في صراطه المستقيم: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) [النساء: 69].
قال الحافظ: (ورد في فضل الحراسة عدة أحاديث ليست على شرط البخاري منها حديث عثمان مرفوعاً: (حرس الليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة يُقام ليلها ويصام نهارها) أخرجه ابن ماجة [(2/924) ولكن لفظه: (من رابط ليلة في سبيل الله سبحانه كانت كألف ليلة صيامها وقيامها) واللفظ المقارب لما ذكره الحافظ هو من حديث أنس (2/925)] والحاكم [(2/81) ولفظه كما ذكر الحافظ إلا أن فيه (أفضل) بدل (خير)]، وحديث سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعاً: (من حرس وراء المسلمين متطوعاً لم يَرَ النار بعينه إلا تَحلّة القسم) أخرجه أحمد [(3/437) من حديث معاذ بن أنس الجهني].
وحديث أبي ريحانة مرفوعاً: (حُرِّمت النار على عين سهرت في سبيل الله) أخرجه النسائي [(6/13) ولفظه: (حُرِّمت عين على النار سهرت في سبيل الله)]، ونحوه للترمذي عن ابن عباس [الترمذي رقم الحديث 1690 تحفة الأحوذي، وقال الشارح وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد ورواته ثقات … والحاكم وقال: صحيح الإسناد كذا في الترغيب، تحفة الأحوذي (5/269)]، وللطبراني في حديث معاوية،ولأبي يَعْلَى من حديث أنس، وإسنادها حسن، وللحاكم عن أبي هريرة نحوه [فتح الباري (6/83)].
والمراد من الحديث أن الحارس في الجهاد لا تمسه النار، وإنما خص العين لأن يمنعها عن الإغماض بنوم أو سِنَة، فنالت شرف الذكر.

(46)

فداك أبي وأمي
عن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جُعِلْتُ أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً، فلما رجعت قلت: يا أبتي رأيتك تختلف، قال: أو هل رأيتني يا بني ؟ قلت: نعم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم) فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه، فقال: (فداك أبي وأمي) [البخاري رقم الحديث 3720، فتح الباري (7/81)، ومسلم (4/1879)].
لقد كان من النادر أن يجمع الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد أبويه، فيقول: (فداك أبي وأمي)، وكان الذي يُعطاها يتلذَّذ بها ويذكرها على سبيل الاعتزاز والإكرام، فهي من الأوسمة النبوية التي استحقها المجاهد في سبيل الله، وقد نالها الزبير رضي الله عنه، وهو ينفِّذ رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع المعلومات عن العدو، وهذا من الأدلة الواضحة على فضل أي عمل يؤدِّيه المسلم في باب الجهاد في سبيل الله. فليهنأ الزبير بهذا التكريم، وليقتد به من أراد فضل الله وثوابه في أخذ الحذر من العدو وجمع المعلومات عن كيده المسلمين، وليخسأ من سلك السبيل الأخرى سبيل التجسس على المسلمين لأعداء الله.
جبريل لم يضع السلاح !
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حِبّان بن العَرِفة، رماه في الأكحل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: (قد وضعت السلاح ؟ والله ما وضعتُه، اخرج إليهم) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأين ؟) فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه، فرد الحكم على سعد، قال: (فإني أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى النساء والذريَّة، وأن تقسم الأموال) [البخاري رقم الحديث 4117، فتح الباري (7/407)، ومسلم (3/1389)].
إن عملاً يجتمع عليه أهل السماء بأهل الأرض من عباد الله لإعلاء كلمة الله لهو أفضل الأعمال وأعلاها، وإذا كان جبريل عليه السلام لا يضع سلاحه، بل يواصل التحريض لأولياء الله على أعدائه، ويخوض غمار المعارك حتى يغطِّي الغبار رأسه فينفضه بيده؛ إذا كان جبريل يفعل ذلك ويحرص على الجهاد في سبيل الله، وهو مجبول على طاعة الله، فما بالك بفضيلة هذه العبادة العظيمة وكيف يزهد في الجهاد أهل الأرض من المسلمين، وفيه عزهم، وفي تركه ذلهم ومهانتهم؟.
من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
وممَّا يُظهر فضل الجهاد في سبيل الله هدفه العام الذي شرع من أجله، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [البخاري رقم 2810، فتح الباري (6/27) ومسلم (3/1512)].
فالذي يجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، لا لمغنم، ولا لذكر ورياء، ولإعلاء كلمة الله يتحقق به كل خير ويُقضى به على كل شر. الذي يجاهد لذلك لا شك يحوز فضلاً لا يحوزه إلا من سلك سبيله.

(47)

الفرع الثالث ذكر بعض أقوال السلف الصالح في فضل الجهاد والترغيب فيه
لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان على علم تام بفضل الجهاد في سبيل الله وعظمته، وذلك ما حدا بهم إلى التسابق إليه والتنافس فيه.
قال الضحاك في قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) [البقرة: 216] قال: (فنزلت آية القتال فكرهوها، فلمَّا بيَّن الله عز وجل ثواب أهل القتال وفضيلة أهل القتال، وما أعدَّ الله لأهل القتال من الحياة والرزق لهم؛ لم يؤثر أهل اليقين بذلك على الجهاد شيئاً، فأحبوه ورغبوا فيه حتى إنهم يستحملون النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يجدوا ما يحملهم تولَّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون، والجهاد من فرائض الله) [الجهاد لابن المبارك (1/66)].
وقال سيف الله خالد بن الوليد الذي ذاق حلاوة الجهاد في سبيل الله – بعد أن ذاق الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً – وقضى حياته كلها مجاهداً، وأخذ يقارن بين مُتَع الحياة ممثِّلاً لها بعروس هو لها محب، أو بغلام بُشِّر به، والجهاد في سبيل الله، فيرى في هذا متعته وقرة عينه، قال رضي الله عنه: (ما من ليلة يُهدَى إليّ فيها عروساً أنا لها محب، أو أُبشَّر فيها بغلام، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد في سرية أصبِّح فيها العدو) [نفس الكتاب (1/91)].
وقال عمرو بن عتبة بن فَرقْد: (سألت الله عز وجل ثلاثاً فأعطاني اثنين، وأنا انتظر الثالثة: سألته أن يزهِّدني في الدنيا فما أبالي ما أقبل منها وما أدبر، وسألته أن يقوِّيني على الصلاة فرزقني منها، وسألته الشهادة فأنا أرجوها) [نفس الكتاب (2/112)].
تأمل كيف كانوا يسألون الله التوفيق لأداء الشعائر التعبدية والجهاد في سبيل الله ونيل الشهادة على حد سواء، وقارن بين هؤلاء وأهل الزوايا الذين لا يبالون أرتفعت راية الحق أم راية الباطل ؟ ويكتفون بترديد بعض الهمهمات التي يزعمون أنها ذكر لله، وطغاة الباطل يقودون البشر إلى عبادة غير الله، أهؤلاء عُبَّاد لله فعلاً ؟!؟
انظروا هذا الجهاد فالزموه !
عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: (لما حضر الناس باب عمر وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وتلك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، لصهيب وبلال، وأهل بدر، وكان والله بدرياً، وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم)، فقال أبو سفيان: " ما رأيت كاليوم قط، إنه يؤذن لهذه العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا!! " فقال سهيل بن عمرو – ويا له من رجل ما كان أعقله – " أيها القوم، إني والله لقد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لمَا سبقوكم به من الفضل فيما لا ترون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسونهم عليه، ثم قال: أيها القوم، إن هؤلاء القوم سبقوكم بما ترون فلا سبيل لكم – والله – إلى ما سبقوكم إليه، وانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه فلحق بالشام، فقال الحسن: (صدق – والله – لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كعبد أبطأ عنه) [الجهاد (1/85-86)].

(48)

أبت البحوث
وكان كبار الصحابة رضي الله عنهم يغزون وقد شاخوا، فيشفق عليهم الناس، وينصحونهم بالقعود عن الغزو، لأنهم معذورون، فيجيبونهم أن سورة التوبة تأبى عليهم القعود، ويخافون على أنفسهم من النفاق إذا ما تخلَّفوا عن الغزو.
عن جُبَير بن نُفَير قال: (جلسنا إلى المقداد بن الأسود بدمشق وهو يحدِّثنا وهو على تابوت ما به عنه فضل، فقال له رجل: لو قعدتم العام عن الغزو ؟ قال: أبت البحوث – يعني سورة التوبة – قال الله تبارك وتعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً) [التوبة: 41] قال أبو عثمان: " بحثت المنافقين " [الجهاد (1/88)].
قال ابن قدامة: (قال الأشرم: قال أحمد: لا نعلم شيئاً من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال الفضيل بن زياد: سمعت أبا عبد الله – وذُكر له أمر العدو – فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه. وقال عنه غيره: ليس بعد لقاء العدو شيء. ومباشرة العدو بنفسه أفضل الأعمال والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه ؟ الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا مهج أنفسهم) [المغني (9/199)].
وقال السرخسي: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة يخرج وتارة يبعث غيره، حتى قال: (وددت ألا تخرج سرية أو جيش إلا وأنا معهم، ولكن لا أجد ما أحملهم ولا تطيب أنفسهم بالتخلُّف عني) [راجع صحيح مسلم (3/1497)]، (ولوددت أن أقاتل في سبيل الله تعالى حتى أقتل ثم أُحيا ثم أقتل) [راجع صحيح مسلم أيضاً (3/1497)] ففي هذا دليل على أن الجهاد وصفة الشهادة في الفضيلة بأعلى النهاية، حتى تمنى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع درجة الرسالة. والآثار في فضيلة الجهاد كثيرة وقد سمّاها الرسول صلى الله عليه وسلم سنام الدين) [المبسوط (10/3) وراجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 336، الطبعة الثانية – الحلبي].
وفي حواشي تحفة المحتاج: (والأصل فيه الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة والشهيرة، وأخذ منها ابن أبي عصرون أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان، واختاره الأذرعي، وذكر أحاديث صحيحة مصرِّحة بذلك، أوَّلها الأكثرون بحملها على خصوص السائل أو المخاطب أو الزمن) [حواشي تحفة المحتاج على شرح المنهاج للنووي (9/211)].

(49)

وقال ابن تيمية مشيراً إلى بعض فضائل الجهاد – في سياق دعوته الناس إلى قتال التتار -: (ولهذا كان الجهاد موجباً للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديَّنهم سبلنا) [ العنكبوت: 69] فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم، لأن الله يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهديَّنهم سبلنا) [ العنكبوت: 69].
وفي الجهاد أيضاً حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا، وفيه أيضاً حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحميِّة، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا.
وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود كما قال تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون) [التوبة: 111]. والجنة اسم للدار التي حوت كل نعيم أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك ممَّا تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما قد تعرفه وقد لا تعرفه، كما قال تعالى: فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) [مجموع الفتاوى (28/42) والحديث في مسلم (4/2174)].

(50)

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي !
هذا، ولو أراد الباحث تتبُّع نصوص فضل الجهاد من الكتاب والسنة والواقع التاريخي لكان ذلك جديراً بمؤلف خاص، ولكنه أراد في ختام هذا المبحث أن يحدو بالمسلمين إلى هذا الفضل العظيم والتسابق فيه، فأحس بالعجز عن أن يؤثِّر حُداؤه، لأن الحادي الذي يؤثر حداؤه لا بدّ أن يكون من أهل المعنى الذي يحدو بالناس إليه، والباحث ليس كذلك، ويأبى الله أن يكون هذا من باب التواضع، ولكنه الواقع وما للواقع من دافع، لذلك عاد الباحث إلى أحد أئمة الجهاد فوجد بغيته عنده مما حدا به في زاد المعاد.
قال ابن القيم رحمه الله: (وأخبر سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهي: التوراة، والإنجيل، والقرآن. ثم أكّد ذلك بإعلامهم أنْ لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكّد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم. فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظمه وأجله، فإن الله عز وجل هو المشتري، والثمن جنّات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك)..
والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر، وأن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطر جسيم:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل
مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسَوْم هذه السلعة. بالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يَرْض ربها لها بثمن دون بذل النفس فتأخر البطَّالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) [المائدة: 54].
لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البيّنة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخلي حرفة الشجي، فتنوّع المدّعون في الشهود، فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا بينة: (قا إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران: 31]، فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البيّنة، وقيل لا نقبل العدالة إلا بتزكية (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) [المائدة: 54] فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبِّين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد (فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) [التوبة 111] وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري، وقدر الثمن، وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، وعرفوا أن للسلعة قدراً وشأناً ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البيِّن والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذاتها وشهواتها، وتبقي تبعتها وحسرتها، فإن الفاعل ذلك معدود في جملة السفهاء؛ فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاء واختياراً من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك.
فلما تمّ العقد وسلّموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون) [آل عمران: 169] لم نبتع منكم بنفوسكم وأموالكم طلباً للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلُّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.
تأمل هنا قصة جابر، وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره ثم وفّاه الثمن وزاده ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد، فذكَّره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلّمه كفاحاً. وقال: يا عبدي تمنَّ علي.فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفَّق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمُثَمَّن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفقه الله له وشاءه منه:
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ========= حدابك حادي الشوق فاطو المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهمُ ============== إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظرِالأطلال من دونهم فإن ========== نظرتَ إلى الأطلال عُدْنَ حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ============ ودَعه فإن الشوق يكفيك حاملاً
وخُذ منهمُ زادا إليهم وسِرْ على ========== طريق الهدى والحب تصبح واصلاً
وأحيِ بذكراهم شراك إذا دانت =========== ركابك فالذكرى تعيدك عاملاً
وإما تخافنَّ الكلال فقل لها ============= أمامك وِرْدُ الوَصل فابغي المناهلا
وخُذْ قبساً من نورهم ثم سِرْ به ============ فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وحيِّ على وادي العراك فقِلْ به =========== عساك تراهم ثَمَّ إن كنت قائلا
وإلا ففي نعمانَ عندي معرف الـ ========= ـأحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا
وإلا ففي جمع بليلته فإن ============== تفُتْ فمني يا ويح من كان غافلا
وحيِّ على جنات عَدْن فإنها ============== منازلك الأولى بها كنت نازلاً
ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ========= وقفتَ على الأطلال تبكي المنازلا
وحيّ على يوم المزيد بجنة الـ ========= ـخلود فجد بالنفس إن كنت باذلاً
فدَعْها رسوماً دارساتٍ فما بها ============= مقيل وجاوزها فليست منازلا
رسوماً غَفَت ينتابها الخَلْق كم بها =========== قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخُذْ يمنة عنها على المنهج الذي ============= عليه سرى وفد الأحبة آهلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة =========== فعند اللقاء الكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ============ ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلاّ بدار القرار، فقال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشقّ على أمتي ما قعدت خَلْف سرية، ولوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا) انتهى كلام ابن القيم من [زاد المعاد في هدي خير العباد (2/66-67)].
وساق رحمه الله بعض الأدلة على فضل الجهاد في سبيل الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:27 am


( 51 )

===== الفرع الأول المرحلة المكية =====
مرت بالبشرية فترة انقطع فيها الوحي، وطُمست معالم الرسالة، وانتشرت راية الشرك والظلم والطغيان، فاختلَّت الموازين والقيم، وبدا الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق.
وأصبح القوي هو الآمر الناهي، والضعيف المنفِّذ المطيع، وكثرت المصائب والفتن والحروب، وغدت الأرض – على سَعَتها – كسجن ضاق بأهله.
وكانت البشرية في غاية الضرورة لهداية إلهية تنقذها ممّا حل بها من بؤس وشقاء، فقد حُرِّفت الكتب السماوية السابقة وكتم أهلها الحق الذي بقي عندهم، وألبسوه بالباطل، فاستحقوا لعنة الله وغضبه.
وكان العرب في الجزيرة العربية أشد أهل الأرض جهلاً وأعظمهم فرقة وتناحراً، كما كانوا معرَّضين لغزو الفرس والروم والأحباش.
وكان اليهود في يثرب ( المدينة المنورة ) يؤججون نار الحقد بين الأوس والخزرج الذين لم يلقوا السلاح عن عواتقهم طول حياتهم، كما كانوا – أي اليهود – يهدّدون الأوس والخزرج بأن نبياً منهم – أي من اليهود – سيبعث قريباً وسيقضون به عليهم.
وفي هذه الفترة ولد محمد صلى الله عليه وسلم، ومات أبوه، وهو في ببطن أمه، ثم توفيت أمه آمنة قبل أن يبلغ سبع سنين، وكفله جده عبد المطلب الذي توفي وعمر محمد صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، ثم انتقلت كفالته صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب الذي طالت به الحياة إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة من عمره، فكان يحميه ويدافع عنه أذى قريش، ولكنه لم يدخل في الإسلام، بل مات على الشرك، ولله حكمة في ذلك وفي غيره.
حُبِّب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة الخَلاَء، فكان يخلوا بغار حراء يتعبد فيه، ثم جاءه جبريل بسورة اقرأ فنبَّأه الله بها، ثم يعد ذلك أنزل الله عليه سورة المدَّثِّر: ( يا أيها المدَّثِّر، قم فأنذِر، وربَّك فكبِّر، وثيابَك فطهِّر، والرُّجْزَ فاهجر، ولا تَمْنُنْ تستكثرْ، ولربِّك فاصبر ) [ المدثر: 1-7 ] أمره الله بالتبليغ فقام صلى الله عليه وسلم بما أمره به ربه سبحانه.
====== الدعوة سرا =========
وكان صلى اله عليه وسلم في أول الأمر يدعو إلى ربه سراً مَنْ يظن أنه يستجيب له، فاستجاب له أبو بكر رضي الله عنه، وأخذ يؤازره في الدعوة إلى الله، واستجاب لدعوة أبي بكر عثمان بن عفان، وطلحة بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص.
وكانت خديجة رضي الله عنها من السابقين إلى الإسلام، كما بادر إلى الإسلام على بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان ابن ثمان سنوات، وزيد بن حارثة.
ودخل الناس واحداً واحداً في الإسلام وقريش لا تنكر ذلك [ راجع زاد المعاد (2/47) ].
====== الجهر بالدعوة ========
ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجهر بالدعوة: ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين ) [ الحجر: 94-95 ]، وأن يبدأ بعشيرته الأقربين: ( وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتَّبعك من المؤمنين ) [ الشعراء: 214-215 ] ( وقل إني أنا النذير المبين ) [ الحجر: 89 ].
أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام، يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالة ربه، ولهم الجنة، فلم يجد أحداً ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم، فإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب، فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد، ويؤذونه ويقولون أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، وهو يدعوهم إلى الله ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا ) [ زاد المعاد (2/55) ].
ولقد كان الله تعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالدعوة الحكيمة والموعظة اللطيفة والمجادلة بالتي هي أحسن، ويأمره بالصبر، وينهاه عن الأسف والحزن على أولئك القوم الذين يريد لهم السعادة الأبدية، وهم يأبون إلا الشقاء والخسارة، ويطمئنه بأنه معه ومن كان الله معه فالعاقبة له: ( ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تَكُ في ضَيْق ممَّا يمكرون، إن الله مع الذين اتَّقوا والذين هم محسنون ) [ النحل: 125-128 ].
وأمره تعالى أن يبلِّغ الناس أنه جاءهم بالحق لهدايتهم، وأن من استجاب له فقد اهتدى وفائدة اهتدائه عائد إليه، ومن أبى فقد سلك سبل الضلال وعاقبة ضلاله عليه، وأنه – أي الرسول صلى الله عليه وسلم – ليس وكيلاً عليهم فلا يملك أن يهدي الضال إذا لم يهده الله، ثم أمره الله أن يتَّبع وحي الله في ذات نفسه، ويصبر على أذى قومه حتى يحكم الله: ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها وما أنا عليكم بوكيل، واتَّبع ما يُوحَى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) [ يونس: 108-109 ].
وأمره الله بالتذكير وحصر مهمته في ذلك، وأخبره بأنه ليس مسيطراً على القوم، أي ليست هدايتهم بيده، وأن حسابهم على الله تعالى: ( فذكِّر إنما أنت مذكِّر، لست عليهم بمسيطر إلا من تولَّى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ) [ الغاشية: 21-26 ].

( 52 )

==== استمرار الدعوة وعناد المدعوين وتسلية الله لنبيه ====
ومضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله، ومضي المشركون في رد دعوته والاستهزاء به والسخرية منه، فأخذ ربه يسليه بأنه في موكب إخوانه الأنبياء والرسل الذين استهزئ بهم قبله، ثم دارت الدائرة على المستهزئين، فليصبر فإن الدرب واحد والعاقبة له: ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ) [ الأنعام: 10 ] ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ) [ الأنبياء: 41 ] ( وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجه الأمور ) [ فاطر: 4 ]، ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ) [ يس: 30 ].
واشتد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم من تكذيب المشركين، وهو يعلم أنه صادق، وكانوا هم أنفسهم يسمُّونه الأمين، وقالوا له قبل أن يبادئهم بالدعوة ويجاهرهم بضلال معتقدهم: ( ما جربنا عليك كذباً ) فيسلِّيه ربه بأن القوم يجحدون الحق وينكرون آيات الله الواضحة وليس ذلك تكذيباً لك، وإذا كذَّبوك فلست أول من كذَّبه قومه من الرسل، بل سبقك إخوانك في نفس الطريق فكذَّبهم قومهم وصبروا حتى نصرهم الله، وعليك أن تقتدي بهم فتصبر كما صبروا، وإذا لم تصبر فماذا تستطيع أن تفعل لتأتيهم بما يطلبون من الآيات وما الآيات بجالبة لهم الهدى وإنما الله هو الهادي.
ويخبره أن القوم ليسوا بأحياء حتى يستجيبوا لدعوتك وإنما هم موتى – أموات القلوب – والموتى مرجعهم إلى الله فيجازيهم.
( قد نعلم إنه ليُحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذِّبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، ولقد كذبت رسلٌ مِنْ قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين. وإن كان كَبُر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكوننَّ من الجاهلين، إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) [ الأنعام: 33-36 ].
ويُطمِع المشركون الرسولَ صلى الله عليه وسلم في إيمانهم بشرط أن يأتيهم بآية كونية، كما جاء الأنبياء قبله بآيات كونية، ويظهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على إيمانهم كان يتمنَّى لو أنزل الله آياتٍ كما طلبوا، فيخبره ربه أن الآيات لا تنفع هؤلاء، وأن الهدى بيد الله، ويقطع طمعه في إيمانهم إلا إذا شاء الله، وأنه ما من نبي إلا ووقف له أعداء من الإنس والجن يُملي بعضهم عل بعض زخرف القول غروراً ويأمرهم بتركهم وما يفترون
( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُنَّ بها، قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحَشرنا عليهم من كل شيء قُبُلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون، وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضهم زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه فذَرْهم وما يفترون ) [ الأنعام: 109-112 ].
ويستمر في الدعوة إلى الله مقيماً على ذلك الحجج الدامغة، لكنهم يصرُّون على كفرهم وعنادهم لا ينتفعون بسمعهم ولا أبصارهم ولا عقولهم، ويأمره الله بأخذ العفو وأن يأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين:
( إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين، ألَهُم أرجلٌ يمشون بها، أم لهم أيْدٍ يبطشون بها، أم لهم أعين يبصرون بها، أم لهم آذانٌ يسمعون بها، قل ادعوا شركاءكم ثم كيدونِ فلا تُنْظرون، إن وليِّي الله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولى الصالحين، والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون، خُذِ العفو وأمُرْ بالعُرْف وأعرض عن الجاهلين ) [ الأعراف: 194-199 ].
ويتعنَّت عليه المشركون طالبين منه أن يأتيهم بغير هذا القرآن أو أن يغيِّره، فيجيبهم بلطف أن هذا القرآن من عند الله، وأنه لا يقدر على تغييره، وأنه إنما يتبع وحي الله ويخاف على نفسه إن عصاه، وأنه لولا أن شاء الله أن يتلوه عليهم ما تلاه، ثم يذكرهم بأنه مضى عليه بينهم وقت طويل من عمره ولم يأتيهم بشيء من عند نفسه حتى أمره الله بأن يبلِّغ وحيه: ( وإذا تُتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدِّله، قل ما يكون لي أن أبدِّلَه من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يُوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكمم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون ) [ يونس: 15-16 ].
ويتهمونه بأنه افترى هذا القرآن فيلزمهم الحجة، إنه بلغتكم وأنتم أفصح العرب، وإذا كنت افتريته فإنكم تقدرون أن تفتروا كما افتريت فائتوا بسورة مثله، ثم بين أنه كذبوا بما لم يحيطوا به علماً شأن الجهال الذين يعارضون العلم الحق ( أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله، كذلك كذَّب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) [ يونس: 38-39 ].
ويقص الله عليه نبأ نوح وقومه، ثم يعقِّب على ذلك مسلياً له صلى الله عليه وسلم بقوله: ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) [ هود: 49 ].
وهكذا يكرر الله تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم بإخوانه المرسلين قبله الذين نالهم الأذى كما ناله، ولكن العاقبة لهم والدمار على أعدائهم: ( ولقد استهزئ برسل من قبلك، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب ) [ الرعد: 32 ].
وينفي الكافرون أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً نفياً قاطعاً، ويأمره الله أن يخبرهم بأن الله هو الشهيد بينه وبينهم وشهادته كافية، وكذلك شهادة أهل الكتاب من الذين صدقوه، أو كذبوه مع علمهم بأنه رسول من عند الله، وقد كانوا يقرون بذلك فيما بينهم: ( ويقول الذين كفروا لست مرسلاً، قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) [ الرعد: 43 ].
ويتهمونه صلى الله عليه وسلم بالجنون، ويتهكمون به فيطلبون منه أن يأتي معه بالملائكة تشهد له على صدق دعوته، ويجيبهم الله أن الملائكة لا تنزل إلا بالحق لا للاستجابة للأهواء، وأنه تعالى قد تكفَّل بحفظ هذا الكتاب، ويسلِّي رسوله بأنه ما جاء رسول إلى قومه إلا استهزءوا به: ( وقالوا يا أيها الذي نُزِّل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما يأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، ولقد أرسلنا من قبلك في شِيَع الأولين، وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ) [ الحجر: 6-11 ].
ويأمره بأن يبلِّغ المشركين ما أمره به جَهْراً وأنه كافيه إياهم، ويأمره بأن يتزوَّد في طريق دعوته الشاق الذي يضيق فيه صدره من مواقف قومه بعبادة ربه: ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون، ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبِّح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) [ الحجر: 94-99 ].
ويدعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ربه شاكياً قومه الذين هجروا هذا القرآن الذي لم ينزل للهجر وإنما نزل للعمل به والطاعة لله، فيسلِّيه ربه أنه قد قوبل مَنْ قبلك من الأنبياء بما قوبلت به، فدع الأمر لله: ( وقال الرسول يا رب إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً ) [ الفرقان: 30-31 ].
وعليه صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغ المشركين بأن مهمته فقط أن يعبد الله وأن يتلوا عليهم كتابه، فمن اهتدى بهذا الكتاب فهدايته لنفسه، ومن ضلَّ فما على الرسول إلا إنذاره، وإذ قد أقام الحجة فهو يحمد ربه الذين سيكشف للناس صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وسيجازيهم على موقفهم منه:
( إنما أمرت أن أعبد ريّ هذه البلدة الذي حرَّمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن أتلو القرآن، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلَّ فقل إنما أنا من المنذرين، وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عمّا تعملون ) [ النمل: 91-93 ].
وتتطلع نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرى عمه أبا طالب الذي ربَّاه في صغره وأحاطه بحنانه، وحماه من قريش بعد البعثة ووقف بجانبه فلم يقدروا أن ينالوه بكيدهم الذي كانوا يودُّون تنفيذه، تتطلع نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرى عمه أبا طالب مؤمناً برسالته لينال رضا الله وجنته، ولكن الله قد كتب عليه أن يموت على ملِّة قومه فيقول لنبيه:
( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين ) [ القصص: 56 ].

( 53 )

ويقيم الله الحجج لنبيه على قومه المكذبين ولكنهم لا يلقون للحجج بالاً مثلهم مثل الموتى أو الصم المدبرين: (فإنك لا تسمع الموتى، ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين) [الروم: 52] فيسلِّي الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد أقام الحجة، وما عليه إلا أن يصبر حتى يأتي وعد الله: ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مَثَل، ولئن جئتهم بآيةٍ ليقولَنَّ الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون، كذلك يطبعُ الله على قلوب الذين لا يعلمون، فاصبرْ إنّ وعد الله حقٌ ولا يستخفنَّك الذين لا يوقنون) [الروم: 58-60].
وفي هذه الفترة التي كانت كلها دعوة إلى التوحيد الخالص من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم كان الكافرون يراودونه من جانبهم على ترك هذه الدعوة والدخول في دينهم الباطل، ولكن الله يأمره بالمفاصلة التامة مهما كلَّفه ذلك من المشاق وكلَّف أصحابه معه: (قل أفغير الله تأمرونِّي أعبدُ أيها الجاهلون، ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكونَنَّ من الخاسرين، بل الله فاعبد وكُنْ من الشاكرين) [الزمر: 64-66] (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) [الكافرون: 2].
ويبشِّر الله رسوله والمؤمنين الذين أعلنوا ألوهية الله وحده ودعوا الناس إلى ذلك؛ يبشرهم بأن الملأ الأعلى ينزل عليهم يطمئنهم ويبشرهم بالجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنهم أحسن مَنْ على وجه الأرض لدعوتهم إلى الله وعملهم الصالحات، ويأمرهم أن يدفعوا بالتي هي أحسن لأنها كفيلة بكسب قلوب الناس، ثم بيّن الله لهم أن تلك الخصلة لا يؤتيها الله إلا الصابرين ذوي النصيب الوافر العظيم: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدَّعون، نزلاً من غفور رحيم. ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفَعْ بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم، وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلَقاها إلا ذو حظ عظيم) [فصِّلت: 30-35].
ويأمره بالصفح عنهم ومتاركتهم وتهديدهم بما ينتظرهم من عقاب الله: (وقِيلِهِ يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفحْ عنهم وقُلْ سَلامٌ فسوف يعلمون) [الزخرف: 88-89].
وبعد أن يقيم الله على المشركين الحجج ويدحض شبهاتهم يقول الله لنبيه: (فاصبر على ما يقولون وسبِّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن الليل فسبِّحه وأدبار السجود) [ق:39-40].
ويقول: (نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبّار، فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد) [ق: 45].
وتنزل سورة البروج مسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأن المؤمنين قبلهم قد أوذوا وأحرقوا بالنار بسبب إيمانهم، ويهدد الكفار، الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات بالعذاب، ويبشِّر المؤمنين بالفوز وأن بطش الله شديد، وقد حلّ بمن قبل أولئك الكفار الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود، النارِ ذات الوقود، إذ هم عليها قُعُود، وهو على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد، إنّ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق، إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير، إنّ بطش ربك لشديد، إنه هو يبدئُ ويعيد، وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، فعَّال لما يريد، هل أتاك حديث الجنود، فرعون وثمود، بل الذين كفروا في تكذيب، والله من ورائهم محيط، بل قو قرآنٌ مجيد، في لوحٍ محفوظ) [سورة البروج].

( 54 )

ويظهر لمن تتبع نصوص الكتاب – التي مضى طرف منها – والسنة، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ المرحلة المكيّة كانت مرحلة دعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ عبادة الأصنام ونَفْي الشرك أياً كان نوعه، ومرحلة صبر على الأذى والمحنة، وعدم رد الاعتداء الذي كان يقع من المشركين على المسلمين، وفي طليعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (بينا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسَلَى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره ودعت على من صنع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم عليك الملأ من قريش: أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأمية بن خلف … فرأيتهم قَتلوا يوم بدر، فأُلقوا في بئر غير أمية بن خَلَف … تقطعت أوصاله فلم يُلْقَ في البئر …) [الحديث رقم 3852، فتح الباري (7/164)]. وهو في صحيح مسلم أيضا.
وفي صحيح البخاري أيضاً يقول خباب: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُرْدة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعوا الله لنا، فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئاب على غنمه) [الحديث رقم 3752، فتح الباري (7/164)].
وكان صلى الله عليه وسلم –لشدة ما يلقى أصحابه من أذى المشركين- يأمر من أسلم أن يكتم إسلامه خشية عليه، وكتم المسلم السر الذي قد يفتح عليه باب الأذى مطلوب، وكتم السر الذي قد يفتح لأعداء الإسلام الباب للإضرار بالدعوة فرض.
عن ابن عباس قال: (ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلِّمه وائتني بخبره، فانطلق فلقيه ثم رجع فقال ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشرك، فقلت له: لم تشفني من الخبر، فأخذت جراباً وعصا، ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، قال فمرّ بي علي، فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت نعم، قال: فانطلق إلى المنزل، قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء، قال: فمرّ بي علي فقال: ما أنى للرجل يعرف منزله؟ قال: قلت: لا، قال: انطلق معي، قال: فقال ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة، قال: قلت له إن كتمت عليَّ أخبرتك، قال: فإني أفعل، قال: قلت له: بلغنا أنه قد خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه فقال له: أما إنك قد رَشَدت، هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخُلُ حيث أدخُلُ فإن رأيت أحداً أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت، فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: اعرض علي الإسلام فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا قأقبل، فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخنّ بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا فضربت لأموت، فأدركني العباس فأكبَّ عليَّ، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رجلاً من غفار ومتجركم وممرّكم على غفار، فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصُنع بي مثل ما صنع بي بالأمس، وأدركني العباس فأكبّ علي وقال مثل مقالته بالأمس، قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله) [البخاري رقم الحديث 3522، فتح الباري (6/549)، ومسلم (4/1923)].
وهذا الحديث يصوِّر لنا خوف المسلمين من أذى قريش من وجوه:
الوجه الأول: مكوث أبي ذر مدة مستخفياً يخاف أن يبوح بما عنده.
الوجه الثاني: تصريحه بذلك عندما قال لعلي إن كتمت علي أخبرتك.
الوجه الثالث: كون على رضي الله عنه يرشد أبا ذر كيف يصنع إذا رآهما أحد، وكيف يعمل عليٌّ نفسه حتى يعمي على من يراهما.
الوجه الرابع: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا ذر بعد أن أسلم أن يكتم هذا الأمر وما ذلك إلا خشية عليه.
الوجه الخامس: ما وقع فعلاً من أذى على أبي ذر في اليومين عندما أعلن إسلامه.
ويؤخذ من دعوة النبي – في أول الأمر – سراً، وفي نصيحته لأبي ذر أن يكتم إيمانه، ومن سيرته في الحروب، أنه يجب على الداعية المسلم والمجاهد في سبيل الله أن يحيط الأمور المهمة التي لو اطَّلع عليها أعداء الإسلام لألحقوا ضرراً بالإسلام والمسلمين؛ أن يحيطها بالكتمان، حتى لا يتيح الفرصة للكفرة والمجرمين الذين لا يألون جهداً في الصدّ عن سبيل الله ومحاولة إطفاء نوره.
والذي يظهر من صنيع أبي ذر في إعلان إسلامه بعد أن أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالكتمان أن إسلامه لم يكن في وقت السر بالدعوة لأمور:
الأول: أن أمر الدعوة قد انتشر بدليل أن أبا ذر بعث أخاه ليسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأتيه بخبره على أثر ما بلغهم عنه.
الأمر الثاني: أنه لو كان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لمصلحة الدعوة لما أصرّ أبو ذر على إظهار إسلامه، وقد أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بكتمانه، لذلك يظهر أن أمره بكتمان إسلامه كان لمصلحة أبي ذر نفسه وللخوف عليه من أذى قريش، ففضّل أن يعلن إسلامه مضحياً بنفسه، والذي عنده مقدرة على تحمّل الأذى له أن يصدع بكلمة الحق.
قال الحافظ ابن حجر: (قوله: لأصرخنّ بها، أي بكلمة التوحيد.
والمراد أنه يرفع صوته جهاراً بين المشركين، وكأنه فهم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوة على ذلك، ولهذا أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزاً، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد) [الفتح (7/175)].
الأمر الثالث: نبّه عليه ابن حجر أيضاً:- (وفي الحديث دلالة على تقدم إسلام أبي ذر، لكن الظاهر أن ذلك كان بعد المبعث بمدة طويلة لما فيه من الحكاية عن علي كما قدمناه) والذي قُدّمه هو: (وهذا يدل أن قصة أبي ذر وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين بحيث يتهيأ لعلي أن يستقل بمخاطبة الغريب ويضيفه، فإن الأصح في سن علي حين المبعث كان عشر سنين، وقيل أقل من ذلك وهذا الخبر يقوي القول الصحيح) ا هـ [الفتح (7/174،176)].
يفهم من تنبيه ابن حجر أن إسلام أبي ذر لم يكن في فترة الدعوة سرا، لأنه لو كان جهره بذلك في وقت السرية لكان كشف لقريش خطَّة لا يجوز كشفها، والمعروف أن الفترة السرية لم يكن انتشر فيها خبر الدعوة، وإنما انتشر بعد أن أمره الله بالصّدع بها كما مضى، وذلك بعد أن انتهت ثلاث سنين من البعثة العالمية الخاتمة.

(55)

هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد اشتداد الفتنة
ويشتد العذاب والاعتداء عليه وعلى أصحابه فيأتيهم بعضهم شاكياً فيأمرهم بالصبر، وينزل القرآن منكراً على من يظن أنه يكفيه أن يقول إنه مؤمن وتخلو طريقه من الفتنة والابتلاء، مبيِّناً لهم أن المؤمنين قبلهم قد فتنوا فالطريق واحد، وأن هذه الفتنة تميز الصادق من الكاذب. وهنا يسمَّى الثبات على دين الله والصبر على الفتنة جهاداً يعود نفعه لصاحبه: ( الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فلَيعلمنَّ الله الذين صدقوا وليعلمنَّ الكاذبين – إلى قوله: - ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) [ العنكبوت: 1،2،3،6 ].
وتتنوع الفتنة على المؤمنين فتقف الأسرة كلها – وعلى رأسها الأم وما أدراك ما الأم – ضد المؤمن، فتقسم الأم ألاّ تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى يكفر ابنها بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيقول لها: لو كانت لك مائة نفس فخرجت الواحدة تلوا الأخرى ما رجعت عن ديني، ويُنزل الله في ذلك: ( ووصينا الإنسان بوالديه حُسْناً، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) [ العنكبوت: 8، وراجع القصة في تفسير ابن كثير (3/445 ].
ويضطر عليه الصلاة والسلام أن يترك مكة وهي أحب البقاع إليه، فيولي وجهه شطر المدينة وهو يلتفت إلى البلد الأمين، فيسلِّيه ربه، ويَعدُه بالعودة إلى بلده الحبيب: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد، قُل ربّي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين) [ القصص: 85 ].
ويخرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مضطرين وهي حبيبة إلى نفوسهم، خائفين مما ينتظرهم بعد تركهم بلادهم، تاركين منازلهم التي ألفوا الراحة فيها، وأموالهم التي كانوا يتنعمون بها، فيسلِّيهم ربهم أن الأرض أرض الله والمهم أن يقوموا بعبادته في أي أرض كانت، وأن الموت آت لا محالة لا يؤخره البقاء في المنزل ولا يقدمه الخروج من البلد، وأن المنازل الحقيقية هي منازل الجنة التي أعدها الله لعباده العاملين الصابرين، وأن الرزق مضمون لدواب الأرض كلها حتى التي لا قدرة لها على حمل رزقها:
( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون، كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنّهم من الجنة غُرَفاً، تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نِعْم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون، وكأين من دابة لا تحمل رزقها وإياكم وهو السميع العليم ) [ العنكبوت: 56-60 ].
ويؤكد الله للمجاهدين في سبيله – وكان الجهاد آنئذ: جهاد الدعوة والصبر على الأذى والمحنة – ليهديَّنهم السُّبُل الموصلة إلى مرضاته، وهو معهم لأنهم محسنون، ومن كان الله معه فالعاقبة المحمودة له: (والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلنا وإنّ الله لَمَعَ المحسنين) [العنكبوت: 69].

( 56 )

الفرع الثاني : المرحلة المدنية
يتضح من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية أنها كلها كانت جهاد تربية وتزكية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على إخلاص العبادة لله وحده والطاعة الكاملة لأوامر الله سبحانه وتعالى، وترك كل أوضار الجاهلية وعاداتها، والدعوة إلى وحدانية الله تعالى وتسفيه أحلام المشركين والصمود أمام الأذى والمحنة، والتضحية في سبيل الله تعالى بالنفس والمال والأهل والولد، والانضباط الكامل تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتحقق في أصحابه الركنان الأساسيان في دعوة الرُسل عليهم الصلاة والسلام، وهما التقوى والطاعة، إذ ما من نبي إلا دعا قومه إلى تحقيقهما: (فاتقوا الله وأطيعون) [الشعراء: 108]، فكوَّن بذلك صلى الله عليه وسلم القاعدة الصلبة التي أرسيت عليها دولة الإسلام العظيمة في كل أقطار الدنيا بعد ذلك.
وبعد أن أبلى المؤمنون في مكة بلاءً حسناً، وضُيِّق عليهم الخناق، وعلم الله تعالى أنهم ثبتوا على دينه الحق ثبوت الجبال الرواسي؛ قيض الله لهم نواة كتيبة الأنصار في السنة الحادية عشرة من البعثة المحمدية، إذ كان رسول الله صلى الله علليه وسلم يعرض نفسه على الناس في المواسم ليقبلوا دعوته ويحموه ليبلِّغ رسالة ربه، فوجد رهطاً من الخزرج فطلب منهم أن يجلسوا إليه ليسمعوا منه، فشرح لهم الإسلام ودعاهم إليه فأجابوه وقالوا له: (إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه في هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك) [السيرة النبوية (1/429)، الطبعة الثانية-الحلبية].
ودعوا قومهم بعد رجوعهم فأجابهم كثير منهم، حتى فشا فيهم الإسلام، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي العام المقبل وفد اثنا عشر رجلاً من الأنصار، فلقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة فبايعوه، قال عبادة بن الصامت: (فبايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف). وقال لهم: (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عزّ وجلّ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر) [السيرة النبوية (1/433)].
وبعث صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير يقرؤهم القرآن ويصلي بهم، ويظهر من هذه البيعة تعميق معاني المرحلة المكية في نفوس المسلمين، وهي الإخلاص لله وحده، وتزكية النفوس وصقلها من الأخلاق السيئة التي اعتادها المشركون.
وفي العام المقبل وفدت كتيبة الله من أنصاره إلى مكة في موسم الحج، فواعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة من أوسط أيام التشريق ليلاً، حيث تسللوا إليه بعد مضي ثلث الليل حتى اجتمعوا عند العقبة، وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: (أُبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فبايعوه على ذلك، ودار بينهم حوار واستيثاق، وكان مما قاله أبو الهيثم بن التيِّهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها –يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم) [نفس المصدر (1/442)] وأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُخرِجوا منهم اثني عشر نقيباً، ففعلوا، وكان تسعة منهم من الخزرج وثلاثة من الأوس، وكانت شروط هذه البَيْعة تختلف عن شروط بيعة العقبة الأولى، وهي كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عُسرنا ويُسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم) [السيرة النبوية (1/454)].
ويظهر في هذه البيعة العظيمة معانٍ جديدة تعتبر منطلقاً للمرحلة المدنية الجديدة:
1 ) فالرسول صلى الله عليه وسلم بايعهم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، ومعنى هذا أنه تارك مكة ومهاجر إلى المدينة، وقد فهم ذلك الأنصار: (فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟).
2 ) كانت البيعة – أيضاً – على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، والإيثار على أنفسهم، وعدم منازعة الأمر أهله، وقول الحق أينما كانوا، وألا يخافوا في الله لومة لائم.
3 ) كان فيها أيضاً توحيد الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ومقاطعة أعداء الله: (إن بيننا وبين الرجال حبلاً وإنا لقاطعوها).
هذه المعاني مشبعة بالروح الجهادية والتحفز لبذل النفوس والأموال في سبيل نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنها كذلك.
وظهرت فيها الدقة في التنظيم حيث جعل على كل طائفة منهم نقيباً يسمعون له ويطيعون، وجعل الموعد بينه وبينهم في ساعة غفلة عن أعين المشركين، تمكن فيها صلى الله عليه وسلم من تحقيق هدفه دون مضايقة أو أذى له أو لأنصاره المبايعين.
كما كان ترتيب لقائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم دليلاً على الانضباط وكتم السر مع كثرة عددهم وإحاطة المشركين بهم.
ظهرت آثار ذلك كله عندما علمت قريش فأُسقط في أيديها وقد فات الأوان: (فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى إذا أصبحنا غَدَت علينا جلّة من قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينهم منكم، فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان منا هذا الشيء وما عملناه، وقد صدقوا لم يعملوه، قال: وبعضنا ينظر إلى بعض) [السيرة النبوية (1/440-448)].

( 57 )

تابع للمرحلة المدنية
فكان إسلام الأنصار ومبايعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم على حمايته ومقاطعة أعدائه منطلقاً لإقامة أول مجتمع إسلامي متميز على وجه الأرض بعد البعثة النبوية.
وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة من مكة إلى المدينة، فخرجوا جماعات وأفراداً، تاركين أشرف بقعة على وجه الأرض، بها ديارهم وأموالهم وأهلوهم، طمعاً فيما عند الله تعالى من إعزاز دينه وإعلاء كلمته وإذلال أعدائه ورضاه عن أوليائه المؤمنين.
واستقبلهم إخوانهم الأنصار فآواهم ووفوا ببيعة نبيهم صلى الله عليه وسلم، والتحمت الكتيبتان: كتيبة المهاجرين وكتيبة الأنصار، وأخذ دين الله ينتشر في أهل المدينة حتى أصبح ذكر الله وتوحيده والإقرار برسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يتردد في كل بيت وفي كل مكان، وبلغ الأنصار القمة في الإيثار وتحقيق الأخوة الإسلامية.
وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة إلا أن أذن الله له في الهجرة، وفي أثناء مدة انتظاره صلى الله عليه وسلم اشتد خوف مشركي قرشي من قاعدة تجمُّع المسلمين الجديدة، وأخذوا يتشاورون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من رأى حبسه حتى يموت، ومنهم من رأى إخراجه من البلاد ونفيه، واستقر أمرهم بعد ذلك على قتله، كما قال تعالى لنبيه –بعد ذلك مذكِّراً له وللمسلمين بنعمته تعالى عليهم حيث أنجاه من مؤامراتهم-: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) [الأنفال: 30].
وخطَّط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهجرته التي رافقه فيها أبو بكر الذي كان يتلهَّف للَّحاق بإخوانه المهاجرين، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن له بالهجرة ليكون معه في أحرج المواقف المكية وآخرها، وهي الهجرة، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه بالنوم على سريره ليلة الهجرة، وخرج هو وأبو بكر رضي الله عنه، فاختفيا في الغار (غار ثور) ثلاثة أيام والمشركون يبحثون عنهما، وقد خصَّصوا مكافآت ثمينة لمن يقبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه.
ولكن الله كان معهما، ومن كان الله معه فلا غالب له: (إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه:: لا تَحزنْ إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم) [التوبة: 40].
وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبله جند الله من المهاجرين والأنصار، وأحاطوا به إحاطة الهالة بالقمر، يأمرهم فيستبقون لتنفيذ أمره، وينهاهم فيجتنبون ما نهاهم عنه.
وبدأ صلى الله عليه وسلم يُرسي دعائم الدولة الجديدة التي لا يدري الناس في الجزيرة العربية، فَضْلاً عن بلاد فارس والروم وغيرهما من ممالك الدنيا، ما كانوا يدرون ماذا يكمن وراء تلك الدولة الناشئة من عواصف قصف لمعاقلهم وحصونهم، وسيوف حتف لرقاب طغاتهم وجبابرتهم، وأنوار هداية لشعوبهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:30 am


( 58 )

تكوين نواة الأمة الإسلامية وأسسه
الأساس الأول: بناء المسجد
وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في تأسيس دولة الإسلام فبدأ ببناء مسجده الشريف في عاصمة الإسلام الأولى، شارك في بنائه بنفسه مع أصحابه، وفي مشاركة القائد أصحابه حافز لهم على العمل الجاد، كيف والذي يعمل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتلقّى الوحي من ربه كل يوم، والسفير بينه وبين ربه جبريل عليه السلام؟ لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يردّدون في سرور واعتزاز ونشاط:
لئن قعدنا والنبي يعملُ
======== لذاك منّا العمل المضلِّلُ
وكان المسجد – في مظهره – في غاية التواضع، فأعمدته من جذوع النخل، وسقفه من سَعَفه وجريده، وفرشه من الرمل والحصباء.
ولكنه كان مثابة لجبريل ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بالوحي، وكان محلاً لرفع كلمة التوحيد التي كان ينادي بها بلال خمس مرات في اليوم والليلة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم فيه أصحابه في الصلاة، ويقرئهم القرآن، ويعلمهم أحكام دينهم التي بدأت تتنزل من السماء ليطهرهم الله ويزكيهم، فيعود كل واحد منهم إلى منزله كل يوم بعلم جديد يتلقاه مباشرة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من عمله فيعلمه أهله وجيرانه، والرسول صلى الله عليه وسلم يتلقاه من جبريل، وجبريل يتلقاه من ربه.
وكان المسجد مكاناً لاجتماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمُدارسة القرآن الكريم والسنة النبوية وتطبيقهما.
كما كان مقراً للفتوى والسؤال عمّا يُشْكِل على الصحابة رضي الله عنهم، وكان منطلقاً لبعث الدعاة إلى الله، وساحة للتدريب على الفروسية، ومؤتمراً لمدارسة أمور الحرب والحراسة وبث السرايا وعقد الألوية للغزاة المجاهدين في سبيل الله.
وكان مأوى لمن لا منزل له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينامون فيه ويتناولون طعامهم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض فيه الأموال من المتصدقين بها على المحتاجين، وأموال الغنيمة والفيء، ويقسمها على الناس فيه.
هكذا كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجمعاً لكل أجهزة الدولة الإسلامية الجديدة، وكل ما يفعل فيه كان يعتبر عبادة يقصد بها وجه الله. الصلاة، والتعليم، والنوم، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (أما أنا فأنام وأقوم، وأرجو في نومتي ما أرجو في قَوْمَتي) [مسلم (3/1456)] هذا مع صغره وتواضعه في مواد البناء، حيث كان إذا نزل المطر تقاطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيه على الماء والطين. ولكنهم كانوا يتزكون فيه بالقرآن والسنة فتمتلئ قلوبهم إيماناً، ويحملون دعوة الله إلى خلقه بالتبليغ والموعظة أو بالسيف والحربة.
فأين مساجد المسلمين اليوم من ذلك المسجد؟ إن مساجد المسلمين التي أصبحوا يتباهون بتشييدها بأغلى مواد البناء، وبنقوشها وزخرفتها وفرشها وقناديل ضيائها ومراوحها ومكيفات هوائها؛ وشبابهم بل وبعض كهولهم لا يدخلها كثير منهم.
بل إنك لتجد في بعض بلدان المسلمين صفوفاً من البشر مصطفين في مساحة قد تصل ميلاً أو أكثر ينتظرون دخول دور السينما أو المسرح والمرقص، في الوقت الذي يقول فيه المؤذن حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، وتجد كثيراً من الشباب في الملاعب الرياضية يتبارون كالحُمُر في أوقات الصلاة دون حياء أو خجل، وحولهم عشرات الآلاف بل مئاتها من المتفرجين تضرب لهم الطبول وهم يرقصون ويصفقون يتمايلون هاهنا وهاهنا كأنهم سكارى.
أين المسلمون اليوم في مساجدهم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده ذاك؟ إن المصلين في المساجد اليوم – في الأغلب الأعم – ذو أرواح خاوية، وقلوب قاسية، ومعاملات خائبة.
قال محمد الغزالي: (وتم محمد في حدود البساطة: فراشه الرمال، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدوا وتروح.
هذا البناء المتواضع الساذج هو الذي ربّى ملائكة البشر ومؤدبي الجبابرة، وملوك الدار الآخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خيرة من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل. إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي، فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكن الناس لمّا أعياهم بناء النفوس على الخلائق الجليلة استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة تضم مصلِّين أقزاماً، أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام) [فقه السيرة ص: 190].
وبهذا تعلم أن المسجد النبوي كان مجمع الدولة الإسلامية الأول.
( للكاتب رسالة بعنوان دور المسجد في التربية، وقد طبعت أكثر من مرة )

( 59 )

الأساس الثاني: لتكوين الأمة: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
كانت الأنانية طاغية على العرب في جاهليتهم: القبيلة تترفع عن القبيلة، والبطن يفخر على مثيله، والأسرة تتكبّر على الأسرة، والفرد يتعالى على الفرد، وكان من حصاد هذه الأنانية ظلم القوي للضعيف واستئثاره عليه في كل شيء، ممّا سبَّب الإحن والعداوات والغارات والحروب الدائمة لأتفه الأسباب.
والأمة التي تصاب بالأنانية وما يتبعها أمة تافهة مهيضة الجناح خائرة القوى، تكون دائماً محلاً لمطامع الآخرين واستعبادهم لها.
فلما جاء الإسلام أحدث انقلاباً في نفوس المسلمين هو استسلام المسلم لربّه وطاعته لقيادته، وفي وحي الله وسنة رسوله ما يكفي لتواضع المؤمن وذلّته لله تعالى وحبه لإخوانه وإيثاره إياهم على نفسه.
وكان هذا المعنى ثابتاً في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جعل أبا بكر رضي الله عنه يبذل ماله في شراء المسلمين الذين كانوا عبيداً لبعض المشركين الذين عذّبوهم وحاولوا صدّهم عن دينهم، ومن أولئك المسلمين بلال رضي الله عنه، وهو كذلك الذي جعل النفر الذي كانوا أول من لقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم من الخزرج، يقولون بعد أن استجابوا لدعوته: (إنّا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك … فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك) [السيرة النبوية 429]، بل هو الذي جعل الأنصار يتسابقون إلى إيواء المهاجرين حتى كانوا يقترعون على المهاجرين.
ولكن مع ثبات هذا المعنى في نفوسهم أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعقمه بجعله بيعة وعقداً بين المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهلهم في سبيل الله، والأنصار الذين آوَوْهم ونصروهم، فآخى صلى الله عليه وسلم بينهم اثنين اثنين، أي كان يجعل رجلاً من المهاجرين أخاً لآخر من الأنصار، وهو إخاء خاص غير الإخاء العام. الإخاء العام: كل مؤمن أخ لكل مؤمن، والإخاء الخاص: فلان أخ فلان، وفَرْقٌ بين الأمرين، فالإخاء العام لا يثمر ما يثمره الإخاء الخاص من الحب العميق.
والتواضع والإيثار إذ قام على القواعد الشرعية فإنه يجعل الأخ يؤثر أخاه فيما لا يطرأ على الخيال، فضلاً عن التفكير فيه، فضلاً عن العزم عليه وتنفيذه.
وإليك الدليل: في صحيح البخاري: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن ربيعة، فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فإني أقسّم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدّتها فتزوجها. قال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلُّه على سوق بني قينقاع، فلما انقلب إلا ومعه فضل من أقطٍ وسمن، ثم تابع الغدوَّ، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مهيم؟) قال: تزوجت [البخاري رقم 3780].
ولهذا امتن الله على المؤمنين بهذا الإخاء العظيم فقال: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفى حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) [آل عمران: 103]
ومن المهاجرين والأنصار كوَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم القاعدة الصلبة التي قامت عليها دولة الإسلام في الجزيرة ثم في شرق الدنيا وغربها، وهم الذين قال الله فيهم: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آوَوا ونصروا أُولئك بعضهم أولياء بعض) [الأنفال: 72].
وقال: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون، والذين تبوَّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كانوا بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) [الحشر: 8-9].
وقال تعالى فيهم: (محمد رسول الله، والذين آمنوا أشدّاء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركَّعاً سجَّداً، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزُرَّاع ليغيظَ بهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) [الفتح: 29].
ومن هنا يعلم أنه لا بدّ للدعوة الإسلامية – حتى تنطلق في الأرض – من قاعدة حصينة تنطلق منها، وهي ما تسمَّى في اصطلاح الفقهاء: (دار الإسلام) ومن قائد قدوة يتصف بكل الأخلاق الفاضلة المبنية على الإيمان العميق، ومن جنود تسود بينهم الأُخوة والمحبة ويتحقق فيهم الاقتداء بقيادتهم، وهذا ما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، فتوطَّدت بذلك الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية، وأمنت التصدّع والخلل الذي يستطيع أعداء الله التسلل منهما إلى صفوف المسلمين لصدعها وتفريقها.

( 60 )

الأساس الثالث: وضع ميثاق ينظم الأمة وتحمي وحدتها
أصبح المسلمون في المدينة هم أهل الحل والعقد، وهم الأجدر بقيادة الناس في المدينة وما حولها، لأنهم أهل الحق الرباني الذي كُلِّفوا تطبيقه في أنفسهم ودعوة الناس إليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم أصبحوا يملكون أزمّة الأمور في البلاد بنظام وطاعة تحت قيادة واحدة، بخلاف غيرهم من اليهود والمشركين، فقد كانوا يعيشون في فوضى وتطاحن فيما بينهم، وكذلك اليهود لم يكن في استطاعتهم جمع كلمة الناس، بل إنهم كانوا يؤججون بينهم نار الحرب ويبثون بينهم الضغائن، وكان همهم ابتزاز الأموال والسيطرة على الناس عن طريق نشر تلك الفوضى وذلك الحقد.
وكان المشركون من قريش يتربّصون بالمسلمين للقضاء عليهم قبل أن تتوطد دعائم قوتهم وإحكام سيطرتهم على قاعدتهم الجديدة، ولازالت الجزيرة العربية تدين بالشرك وعبادة الأوثان، وينظر سكانها إلى قريش نظر إكبار وإجلال، ويرون في الاقتداء بهم ما يؤهلهم للتقدم والظهور.
ولازال في المدينة نفسها مشركون، بل ظهر عنصر خبيث ماكر وهم المنافقون الذين أظهروا الإسلام خشية من أن تفوتهم بعض المصالح المادية، وهمم في واقع الأمر شر من المشركين.
كما كان بالمدينة يهود الذين كانوا يتوقعون أن يكون الرسول الجديد منهم، فلما بعث من غيرهم امتلأت قلوبهم غيظاً وحقداً، خاصة بعد أن سبقهم إلى الإيمان به الأُميون من أهل يثرب: الأوس والخزرج، الذين كان يهود يهدِّدونهم بأن نبياً سيبعث، فيتبعونه – أي اليهود – ويقتلونهم قتل عادٍ وإرم [تفسير ابن كثير (1/124)]، كما قال تعالى عنهم: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مُصدِّق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) [البقرة: 89].
وهكذا كان الشرك مطبقاً على الجزيرة العربية، وكانت قريش تتربص بالمسلمين الدوائر مع وجود المشركين والمنافقين واليهود في المدينة، وفي كل ذلك خطر على المسلمين القليلي العَدَد والعُدَد، ولا يستبعد اتصال قريش بمشركي المدينة ومنافقيها ويهودها أو العكس للتآمر على المسلمين والقضاء عليهم.
لذلك كان لابد من الإسراع إلى وضع ميثاق توضِّح فيه معالم وحدة الأمة الإسلامية، وصلة غيرها من مشركين ويهود بها، على أن تكون القيادة للأمة الإسلامية لا لأعداء الله من مشركين ويهود الذين لا يؤمن جانبهم، بخلاف المسلمين فإن الوفاء بالعهد عندهم من الدين الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقد جعل الميثاقُ المسلمين أمة واحدة، من أي جنس كانوا: -( هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس).
ولكنه أبقى ما كان معمولاً به في القبائل العربية من التكافل والعَقْل وفداء العاني: (يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين).
ودعا الميثاق إلى إعانة من أثقله الدين وكثر عليه العيال: (وأن المؤمنين لا يتركون مَفْرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف والقسط بين المؤمنين). وألزم المؤمنين الوقوف صفاً واحداً ضد البغاة الظالمين الآثمين ولو كانوا من ألصق قراباتهم (وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم).
وقرر المساواة بين المؤمنين: (وأن ذمة الله واحدة يجير عليها أدناهم) وسدّ الباب على المشركين في المدينة على أن يتعاونوا مع مشركي قريش: (وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن) وقرر القصاص في القتلى حتى لا يتعدى أحد على أحد، وحتى لا تعود فوضى الغارات والعداوات والإحن التي كانت ضاربة أطنابها قبل الإسلام بين القبائل: (وأنه من اعتبط [أي قتل بدون حق] مؤمناً قتلاً عن بينه فإنه قَوَد به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا القيام عليه).
وألزمهم ملاحقة المجرمين وعدم إيوائهم حتى ينال كل خارج عن نظام الدولة الإسلامية جزاءه وليرتدع الناس عن الإجرام: (وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل).
وقرر تبعية اليهود للأمة الإسلامية مع السماح لهم بالبقاء على دينهم، وألزمهم إعانة المسلمين بالمناصرة وبالإنفاق في الحرب، أما في حالة السلم فعلى كل فريق الإنفاق على نفسه: (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود … أمة مع المحاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ [أي يهلك، راجع النهاية لابن الأثير] إلا نفسه وأهل بيته … ).
(وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم).
وقرر قاعدتي النصر والمسئولية، فلم يَبْقَ ذلك العمل الجائر من نصر القبيلة كلها لأي فرد منها سواء كان ظلماً أو مظلوماً كما قال الشاعر الجاهلي:
وهل أنا إلاّ مِنْ غزيِّة أن غوت
===== عويتُ وإن ترشد غزية أرشد
كما لم يبق ذلك الاعتداء على البريء بجريرة غيره، بل كل واحد مسؤول عن عمله: (وأنه لم يأثم امروء بحليفه، وأن النصر للمظلوم).
وقرر حق الجار: (وأن الحار كالنفس غير مضارٍ ولا آثم).
وقرر حرية البقاء في المدينة أو الخروج منها ( حرية الإقامة وحرية التنقل ) ما لم يصب الباقي أو الخارج ظلماً: (وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم).
وكانت أهم قواعد هذا الميثاق جعل القيادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد الحكم إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم حيث خاطب المؤمنون بقوله: (وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد صلى الله عليه وسلم).
ونصّ في أثناء المعاهدة مع اليهود على ذلك: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَث أو اشتجار يُخاف فساده فإن مردّه إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) [النص الكامل لهذا الميثاق في السيرة النبوية (1/501) وما بعدها].
وبهذا الميثاق العظيم أحاط النبي صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية بسياج قوي منيع داخليّ وخارجيّ، ووطّد دعامة الحكم بما أنزل الله، وأصبحت بذلك دولة الإسلام قائمة على أقوى الدعائم التي يجب توافرها لقيام الدولة العالمية الشرعية الخاتمة. بقيادتها النبوية، وأمتها المطيعة المقتدية، ومنهجها الشامل الواضح.
فإذا أضيف هذا إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء المساجد النبوي الشريف الذي كان منطلق الدعوة والتعليم والجهاد والمواساة، ومركز التجمع لكل ما يعنُّ من أمور الدولة الإسلامية من الشورى وغيرها، مع كونه مقراً لأداء الشعائر العبادية، فإن مقومات الدولة تكون قد اكتملت.
وأصبح المسلمون أمة تتربص بها قريش وأهل الجزيرة كلِّهم من ورائها، بل تتربص بها دول الكفر في الشرق والغرب. فماذا بعد؟

( 61 )

الإذن قي القتال
كان قتالُ المسلمين أعداءهم الكافرين في مكة دفاعاً عن أنفسهم محرّماً عليهم على الرغم من شدة الاعتداء عليهم كما مضى، وعندما فكّروا في ردّ الاعتداء عن أنفسهم أمر الله بكفِّ أيديهم، كما قال تعالى: (ألم تَر إلى الذين قيل لهم كُفُّوا أيديَكم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يَخْشَون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا ربَّنا لِمَ كتبت علينا القتال؟ لولا أخَّرتنا إلى أجل قريب؟ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خيرٌ لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً) [النساء: 77].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النُّصُب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرَّقون ويودُّون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة، منها قلة عددهم إلى كثرة عدد عدوهم) [تفسير القرآن العظيم (1/525)].
فالآية مدنية تحكي ما كان من أمر المسلمين في مكة من تحرقهم واشتياقهم لإذن الله تعالى لهم في قتال عدوهم دفاعاً عن دينهم وأنفسهم وأعراضهم، وتُعَجِّب من فريق منهم - وليس كلهم - تَقاعَس عندما فرض الله القتال في المدينة.
ويعقب سيد قطب رحمه الله على تعجيب الله من هذا الفريق المتحمِّس قبل فرض القتال، المتقاعس بعد فرضه فيقول: (وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه، ولا يطيق الهوان،وهو ذو عزة فيندفع يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة، والرسول صلى الله عليه وسلم يتبع في هذا أمرَ ربه بالتريُّث والانتظار والتربية والإعداد وارتقاب الأمر في الوقت المقدّر المناسب، فلمَّا أن أمن هذا الفريق في المدينة ولم يعد هناك أذى ولا إذلال … لم يعد يرى للقتال مبرراً … وقد يكون هذا الفريق مؤمناً فعلاً بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى، وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا فالإيمان الذي لم يتضح بعد … ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر والاستماع فقط إلى أمر الله واعتباره هو العلة والمعلول والسبب والمسبِّب والكلمة الأخيرة، سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له … لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف الذي يصوِّره السياق القرآني هذا التصوير، ويعجب منه هذا التعجب، وينفِّر منه هذا التنفير) [في ظلال القرآن (5/712،713) طبع دار الشروق] إهـ مع تصرّف واختصار.
حكمة الأمر بكف المسلمين أيديهم عن القتال في مكة
وأمر المسلمين بكف أيديهم عن القتال في مكة – على الرغم من تعدي المشركين عليهم وإيذائهم بكل ألوان الأذى – كان هو المناسب صدوره من العليم الحكيم وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى ما ظهرله من الحكمة في ذلك: (ولم يكن الحال – أي الأمر بالقتال – إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة: منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم. ومنها كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداءً كما يقال فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لمّا صارت لهم دار ومنعة وأنصار …) [تفسير القرآن العظيم (1/525)].
وقد تعرض سيد قطب لذلك في كتاب (في ظلال القرآن) – بعد أن بيّن أنه يجب على المسلم أن يتأدب مع القرآن فلا يجزم أن هذه هي الحكمة أو تلك وأنها أمور اجتهادية تخطئ وتصيب - فبيّن أن الفترة المكية كانت فترة إعداد وتربية للفرد على الصبر وضبط النفس، والبقاء ضمن مجتمع منظم وقيادة تطاع في بيئة كان ذلك مفقوداً فيها. وأن الدعوة السلمية في المجتمع الجاهلي كانت أشد تأثيراً من الصراع المسلح، وأنه لو أذن للمسلمين في القتال لقامت معركة بين القريب وقريبه في كل بيت لعدم وجود سلطة نظامية متميّزة، وقد يكون ذلك سبباً في نفور الناس من الإسلام، كما أن الله تعالى قد علم أن كثيراً من المعاندين الذين كانوا يفتنون المؤمنين سيكونون بعدُ من جنود الإسلام.
يضاف إلى ذلك أنه كان يوجد في المجتمع الجاهلي من ينصر المظلوم وقد كان أبو طالب، بل وغيره من بني هاشم وبني عبد المطلب، يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي نقض الصحيفة الآثمة ما يدل على ذلك.
وكان عدد المسلمين قليلاً وعدد عدوهم كثيراً.
وأخيراً فإن المرحلة كانت مرحلة دعوة إلى الله وهي محققة دون قتال، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض دعوته على الناس في كل مكان [انظر في ظلال القرآن (5/513-514)]إهـ.
والخلاصة: أن الفترة المكية كانت مرحلة دعوة وابتلاء وصبر وكان جزء منها مرحلة إعداد لإقامة الدولة الإسلامية، ويبدأ هذا الجزء من بدء إسلام أول فوج من الأنصار في منى، أما القتال فكان في ذلك الوقت محرماً لما سبق ولغيره مما لا يعلمه إلا الله، وفي أول نزول الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة باشر تأسيس قيام الدولة وقد مضى الكلام على ذلك كله مفضلاً.
وبعد أن قامت الدولة الإسلامية أذن الله للمسلمين المظلومين بأن يُقاتلوا الكافرين الظالمين، الذين أخرجوهم بغير حق سوى أنهم يقولون: (ربنا الله)، ووعدهم سبحانه في الآية بنصره فقال: (أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير) [الحج: 39].
وكون هذا الإذن وقع في المدينة بعد الهجرة هو الصواب، لا كما قال ابن هشام من أن الإذن وقع في مكة، وبعده أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة [انظر السيرة النبوية (2/79-80)].
وقد ردّ هذا الرأي شمسُ الدين ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد فقال: (فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين وألّف بين قلوبهم، بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعه أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى: (أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) [الحج: 39]. وقالت طائفة: (إن هذا الإذن كان بمكة والسورة مكية. وهذا غلط لوجوه: أحدها أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة.
الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة وإخراجهم من ديارهم فإنه قال: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) [الحج: 40] وهؤلاء هم المهاجرون.
الثالث: قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) [الحج:19]، نزلت في الذين تبارزوا في يوم بدر من الفريقين.
الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب بـ (يا أيها الناس) فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعمّ الجهاد باليد وغيره ولا ريب في أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة. فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به) أي بالقرآن (جهاداً كبيراً …) [الفرقان: 52].
السادس: إن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش … عن ابن عباس قال: (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن فأنزل الله عزّ وجلّ: (أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) وهي أول آية نزلت في القتال) وإسناده على شرط الصحيحين [زاد المعاد (2/65)].
فهذه المرحلة هي مرحلة إباحة الله للمؤمنين بأن يقاتلوا عدوهم لظلمهم إياهم.

( 62 )

فرض القتال على المسلمين
كانت المرحلة الأولى من مراحل القتال – الذي هو جزء من الجهاد في سبيل الله – هي الإذن والإباحة، كما مضى.
أما المرحلة الثانية، فهي فرض القتال على المسلمين، كما قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثَقِفْتُموهم، وأخرجوهم من حيثُ أخرجوكم، والفتنة أشدُّ من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاءُ الكافرين، فإن انتهَوا فإن الله غفورٌ رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكونَ الدين كله لله، فإن انتهَوا فلا عدوان إلا على الظالمين. الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرماتُ قِصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) [البقرة: 190-194].
وللعلماء في هذه المرحلة رأيان:
الرأي الأول: أن الله تعالى فرض على المسلمين أن يقاتلوا أعداءهم الكفار إذا بدأ هؤلاء بقتال المسلمين فقط، مستدلين بأدلة من نفس هذه الآيات.
أولاً: قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) أي الذين يبدءونكم بالقتال.
ثانياً: قوله تعالى: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) والمراد بالاعتداء المنهي عنه على هذا الرأي أن يبدأ المسلمون بقتال الكافرين الذين لم يقاتلوهم.
ثالثاً: قوله تعالى: (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) أي إذا انتهى الكافرون من قتال المؤمنين.
رابعاً: قوله تعالى: (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)
وفي الجملة فالآيات تدل بظاهرها على وجوب رد العدوان الذي يبدأ به الكافرون على المؤمنين
وعلى هذا فقد كان القتال فرضاً على المسلمين في حالة بدء الكفار بقتالهم، ومحظوراً عليهم بالنسبة لمن سالمهم ولم يقاتلهم.
ويبني أهل هذا الرأي عليه أن هذه المرحلة – التي كان محظوراً فيها قتال من لم يبدأ المسلمين بالقتال – نُسخت بالآيات التي نزلت بعد ذلك، وهي صريحة في الأمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون، كما في سورة التوبة، وعلى هذا الرأي الربيع وابن زيد وابن القيم، فتكون مراحل القتال عندهم أربعاً:
الأولى: حظره على المسلمين عندما كانوا في مكة.
الثانية: إباحته لهم في أول الأمر بالمدينة.
الثالثة: فرض عليهم بالنسبة لمن بدأهم بالقتال.
الرابعة: فرضه عليهم مطلقاً وهي المرحلة الأخيرة.
الرأي الثاني: أن فرض القتال كان عاماً في قتال الكفار، من بدأ منهم بالقتال ومن لم يبدأ، فكل من كان في حالة من يقاتل المسلمين يجب قتاله، لأن الأصل فيهم عدم المسالمة، بل المقاتلة والفتنة، ولا يقفون عن هذا الأصل إلا إذا عجزوا، وذلك لا يقتضي كف المسلمين عنهم حتى يعدوا العدّة وتقوى شوكتهم على المسلمين.
والدليل على عدم مسالمتهم قوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا) [البقرة: 217].
ويفسر أهل هذا الرأي الاعتداء المنهي عنه، بتجاوز المسلمين القادرين على القتال من الكفار إلى غيرهم ممن لا يقاتلون ولا يعينون على القتال، كالنساء والصبيان والشيوخ والرهبان الذين انقطعوا للعبادة، فإن قتال هؤلاء لا يجوز كما ورد النهي عنه في نصوص أخرى ستأتي في مكانها. ويفسرون الانتهاء في قوله: (فإن انتهَوا فإن الله غفور رحيم) وقوله: (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) بترك الكفر والدخول في الإسلام، أو إعطاء الجزية والكفّ عن محاربة الله ورسوله.
وعلى هذا الرأي لا يوجد نسخ، وإنما زيد حكم الجزية الذي لم تتعرض له سورة البقرة، في سورة التوبة.
وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز، واختاره ابن جرير الطبري وابن كثير في تفسيريهما.
وتكون مراحل القتال ثلاثاً فقط:
الأولى: الحظر عندما كان المسلمون في مكة.
الثانية: الإباحة في أول الأمر بالمدينة.
الثالثة: فرضه مطلقاً [راجع هذه الأقوال في: جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (2/189-200) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/237-260) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/226)، وفي ظلال القرآن لسيد قطب (2/187) وزاد المعاد لابن القيم (2/65). الآية من سورة البقرة: 192]
والظاهر أنّ هذا هو أرجح الأقوال، لأن الاعتداء المنهي عنه في الآيات، فسّر بنصوص السنة التي نهت عن قتال النساء والصبيان والشيوخ والرهبان.
والكفار الذين ليسوا من هذه الأصناف، هم في حالة من يقاتل المسلمين ولا يكفّون عن ذلك إلا لعجز، وعجزهم لا يسوغ كفّ المسلمين عنهم حتى يستعدوا لقتالهم، بل يجب مبادرتهم لإعلاء كلمة الله وخضد شوكة أعدائه.

( 63 )

وتتضمن آيات سورة التوبة هذه المرحلة الأخيرة من مراحل الجهاد وتوضحها أكمل توضيح، قال تعالى: (براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غيرُ مُعْجزي الله وأن الله مُخْزي الكافرين. وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُه، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غيرُ مُعْجزي الله، وبشِّر الذين كفروا بعذاب أليم. إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين. فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخُذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم. وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجِرْه حتى يسمعَ كلام الله، ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يؤمنون. كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) [التوبة:1-7].
وأضيفت الجزية في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يَدينون دينَ الحقِّ من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [التوبة: 29].
فأصبح المسلمون مكلَّفين أن يقاتلوا كفّار أهل الأرض حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية – على خلاف في أخذها من الوثنيين.
وقد لخّص ابن القيم رحمه الله مراحل الجهاد – بمعناه العام – من حين بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن لقي ربه، فقال: (أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: (يا أيها المدّثر قم فأنذر) فنبّأه بقوله: (اقرأ) وأرسله بقوله: (يا أيها المدثر) ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حوله من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره الله أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.
ثم بين رحمه الله أقسام الكفار بعد الأمر بالجهاد وأحكامهم في الإسلام بعد توضيح آخر مرحلة من مراحل الجهاد، فقال: (ثم كان الكفار معه بعد الجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمر أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفى لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهودهم، ولما نزلت سورة براءة نزلت بيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمر فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوه الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره بجهاد الكفار والمنافقين بالحجة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليه – إلى أن قال: - فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول سورة براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة، فصار أهل الأرض معه ثلاث أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب) [زاد المعاد (2/90-92)].
ففرض المسلمين إذاً أن يجاهدوا حتى يحققوا هذه المرحلة من مراحل الجهاد في سبيل الله، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثالاً لأوامر الله ولا يجوز لهم الوقوف عند المراحل السابقة عليها.
قال سيد قطب رحمه الله: (والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام بأمر من الله، لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأوسطها، ولقد انتهت هذه المرحلة كما يقول الإمام ابن القيم: (فاستقر أمر الكفار معه …) [في ظلال القرآن (9/1446) ويراجع أيضاً (10/1581) من نفس الكتاب ] إلى آخر الفقرة التي سبق ذكرها في كلام ابن القيم رحمه الله.

(64)

الفرع الثالث : حكم المراحل الجهادية
بدأت الدعوة بعد البعثة النبوية سراً، ثم أمر صلى الله عليه وسلم بالجهر بها فبلغ ما أمره به ربه، وأمر خلال ذلك بالصبر على الأذى والصفح والكفّ عن القتال، إلى أن هاجر هو وأصحابه إلى المدينة، ثم أذن لهم في قتال الظالمين، ثم فرض عليهم قتالهم – إذا بدأوا بالقتال، أو مطلقاً كما مضى – وكانت أخر مراحل الجهاد – بمعناه الخاص – قتال الكفار كافة، ونبذ عهودهم إليهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون – على خلاف في غير أهل الكتاب – فما حكم هذه المراحل الجهادية التي مرّت بها الدعوة الإسلامية؟
عندما يمر القارئ بنصوص القرآن المتضمنة للمراحل المذكورة يجد أن كثيراً من المفسرين والمؤرخين، وغيرهم من العلماء ينصون على نسخ المراحل كلها بنصوص المرحلة الأخيرة التي يطلقون عليها آية السيف.
ومعنى هذا أنه يجب على المسلمين أن يقاتلوا كفار الأرض كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون، لأن هذه هي المرحلة الأخيرة وقد نسخت ما قبلها من المراحل، والمنسوخ لا يجوز العمل به.
ولكن رجح كثير من المحققين عدم النسخ لأي مرحلة من المراحل الجهادية وهو الظاهر [راجع جامع البيان للطبري (10//34) والجامع لأحكام القرآن (8/39)، (20/37) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/322)].
وعلى ذلك فإن للمسلمين أن يعملوا بحكم أي مرحلة منها، إذا كانت ظروفهم فيها مشابهة للظروف التي نزلت فيها آياتها، والقول بغير هذا يؤدي إلى مواجهة الواقع بما لا يكافئه، وبالتكليف بما هو فوق الطاقة.
فالمسلمون القادرون على الدعوة سراً فقط، لا يجوز تكليفهم الجهر بها كما هو الحال في الدول الشيوعية، وغيرها من الدول الكافرة التي لا تأذن بالدعوة إلى الله، بل تنزل العقاب على من يتصدى لذلك.
وإذا كانت بعض الدول تأذن بتبليغ بعض أمور الإسلام، كالعبادات الظاهرة، مثل الصلاة والصيام والحج، وتحظر غيرها، كالزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الجهاد، وعدم موالاة الكافرين وتحكيم شرع الله، فيجب على الدعاة إلى الله أن يدعوا جهراً إلى الأمور المأذون فيها، ويدعوا إلى غيرها سراً.
فإذا آذاهم أعداء الله وامتحنوهم بسبب دينهم، فإن كانوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم بدون إلحاق الضرر القاضي عليهم وعلى أهليهم، فعليهم أن يدافعوا، وإذا لم يكونوا قادرين، لقلة عددهم وسيطرة عدوهم على أجهزة الدولة، فعليهم أن يصبروا حتى يحكم الله بينهم وبين عدوهم.
فإذا أصبحوا قادرين على قتال الكافرين وإخضاعهم لكلمة الله تعالى، بأن قامت لهم دولة أو ما يشبهها فيجب أن يبدءوا أعداء الله بالقتال وهكذا … كل مرحلة يحتاج المسلمون إلى تطبيقها جاز لهم ذلك. ولكن يجب عليهم السعي المتواصل لتطبيق المرحلة الأخيرة.
قال سيد قطب رحمه الله: (ولكنا فقط نبادر فنقول: إن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة، بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة، ذلك لأن الحركة في الواقع الذي تواجه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدد، عن طريق الاجتهاد المطلق، أي الأحكام هو الأنسب للأخذ به في ظرف من الظروف … مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يُصار إليها، متى أصبحت الأمة المسلمة في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام، كما كان حالها عند نزول سورة التوبة وما بعدها، ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التي قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين أو أهل الكتاب …) [في ظلال القرآن (10/1580)].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:32 am



( 65 )

المبحث الخامس : آداب الجهاد في سبيل الله
وفيه أربعة فروع:
الفرع الأول : آداب الجهاد قبل خوض المعركة.
الفرع الثاني : آداب الجهاد أثناء المعركة.
الفرع الثالث : آداب الجهاد بعد المعركة.
الفرع الرابع : بعض آداب الجهاد العامة.

آداب الجهاد في سبيل الله
يمتاز الجهاد في سبيل الله كغيره من فرائض الإسلام وتشريعاته، عن الحروب الجاهلية ونظمها وقوانينها في الأهداف والوسائل وغيرها، لأن فرائض الإسلام ومنها الجهاد في سبيل الله، من عند الله تعالى، ونظم الجاهلية ومنها الحروب، من عند البشر، والفرق بين شريعة الله، وقوانين البشر كالفرق بين الخالق والمخلوق.
وآداب الجهاد في الإسلام ويعني بها ما يطلب فعله وما يطلب تركه، فمنها ما هو فرض يجب أداؤه، ومنها ما هو محرم يجب تركه، ومنها ما هو مندوب يسنّ الإتيان به.
ثم منها ما يكون قبل المعركة، ومنها ما يكون في أثنائها، ومنها ما يكون، بعدها، وقد يكون يعض الآداب مشروعا على أي حال – مثل أن إخلاص المجاهد جهاده لله تعالى.
وعلى هذا الأساس الأخير يرتب هذا المبحث.

الفرع الأول : آداب الجهاد المشروعة قبل خوض المعركة
1 ) الإخلاص لله تعالى في أداء هذه الفريضة:
والإخلاص، معناه تصفية العمل من شوائب الشرك كبيره وصغيره، وهو مطلوب من المسلم في كل أعماله، كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [البينة: 5] وقال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف: 110].
وقال تعالى في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [مسلم (4/2289) من حديث أبي هريرة].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيّة ولكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [البخاري رقم 53، فتح الباري (1/135)، ومسلم (3/1515)].
وقال الفُضَيل بن عياض في قوله تعالى: (ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً) أخلصه وأصوبه، قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: أنّ العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص ما ابتغى به وجه الله، والصواب ما كان موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم [ [الفتاوى لابن تيمية (10/173). والآية في هود: 7، والملك: 2] ]
والنصوص في هذا المعنى كثير من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح.
وهي عامّة في كل عمل يتقرب به الإنسان إلى ربه تعالى.
وقد خصّت فريضة الجهاد بالتأكيد على الحرص على إخلاص المجاهد نيته لله تعالى، لأن تسرب الرياء إلى المجاهد أسرع منه إلى غيره، ولهذا عنيت النصوص بذلك غاية العناية.
فالجهاد نفسه يرد في كتاب الله وسنّة رسوله مقيّداً بهذا القيد: (في سبيل الله) وسيأتي ذلك مفصلاً أن شاء الله في مبحث: أهداف (الجهاد في سبيل الله) مقارناً بأهداف الحروب الجاهلية.
ويكفي أن يُساق هنا ما كان يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه وجيوشه إذا جهزهم للجهاد في سبيل الله.
ففي حديث بريدة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية [الجيش هو الجمع العظيم الذي يجيش بعضهم في بعض، والسرية عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار إهـ من المبسوط (10/4)] أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً)، ثم قال: (اغزوا باسم الله …) [رواه مسلم (3/1356) وانظر جامع الأصول (2/589)] فالغزو ابتداءً يُراد به وجه الله تعالى، لأنه يغزو باسمه لا باسم غيره.
وكذلك جوابه صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا: فهو في سبيل الله) [البخاري رقم الحديث 2910، فتح الباري (6/27) ومسلم (3/ 1512، (2/589)]. ) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ]
لذلك يجب على المجاهدين في سبيل الله أن يتذكروا هذا الأمر العظيم عند خروجهم حتى تكون جميع أعمالهم وحركاتهم في سبيل الله، كما قال تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حَوْلهم من الأعراب أن يتخلَّفوا عن رسول الله ولا يَرْغبون بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ضمأ ولا نَصَب ولا مَخْمصة في سبيل الله، ولا يطئون مَوْطئاً يَغِيض الكفار، ولا ينالون من عدو نَيْلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجرَ المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبير ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيَهم الله أحسن ما كانوا يعملون) [التوبة: 120، 121، وانظر المبسوط للسرخسي (10/5)].
2 ) ومن آداب الجهاد الحفاظ على تقوى الله تعالى والازدياد منها:
وقد أمر الله بتقواه عموماً في نصوص كثيرة من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل مدح التقوى وأثنى على أهلها، وجعلهم أهلاً للاهتداء بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم من الناس.
فأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها النبي اتَّقِ الله ولا تُطِع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً) [الأحزاب: 1].
بل إن الله تعالى جعلها وصيته للأولين والآخرين، فأمرهم بها جميعاً، كما قال تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) [النساء: 131].
وكل رسول أمر بها قومه: (فاتقوا الله وأطيعون) [الشعراء: 108 وما بعدها].
ومدح التقوى، فقال: (ولباس التقوى ذلك خير) [الأعراف: 26].
وقال: (وتزوّدذا فأن خير الزاد التقوى واتَّقون يا أُولي الألباب) [البقرة: 197]، وأثنى على أهلها وجعلهم أحقّ بها وأهلها، فقال: (فأنزل الله سكينتَه على رسوله والمؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها) [الفتح: 26].
وقال تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا رَيْب فيه هُدَىً للمتقين) [البقرة: 201].
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراً عاماً، فقال: (اتِّقِ الله حيثما كنت) [الترمذي وقال: حديث حسن (4/335) وهو في جامع العلوم والحكم لابن رجب ص:136].
وأوصى بها المجاهدين عند تشييعهم كما سبق من حديث بريدة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله …) [مسلم (3/1356) وهو في جامع الأصول (2/589)].
والحد الأدنى من تقوى الله أن يأتي الإنسان بالفرائض التي فرضها الله، وأن يجتنب المعاصي التي حرّمها الله تعالى، وذلك موجب للجنة، كما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرّمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أدخل الجنة؟ قال: نعم) [مسلم (1/44) من حديث جابر وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص:179)].
وفي حديث أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) قال النووي: (حديث حسن، رواه الدار قطني وغيره) [جامع العلوم والحكم لابن رجب 242].
والحدّ الأعلى للتقوى أن يصل المسلم في وَرَعه إلى ملازمة نوافل الطاعات واجتناب المكروهات، بل أن يصل إلى ترك بعض المباحات خشية من الوقوع في المكروهات أو المحرمات، كما في الحديث القدسي الذي رواه البخاري أن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادَى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) [البخاري رقم 6502 فتح الباري (11/340)].
وفي حديث عطية السعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتى يدع ما لا بأس به حَذَراً مما به بأس)، قال ابن كثير بعد أن ساق إسناد الحديث ومتنه: قال الترمذي: حسن غريب [تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/40)].
وفي المبسوط للسرخسي: (وإنما يوصيه يتقوى الله تعالى، لأنه بالتقوى ينال النصرة والمدد من السماء، قال تعالى: (بل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم) [آل عمران: 125]، وبالتقوى يجتمع للمرء مصالح المعاش والمعاد) [المبسوط (10/4)، وبدائع الصنائع (9/430)].
وسيأتي مزيد من الكلام على التقوى في بعض الفصول القادمة إنشاء الله ولا سيما فصل عوامل النصر والهزيمة.
والمقصود هنا بيان تذكير المجاهد بما يشرع له قبل بدئه في قتال عدوه بهذا الأمر العظيم الذي لا يصلح للجهاد من فقده.


( 66 )

3) اجتماع القائد بالجيش للتشاور في الأمور المهمة قبل خوض المعركة:
ومن الآداب التي يجب مراعاتها قبل لقاء العدو اجتماع القائدة بالمجاهدين للتشاور في الأمور التي تهمهم قبل لقاء العدو، كتعيين ميدان المعركة، والموضع الذي يصلح مركزاً للقيادة، والوسائل التي يجب اتخاذها للقضاء على العدو أو ردّ عدوانه كما حصل ذلك في غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها من الغزوات [انظر سيرة ابن هشام (2/188)، (3/16،27) وكذلك المغني لابن قدامة (9/215)].
وسيأتي مزيد بيان لهذا الأدب العظيم في فصل: صفات المجاهدين إنشاء الله، إذ المقصود هنا التذكير به قبل خوض المعركة مع الإعداد.
4 ) تشييع الغزاة عند خروجهم للجهاد في سبيل الله:
ومن آداب الجهاد: تشييع المقيمين – وعلى رأسهم الأمير إن كان مقيماً – الغزاة في سبيل الله، وتشجيعهم بذكر فضل الجهاد والمجاهدين وإظهار إكرامهم لحفز هممهم وهمم المقيمين على الاستعداد لقتال العدو عاجلاً أم آجلاً [انظر سيرة ابن هشام (4/8،9) وكذلك زاد المعاد (2/173)].
وفي ترتيب المسند: (باب تشييع الغازي، واستقباله، ووصية الإمام له) عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن أشيع مجاهداً في سبيل الله، فأكفه [قال في الحاشية: (بكسر الكاف أي أخدمه وأعينه في حوائجه)] على راحلة غدوة أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها) [ الحديث رواه أحمد ز انظر ترتيب مسند الإمام أحمد، المسمّى (بالفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) لأحمد عبد الرحمن البنا والد الإمام حسن البنا (الساعاتي (14/51) وقال في الحاشية: (تخريجه: جه، ك، وفي إسناده ابن لهيعة وشيخه زبان بن فايد، وكلاهما فيه كلام. ورواه ابن ماجه وغيره ].
وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنّ أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام، فخرج يمشي مع زيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع في تلك الأرباع، فزعموا أن يزيد قال لأبي بكر، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: (ما أنت بنازل وما أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله …) [الموطأ (2/448) رقم 10].
5 ) مبايعة الجيش على الثبات وعدم الفرار:
ومن آداب الجهاد أن يبايع أمير الجيش جنده على الثبات قببل الشروع في القتال، تذكيراً لهم بحق الله تعالى عليهم من بذل النفس في سبيله، وحضاً لهم على عدوه بعزم وتصميم وعدم تردد أو تهيّب.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على أمور كثيرة من أمور الإسلام، ومن ذلك البيعة على عدم الفرار من العدو:
كما في حديث جابر رضي الله عنه قال: (كنّا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة)، وقال: (بايعناه على ألاّ نفر، ولم نبايعه على الموت) [حديث جابر في صحيح مسلم (3/1483) وما بعدها].
قال النووي رحمه الله: (وفي رواية سلمة أنهم بايعوه يومئذ على الموت) [البخاري رقم الحديث 2960/ فتح الباري (6/117)] وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم، وفي رواية مجاشع بن مسعود: (البيعة على الهجرة، والبيعة على الإسلام والجهاد) [البخاري رقم الحديث 2962، فتح الباري نفس الجزء والصفحة]، وفي حديث ابن عمر وعبادة: (بايعناه على السمع والطاعة وألاّ ننازع الأمر أهله – كل هذه الروايات في صحيح مسلم – قال: وفي رواية عن ابن عمر في صحيح مسلم البيعة على الصبر) [البخاري رقم الحديث 2958، فتح الباري (6/117)] قال العلماء: (هذه الرواية تجمع بين المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات: فالبيعة على الموت على ألا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي الصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت، لا أن الموت مقصود في نفسه، وكذلك البيعة على الجهاد، أي والصبر فيه) [شرح النووي على صحيح مسلم (13/2-6) وانظر حواشي تحفة المحتاج على المنهاج (9/238)].

( 67 )

6 ) إتفاق الغزاة في سبيل الله على شعار يميّز المسلمين من غيرهم:
ومن آداب الجهاد أن يتفق المجاهدون على كلمة سر لا يعلمها غيرهم، تكون شعاراً لهم ليميز بعضهم بعضاً عندما تلتقي صفوفهم بصفوف عدوهم حتى لا يختلطوا بالمشركين، ويختلط المشركون بهم، لأن تمييز المسلمين عن المشركين فيه فوائد عظيمة منها: عدم استطاعة المشركين الاختلاط بهم للتجسس عليهم، أو الغدر بهم، ومنها عدم قتل المسلم أخاه المسلم خطأ منه أنه من أفراد العدو.
وغير ذلك من الفوائد، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه قبل أن يلتقي بهم العدو، شعاراً خاصاً بهم، كما في حديث المهلَّب بن أبي صُفْرة رحمه الله عمّن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن بيَّتكم العدو، فقولوا حم لا ينصرون) وروي عن المهلب مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه الترمذي [جامع الأصول (2/573) رقم الحديث 1053، وقال المحشي: الترمذي، رقم 1682، في الجهاد، باب ما جاء في الشعار وأبو داود رقم2597 في الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار، وأخرجه أحمد في مسنده 45/65 و 5/377، وذكره ابن كثير في تفسيره عن أبي داود والترمذي، وقال: هذا إسناد صحيح] وكان أصحابه رضي الله عنهم يطبقون ذلك في غزوهم.
وفي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: أمّر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أبا بكر، فبيَّتنا ناس من المشركين نقتلهم، وقتلت بيديّ تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين، وكان شعارنا: " أمِتْ " وفي رواية أخرى: يا منصور أَمِتْ، أخرجه أبو داود، وانتهت روايته عند أمت الأولى، وفي أخرى لأبي داود أيضاً قال: (غزونا مع أبي بكر زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان شعارنا: أمِتْ … أمِتْ) [جامع الأصول (2/573) رقم الحديث: 1052، قال المحشي: أبو داود رقم 2596 في الجهاد باب ما جاء في الرجل ينادي بالشعار . ورقم 2638، في الجهاد، في البينات من حديث عكرمة بن عمار بن إياس بن سلمة عن أبيه، وسنده حسن، وأخرجه أحمد في مسنده 4/64، والدارمي في سننه 2/219 من حديث ابن عميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: بارزت رجلاً فقتلته فنفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه، فكان شعارنا مع خالد بن الوليد: أمت، يعني أقتل، وإسناده صحيح. وانظر (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي (13/56)].
ويظهر من الحديثين: حديث المهلب، وحديث سلمة أن الشعار كان مما يداوَم عليه في الغزو.

( 68 )

7) تنشيط المجاهدين بالأناشيد
ومن آداب الجهاد مشاركة القائد جيشه في العمل والإعداد لقتال العدو والترويح عنهم، بترديد بعض الأناشيد الإسلامية المشجعة مع رفع الصوت بذلك، لما فيه من جلب النشاط والتشجيع على العمل والتهييج على العدو، وما ورد من كراهة رفع الصوت عند القتال لا ينافي رفع الصوت عند الإعداد.
ففي حديث البراء رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلاً كثير الشعر وهو يرتجز برجز عبد الله:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ========= ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ============ وثبِّت الأقدام أن لاقينا
أنّ العِدا قد بَغَوا علينا ============ وإن أرادوا فتنةً أبينا
يرفع بها صوته [الحديث في صحيح البخاري ]
قال الحافظ: (وجرت عادة العرب باستعماله – الرجز – في الحرب ليزيد في النشاط، ويبعث الهمم، وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشعر غيره … إلى أن قال: وكان المصنف – يعني البخاري – أشار في الترجمة بقوله: رفع الصوت في حفر الخندق إلى أن كراهة رفع الصوت مختصة بحال القتال، وذلك فيما أخرجه أبو داود من طريق قيس بن عبادة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال). [ يراجع مع تعليق الحافظ ابن حجر المذكور في الفتح (6/160،161).
وقال محمد بن شمس الحق العظيم آبادي نقلاً عن الشوكاني: (لعل وجه كراهتهم لذلك أن التصويت في ذلك الوقت ربما كان مشعراً بالفزع والفشل بخلاف الصمت، فإنه دليل الثبات ورباط الجأش) [عون المعبود شرح سنن أبي داود (7/319) ورقم الحديث فيه 2639].
Cool تقسيم الجيش تحت نقباء
من الضروري للقائد أن يكون جيشه منضبطاً منظماً تنظيماً يمكنه من تبليغ ما يريد تبليغه إياهم بأقصى سرعة ممكنة، كما أنه قد يحتاج إلى إقناعهم بأمر ما من أمور الحرب، ويصعب إقناع كل فرد على حدة لكثرتهم، وقد يظهر بعضهم رضاه بما يأمرهم به القائد، فيظن القائد أن الجيش كله قد وافق على ذلك، مع أن بعضهم قد يكون غير راضٍ، وفي ذلك ما فيه من الخطر الذي قد يقع ممن لم يرضَ بذلك الأمر في وقت يصعب فيه تدارك الأمر، لذلك يجب أن يقسم القائد المسلم جنده إلى مجموعات طبقاً لما تقتضيه المصلحة، ويؤمر على كل مجموعة عريفاً أو نقيبا يكون مسئولاً عنهم، وعن طريقه تكون البلاغات والأوامر والمشاورة، وغير ذلك من الأمور.
ففي غزوة حُنَيْن: جاءه هوازن يطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم ما أخذ من أموالهم، وسبي من مواليهم ونسائهم، فخطب في أصحابه قائلاً: (أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل). فقال الناس: (قد طيبنا ذلك يا رسول الله) فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: (إنا لا ندري من أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم) فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا [البخاري رقم 4321، فتح الباري (7/34)].
وقال الحافظ: (وهو – أي العريف – القائم بأمر طائفة من الناس من عرُفت بالضم وبالفتح على القوم أعرُف بالضم فأنا عارف وعريف أي وليت أمر سياستهم وحفظ أمورهم، وسمى بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يُعَرَّف بها من فوقه عند الاحتياج [فتح الباري (13/168)]إهـ.
ووجه الدلالة من هذا الحديث وجود عرفاء في المعركة بمقتضى تنصيبهم قبل البدء فيها، بأن يكون لكل مجموعة منهم عريف يرعى شؤونهم ويبلغهم أوامر القائد وتعليماته ويرفع إليه ما هم في حاجة إليه.
وفي هذا الحديث الشريف تربية عملية من الرسول صلى الله عليه وسلم لمن ولي أمور المسلمين ألا يتصرف في حقوقهم بدون إذنهم، فهو صلى الله عليه وسلم ولي أمر المسلمين وكان أصحابه رضي الله عنهم يقدمون طاعته على رغبات أنفسهم، ويقدمون محبته على محبة أرواحهم، يتسابقون لإنفاذ أوامره، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم من أن يظلم أو يجور أو يتبع هوى أو شهوة، ومع ذلك يطلب من أصحابه أن يردوا سبي هوازن فيلبون طلبه، ولكنه يخشى أن يكون بعض الأفراد غير راضين، فلا يبتُّ في الأمر حتى يرد الأمر إلى عرفاء الناس الذين يستطيعون أن يعرفوا رأي كل واحد من جماعتهم، ليستيقن صلى الله عليه وسلم أن القوم راضون غير مكرهين ولا محرجين.
فأين هذا الأدب النبوي العظيم مما يعمله من ولاّهم الله رقاب المسلمين من الزعماء الذين يغتصبون حقوق الناس بدون حق، ويعملون شتى أنواع الحيل للوصول إلى ذلك، إما في صورة قانون جائر، وإما عن طريق بطش ظالم...

( 69 )

9) ومن آداب الجهاد اتخاذ الألوية والرايات
واللواء أو الراية أو العلم يتخذها المجاهدون، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تحمل على رأسه رمزاً لرفع كلمة الله التي ينضوي تحتها المؤمنون، ويشدون على أعداء الله الذين يريدون إطفاء نور الله وتحطيم راية الإسلام ورفع راية الكفر.
وقد كان إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم الراية لأحد أصحابه، دليلاً على محبة الله ورسوله له ومحبته لله ورسوله، ولذلك كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يتمنى كل واحد منهم أن ينال شرفها.
ففي صحيح البخاري عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: (لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) قال: (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها)، فقال: (أين علي بن أبي طالب؟ )، فقيل: هو – يا رسول الله – يشتكي عينيه، قال: (فأرسلوه إلي) فأُتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: (يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) [البخاري رقم 4210، فتح الباري (7/476) ومسلم (4/1871)].
قال الحافظ: (وفي هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحروب، وأن اللواء يكون مع الأمير أو من يقيمه لذلك عند الحرب)، وقد تقدم حديث أنس: (أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، الحديث) [الفتح (6/129)].
وكما يتنافس المجاهدون في حمل راية الإسلام والإنضواء تحتها، فإن عليهم أن يبتعدوا عن راية الجاهلية، أو الرايات العمياء التي لا يعرف هدفها، خشية من أن يقادوا إلى ما يسخط الله، وهم إنما يريدون وجهه ورضاه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب للعصبية، أو يدعوا إلى عصبية أو ينصر عصبية، فقتل، فَقِتْلَةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه) [صحيح مسلم (3/1476)].
[قال النووي في معنى عمية: " هي بضم العين وكسرها، لغتان مشهورتان، والميم مكسورة ومشددة، والياء مشددة أيضاً، قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور، قال إسحاق بن راهويه، كتقاتل القوم للعصبية إهـ. من شرح النووي على صحيح مسلم (12/238)]
والظاهر من قوله: (يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، إنه تفسير لهذه الراية العمية، والمراد أنه لا يقاتل لإعلاء راية الإسلام وإنما لإتباع هوى أو نصر ذي هوى، فلا يدخل في ذلك من قاتل تحت راية حاكم جائر ضد احتلال عدو كافر لأرض المسلمين والسيطرة عليهم لأن الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر، كما مضى، إلا أن يشترط في هذا الفجور ألا يصل إلى الكفر البواح، فإن كان الحاكم كافراً كفراً بواحاً عند المسلمين فيه من الله برهان فعندئذ يجب أن يبدءوا به فيقاتلوه هو وأعوانه وينصبوا من يحكم فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأن الكافر الذي اتضح كفره قد يخدع المسلمين ويتعاون مع أعدائهم ضدهم.
ومن الكفر البواح: تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحلّ الله، مثل أن يبيح لنفسه وضع قوانين تخالف أحكام الكتاب والسنّة، أو يعتقد عدم صلاح الحكم بالإسلام، وكذا من أجاز له ذلك من أعوانه ورعيته فإنه كافر بالله تعالى.
قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب) فقال: (يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك) قال: (فطرحته وانتهيت إليه، وهو يقرأ سورة براءة )، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)، قال: (قلت يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم)، فقال: (أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرمونه ويحلّون ما حرّم الله فتحلونه؟) قال: قلت بلى، قال: (فتلك عبادتهم) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (10/114) الآية في التوبة:31].

( 70 )

10) اللجوء إلى الله تعالى والاستغاثة به:
ومن آداب الجهاد في سبيل الله اللجوء إلى الله لدعائه والاستغاثة به وطلب نصره على الأعداء، وهذه سنة مضى عليها أولياء الله من الأنبياء والرُسل وأتباعهم، كما فعل نوح عليه السلام عندما شعر بقوة قومه المادية: (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) [القمر:2] وقال تعالى: (وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) [آل عمران:146-147].
وقال عن جنود طالوت: (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله) [البقرة: 250-251].
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء الله والاستغاثة به، وبه اقتدى أصحابه كما قال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [الأنفال: 9].
وعن طارق بن شهاب قال: (سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: (فاذهب أنت وربك) ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرّه يعني قوله) [البخاري رقم 3952، فتح الباري (7/287)].
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعدّتهم، ونظر إلى أصحابه نيّفاً على ثلثمائة، فاستقبل القبلة، فجعل يدعو ويقول: اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضع رداءه عليه، ثم التزمه من وراءه ثم قال: كفاك يا نبي الله بأبي وأمي مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك)، فأنزل الله (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (9/189) وهو في صحيح مسلم (3/1383) مع الاختلاف في بعض ألفاظه].
وقد دلّ حديث أنس الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي على مداومة الرسول صلى الله عليه وسلم على الدعاء إذا غزا، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: (اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول ولك أصول، وبك أقاتل) – هذه رواية أبي داود – وفي رواية الترمذي: (أنت عضدي وأنت نصيري وبك أقاتل) [جامع الأصول (5712) رقم الحديث 1049، قال المحشي: (وإسناده صحيح، وحسّنه الترمذي].
وسيأتي مزيد بيان عن الدعاء وفوائده إن شاء الله في فصل عوامل النصر وعوامل الهزيمة.

( 71 )

11 ) دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال:
المقصود من الجهاد في سبيل الله تعالى: رفع راية الإسلام، وهداية الناس إلى الله، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله، والأصل في ذلك أن يبلّغ الناس هذه الدعوة بالوسائل الممكنة ويشرح لهم محاسن الإسلام، وأنه فرض على كل الناس أن يدخلوا فيه، وأنه لا دين حق في الأرض سواه (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران: 85] (إن الدين عند لله الإسلام) [آل عمران: 19].
حكم الدعوة قبل القتال
واختلف العلماء في حكم الدعوة قبل القتال.
فذهب الحنفيون إلى وجوبها على المجاهدين في حق من لم تبلغهم الدعوة، وإلى أنها أفضل في حق من بلغتهم الدعوة، وإلى جواز تركها في حق من بلغتهم وخشي تحصنهم إذا أنذروا، معاجلة المسلمين بالحرب [انظر المبسوط (10/6،30) وشرح فتح القدير (5/444)].
وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعيون، إلا أن الحنفيين قالوا إذا قاتل المسلمون الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة فقتلوهم لم يضمنوا، وقال الشافعيون يضمنون [انظر حواشي تحفة المحتاج على المنهاج (9/242)].
والظاهر من مذهب الحنابلة وجوب الدعوة أيضاً في حق من لم تبلغهم واستحبابها في حق من بلغتهم، وفرق بعضهم بين أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون بدون دعوة لأن الدعوة بلغتهم، وبين الوثنيين فيجب دعوتهم [انظر المغني (9/210)].
ولا دليل على هذا التفريق، لأن المدار على بلوغ الدعوة وعدمه، والأمة التي بلغتها الدعوة الآن، قد يأتي زمان عليها لم تبلغها الدعوة فيه، ومما يدل على عدم صحة هذا التفريق قصة سلمان الفارسي مع قومه (وهم مجوس) كما في الترمذي، عن أبي البحتري (سعيد بن فيروز رحمه الله) أن جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي، حاصروا قصراً من قصور فارس، فقال المسلمون: (ألا ننهد إليهم؟) قال: (دعوني أدعوهم،كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فأتاهم) فقال: (إنما أنا رجل منكم فارسي، وترون أن العرب يطيعونني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، ورطن إليهم بالفارسية: وأنتم عير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء)، قالوا: (ما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكننا نقاتلكم، قالوا: يا أبا عبد الله: ألا ننهد إليهم)، قال: (لا فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال [ جامع الأصول رقم 1075، وقال المحشي: رقم 1548 في السير باب ما جاء في الدعوة قبل القتال، وقال: وفي الباب عن بريدة والنعمان بن مقرن، وابن عمرو وابن عباس، وحديث سلمان حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب، سمعت محمداً – يعني البخاري – يقول البحتري لم يدرك سلمان، لأنه لم يدرك علياً، وسلمان مات قبل علي]: انهدوا إليهم، فنهدوا إليهم، ففتحوا ذلك القصر (أخرجه الترمذي)..
أما المالكيون فذهبوا إلى وجوب الدعوة قبل القتال مطلقاً، أي سواءً بلغتهم أم لم تبلغهم [انظر الشرح الصغير على اقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك (2/275)].
ومحصَّل الأقوال: أن الحنفيين والشافعيين والحنابلة يرون التفصيل: وجوب الدعوة في حق من لم تلبغهم، وعدم وجوبها في حق من بلغتهم، وأن المالكين يرون وجوب الدعوة مطلقاً، إلا أن الذي نص عليه ابن عبد البر في الكافي يوافق ما نص عليه في المذاهب الثلاثة حيث قال: (وكل من بلغته دعوة الإسلام لم يحتج إلى أن يدعى، وكل من لم تبلغه لم يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام، وكان مالك يستحب ألا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى الإسلام بَلَغَتْهُم الدعوة أو لم تبلغهم إلا أن يعجلوا عن ذلك فيقاتلوا) [الكافي (2/466) لابن عبد البر].
ويحكى قول ثالث وهو عدم الوجوب مطلقاً [غزوة بني المصطلق لإبراهيم القريبي ص: 45].
وأرجح الأقوال - فيما يظهر – التفصيل، وهو وجوب الدعوة إلى الإسلام في حق من لم تبلغهم قبل القتال، لأنهم حينئذ لا يدرون على ماذا يقاتلون؟ وقد يفسرون مقاتلهم أنها من أجل نهب أموالهم ونحو ذلك، وإقامة الحجة واجبة: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) [الإسراء: 15].
ويدل على هذا حديث بريدة: (إذا لقيت عدوك، فادعهم إلى ثلاث خصال … ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فكف عنهم واقبل منهم …) [صحيح مسلم رقم الحديث 1731، وهو في جامع الأصول (2/589) رقم 1073] واستحباب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال في حق من بلغتهم قبل ذلك ولم يخشَ معاجلتهم المسلمين أو فواتهم عليهم، مبالغة في الإنذار الذي قد يهدي الله به القوم، ويدل على هذا أن يهود خيبر كانوا قد بلغتهم الدعوة، ومع ذلك فقد سأل علي رضي الله عنه عندما أعطي الراية وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم فقال: (يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه … الحديث) [البخاري رقم 4210، انظر فتح الباري (7/476) ومسلم (4/1872)].
فإن كانوا قد بلغتهم الدعوة ودلّت القرائن على أنهم يبيتون للمسلمين شراً أو يجمعون جموعهم لقتال المسلمي، فالذي يظهر أنه يجب في هذه الحالة على المسلمين أن يغيروا عليهم دون إنذار سابق، لأن المسلمين على حق والكفار على باطل، والفرصة إذا سنحت للمسلمين يجب عليهم اغتنامها وعدم تفويتها والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله) [مسلم (4/2052)].
ولعل إغارة الرسول صلى الله عليه وسلم على بني المُصْطَلِق وهم غارُّون – أي غافلون – من هذا الباب، لأنهم كانوا ضمن الأحابيش الذين غزو الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، كما أنهم كانوا يجمعون لقتاله قبل أن يغزوهم [راجع المبسوط (10/30-31) وزاد المعاد (2/125) وغزوة بني المصطلق لإبراهيم القريبي مخطوطة ص:48].
وكذلك غزوة تبوك إذ كان الروم يتحفزون لغزو المسلمين.
ويحصل بلوغ الدعوة بانتشارها، وعلم الناس عنها في الجملة، لأن سماعهم بها يلزم الاستفسار عنها وتعلمها، وقد كان كثير من المشركين يبعثون من يأتيهم بخبرها أو يسافرون بأنفسه لسماعها.
وقد توافرت في هذا العصر الوسائل التي يمكن تبليغ الدعوة بها إلى كافة الناس بلغاتهم: مثل الإذاعة والتلفاز، والهاتف والأشرطة المسجلة، والكتب المترجمة، والصحف والمجلات والإنترنت … وغيرها.
ويكفي أن يبلغ زعماء الأمم تلك الدعوة ويطلب منهم أن يبلغوا قومهم وأن يدخلوا جميعاً في الإسلام، وهم الذين يتحملون بعد ذلك مسئولية قومهم إن لم يبلغوهم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كاتب الملوك والرؤساء.
كما في كتابه صلى الله علسه وسلم إلى هرقل ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين [الأريسيون: الفلاحون والزارعون والمقصود رعاياه شرح النووي على مسلم (12/109)] (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [البخاري رقم 2940 فتح الباري (6/109) ومسلم (3/1393) وقال النووي: في هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد، منها دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وهذا الدعاء واجب، والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب، هذا مذهبنا وفيه خلاف للسلف سبق بيانه في أول كتاب الجهاد إهـ (12/107-109) شرح النووي على مسلم والآية في آل عمران:64].
وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم [(3/1397) وهو في مشكاهة المصابيح برقم 3926 (2/381)].
وهكذا فعل أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم: عن أبي وائل قال: كتب خالد بن الوليد إلى أهل فارس (بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران في ملأ فارس، سلام على مكن اتبع الهدى، أما بعد فإنا ندعوكم إلى الإسلام، فإن أبيتم فاعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبون القتال قي سبيل الله، كما تحب فارس الخمر، والسلام على من اتبع الهدى) [مشكاة المصابيح (2/383)].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:38 am


( 72 )

الفرع الثاني : آداب القتال أثناء المعركة

أولاً: عدم قتل غير المقاتلين:
الإسلام دين الرحمة والعدل، وهو يعم بهما – أي بالرحمة والعدل – كل الناس في حالة السلم، وفي حالة الحرب، إلا من حارب الرحمة و العدل فإن من العدل – حينئذ - في حقه أن ينال جزاءه من القتل والخزي والعذاب كما قال تعالى: (ألا تقتلوا قوماً نكثوا أيمانهم، وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة، أَتَخْشَوْنهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذِّبهم الله بأيديكم، ويُخْزِهم، ويَنْصُركم عليهم، ويَشْفِِ صدور قوم مؤمنين ويُذْهب غيظَ قلوبِهم، ويتوبُ الله على من يشاء والله عليم حكيم) [التوبة:13-15].
أما الكافر الذي لا يقاتل المسلمين، كالنساء والأطفال ونحوهم – كما سيأتي بيانهم قريباً – فإن قتلهم يعتبر ظلماً واعتداء لا يرضاه الله، وقد ورد بذلك الكتاب والسنة، وطبقه المسلمون في حروبهم.
قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) [البقرة: 190].
وقد اختلف العلماء في المعنى المراد بقوله: (الذين يقاتلونكم) فرأى بعضهم أن معنى ذلك أن يكف المسلمون عن قتال من لم يقاتلهم من الكفار أي لا يقاتلون إلا من بدأهم بالقتال [انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/347)، والمنار لمحمد رشيد رضا (2/208)]
ثم من العلماء من رأى أن الآية محكمة، وأن بدأ المسلمين بقتال المشركين يعتبر اعتداء لا حق لهم فيه، وحمل هؤلاء الآيات التي فيها الأمر بقتال المشركين كافة وبراءة الله ورسوله منهم، كما في سورة التوبة، حملوها على ناقضي العهد الذين يبدأون بالاعتداء على المسلمين [انظر تفسير المنار (10/179-199)].
ومنهم من رأى الآية منسوخة بآيات الجهاد التي نزلت في آخر مراحله في سورة التوبة، مثل قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) [التوبة:5].
وقوله: (وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة) [التوبة: 36].
ومن هؤلاء ابن زيد والربيع [(2/348) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)].
وعلى هذا فهذا الحكم، وهو عدم بدء المسلمين بقتال من لم يقاتلهم، كان مرحلة من مراحل الجهاد، وقد سبق الكلام على ذلك في مبحث: مراحل الجهاد.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالآية نهي المسلمين أن يقاتلوا من لم يكن من أهل القتال، كالمرأة والصبي ونحوهما، وهي محكمة، وليست منسوخة وعلى هذا ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد والمعنى: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل الصبيان والرهبان وشبههم، واستدل لهؤلاء بأمرين:
الأمر الأول: إن القتال يفيد المشاركة، والنساء والأطفال ونحوهم لا يقاتلون، فلا يقتلون، ولذلك فحمل الآية على نهي المسلمين عن قتال من لم يقاتلهم متعين.
الأمر الثاني: ما ورد في السنة النبوية مفسراً لهذا المعنى حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، ومن أشبههن ممن ليسوا أهلاً للقتال [انظر الجامع لأحكام القرآن (2/348)].
والذي يظهر رجحان هذا القول الأخير.
وقد لخص القرطبي رحمه الله من يدخل في هذا النهي في ست صور:
1) النساء 2) الصبيان.
3) الرهبان 4) الزَّمْنَى.
5) الشيوخ 6) العُسفاء والأجراء والفلاحون.[المرجع السابق (2/348)].

( 73 )

1) : النساء والصبيان.
ورد النهي صريحاً عن قتل النساء والصبيان، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (إن امرأة وُجِدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان) [البخاري رقم الحديث 3014، فتح الباري (6/148) ومسلم (3/1364)].
ففي هذا الحديث دليل على عدم جواز قتل النساء والصبيان كما هو واضح.
وفي حديث الصعب بن جثامة ما قد يفهم من ظاهره ما يخالف حديث ابن عمر السابق، ونصه: مرّ بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودَّان، وسئل عن أهل الدار يبيتون من المشاركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: (هم منهم) [البخاري رقم 3012، فتح الباري (6/148) ومسلم (3/1364)].
وقد حمل العلماء الحديث الأول - حديث ابن عمر - على العمد، أي لا يجوز للمسلمين أن يتعمدوا قتل النساء والصبيان، وحملوا الحديث الثاني – حديث الصعب – على حالة عدم تميز النساء والأطفال، كما في حالة التبييت.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم عند الكلام على حديث ابن عمر: (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان ما لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون) [شرح النووي على صحيح مسلم (12/48)].
وقال في شرحه على حديث الصعب: "( والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة وأما الحديث السابق – أي حديث ابن عمر – في النهي عن قتل النساء والصبيان فالمراد به إذا تميزوا " [المرجع السابق (12/49)].
2): الرهبان والشيوخ الزمنى والاجراء.
ذهب الحنفيون والمالكيون والحنبليون إلى أن هؤلاء كلهم لا يقتلون ما لم يقاتلوا [انظر فتح القدير لابن الهمام، وحواشيه (5/452) فما بعدها، والشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك (2/277) وكذلك كتاب الكافي لابن عبد البر (1/466) والمغني لابن قدامة (9/311)].
وذهب الشافعيون إلى أن هؤلاء كلهم يقتلون في أظهر القولين عندهم، من عدا المرأة والصبي [انظر حواشي تحفة المحتاج على المنهاج (9/240-241) وتكملة المجموع للعقبي (18/77)]، وهذا ما نصره ابن حزم في المُحَلَّى [(7/297)].

أدلة من رأى عدم قتلهم جميعا
استدل القائلون بعدم قتل الأصناف المذكورة ما لم يقاتلوا بأدلة:
الدليل الأول: الآية القرآنية السابقة الذكر (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) [البقرة: 190]، قالوا: فكل من لم يقاتل ولم يبد منه ما يضر المسلمين من رأي يفيد الكفار أو تحريض أو مال ونحوه، فإنه لا يجوز قتله.
الدليل الثاني: ما ورد في بعض كتب السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن بعض الصحابة من النهي عن قتل بعض من ذكر.
ففي حديث رباح بن الربيع رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً، فقال: (انظر على ما اجتمع هؤلاء؟) فجاء فقال على امرأة قتيل، فقال: (ما كانت هذه لتقاتل وعلى المقدمة خالد بن الوليد)، قال: فبعث رجلاً، فقال: قل لخالد: (لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً) أخرجه أبو داود [جامع الأصول (2/598) قال المحشي: رقم 2669 في الجهاد، باب في قتل النساء، وإسناده صحيح].
واستدل بالحديث من وجهين: الوجه الأول قوله صلى الله عليه وسلم: (ما كانت هذه لتقاتل) فجعل صلى الله عليه وسلم العلة في النهي عن قتلها كونها لا تقاتل، وهذا يوضح معنى قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
الوجه الثاني: النص على العسيف، وهو الأجير، والغالب أنه لا يقاتل كالمرأة والصبي.
وفي حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انطلقوا باسم الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً، صغيراً ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا) (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) [سنن أبي داود (3/86)، وهذا سنده: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم، وعبيد الله بن موسى عن حسن بن صالح، عن خالد بن الفزر، حدّثني أنس … إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس، نشر وتوزيع محمد علي السيد. والآية في سورة البقرة: 195، والحديث في جامع الأصول (2/596) رقم 1 الحديث 1076 بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط، قال في الحاشية: وفي سنده خالد بن الفزر، الهادي عن أنس، لم يوثقه غير ابن حبان، وبقية رجاله ثقات، وله شواهد يتقوى بها].
الدليل الثالث: وصية أبي بكر رضي الله عنه لأمير له: (لا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، إنك ستمر على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع، زعموا لله، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له …) [جامع الأصول (2/599) قال المحشي: وفيه انقطاع لأن يحيى بن سعيد لم يدرك أبا بكر].

( 74 )

أدلة من رأى قتلهم جميعا، ما عدا المرأة والصبي
واستدل القائلون بقتل من عدا المرأة والصبي الذي لم يبلغ الحلم بأدلة:
الدليل الأول:
العموم الوارد في النصوص بقتل المشركين كافة، وبقتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، كقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حَيْثُ وجدتموهم، وخُذُوهم، واحصُروهم، واقعدوا لهم كل مَرْصَد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم) [التوبة: 5].
وكذلك قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دينَ الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعْطُوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [التوبة: 29].
الدليل الثاني:
الأمر بقتال الشيوخ نصاً، كما في سنن أبي داود والترمذي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم) - أي صغارهم - [الترمذي (4/145) ومشكاة المصابيح (2/386) والمحلى (7/298)]، والحديث قال الترمذي فيه: (هذا حديث حسن صحيح غريب).
الدليل الثالث:
ما رواه عطية القرظي قال: (عرضت يوم قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت) [مشكاة المصابيح (2/349) والمحلى (7/299)].
الدليل الرابع:
إقرار النبي صلى الله عليه وسلم قتل دريد بن الصُّمَّة وكان شيخاً كبيراً [المحلى (7/296-299) وراجع المغني (9/311) ونيل الأوطار (7/279)].
الدليل الخامس:
ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه (كَتَب إلى أمراء الأجناد ألا يجلبوا إلينا من العلوج أحداً، ولا تقتلوا من جرت عليه المواسي (كذا ولعله إلا من جرت عليه المواسي) ولا تقتلوا صبياً ولا امرأة …) [المحلى (7/299)].
وقد شنع ابن حزم – كعادته في التشنيع – على القائلين بعدم قتل من عدا النساء والصبيان، وضعف كل الأحاديث التي استدلوا بها، وقال بعد أن ذكر رواية عطية القرظي: (فهذا عموم من النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبق منهم عسيفاً، ولا أجيراً ولا فلاحاً، ولا شيخاً كبيراً).
وقال بعد أن ذكر كتاب عمر إلى أمراء الأجناد: (فهذا عمر رضي الله عنه لم يستثن شيخاً، ولا راهباً، ولا عسيفاً، ولا أحداً، إلا النساء والصبيان فقط، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه، وقد قتل دريد بن الصمة وهو شيخ هرم قد اهتر عقله فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم …).
وقد رد القائلون بعدم القتل على استدلال الآخرين بالنصوص العامة الواردة في قتل المشركين، بالنصوص المخصصة لهذا العموم، مثل: (قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) [البقرة: 190] والحديث الذي سبق إيراده في النهي عن قتل الشيخ الفاني وغيره ممن ذكر، مع مراعاة العلة التي نص عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل النساء: (ما كانت هذه لتقاتل).[ أحمد في المسند 3/488 ) و أبو داود (3/53) وغيرهما]
أما الأمر بقتل الشيوخ، إذا صح، وكذا إقرار النبي صلى الله عليه وسلم قتل دريد بن الصمة، وهو شيخ كبير فقد حملوه على الشيخ الذي يكون ذا رأي أو غيره مما يفيد به المشركين ويضربه المسلمين [المغني (9/312)].
ويؤيد هذا المعنى أن المرأة والصبي اللذين سلم ابن حزم وغيره بتحريم قتلهما يقتلان إذا قاتلا عند الجميع.
والذي يظهر هو رجحان ما ذهب إليه أهل القول الأول، وهو عدم قتل هؤلاء جميعا، مالم يقاتلوا، لأن دلالة ما ساقوه من الأدلة خاصة، ودلالة ما ساقه الآخرون عامة، أو محمولة على معنى خاص، وما ذكره ابن حزم عن عمر رضي الله عنه ليس منافياً لما ذكر عن أبي بكر رضي الله عنه لأن قوله: (وأن يقتلوا كل من جرت عليه المواس) دلالته عامة وقول أبي بكر: (لا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً …) دلالته خاصة، والذي يظهر من فعل السلف الصالح يؤيد هذا المذهب الله أعلم.
وهناك قول يحكي في جواز قتل المرأة والصبي، وهو قول مردود مخالف للنصوص الشرعية ومذاهب عامة العلماء فلا داعي لمناقشته [انظر بذل المجهود في حل أبي داود (12/200)].

( 75 )

ثانياً الحذر من جواسيس العدو:
الجاسوس المسلم
يجب على المجاهدين أن يحذروا غاية الحذر من تسلل جواسيس العدو إلى صفوفهم، لما في ذلك من كشف عوراتهم التي يترتب عليها إعداد العدو عدته على ضوئها، فإذا بدا لهم اشتباه في بعض الأفراد ممن هو في صفهم وينتَسب إليهم – أي إلى المسلمين – أو من غيرهم فالواجب متابعته والحوْلُ بينه وبين نقل المعلومات العسكرية الإسلامية إلى العدو.
قال البخاري رحمه الله: باب الجاسوس، وقول الله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء …) [الممتحنة: 1] وساق بسنده إلى علي رضي الله عنه يقول: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود)، وقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ضغينة، ومعها كتاب، فخذوه منها)، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالضعينة، فقلنا: اخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟!) قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفراً ولا ارتداداً ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد صَدَقَكم) فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: (إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: (اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) [البخاري رقم الحديث 3007، فتح الباري (6/143) ومسلم (4/1941) رقم الحديث (4/24)].
فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بمتابعة المرأة وأخذ الكتاب منها، وفهم المبعوثون لذلك رضي الله عنهم أن لهم الحق في اتخاذ الوسيلة التي يتمكنون بها من الحصول عليه، ولو كان في ذلك كشف عورة المرأة، لأن المصلحة الراجحة تقتضي ذلك، وكشف عورتها تعتبر مفسدة ولكن المفسدة التي تترتب على تركها أكبر، والقاعدة تقديم أعلى المصلحتين، وارتكاب أخف المفسدتين، قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: (وفيه هتك أستار الجواسيس بقراءة كتبهم، سواء كان رجلاً أو امرأة، وفيه هتك ستر المفسدة إذا كان فيه مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وإنما يندب الستر إذا لم يكن فيه مفسدة، ولا يفوت به مصلحة، وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر …) [16/55].
وفي قصة حاطب مشروعية عفو القائد عن بعض أفراد الجيش إذا أساء متعمداً ثم ندم على إساءته واعتذر ودلت القرائن على حسن نيته وكان ذا سابقة طيبة. هذا في الجاسوس المسلم.
والجاسوس المسلم، قال الشافعي والأوزاعي، وأبو حنيفة، وبعض المالكية وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى: يعزره الإمام بما يرى ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله.
وقال مالك رحمه الله يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد.
وقال القاضي عياض رحمه الله، قال كبار أصحابه يقتل …) [شرح الإمام النووي على صحيح مسلم (12/67)].
والذي يظهر من قصة حاطب رضي الله عنه مشروعية قتل الجاسوس المسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على إرادة القتل وبين له أن المانع كونه شهد بدراً، وهو أخص من كون المانع هو الإسلام، ولو كان الإسلام هو المانع من قتله لبيّن صلى الله عليه وسلم ذلك، ولم يعلله بأخص منه، وهذا الأخص لا يظفر به أي مسلم كان، بل هو خاص بحاطب أو من هو مثله ممن شهد بدراً [راجع فتح الباري (8/635)].
ولو جعل الإسلام مانعاً من قتل الجاسوس لكان في ذلك فتح للباب لضعاف النفوس ومرضى القلوب لكشف عورات المسلمين لأعدائهم الذين لا يألون جهداً في محاولة الاطلاع على أحوال المسلمين قوةً وضعفاً ليبينوا خططهم ويعدوا عددهم على ضوء معلومات دقيقة يستطيعون بها إنزال الضرر بالمسلمين والانتصار عليهم.
والذي يظهر أن الراجح ما قاله الإمام مالك رحمه الله وهو أن يترك حكمه لاجتهاد الإمام، فإن رأى أن في قتله مصلحة قتله وإن رأى أن المصلحة في تعزريه عزره بما يراه.
ولهذا رأى بعض العلماء أنه يقتل إذا كان التجسس له عادة [راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (18/53)].

( 76 )

الجاسوس غير المسلم.
وثبت في الجاسوس غير المسلم ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً، فجاء عين المشركين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتصبحون (أي يتناولون طعام الغداء)، فدعوه إلى طعامهم، فلما فرغ الرجل ركب على راحلته، وذهب مسرعاً، لينذر أصحابه قال فأدركته، فأنخت راحلته، وضربت عنقه، فغنمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه [ترتيب المسند المسمى: (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 14/112)].
هذا سياق أحمد، وهو عند البخاري بلفظ: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين، وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اطلبوه واقتلوه، فقتله فنفله سلبه) [البخاري رقم الحديث 3051، وهو في الفتح (6/168)].
وهو يوضح أن سلمة رضي الله عنه طلبه وقتله بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في صحيح مسلم وفيه: (ثم تقدم يتغذى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضَعْفَةٌ ورقه في الظهر، وبعضنا مشاة، فأتى جمله، فأطلق قيده، ثم أناخه، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل …الخ) [مسلم (3/1374) رقم الحديث 1754].
وهو بيّن أن الرجل اطلع على عورة المسلمين، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح [6/169].
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: (وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين … وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وقال جماهير العلماء: لا ينقض عهده بذلك، قال أصحابنا، إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
وعلى مجاهدي المسلمين أن يحذروا من تسلل عناصر الفساد إلى صفوفهم بإبداء الولاء لهم، وقصدهم الاطلاع على عورات المسلمين ونقلها إلى عدوهم، وقد يظهرون أنهم جواسيس للمسلمين على أعدائهم، فينقلون لهم – أي للمسلمين – معلومات مزيفة، أو ليست ذات بال، وعلى المسلمين أن يبتلوا من أراد الدخول في صفوفهم بتكليفهم بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، لأن ذلك هو منهج الله الذي يمحص به المنتسبين إلى الإسلام، فيظهر الصادق منهم من الكاذب. كما قال تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون) [التوبة: 16]، وقال تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت:1-3].
قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية الأخيرة: (يقول الله تعالى ذكره: (لقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم، ممن أرسلنا إليهم رسلنا فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم؟ وتمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل، فابتليناهم بفرعون وملئه، وكعيسى إذْ أرسلناه إلى بني إسرائيل، فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك). (فليعلمن الله الذين صدقوا) منهم في قيلهم آمنا، (وليعلمن الكاذبين) منهم في قيلهم ذلك. والله عالم بذلك قبل الاختبار، وفي حال الاختبار وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك: (وليظهرن الله صدق الصادق منهم في قيله آمنا بالله من كذب الكاذب منهم بابتلائه إياه بعدوه ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه) [جامع البيان عن تأويل القرآن (20/128-129)].

( 77 )

إعداد العيون الساهرة لجمع المعلومات عن الأعداء
وإذا كان يجب على المجاهدين في سبيل الله أن يحذروا من جواسيس العدو، ويقطعوا عليهم كل طريق إلى أخذ المعلومات العسكرية الإسلامية، فإن عليهم أن يعدوا الرجال القادرين على جمع معلومات العدو بطرق خفية لا يقدر على كشفها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يبعث عيونه في العدو لأخذ أدق المعلومات والأسرار من أعلى مستوى فيه ( مستوى القيادة. )
وهذه أمثلة لحرص القيادة النبوية على جمع أسرار العدو عن طريق عيونه الذين كان يبعثهم صلى الله عليه وسلم.
عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى منا، من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه، قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون قال: والله لقد كنا نجهد، قال: والله لو أدركَنا ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى اله عليه وسلم من الليل هويّاً، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم –يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرجع – أدخله الله الجنة، فما قام رجل ثم صلى رسول الله صلى اله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع –يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة – أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من القوم مع شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة فاذهب، فادخل في القوم، فانظر ما يفعلون، ولا تحدثَنْ شيئاً حتى تأتينا.
قال فذهبت، فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل، لا تقر لهم قدر ولا نار ولا بناء، فقام أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ مَن جليسه، فأخذت بيد الرجل الذي جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، وأخلفتنا بطون قريظة، بلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذه الرياح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة: ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مربط لبعض نسائه مرجل، فلما رآني أدخلني إلى رحله، وطرح عليَّ طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنه لفيه فلما سلم أخبرته الخبر (وسمعت غطفان بما فعلت قريش وانشمروا إلى بلادهم) [المسند (5/392) وهذا سند الحديث (حدثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا يعقوب، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرطبي قال …) مع خلاف في بعض الألفاظ. وهو في مسلم (3/1414)].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: اشتد الأمر يوم الخندق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يأتينا بخبر بني قريظة، فانطلق الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضاً، فذكر ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن لكل نبي حوارياً، وأن الزبير حواري) [المسند وهو في الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (4/49) والبخاري رقم الحديث 2747 فتح الباري (6/53) مسلم (4/1879)، وفيه ما يفسر قوله ثلاث مرات (ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير].
وكذلك بعث صلى الله عليه وسلم عيناً ينظر عبر أبي سفيان، كما في صحيح مسلم عن أنس قال بعث رسول الله صلى اله عليه وسلم بسيسة عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحدثه الحديث، قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال: (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا) [صحيح مسلم (3/1509-1510) رقم الحديث 1901].
ويجب أن يكون عيون المجاهدين في سبيل الله ممن عرفوا بتقوى الله تعالى وقوة الصلة به، وبالصدق والأمانة والقدرة على أداء واجبهم، دون أن يكشف العدو عملهم، وذلك يتطلب ذكاء وحكمة بالغتين [انظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (28/246-247)].

( 78 )

العناية بجرحى المسلمين وموتاهم
ولا بد للمجاهدين من أصطحاب فرق كافية لخدمة المقاتلين لطهي الطعام ونقل الماء، ومداواة الجرحى، ونقلهم من المكان الذي يخشى عليهم فيه من إجهاز العدو عليهم، إلى مكان لا يخشى عليهم منهم فيه، ونقل الموتى كذلك حتى لا يمثل بهم العدو.
ويستعمل في هذه الأمور من لا يجب عليه القتال، فقد كان النساء يقمن بهذه الأعمال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففي حديث أنس رضي الله عنه، قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً، شديد القدّ، يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، فأشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك –قال- ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وأنهما المشتمرتان، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثاً [البخاري رقم الحديث 3811، فتح الباري (7/128) ومسلم (3/1443)].
ففي هذا الحديث قيام النساء بسقي المجاهدين ونقل الماء لهم، ومثله في الحكم والطعام ونحوه.
وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قيام المرأة بالتمريض ومداواة الجروح –والأصل أن يكون الجريح الذي تداويه المرأة محرماً لها، كما هو واضح في الحديث الذي يذكر نصه قريباً، ولكن إذا دعت الضرورة إلى مداواتها غير محرم فلا مانع من ذلك مع عدم المباشرة [انظر فتح الباري (6/80)] حسب الإمكان.
سئل سهل رضي الله عنه عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال جرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم وعلي يمسك، فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة، أخذت حصيراً فأحرقته حتى صار رماداً ثم ألزقته فاستمسك الدم [البخاري رقم 2911، فتح الباري (6/96) ومسلم (3/1416)].
وفي حديث الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسقي القوم ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة، وفي رواية؛ ونداوي الجرحى [البخاري رقم الحديث 2883، فتح الباري (6/80)]
وقولها: ونخدمهم عام يشمل كل خدمة يحتاج إليها المجاهد في المعركة.
وفي حديث أم عطية قالت: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى [مسلم (3/1447)].
قال الحافظ: (وأوضح سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حازم فيما أخرجه الطبراني من طريقه سبب مجيء فاطمة إلى أحد، ولفظه: لما كان يوم أحد، وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم –هكذا- فكانت فاطمة فيمن خرج) [فتح الباري (7/373)].
هذا وليعلم أن الأصل عدم خروج المرأة مع المجاهدين، لاسيما لإرادة القتال، لما في ذلك من مخالفة المطلوب منها، وهو سترها ولهذا لما سسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم أزواجُه أن يأذن لهن في الجهاد قال: (جهادكن الحج) [البخاري رقم الحديث 2875، 2876، وانظر فتح الباري (6/75، 76)].
وقد كره العلماء أخذ النساء الشواب إلى أرض العدو، لأنهن لسن من أهل القتال، وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الخور والجبن عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن [المغني لابن قدامة (9/ 214-215)].
ولا ينافي ذلك أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من كانت تقع عليها القرعة من زوجاته، لأنها زوجة يأخذها لحاجته إليها [نفس المراجع السابقة (9/215) وانظر حواشي فتح القدير لابن الهمام (5/450) فما بعدها وكذا حاشية ابن عابدين (4/125)].
وفي هذه النصوص الدالة على أن الأصل في المرأة ألا تخرج مع المجاهدين، إلا لضرورة مع الحيطة المستطاعة، ما يبين فساد ما عليه الآن كثير من جيوش الشعوب الإسلامية، التي تجند فيها المرأة في وقت السلم والحرب على السواء، لا للخدمة والإعانة التي كانت تقوم بها نساء الصحابة رضي الله عنهم، وإنما لإفسادهن وإفساد رجولة جيوش الشعوب الإسلامية، إذ يختلط النساء – وهن بدون محارم- بالرجال مدة طويلة ويختلي الرجل بالمرأة، وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وهذه إحدى المعاصي التي عاقب الله بها المسلمين الذين يرون هذا المنكر وغيره في أبنائهم وبناتهم فلا ينكرونه، فسلط الله عليهم عدوهم فأذلهم واستباح حرماتهم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وليعلم هؤلاء أن الإسلام يقر المرأة عند الضرورة أن تقاتل كالرجال، كما في حديث أنس بن مالك أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا الخنجر؟) قالت اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك. قالت: يا رسول الله اقتل مَن بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن ) [مسلم (3/1442)].
وإذا دعت الحاجة لخروجها، فإن الإسلام لا يمنعها من ذلك، ولكنه يصونها عن ذئاب المعاصي والفسق والفجور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:39 am


( 79 )

الخيلاء في الحرب
ومن آداب الجهاد الإسلامية: الخيلاء في المعركة، أي تبختر المجاهد المسلم في ساحة القتال إشعاراً للعدو بعلو الهمة، والشجاعة، واستقبال الموت في سبيل الله برباطة جأش وسكينة نفس، وفي ذلك ما فيه من الإغاظة وإرهاب العدو، وإغاظة العدو وإرهابه عبادة يكتبها الله للمجاهدين، ويعدها من إحسانهم.
كما قال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولها من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيْلاً؛ إلا كتب لهم به عملٌ صالحٌ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120].
وللخيلاء صورتان:
الصورة الأولى: إظهار التجلد للعدو، حتى ولو كان المجاهد ضعيفاً لمرض أو جوع أو عطش أو كبر أو غير ذلك، ليبدو للعدو قوياً فيهابه. يدل على هذا أمر النبي صلى اله عليه وسلم أصحابه أن يسارعوا في طوافهم بالبيت عند قدومهم لأداء العمرة في عمرة القضاء، وقد قال المشركون أضعفتهم حمى يثرب، ليعلم المشركون أن الصحابة أقوياء وليسوا ضعفاء، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم [البخاري، رقم الحديث 1602، فتح الباري (3/ 469)، ومسلم (2/923)].
وقوله: (ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) يدل على أن الرمل في الثلاثة أشواط كلها من الحجر إلى الحجر هو السنة، وإنما خفف الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه فلم يأمرهم بالرمل بين الركنين، وقد بينت ذلك رواية جابر بن عبد الله لصفة طوافه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، إذ قال جابر: (رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر) [مسلم (2/921)].
قال الإمام النووي رحمه الله في تعليقه على رواية جابر هذه: (فيه بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وأما حديث ابن عباس المذكور بعد هذا بقليل، قال: وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين فمنسوخ بالحديث الأول –يعني حديث جابر- لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة، وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهاراً للقوة، واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين، لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر (بكسر الحاء وسكون الجيم) وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين، ويرونهم فيما سوى ذلك) [شرح النووي على مسلم (9/9)].
وقول النووي رحمه الله في حديث ابن عباس أنه منسوخ بحديث جابر لا داعي له، لأنه صرح في حديث ابن عباس نفسه أنه ما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرهم بالرمل في الطواف كله إلا الإبقاء عليهم، ومعنى هذا أن ضعفهم كان سبباً في التخفيف عنهم، بل إنه يفهم من حديث ابن عباس شيء آخر وهو أن أمرهم بالرمل فيما دون ما بين الركنين مع ضعفهم كان من أجل إظهار قوتهم لعدوهم وإشعار العدو بأن ما توهموه من ضعف الصحابة غير صحيح، ولولا ذلك لرخص لهم في ترك الرمل أصلاً، وهو مستحب كما صرح النووي بقوله: (باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة) [9/6].
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: (ويؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح، ونحو ذلك للكفار إرهاباً لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم) [الفتح (3/470)].
وهذا وإن لم يكن أثناء الحرب في المعركة فإن دلالته باعتبار أن حالة الحرب كانت قائمة بين الإسلام والشرك وهذه العمرة كانت في وقت هدنة ومصالحة.
الصورة الثانية: أن يختال في مشيته أمام عدوه، ويتبختر تبختراً يظهر به عزته على العدو: {أعزة على الكافرين} [المائدة: 54].
ففي حديث جابر بن عتيك أن النبي صلى اله عليه وسلم كان يقول: (من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله عز وجل فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله في غير ريبة، وإن من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغضها الله عز وجل فاختياله في البغي)، قال موسى: والفخر. [مسند الإمام أحمد (5/445) وسنن النسائي (5/58) وسنن الترمذي رقم الحديث 2642 تحفة الأحوذي (7/320) واللفظ للترمذي ما عدا لفظة: (بنفسه) فهي في المسند والنسائي، ولفظها في الترمذي: (فاختيال الرجل نفسه) بدون باء، وسنن أبي داود رقم الحديث 114 (3/114).
وقد ذم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الخيلاء في غير الحرب، كما قال تعالى: {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور} [لقمان: 18].
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان) [مسند الإمام أحمد (2/118) وسنده: حدثنا عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن إسحاق، أنا يونس بن القاسم الحنفي بحامي سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: سمعت ابن عمر يقول، فذكره].
وفي سيرة ابن هشام، عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن) [السيرة النبوية (3/19)].
قال في مجمع الزوائد: (وعن خالد بن سليمان بن خالد بن عبد الله بن خالد بن سماك بن خررشة عن أبيه عن جده، أن أبا دجانة يوم أحد أعلم بعصابة حمراء، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يختال في مشيته بين الصفين، فقال: (إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع) رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه) [مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/109)] ا هـ.
وذكر هذا الحديث الضعيف بهذا السند، وكذا الرواية التي قبله المذكورة في السيرة النبوية، المقصود منه تفسير الاختيال المشروع والاختيال الممنوع في حديث جابر بن عتيك.
ومشروعية الاختيال في هذا الموضع مخصصة للحظر العام الوارد في النصوص الأخرى مثل الآية السابقة {إن الله لا يحب كل مختال فخور...}، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورأى رجلاً يجر إزاره فجعل يضرب الأرض برجله، وهو أمير على البحرين، وهو يقول: جاء الأمير، جاء الأمير، قال رسول الله صلىى الله عليه وسلم: ( إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطراً) [صحيح مسلم (3/1653)].
ولقد حفظ عمر بن الخطاب لمن خطر واختال على أعداء الله في المعركة حقه بعد استشهاده، فأكرم من أجل ذلك ابنه، وفضله على غيره معللاً ذلك التفضيل بتلك المزية التي يحبها الله ورسوله في ذلك المقام، فعن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فرض للناس فرض لعبد الله بن حنظلة ألفي درهم، فأتاه طلحة بابن أخ له ففرض له دون ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين فضلت هذا الأنصاري على ابن أخي؟ قال: نعم لأني رأيت أباه يستن يوم أحد بسيفه كما يستن الجمل [الجهاد لابن المبارك (1/74)، ونقل المحشي عن النهاية (2/186) أن معنى يستن يمرح ويخطر].

( 80 )

عدم الخروج من معسكر المجاهدين بدون إذن الأمير
وجوب طاعة المأمور لأميره، من الأمور البدهية في الإسلام، وسيأتي الكلام عن ذلك في موضعه إن شاء الله، في فصل: صفات المجاهدين، وفي فصل عوامل النصر وعوامل الهزيمة.
ومن طاعة الأمير عدم الخروج من معسكر المجاهدين بدون إذنه، لما في ذلك من عدمن الالتزام بطاعته من جهة، ولما فيه من المحاذير التي قد يلحق ضررها بالجنود الذين لم يستأذنوا، وبالجيش الإسلامي كذلك.
فقد يقع الجندي المسلم في كمين من مقاتلي العدو، فيقتلونه أو يأسرونه، وقد يعذبونه حتى يدلهم على مواقع الجيش الإسلامي، وعددهم، وما عندهم من قوة أو ضعف في العتاد، وفي ذلك ما فيه من ضرر على الحندي الذي خرج بدون استئذان وعلى أمتهه.
وليس الأمر كذلك إذا خرج بإذن من قائده، فإن القائد سينصحه بما يجب عليه عمله، وقد يأمر بأن يصحبه من يحميه من كمائن العدو، وغير ذلك من الأمور الاحتياطية التي ل تتوافر للفرد وحده.
ولهذا كان من أهم صفات المؤمن الدالة على قوة إيمانه، عدم ذهابه بدون إذن أميره، في الأحوال التي تستدعي ذلك، كما قال سبحانه: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم إن الله غفور رحيم ) [ النور 62 ]
فقد حصر الله تعالى في هذه الآية الكريمة في مطلعها المؤمنين فيمن اتصفوا بالإيمان به وبرسوله، وبعدم الذهاب بدون إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع، كما جعل الاستئذان في وسط الآية من علامة الإيمان به وبرسوله، وجعل تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم مخيرا في آخر الآية في الإذن لمن شاء، مع الاستغفار لمن أذن له، لما في استئذانه من تركٍ للشأن العام الذي تعود مصلحته لعامة المسلمين، بخلاف شأنه الخاص، مهما كانت أهميته.
قال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: " يقول تعالى ذكره: ما المؤمنون حق الإيمان إلا الذين صدقوا الله ورسوله. ( وإذا كانوا معه على أمر جامع ) يقول: وإذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( على أمر جامع ) يقول على أمر يجمعهم جميعا، من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل ( لم يذهبوا ) يقول لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: " وقوله: ( إن الذين يستأذنونك أولئك الذين سؤمنون بالله ورسوله ) يقول تعالى ذكره: إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع عنك إلا بإذنك لهم، طاعة منهم لله ولك، وتصديقا بما أتيتهم به من عندي، أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقا، لا من يخالف أمر الله ورسوله، فينصرف عنك بغير إذن منك له، بعد تقدمك إليه ألا ينصرف عنك إلا بإذنك " اهـ. [جامع البيان عن تأويل آي القرآن 18/175-176]
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ( فأذن لمن شئت منهم ) " فكان النبي صلى الله عليه وسلم بالخيار، إن شاء أن يأذن، وإن شاء منع ( واستغفر لهم الله ) أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرا " اهـ [ الجامع لأحكام القرآن 12/321]
ويفهم مما مضى أن استئذان الجندي للانصراف لبعض شأنه في حال اجتماع المسلمين مع أميرهم لأمور مهمة مكروه، وإن أذن له الأمير، بدليل أمر الله لرسوله بالاستغفار لمن أذن له.
والأصل في المؤمن ألا يستأذن أميره في الذهاب في تلك الحال، إلا إذا كان له عذر يقتضي الاستئذان، وهو لا يستأذن إلا إذا كان صادقا في حصول عذر له، بخلاف المنافق، فإنه ينتحل الأعذار ويطذب على قائده، من أجل أن يسسوغ هربه من القيام بواجبه، بإذن أميره، كما قال تعالى: ( ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) [الأحزاب 13]
وفي مختصر الخرقي: " وإذا غزا المير لم يجز أن يتعلف ولا يحتطب، ولا يبارز علجا، ولا يخرج من المعسكر، ولا يحدث حدثا، إلا بإذنه. " وقال ابن قدامة – معلقا على هذه الجملة – " يعني لا يخرج من المعسكر... إلا بإذن الأمير، لقوله تعالى: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) ولأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو فيأخذه، أو طليعة لهم، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك، وإذا كان الأمير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن، وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ويطلع لهم... " [ المغني 9/216]
قلت: وقد يعاقب الله تعالى من يخرج من جيش المسلمين، بدون إذن الأمير، بما لا يدور في ذهنه من أنواع العقاب العاجلة، مع الإثم الذي سيلقى جزاءه في الآخرة.
وتأمل هذه القصة الثابتة من حديث ابي حميد، رضي الله عنه، قال: " خرجنا مع رسول الله صلى الله علليه وسلم في غزوة تبوك – إلى أن قال – وانطلقنا حتى بلغنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله ) فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ... " [صحيح مسلم 4/1785]
قال النووي رحمه الله: " هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيب وخوف الضرر من القيام وقت الريح، وفيه ماكان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على أمته والرحمة لهم، والاعتناء بمصالحهم، وتحذيرهم ما يضرهم في دين أو دنيا - وقال -: وجبلا طيئ مشهوران، يقال لأحدهما: " أجاء " بفتح الهمزة والجيم وبالهمزة. والآخر " سلمى " بفتح السين، و" طيئ " بياء مشددة، بعدها همزة، على وزن سيد، وهو أبو قبيلة في اليمن. [شرح المووي على صحيح مسلم 15/42]
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبلا أصحابه، بالغيب الذي إذا فعلوه حصل عليهم منه ضرر، فإن الواجب على المسلم أن يحذر مخالفته لأميره، ولو الذي لا يعلم الغيب، ولا يخرج بدون إذنه، لإغن ذلك معصية قد يعاقبه الله عليها بما يشاء، مما لا يعلمه الأمير ولا المأمور.
وقد كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه، مع رسول الله عليه وسلم، قافلا إلى المدينة بعد إحدى الغزوات، وكانت نفسه تتوق إلى زوجه، وكان حديث عهد بزواج، فلم يلب نفسه رغبتها إلا بعد أن استأذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليسرع، فأذن له. فقد قال: " فقلت: يا رسول الله ! إني عروس، فاستأذنته فأذن لي، فتقدمت الناس إلى المدينة... " [صحيح البخاري، رقم لحديث 2967 – فتح الباري 6/121]

(81)

الكف عمن أظهر الإسلام أو شعاره
الهدف الرئيس من الجهاد، هو إعلاء كلمة الله، وسيأتي الكلام على أهداف الجهاد في موضعه من هذا البحث، فإذا أظهر بعض الكفار المحاربين أثناء المعركة كلمة الإسلام " الشهادتين " أوقال: أنا مسلم أو حياهم بتحية الإسلام، وجب على المسلمين الكف عنه وعدم قتله أو قتاله، وهذا من محاسن الإسلام الذي يوجب على المسلم، أن يكف عن عدوه، وهو في حالة غليان عليه في وقت مقارعة السيوف، وقد يكون الذي أظهر الإسلام ممن أعمل سلاحه في المسلمين، وهم يتمنون أن يشفوا صدورهم منه، ويجوز أن يكون في واقع الأمر غير معتقد ما أظهره، وإنما أراد أن يخلص نفسه من القتل، ومع ذلك أوجب الله على المسلمين العمل بالظاهر والتثبت من الحقيقة، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألفى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيراً } [النساء: 94].
وفي الآية تذكير للمؤمنين بأن نعمة الإيمان هي نعمة من الله بها عليهم، وقد كانت هذه النعمة قبل أن يمن عليهم بها مفقودة منهم، والذي من عليه بنعمة الإسلام، قادر أن يمن على عدوهم في لحظة القتال، فلا ينبغي أن يستبعد المسلمون أن يهدي الله عدوهم للإسلام في تلك اللحظة.
ولا يجوز لهم أن يتأولوا أن ذلك إنما حصل إتقاء للقتل، فالهداية بيده سبحانه {إنك لا تهدي من أحببت ولكن اله يهدي من يشاء} [سورة القصص: 56].
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لقي ناس من المسسلمين رجلاً في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا...} [ النساء: 94 ] [ والحديث رواه البخاري رقم الحديث 4591، فتح الباري (8/258) ومسلم (4/2319) رقم الحديث 3024، واللفظ لمسلم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وفي الآية دليل على أن من أظهر شيئاً من علامات الإسلام، لم يحل دمه حتى يختبر أمره، لأن السلام تحية المسلمين، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة، وأما على قراءة السَّلم – على اختلاف ضبطه - فالمراد به الانقياد، وهو علامة الإسلام، لأن معنى الإسلام في اللغة الانقياد، ولا يلزم من الذي ذكرته الحكم بإسلام من اقتصر على ذلك وإجراء أحكان المسلمين عليه، بل لا بد من اللفظ بالشهادتين..) [الفتح (8/259)].
وقال الإمام ابن جرير عند تفسير الآية الآنفة الذكر: (فتبينوا ): " يقول فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه، ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تقدموا على قتل أحد، إلا على قتل من علمتموه يقيناً حرباً لكم ولله ولرسوله " [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/221)].
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: " والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له، جاز له قتله، فإن قال: لا إله إلا الله لم يجز قتله، لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله، فإن قتله بعد ذلك قتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء (يعني بعض الصحابة الذين قتلوا من ألقى إليهم السلام) لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأولوا أنه قالها متعوذاً وخوفاً من السلاح، وأن العاصم قولها مطمئناً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا. ) أخرجه مسلم [صحيح مسلم (1/96)] أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه، وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر ، لا على القطع وإطلاع السرائر " [الجامع لأحكام القرآن (5/338)].

(82)

عدم إفساد الأموال
ليس في الأرض من يعمل صالحاً يرضاه الله ويثيبه عليه إلا المؤمن، كما قال تعالى: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 56-57].
ومهما قدم غير المؤمن من الأعمال النافعة المفيدة، فإنه لا قيمة له في ميزان الله، لعدم وجود الأساس الذي يكون العمل به صالحاً، قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً} [النساء: 124].
وهم –أي المؤمنون- وحدهم الذين لا يضيع أجرهم، لأنهم وحدهم المصلحون: {والذين يمسِّكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين} [الأعراف: 170].
والسبب في ذلك أنهم لا يقدمون على عمل، إلا إذا علموا أن الله تعالى قد أذن فيه أو أمر به أو سكت عنه، كما أنهم يبتعدون كل الابتعاد عن أي أمر يغضب الله فعله، ملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:: {وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [الحشر: 7].
وقد ادعى غير المؤمنين لأنفسهم الإصلاح، فكذبهم الله وأكد أنهم هم المفسدون، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 11-12].
والمؤمنون يقدمون ما يحبه الله، ولو كرهته نفوسهم، لعلمهم أن الخير فيما يحبه الله {كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216].
لا يختارون غير ما قضى الله فيه من أمرهم، هرباً من معصيته والضلال عن سبيله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36].
وبناء على ذلك فإن المسلمين حقاً يعتبرون عمارة الأرض وإصلاحها عبادة لله تعالى، لأنهم ما خلقوا إلا لذلك: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق ما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرازق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56-58] حياتهم كلها لله، كموتهم: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163-1674].
ولا يقدمون على ما ظاهره الإفساد مما يعيبهم به المفسدون فعلاً، إلا إذا كان الله قد أذن لهم فيه، لأنه يؤدي إلى الإصلاح، بل عملهم ذلك يعتبر إصلاحاً: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله، وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5].
بعد هذه المقدمة التي لا بد منها والتي تحدد سلوك المسلمين في كل شيء –ولا سيما في معاملة الأعداء في أنفسهم وأموالهم- يسأل هذا السؤال هل يجوز للمجاهدين المسلمين تدمير بيوت المحاربين وإتلاف أموالهم والتمثيل بجثثهمم؟
والجواب في الحلقة الآتية.

(83)

الأصل عدم التدمير الاتلاف
يتضح مما مضى أن الأصل عدم مشروعية التخريب والإتلاف للحيوانات والزروع والمنازل وغيرها، لأن المقصود هو القضاء على شوكة أعداء الإسلام، وشفاء صدور المؤمنين منهم، وإغاظتهم، فإذا حصل ذلك بدون تخريب ولا إتلاف كان بها، وإلا فإن للجيش الإسلامي أن يخرب ويتلف كلما لا يتم الانصار على العدو إلا بتخريبه وإتلافه، كالبيوت التي يتحصنون بها، وحرق الأشجار التي يندسون فيها، أو ما يوقع الغيظ في نفوسهم، ويجعلهم يخرجون للدفاع عنه ن ليتمكن المجاهدون من قتالهم والقضاء على شوكتهم.
فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطعه، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين }[ الحشر: 5 ] والحديث في صحيح البخاري، رقم: 4031، فتح الباري 7/329 وصحيح مسلم3/1365، ورقمه 1746.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية قولين:
القول الأول: إنه صلى الله عليه وسلم عندما قطع نخل بني النضير، عابه هؤلاء، واتهموه بأنه ينهى عن الفساد ويأتيه، فنزلت الآية.
القول الثاني: إن بعض الصحابة قطع النخل، وبعضهم توقف، ورأى أنه لا يسوغ القطع، لأنه مغنم للمسلمين، فنزلت الآية مبيحة فعل القاطعين، وتوقف الكارهين. [ يراجع تفسير الطبري 28/34 ]
وعلى القول بإباحة ذلك الحنفيون، والمالكيون – في قول – والشافعيون، وأدلتهم واضحة فيما تقدم.
قال السرخسي رحمه الله: " ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها، ويخربوا البنيان، ويقطعوا الأشجار – إلى أن قال -: ثم الدليل على جوازه ما ذكره الزهري رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخيل بني النضير، فشق ذلك عليهم، حتى نادوه: ما كنت ترضى بالفساد يا أبا القاسم، فما بال النخيل تقطع؟! فأنزل الله ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها على أصولها ) الآية ". [ المبسوط 10/31، وحواشي تحفة المحتاج 9/245 ]
وذهب الحنبليون [ قال في المغني: في قول عامة أهل العلم ] إلى عدم جواز ذلك، واستدلوا بعموم النهي عن الإفساد، كما قوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [ البقرة 205 ]
واستدلوا بنهي أبي بكر رضي الله عنه، عندما أوصى يزيد بن أبي سفيان، فقال: " لا تقطعوا شجرا، ولا تخربوا، ولا تفسدوا ضرعا " [المغني لابن قدامة 9/289، والمبسوط للسرخسي 10/31]
وأيد ابن حزم الظاهري المذهب المذهب الأول، ورد استلال أهل المذهب الثاني بنهي أبي بكر، فقال: "وجائز تحريق أشجار المشركين وأطعمتهم وزرعهم ودورهم وهدمها، قال تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) وقال تعالى: (ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) [التوبة: 120] وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير... وقد روينا عن أبي بكر رضي الله عنه: لا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا. ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ينهى أبو بكر عن ذلك اختيارا، لأن ترك ذلك أيضا مباح، كما في الآية المذكورة..." [المحلى 7/294]
وهناك مذهب ثالث يفصل الأمر كما يأتي:
إن علم المسلمون أن ديار العدو وأشجاره وغيرها عائدة للمسلمين، فليس لهم إحراقها ولا إتلافها، وإن يئسوا منها فلهم ذلك. [يراجع تفسير القرطبي 18/8] وهو تفصيل لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، كما قال ابنحزم في نخل بني النضير: "وقد علم أنها تصير للمسلمين في يومه وغده" [المحلى 7/294]
وبراجعة الأقوال السابقة ووجوه استلال أصحابها، يظهر رجحان القول الأول. وما ادعي من أن في ذلك إفسادا غير جائز دعوى مردودة، لأن ما أذن الله في فعله لا يعد فسادا في ميزان الشرع، وبخاصة إذا كان ذلك وسيلة للظفر بالأعداء والانتصار عليهم.
حكم قتل دواب الكفار المحاربين
أما دواب الكفار كالبقر والإبل والغنم والخيل والبغال والحمير، فللعلماء فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: عدم جواز قتل الدواب، إلا ما يقاتل عليه الكفار، كالخيل ونحوها، لما ورد من النهي عن قتل الحيوان صبرا، ولنهي أبي بكر رضي الله عنه: "ولا تعقرن شجرا مثمرا، ولا دابة عجماء، ولا شاة إلا لمأكلة..." [تكملة المجموع للعقبي 18/79، والمغني لابن قدامة 9/289، والمبسوط للسرخسي 10/37]
المذهب الثاني: وجوب ذبح الدواب وحرقها معا، حتى لا يتقوى بها المشركون، ولما في ذلك من الإغاظة لهم، وهي مطلوبة شرعا.
المذهب الثالث: وجوب قتل ما عجز المسلمون عن الانتفاع به، ويحرق ندبا، إن خيف من انتفاع المحاربين الكفار به، لأن في تركه بدون ذبح أو إحراق إعانة لهم، وفي ذبحه وإحراقه حرمان لهم من الانتفاع به. [حاشية الدسوقي 2/181]
والراجح عدم جواز القتل إلا في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون المسلمون في حاجة إلى الأكل، فلهم أن يذبحوا ما يحتاجون إليه من الحيوان المباح لهم، كالبقر والإبل والغنم.
الحالة الثانية: أن يكون الحيوان مما يستعين به الكفار على المسلمين في القتال، كالخيل التي يقاتلون عليها فعلا.
الحالة الثالثة: أن يكون الحيوان مأذونا في قتله شرعا، كالخنزير، وهذا ما رجحه ابن حزم وساق أدلته. [المحلى 7/294-296]


( 84 )

عدم جواز قتل المشركين بالنار و التمثيل بجثثهم.
الظفر بالعدو أمر تتوق له النفس، والانتقام منه كذلك أمر ينزل البرد على القلوب.
وعندما يكون الظافر صاحب حق – ولا حق سوى الإسلام – والعدو صاحب باطل – وأعظم الباطل هو الكفر – وعندما يكون هذا العدو الكافر قد عاند الحق وجحده وآذى صاحبه – المؤمن – ولم يرع في حقه عهداً ولا قرابة، عندما يكون الظافر هو المسلم المظلوم، والمظفور به هو الكافر الظالم، تكون مسوغات الانتقام في قمة الحجة والبرهان.
وهنا تتوق النفس إلى استعمال أشد الأساليب انتقاماً.
أليس للمسلم الحق أن يقتل الكافر المحارب الذي لم يأل جهداً في التنكيل بالمسلم وفتنته وإيذائه؟ وإذا كان للمسلم الحق في قتل هذا الكافر أيقتله بوسيلة سهلة، لا يذوق بها العذاب الذي أذاق المسلم ما قد يكون أشد منه؟
فتتجاوب العواطف طالبة قتله بأشد أساليب القتل، ولعل حر النار أشفى لقلب المسلم عندما يراها تلتهم كل جزء من أجزاء بدن عدوه الكافر، فليكن قتله بالنار، هو الشافي.
ولقد تحركت مشاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرية على رجلين من كفار قريش كانا شديدي العداوة له – كما يظهر من العقوبة التي أمر بها في حقهما في أول الأمر – والإيذاء والصد عن سبيل الله، فأمر أصحابه – إذا وجدوهما أن يحرقوهما بالنار، اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم، فلم يقره ربه على ذلك فرجع قبل التنفيذ ونهى عن الإحراق بالنار معللاً بأن ذلك من شأن ال،له وليس من شأن خلقه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: (إن وجدتم فلاناً وفلاناً، فأحرقوهما بالنار) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: (إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما) [البخاري في الصحيح، الحديث رقم: 3016،فتح الباري (6/149)، وكذا (12/274)].
قال الحافظ: (واختلف السلف في التحريق: فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقاً، سواءً كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصاً.
وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما... إلى أن قال: وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم، وهو نسخ لأمره المتقدم سواءً كان بوحي إليه أو باجتهاد منه. ا هـ) [الفتح (6/150)].
والذي يظهر أن علياً رضي الله عنه لم يبلغه النهي عن الإحراق بالنار للعدو الكافر، فأحرق بعض الكفار في عهده، كما ثبت أيضاً في الصحيح عن عكرمة، أن علياً رضي الله عنه حرق قووماً فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، ولقتلهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) [البخاري رقم الحديث 3017، فتح الباري (6/149)].
ولكنه رضي الله عنه عندما بلغه كلام ابن عباس ندم ندماً يدل على رجوعه عن ذلك، حيث جاء في رواية – في غير الصحيح – (قال فبلغ قول ابن عباس علياً، فقال: ويح ابن عباس) [هذا على رأي من قال أن (ويح) هنا للمدح والتعجب، ومعناه أن علياً قالها رضاً بما بلغه عن ابن عباس حيث حفظ ما نسيه، وانظر فتح الباري (12/271-272)
والرواية المذكورة في سنن أبي داود رقم الحديث4351 (4/520)، وفي المسند (1/282) وقد أورد الإمام عبد الرزاق الصنعاني الرواية المذكورة في المصنف (5/2130)].
والراجح عدم جواز الإحراق بالنار للنهي الصريح الوارد في هذه النصوص، فليقتل العدو بما أذن الله فيه، وليصلَ نار جهنم التي أعدها الله له، والتي {وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24، والتحريم: 6].
هذا في القتل ابتداءً، أما إذا حرق العدو الكافر مسلماً، فقد أشار الإمام البخاري رحمه الله إلى أنه يمكن استنباط مشروعية حرق الكافر من حديث العُرَنِييّن الذين استاقوا إبل النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوا راعيها، حيث قال رحمه الله: باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟ وأورد حديث أنس رضي الله عنه: (إن رهطاً من عُكْلٍ ثمانية، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتووا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أبغنا رسلاً، قال: (ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود، فانطلقوا فشربوا من أبوالها، حتى صحوا وسمنوا، وقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فبعث الطلب، فما ترجل النهار حتى أتِيَ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم في الحرة يستسقون فما يسقون، حتى ماتوا) [صحيح البخاري رقم الحديث 3018، فتح الباري (6/153) والرسل الدر من اللبن فتح]
والشاهد في الحديث قوله: (ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها).
قال الحافظ: [الفتح (6/153)] (وليس فيه التصريح بأنهم فعلوا ذلك بالرعاء، لكنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، وذلك فيما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس، قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين، لأنهم سلموا أعين الرِّعاء) [مسلم (3/1298) رقم 1671، ونصه (إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاء)].
وفي شرح النووي على صحيح مسلم [11/153]: (قال القاضي عياض رضي الله عنه: واختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة، فهو منسوخ، وقيل ليس منسوخاً).
والذي يظهر عدم جواز الإحراق، ولو كان على سبيل القصاص، وذلك لثلاثة أمور:
الأمر الأول: تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الإحراق بالنار.
الأمر الثاني: تصريحه صلى الله عليه وسلم أن النار لا يعذب بها إلا الله.
الأمر الثالث: أن حديث أنس متأخر عن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما، وحديث أبي هريرة فيه جواز الإحراق، ولو جزئياً، وحديث أنس فيه النهي عن الإحراق بالنار، مع ذكر العلة وهي أن الإحراق بالنار لا يكون إلا لله، والنهي يأتي بعد الإباحة.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله اختلاف العلماء في المسألة، فقال: (ومال جماعة، منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص، لما عند مسلم: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة...
وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين، عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ، قلت: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الإذن ثم النهي) [فتح الباري (1/240-141)].
وأما المُمُثْلة، فالخلاف فيها كالخلاف في التحريق، وقد وردت في النهي عنها نصوص كثيرة، منها ما لم ينص فيه على الكافر، ومنها ما ورد في سياق قتال المسلمين الكفار.
وهذه طائفة من نصوص النوع الأول:
عن سمرة بن جندب وعمران بن حصين رضي الله عنهما، قالا ما خطبنا رسول الله إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة [المسند (4/436)].
وعن عمران بن حصين، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فأمرنا بالصدقة ونهانا عن المُثلة، قال: وقال: (ألا وإن من المثلة أن ينذر الرجل أن يخرم أنفه، ألا وإن من المثلة أن ينذر الرجل أن يحج ماشياً، فليهد هداياً وليركب) [المرجع السابق (4/307)].
وعن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة [النسائي (7/93)]
وأما ما ورد النهي فيه عن التمثيل بالعدو الكافر، ففي صحيح مسلم عن بريدة عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا...) الحديث [صحيح مسلم (3/1357) رقم الحديث (1731)، وقد فات بعض الكتاب المعاصرين هذا الحديث الصحيح، فذكر حديث ابن عباس الذي أخرجه أحمد ولفظه: (اخرجوا باسم الله تعالى، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوِلدان وأصحاب الصوامع) ثم قال: رواه أحمد وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي جبيبة، وثّقه أحمد وضعّفه غيره، قال: وعن صفوان بن عسال، قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وذكر حديثنا كحديث ابن عباس أهـ من كتاب الجهاد والفدائية في الإسلام لحسن أيوب، ولو ذكر محل الشاهد من حديث بريدة لكفاه عناء].
ومن الأدلة التي ينبغي إيرادها في هذا الباب حديث أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) [صحيح مسلم (3/1548) رقم الحديث 1955].
وهو عام في كل قتل، سواءً كان للكفر أو للقصاص.
قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النووية- المسمى بجامع العلوم والحكم-: (والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه، وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث...) [جامع العلوم والحكم ص: 131].
وهذه النصوص ظاهرة في النهي عن المثلة، والأصل في النهي التحريم فلا يجوز التمثيل بالكافر، بل يُكتَفى بقتله المعتاد في المعارك بضربه بالسيف أو طعنه بخنجر أو رميه بحجر أو قذيفة أو نحو ذلك، ولا يزاد على ذلك بقطع بعض أطرافه أو جذع أنفه وما أشبه ذلك.
ولكن هل يجوز أن يمثل به إذا كان هو قد مثل ببعض المسلمين قصاصاً منه وردعاًً لبني جنسه من الأعداء؟
يرى بعض العلماء ذلك، وهو الذي يظهر – في غير التحريق بالنار الذي مضى البحث فيه قبل هذا.
وقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يردوا العدوان بمثله، كما قال تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]، وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126].
وإنما فرق بين النار وغيرها للعلة الواردة في نصوص النهي عن الإحراق بالنار، وهي أن النار لا يعذب بها إلا الله، بخلاف غيرها فإنه لم يرد فيها ذلك.
وهنا يجب استدراك النار الناتجة عن استعمال الأسلحة التي لا بد للمسلمين من استعمالها، لأن أعداءهم يستعملونها، كالصواريخ والقنابل والمدافع وغيرها، إذ لو ترك المسلمون استعمالها في حال أن عدوهم يستعملها، وهي أفتك من غيرها من الأسلحة الأخرى، لكان في ذلك فتحاً لباب انتصار الكافرين على المجاهدين، وذهاب الهيبة من قلوب الكفار، وقد أمر الله المؤمنين بإعداد العدة التي ترهب عدوهم: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم والآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال: 60، وانظر تفسير المنار للأستاذ محمد رشيد رضى (2/212)].
فالنهي عن الإحراق بالنار لا يشمل مثل هذا، لأن المسلمين لم يوقدوا النار مباشرة لإحراق الكفار بها، وإنما استعملوا السلاح الذي لا مندوحة لهم عن استعماله فتسبب عنه الإحراق.
وقد تكون في بلاد الكفار مواد قابلة للاشتعال، مثل البنزين والغاز والكهرباء، فتصيبها قذائف المسلمين، فتشتعل النار وتدمر كل من في المساكن، فهل يجب على المسلمين الكف عن الهجود على عدوهم خشية وقوع ذلك، حتى يهاجمهم العدو؟ كلا. ما كان الله ليكلفهم ذلك، مع وضوح جانب المفسدة في حقهم.
وقد أحسن بعض فقهاء الحنفيين في حمل النهي عن المثلة بما بعد الظفر بالعدو والظهور عليهم، أما قبل ذلك فلا بأس بها.
قال في حاشية رد المحتار عل الدر المختار: "قوله: أما قبله فلا بأس بها، قال الزيلعي: وهذا حسن، ونظيره الإحراق بالنار، وقد جوزها في الفتح بما إذا وقعت قتالا، كمبارز ضرب فقطع أذنهن ثم ضرب ففقع عينه، ثم ضرب فقطع يده، وأنفه، ونحو ذلك " [حاشية رد المحتار 4/131]

(85)

عدم إنزال المحاربين على ذمة الله ورسوله أو إنزالهم على حكم الله ورسوله
المراد بذمة الله ورسوله، بأن يقول المجاهدون المسلمون لعدوهم الكافرين: انزلوا من حصونكم واستعصامكم ومحاربتكم، ولكم عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم بألا نحاربكم، أو أن الهدنة بيننا وبينكم كذا وكذا (لمدة محدودة).
والمراد بحكم الله ورسله: أن يقال لهم: انزلوا على أن ننفذ فيكم حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد ورد النهي عن ذلك، من حديث بريدة عن أبيه – وفيه –: وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذممم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. [صحيح مسلم (3/1357-1358) وانظر مصنّف عبد الرزاق الصنعاني (5/218) الأحاديث رقم: 9428، 9429، 9431].
وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الأمرين، فعلل نهيه عن إنزالهم على ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: (فإنكم إن تخفروا ذممكم وذممم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله).
ومعنى إخفار ذمة الله وذمة رسوله نقض عهدهما، ومعنى ذلك أن المجاهدين قد يضطرون لنقض العهد لأي سبب من الأسباب،كأن يروا أن الكفار يعدون العدة لشن هجوم عليهم – مثلاً – وفي هذه الحال لهم الحق أن بيادروهم بالضربة التي تقضي على قوتهم، إما بدون إنذار إذا علموا – أي المسلمون – أن الكفار مصرون على قتالهم، وإما بإنذارهم ونبذ العهد إليهم، إذا ظهرت لهم علامات تدل على عزم الكفار على قتالهم، كما قال تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 56-58].
وعندئذ يكون المسلمون قد نقضوا عهدهم شرعاً، وقد يقع نقض العهد من بعض المجاهدين المسلمين، إما خطأ، وإما عمداً لسبب من الأسباب، والأصل عدم جواز ذلك، فيكون نقض العهد هذا نقضاً لعهد المسلمين أنفسهم وليس نقضاً لعهد الله ورسوله [أنظر نيل الأوطار (7/263)].
وكذلك حكم الله ورسوله، فإن المسلمين قد يصيبوا حكم الله ورسوله فعلاً، وقد لا يصيبون ذلك، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن العاص: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [البخاري رقم 7352، فتح الباري (13/1342)].
وما دام المسلم معرضاً للخطأ في حكم الله، فليس له أن ينزل أعداءه على حكم الله.
ولقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته سنة الحيطة والحذر من الوقوع في الخطأ أو الحكم في شيء قد يكون – في واقع الأمر صواباً، وقد يكون خطأ – ثم ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، فنبه المتخاصمين على أنه صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر له من الأمر، وقد يكون الواقع مخالفاًً لذلك الظاهر، لعدم علمه صلى الله عليه وسلم به، وإذا كان الأمر كذلك فإن حكمه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وعلى من غش أن يتحمل الإث،م كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومة بباب حجرته خرج إليهم، فقال: (إنما أنا بشر، وأنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها) [البخاري رقم 2458، فتح الباري (5/107)، ومسلم (3/1337)].
وإن أعداء الله ليحاولون أن يجدوا أي عيب في تصرف المسلمين فينسبوه إلى الإسلام نفسه، لذلك يجب الاحتياط وعدم إنزال الكفار المحاربين على ذمة الله وذمة رسوله، أو على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد طبق صلى الله عليه وسلم ذلك في حياته فأنزل بني قريظة على حكم سعد ابن معاذ، كما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد، وهو ابن معاذ بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قريباً منه، فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم) فجاء فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: (فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية) قال: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك) [البخاري رقم 3043، فتح الباري (6/165)، ومسلم (3/1388)].
وقد أخذ بعض الحنفية بظاهر الأحاديث الواردة في النهي عن إنزال الكفار على حكم الله ورسوله، وعليه محمد بن الحسن وقوفاً عند النص.
وأجاز بعضهم إنزال الكفار على حكم الله ورسوله، وعليه أبو يوسف وحملوا هذا النهي على أنه كان في وقت نزول الوحي، والأحكام تتغير ساعة فساعة، فقد ينزل حكم ينسخ الحكم الذي أنزلوهم عليه ولو كان منصوصاً عليه، أما بعد استقرار الحكم بانتهاء الوحي وإكمال الدين فلا مانع من ذلك.
وحكم الله في هذه المسألة هودعاؤهم إلى الإسلام، فإن أجابوا خُلِّيَ سبيلهم وإن أبوا دعوا إلى التزام الجزية، فإن أبوا قتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وعلى هذا الرأي الحنابلة أيضاً [انظر المبسوط (10/7) وبدائع الصنائع (9/4321 فما بعدها) ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (2/529)].
وهو مذهب قوي فيما يتعلق بالحكم، فيما فيه نص واضح لا مجال فيه للاجتهاد والخطأ والصواب، أما الأمور التي قد يبدو فيها مجال للاجتهاد والحكم فيها يحتمل أن يكون صواباً وأن يكون خطأ، فالنهي فيها قائم، وكذلك ذمة الله ورسوله فإنها باقية على الحظر والله أعلم.


(86)

دعوة من أسلم من المحاربين إلى الهجرة إلى بلاد الإسلام
خلق الله الإنسان ليعبد الله تعالى في الأرض، وجعل الأرض واسعة قسم، فيها الأرزاق، فإذا ضويق أحد بسبب عبادة الله في بلد، فإن عليه أن يهجر هذا البلد ويتحول منه إلى بلد آخر ينجوا فيه من المضايقة والصد عن دين الله. (وسيأتي الكلام على الهجرة بالتفصيل إن شاء الله في فصل أنواع الجهاد).
والمقصود هنا بيان أن من آداب الجهاد، أن يدعوا المجاهدون من أسلم من المحاربين، إلى ترك بلاد الحرب والتحول إلى بلاد الإسلام، ليؤدي شعائر دينه في أمان، وليزداد علماً بدينه من إخوانه المسلمين، ويكثر سوادهم بالجهاد في صفهم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بذلك أمراءه عندما يبعثهم للجهاد في سبيل الله، كما في حديث بريدة عن أبيه: (فإن أجابوك – أي للإسلام – فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) [صحيح مسلم (3/1356) رقم الحديث: 1731].
هذا إذا بقيت البلاد بلاد حرب، أما إذا أصبحت دار إسلام كلها فإن الهجرة حينئذ غير واجبة، وعلى ذلك يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) [البخاري رقم: 1834، فتح الباري (4/46) ومسلم (2/986)] أي "لا هجرة بعد الفتح من بلد الفتح" [المغني لابن قدامة (9/294)].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:41 am



(87)

الرفق بالأسير، والمن عليه إذا رأى الإمام فيه مصلحة
عندما يواجه المسلم الكافر في المعركة، يجب عليه أن لا تأخذه فيه رأفة بل عليه أن ينزل به العذاب الذي أمره الله به والذل ليتحقق عليه – أي على عدو الله الكافر – النصر لعباد الله المؤمنين، كما قال تعالى: {قاتلوهم يُعَذِبْهم الله بأيديكم، ويُخْزِهم ويَنْصرْكم عليهم، ويَشْفِ صدور قوم مؤمنين} [التوبة: 14].
وقال: {فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] سواء كان الخطاب للملائكة أو للمؤمنين [راجع تفسير ابن جرير (9/197)]، وقال تعالى: {فإذا لقيتُم الذين كفروا فَضَرْبَ الرقاب} [محمد: 4].
فإذا وقع العدو في أيدي المسلمين أسيراً، فإن الأمر حينئذ يختلف عما كان عليه الحال في وقت المعركة:
فقد يكون الأسير يستحق الرفق به والمن عليه، وإطلاق سراحه، وتكون المصلحة في ذلك، والإمام الحريص على المصلحة، المجتهد في ذلك بدون شهوة واتباع هوى أولى بأن يقدر ذلك وينفذه [المغني (9/222)] بعد أن يتشاور مع جنده، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع هوازن [البخاري 4321، فتح الباري (7/34)] إذا كان السبي كثيراً أو المسلمون قد حازوا حظوظهم منه أو جمعوه ليقتسموه.
وقد يكون الأسير واحداً ويظهر للإمام عليه بوادر الخير فيبدوا له أن يطلق سراحه بدون فداء فله ذلك.
ولقد تجلّى رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن معاملته للأسير ثم المن عليه، لما رأى فيه من بوادر الخير، لقد تجلى ذلك في قصة ثُمامة بن أُثال، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حَنِيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد الممال فسل منه ما شئت، حتى كان الغد، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك، فقال: (أطلقوا ثمامة) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى، فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن بها النبي صلى الله عليه وسلم [البخاري رقم 4372، فتح الباري (8/87) ومسلم (3/1386)].
لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد أسيراً ليرى بنفسه ويسمع بأذنه محاسن دين الإسلام في نبي الإسلام وحَمَلته الأولين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مسجده صلى الله عليه وسلم مثابة للمصلين والمتعلمين، والمؤتمرين والمتشاورين في أمور الإسلام العامة، ومقراً للوفود الذين يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعلم الدين الإسلامي أو تلقي الأوامر القرآنية والنبوية، لتبليغها إلى الآخرين، كما كان ملجأ للضعفاء والمساكين والطارقين، ومنطلقاً لأولياء الله المجاهدين الذين يعقد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم الألوية ويبعثهم لجهاد أعداء الله من المشركين.
وكان ثمامة الأسير يشاهد ذلك: فيرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يصطفون للصلاة، كأنهم بنيان مرصوص، كما يراهم وهم يتكاتفون ويتعاونون ويتآخون فيما بينهم ويؤثر بعضهم بعضاً، ويتأمل في سرعة تنفيذهم أمر الله وأمر رسوله والطاعة الكاملة التي لا خيرة لهم فيها. فيلبون الأذان للصلاة كما يلبون النفير إلى الجهاد.
ويسمع كتاب الله وهو يتلى ويفسر بتلك المعاني الربّانية في كل جانب من جوانب الحياة.
ثم فوق ذلك يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، القدوة الحسنى الذي يسبق أصحابه إلى تنفيذ ما يأمرهم به، ويبتعد كل البعد عما ينهاهم عنه، ويشاهده وهو رسوول الله ينزل عليه جبريل صباح مساء، يشاهده يتفقد عدوه الكافر المأسور فضلاً عن أصحابه المؤمنين، ويسأله عما عنده كل يوم ويسمع منه، ثم في آخر الأمر يطلق سراحه، فيؤثر كل ذلك في نفسه، فما يكون بينه وبين الدخول في الإسلام فعلاً إلا أن يغتسل ثم يعود فيبوح بكل المعاني التي كانت تجيش في نفسه، وهو مربوط إلى سارية المسجد فيخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختلف عنده المقياس لما يحب ويكره فيصبح أبغض الناس إليه أحبهم إليه، وأبغض الأرض إليه أحبها إليه، وهكذا الإسلام يحول الولاء في لحظة من الولاء للقبيلة أو الأرض أو الجنس أو غير ذلك، إلى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وإن الكلمات التي صدرت من ثمامة وهو مربوط مثل قوله: (عندي خير) جواباً على قول الرسول صلى الله عليه وسلم له: (ما عندك يا ثمامة؟) وقوله: (وإن تنعم تنعم على شاكر) إن تلك الكلمات لتبشر بالخير الذي كان في قلبه، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظ فيها معنى قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: 70].
وقد يرى الإمام أن المصلحة تقتضي أخذ الفداء على الأسير، وإن ادعى الإسلام بعد الأسر، بأن يفدي به أسيرين مسلمين، وهو إذا كان صادقاً في إسلامه سيجعل الله له مخرجاً وسيعود إلى المسلمين، ولكنه مع ذلك يظهر العطف عليه ويتفقده ويعطيه حاجته من الطعام والشراب وغير ذلك، كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق، قال: يا محمد، فأتاه فقال: (ما شأنك؟) فقال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج؟ [أراد بسابقة الحاج الناقة التي أخذها الصحابة معه، وهي ناقة نجيبة كانت لرجل من بني عقيل ثم انتقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء، راجع حاشية محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم (3/1262)] فقال: - إعظاماً لذلك – (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف) ثم انصرف عنه، فناداه يا محمد يا محمد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً فرجع إليه فقال: (ما شأنك؟) قال: إني مسلم، قال: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد، فأتاه فقال: (ما شأنك؟) قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال: (هذه حاجتك) ففدي بالرجلين) [صحيح مسلم (3/1262) رقم الحديث 1641].
وفي هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم ورفقه كما هو ظاهر، وقد أشار إلى ذلك الصحابي، عندما قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً.
الفائدة الثانية: حرصه صلى الله عليه وسلم على تفقد أحوال من تحت يده ولو كان عدوه وإعطاؤه حاجته.
الفائدة الثالثة: حلمه وصبره وقد ناداه الأسير عدة مرات باسمه يا محمد دون صفته يا رسول الله وهو يجيبه في كل مرة ويأتيه ويقول له: (ما شأنك؟).
الفائدة الرابعة: أن الرجل لو أسلم قبل الأسر لما كان عليه من سبيل وأفلح كل الفلاح، الفلاح عند الله تعالى بإسلامه مطيعاً مختاراً، والفلاح من الأسر الذي حصل له بسبب أنه لم يسلم قبل ذلك.
الفائدة الخامسة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاهما، فالرجل ادعى الإسلام وهو في الأسر وقبيلته قد أسرت رجلين صحابيين مجاهدين، قد ثبتا على الإسلام وجاهدا لإعلائه، ففضَّل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفتديهما به، وهو إذا كان صادقاً في إسلامه سيلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم.
هذا مع العلم أنه كان من حق الرسول صلى الله عليه وسلم أن بيقيه رقيقاً، وإن أسلم بعد الأسر، لأن الإسلام لا يُذهب الرق كما هو معلوم، وإن كان يحث عليه ويفتح أبوابه على مصراعيها، وفداء صحابيين حرين فيهما تلك الصفات، وهما ممن يخشى عليهما من غدر المشركين بهما، وهو لا يخشى عليه ذلك أمر لا بد منه
وقد يرى الإمام أن المصلحة في تطهير الأرض من الأسير لخبثه وشركه الذي يظهر أنه من طبعه، فله أن يقتله ويريح البشرية منه، كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بقتل المقاتلة وسبي الذرية، وكان ذلك هو حكم الله الذي وفق له سعد رضي الله عنه، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: لما نزلت بنوا قريظة على حكم سعد بن معاذ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قريباً منه، فجاء على حمار، فلما دنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم) فجاء فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (إن هؤلاء نزلوا على حكمك) قال: (فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية) قال: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك) وفي رواية عائشة رضي الله عنها أنه قال: (فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم) [البخاري رقم 3043، فتح الباري (6/165)، ومسلم (3/1388)].
وقد أثبت واقع اليهود في تاريخهم الطويل، قبل الإسلام وبعده إلى هذه الساعة، أن خير علاج ناجح لوقاية البشرية من شرهم وفسادهم وكيدهم هو هذا الحكم، عندما يكونون جماعة متكتلة منظمة، أما عندما يكونون أفراداً مشتتين في الأرض أذلاء لا تجمعهم رابطة تجعلهم متمكنين في الأرض للإفساد فيها، فإنن معاملتهم تختلف عن هذا.
وإن أي أمة تتساهل في أمر اليهود حتى يتمكنوا من جمع كلمتهم وتنظيم أنفسهم في أرضها لهي – في تساهلها ذلك – تضع نهاية لوجودها، وهي لا تخلوا من أحد أمرين.
فإما أن تكون متواطئة مع اليهود للقضاء على كيان الإسلام والمسلمين، وإما أن تكون مغلوبة على أمرها، والأمر الثاني أخف لأن الأمة المغلوبة على أمرها، يمكنها في يوم من الأيام أن تثب على جرثومة الفساد فتبيدها، وإن طال الزمان وأما الأمر الأول، فهو الخطر الذي يصعب محوه إلا إذا جاء جيل آخر فصب لعائن الله على أسلافه الذين أوقعوه في شباك هذا السرطان ثم صمم على استئصاله فاستأصله.
وقد أجاد الخرقي في مختصره، إذ جمع هذه المعاني كلها بالنسبة للأسير فقال: "وإذا سبى الإمام، فهو مخير إن رأى قَتَلَهم، وإن رأى منَّ عليهم وأطلقهم بلا عِوض، وإن رأى أطلقهم على مال يأخذ منهم، وإن رأى فادى بهم، وإن رأى استرقهم، أيُّ ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظاً للمسلمين فعل" [المغني لابن قدامة (9/220) وانظر المبسوط (10/63)].
إلا أن النساء والذرية الذين لم يبلغوا، لا يجوز قتلهم والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عائشة اللذان مر ذكرهما قريباً في قصة بني قريظة وفيهما: (وأن تسبى النساء والذرية) [المغني (9/221)].
وهل يجوز لغير الإمام قتل الأسير؟
الراجح عدم جواز ذلك إلا لضرورة، كأن يستعصي الأسير ولم يقدر على أخذه بدون قتله، أو أنه قد أثخن بالجراحة فلا يقدر على السير ولم يقدر المسلمون على حمله، أو أنه قد بالغ في إيذاء أهل الإسلام، ويكون في قتله زجر لأمثاله) [أنظر المغني (9/225].

(88)

الفرع الثالث : آداب الجهاد بعد انتهاء المعركة
أولا: إظهار التجلد للعدو، ولو أحرز انتصاراً على المجاهدين المسلمين.
المسلم عزيز على عدوه الكافر في كل وقت من الأوقات، حتى ولو بدا ذلك العدو منتصراً في بعض الأحيان، فإن عاقبته الذلة والمهانة، لأنه من أولياء الطاغوت والمسلم من أولياء الله، والله عز وجل يقول: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً} [النساء: 76]. {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}{المنافقون 8}
والكافر يألم كما يألم المؤمن، ولكن ألم المؤمن يخف، لأنه يرجو من ربه النصر في الدنيا والثواب في الآخرة، ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن يظهر الضعف لعدوه، بل عليه أن يتجلد ويريه من نفسه القوة: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله عليماً حكيماً} [النساء: 104].
وقد سبق الحديث المتفق عليه أن المشركين لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة لعمرة القضاء، قالوا: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم [راجع ما سبق في الخيلاء في الحرب].
فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يظهروا للمشركين أنهم أقوياء، بالإسراع في الطواف في الأشواط الثلاثة التي كان الععدو يرونهم فيها، وفي الشوط الرابع الذي لا يرونهم فيه راعى ضعفهم، فلم يكلفهم الإسراع فيه، كل ذلك من أجل أن يرى المشركون من جند الله قوة وجلداً.
ولقد نهى الله عباده المؤمنين عن الاستسلام وإظهار الضعف والحزن، وذكَّرهم بأنهم هم الأعلون على عدوهم، حتى في حالة نيله منهم وانتصاره عليهم، كما قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139].
قال ابن جرير رحمه الله: "وهذا من الله تعالى ذكره تعزية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد، قال ولا تهنوا ولا تحزنوا يا أصحاب محمد، يعني ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأُحد، من القتل والقروح عن جهاد عدوكم وحربهم.. ولا تحزنوا ولا تأسوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم أنتم الأعلون، يعني الظاهرون عليهم، ولكم العقبى في الظفر والنصرة إن كنتم مؤمنين) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/102)].
ويذكر الله المؤمنين بأن ما أصابهم يوم أحد، قد أصاب أعداءهم يوم بدر، وأصابهم شيء منه كذلك يوم أحد، وأن أيام الله التي يلتقي فيها أولياؤه وأعداؤه دول بين المسلمين وبين المشركين، إذا أخذ المسلمون بأسباب النصر أدالهم على عدوهم كما حصل يوم بدر، وإذا فرطوا فيها أدال عليهم أعداءه، كما حصل يوم أحد، ليميز الله صادق الإيمان من غيره، وليختار من المؤمنين – الذين انتهت آجالهم – شهداء تكريماً لهم، كما قال تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 140، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/103) وكذلك الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/216-217)].
ويصغي جند الله لهذه الآيات التي تثير فيهم عزة الإيمان، فينسون ما أصابهم من قتل وجراح، ويدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم والدماء تسيل من أجسادهم، لملاحقة المشركين بعد انتهاء معركة أحد، فيستجيبون له ويخرجون في أثر العدو حتى بلغوا حمراء الأسد، ليرى الناس أن به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه قوة: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} [آل عمران: 172، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/176)].
ويوحي شياطين الجن إلى شياطين الإنس، أن يبثوا إشاعات كاذبة في صفوف المؤمنين لتخويفهم من أعاد الله، فيأتيهم من يقول لهم: إن المشركين قد جمعوا لكم جموعاً لا طاقة لكم بها، فيثبتهم الله ويزدادون إيماناً على إيمانهم، فلا يخافون إلا الله، بل يعتمدون عليه ويتوكلون عليه وحده: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173].
قال ابن جرير رحمه الله: (والناس الأوّل، هم قوم فيما ذكر لنا كان أبوسفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين، خرجوا في طلبه بعد منصرفه من أحد إلى حمرراء الأسد، والناس الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأحد...) [جامع البيان (4/178)].
وعن عائشة رضي الله عنها: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: (من يذهب في أثرهم؟) فانتدب منهم سبعون رجلاً، قال كان فيهم أبو بكر والزبير [صحيح البخاري رقم: 4077، فتح الباري (7/373)].
وبعد: فقد رأيتَ من هذه النصوص من الكتاب والسنة أن المؤمنين مهما أصابهم من البلاء، ومهما بدا أن عدوهم انتصر عليهم، حتى لو أصاب نبيهم بالجروح وقتل عمه حمزة وغيره من صناديد الصحابة، فإنهم هم الأعلون لا يضعفون ولا يستكينون، بل يظهرون لعدوهم القوة من أنفسهم بمطاردته وإظهاره بمظهر المهزوم في النهاية، فأين المنتسبون إلى الإسلام اليوم من هذه المعاني العالية التي سطرها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفيهم أسوة حسنة؟ إن المنتسبين إلى الإسلام اليوم ليروع غالب قادَتِهم شعوبَهم، ويدخلون عليهم الرعب من قوة أعداء الله، ويدعونهم إلى الاستسلام للكافرين ويركع غالب أولئك القادة لأولئك الأعداء ويذلون لهم، ناسين هذه المعاني الرفيعة وتلك الصفات الحميدة، في الأجداد الأوائل الذين لا يزالون يعيشون على فتات موائد جهادهم وتضحياتهم فلا حول ولا قوة إلى بالله.

(89)

الإقامة في أرض المعركة ثلاثة أيام بعد الانتصار على الأعداء
قد ينتصر في أول المعركة أحد الخصمين، وقد يستمر له النصر إلى النهاية، وقد لا يستمر بل قد يدال عليه خصمه، وليس النصر هو أن يصاب العدو بالقتل والجروح وأخذ الأموال والغنائم فقط، بل ذلك ومعه شعور العدو بالهزيمة الساحقة التي ييأس معها من العودة إلى المحاربة، وشعور الغالب بأنه الأعلى الذي أصبح مسيطراً وبيده زمام أمر المعركة السابقة، ويأمل أن يكون له النصر كذلك في معركة لاحقة.
ومن علامة الشعور بالهزيمة الساحقة أن يولي العدو هارباً لا يدري ما خلفه، بل لا يهمه إلا أن ينجو بنفسه، وهذا ما حصل في معركة بدر بالنسبة للمشركين فإنهم ولوا فارين مدبرين لا يلوون على شيء.
لا بل إن المشركين في أحد، وكانت الغلبة في ظاهرها لهم على المسلمين، ولكنهم لم يحافظوا على ذلك الغَلَب وذلك الانتصار عندما ولوا مدبرين، والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تسيل أجسادهم دماً من جروح المعركة يتابعونهم، فكان ذلك ضرباً من الهزيمة، بخلاف المسلمين فإنهم –وإن بدا أنهم هزموا في المعركة فكان منهم سبعون قتيلاً وجرح الكثير منهم حتى نبيهم صلى الله عليه وسلم- مع ذلك أخذوا زمام مبادرة النصر بمتابعة المشركين، وهم على تلك الحال وفر المشركون عندما علموا بخروجهم إلى حمراء الأسد، وقد مضى ذلك قريباً في المبحث السابق.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حافظوا على انتصارهم في غزوة بدر، فأقام صلى الله عليه وسلم بها ثلاثاً، وكانت تلك عادته إذا غلب عدوه أقام بمكان المعركة ثلاثاً.
كما في حديث أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذِفوا في طُوى من أطواء بدر، خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحله... الحديث [البخاري رقم الحديث: 3976، فتح الباري (7/300) ومسلم (4/2203)].
وقال الحافظ في الفتح: "وقال ابن الجوزي: إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة، وتنفيذ الأحكام، وقلة الاحتفال، فكأنه يقول: من كان فيه قوة منكم فليرجه إلينا) [فتح الباري (6/181)].
وقال ابن القيم رحمه الله: "ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرصتهم ثلاثاً، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثاً، ثم ارتحل مؤيَّداً منصوراً قرير العين بنصر الله له...) [زاد المعاد في هدي خير العباد (2/100) وراجع البداية والنهاية لابن كثير (3/303)].

(90)

مواصلة التدريب القتالي وعدم القعود عنه
الجهاد في سبيل الله باق ما بقي في الأرض مسلم وكافر، فإذا أعد المسلمون العدة لمعركة مع عدو وانتصروا عليه، فعليهم أن يواصلوا الإعداد لمعركة أخرى مع عدو آخر – وسيأتي الكلام على إعداد العدة في فصل أنواع الجهاد إنشاء الله – والمقصود هنا التنبيه على أنه لا يجوز للمسلمين أن يكسلوا عن التدريب والتمرين على أساليب القتال وأنواع السلاح ركوناً إلى معركة انتصروا فيها.
وقد ظن بعض المسلمين بعد أن حققوا انتصاراً على الكافرين أن أمر القتال انتهى، وأنه لا حاجة بعد ذلك إلى اقتناء السلاح وإعداد العدة، بل جاء وقت الراحة والرخاء – هذا الظن كان بعد تحقيق النصر على العدو، فكيف حال من يزعم ذلك وهو مهزوم والعدو منتصر عليه – فكذب الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الظن، وأمر بالاستمرار في إعداد العدة والتدريب، كما في حديث سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل – أي أهانوها واحتقروها ولم يُعْنَوا بها كما كانوا من قبل يهتمون بها استعداداً للحرب – ووضعوا السلاح، قالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (كذبوا! الآن جاء القتال ولا تزال في أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى يأتي وعد الله، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحَى إليّ أني غير مُلَبَّثٍ، وأنتم تتبعوني، ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام) [النسائي في كتاب الخيل (6/178) مطبعة الحلبي، وهو في جامع الأصول (2/570) رقم: 1049، قال المحشي: وإسناده صحيح].
وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى) [صحيح مسلم (3/1523) رقم الحديث: 1919].

(91)

دفن قتلى المسلمين في مصارعهم
والسنة أن يدفن قتلى المسلمين في مصارعهم – أي في مكان المعركة – ولا ينقلوا إلى المقبرة المعتادة، ولو كانت قريبة.
وقد ظن نساء الصحابة اللاتي قمن بالخدمة – من سقي وتمريض وغيرهما – في معركة أحد أن نقل الموتى إلى المقبرة – اعتباراً بالأصل – سنة فنقلن بعض الموتى مع الجرحى إلى المدينة، كما ثبت في صحيح البخاري عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها، قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة [صحيح البخاري رقم: 2883، فتح الباري (2/80)].
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَهم أن يردوا القتلى إلى مصارعهم، كما في حديث جابر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم، وكانوا نقلوا إلى المدينة [المصنَّف (5/278) رقم: 9604، أبو داود (3/514) رقم: 3165، النسائي (4/65) الترمذي (5/279) رقم:1771، وانظر نيل الأوطار (4/27) وكذا بدائع الصنائع (2/808) في الفقه الحنفي، والكافي في الفقه الحنبلي (1/356)].
ولعل من حِكَم أمره صلى الله عليه وسلم بردهم إلى مضاجعهم كون ذلك عبرة للمسلمين الذين يجيئون بعدهم، ويزورون ساحة المعركة فيتذكرون أعلام الجهاد في سبيل الله الذين حملوا على أكتافهم دعوة الإسلام، وضحوا في سبيل الله تعالى من أجل رفع راية هذا الدين، وهداية الناس له بكل ما يملكون حتى نفوسهم وروَّوا بدمائهم تلك الأرض التي مازالت شاهد صدق على البذل والتضحية.
وكذلك عندما يقف المسلم متأملاً أحداث الغزوة ومواقع حزب الله المجاهدين، وحزب الشيطان المحاربين، يأخذ في الدعاء لهؤلاء الذين اختارهم الله شهداء عنده.
وكذلك إرشاد للمسلم بأن يدفن في أي أرض يموت، ولا داعي لنقله من مكان إلى آخر فالأرض كلها أرض الله {وما تدري نفس بأي أرض تموت} [لقمان: 34] وإذا كانت الأرض تشهد لأهل الطاعة بطاعتهم، وعلى أهل المعاصي بعصيانهم فإن خير عمل يقدمه المؤمن – بعد الإيمان بالله – الموت في سبيله، ومضجعه الذي فاضت روحه فيه، وهو يجاهد في سبيل الله أولى به من غيره من بقاع الأرض، كما أن مرقده في ذلك الجزء الذي بلله دمه خير لهه من بقعة أخرى، وفي تفسير ابن كثير: عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يومئذ تحدث أخبارها} [الزلزلة: 4] قال: (أتدرون ما أخبارها) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب اهـ [تفسير القرآن العظيم (4/539)].
أما حكم نقل الميت من مكان موته إلى مكان آخر، فالذي يظهر في الشهيد عدم مشروعية نقله من مضجعه إلا لضرورة، كأن يقتل وهو في البحر، ولا توجد جزيرة قريبة بمكان دفنه فيها، أو لا يتمكن المسلمون المجاهدون من دفنه في مكانه لتغلب الأعداء الكافرين عليه، ونحو ذلك، لأن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بردهم إلى مضاجعهم وقد نقلوا إلى المدينة ظاهر في الوجوب فنقل الشهيد غير مشروع، بخلاف الأموات غير الشهداء، فقد رأى بعض العلماء مشروعية ذلك، ففي تحفة الأحوذي: "والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء، لأنه نقل ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور جماعة من الصحابة، ولم ينكروا" [تحفة الأحوذي، بشرج جامع الترمذي (5/380)]، وقال الحافظ في فتح الباري: "واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد" [فتح الباري (3/307)].
فقيل يكره، لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل يستحب.
والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح، كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم.
والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة، لملة وغيرها والله أعلم" اهـ
ولكن ما جرى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه دفن الميت في مكان موته – في الأغلب – فالأولى عدم النقل.

(92)

التبشير بالنصر والفتح
الطائفة من الناس التي تشترك في بعض الأمور، كالعقيدة – أي عقيدة – أو التجارة، أو الأرض، يُسَرُّ أفرادُها إذا انتصروا على عدو لهم ينافسهم في شيء أو يحاول القضاء عليهم، ويحزنون إذا انهزموا وانتصر عدوهم.
وإذا أفرز جيش منهم لمحاربة ذلك العدو، فإنهم يتطلعون لأخباره ويتابعونها، ويودون أن تأتيهم تباعاً وأولاً بأول، لما في نتائج ذلك من السرور أو الحزن، والبقاء أو الفناء.
بل إنهم ليودون أن ينتصر من هو أقرب إليهم في العقيدة أو الفكر أو غير ذلك على من هو أبعد، ويتطلعون لأخباره كما يتطلعون لأخبار جيشهم.
وكان هذا واضحاً في أول الإسلام بمكة عندما انتصرت فارس، وهم وثنيون على الروم، وهم أهل كتاب، ففرح المشركون بذلك، وأخذوا يفخرون به على المسلمين، لأن أهل فارس والمشركين من العرب أهل أوثان، والروم أهل كتاب، كالمسلمين – في الجملة – وكان المسلمون يحبون أن تنتصر الروم على فارس، لما في ذلك من الإغاظة للمشركين وإنذارهم بأن الغلبة ستكون للمسلمين عليهم من باب أولى، لأنهم أهل الكتاب الحق، فذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنهم سيهزمون، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين.. فقالوا: أفنجعل بيننا وبينكم أجلاً، فإن غَلَبُوا كان لك كذا، وإن غَلَبْنا كان لنا كذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين.
قال فمضت فلم يَغْلِبوا-أي الروم- فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أفلا جعلته دون العشر... والبضع ما دون العشر... فَغُلِبَ الروم، ثم غَلَبَت، فذلك قوله: {ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله... } [الروم: 1-5].
فقد بشر الله المؤمنين بأمرين:
الأمر الأول: غَلَب الروم على فارس كما مضى.
والأمر الثاني: نصر الله تعالى إياهم الذي سيفرحون به، ولذلك قال سفيان الثوري الذي روى القصة – بسنده إلى ابن عباس – بعد ذكر قوله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} قال: فبلغني أنهم غَلَبُوا يوم بدر.
لذلك كان من السنة أن يبعث المنتصرون بشيراً يبشر المسلمين بالنصر.
وقد بوب البخاري في صحيحه لحديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه في قصة هدمه صنم خثعم – ذا الخَلَصة – فقال: "باب البشارة في الفتوح"
وأورد الحديث عن جرير قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تريحني من ذي الخلصة؟ وكان بيتاً فيه خثعم، يسمي كعبة اليمانية فانطلقتُ في خمسين ومائة فارس من أحمس-إلى أن قال-: فأتاها، فحرقها بالنار وكسرها، ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب قال: فبَرَّك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات [الحديث رقم 3076، 4357، فتح الباري (6/189، 8/70)].
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "وقد بعث عليه السلام – أي بعد بدر – بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر: أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثاني زيد بن حارثة إلى السافلة... قال أسامة: فلما قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو واقف بالمصلى، وقد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاصي بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، قال قلت: أبه أحق هذا؟ قال: أي والله يا بُنَي [البداية والنهاية (3/3033-304)].
وكانت البشارة بما يسر من الأمور التي يسارع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، بل ويكافئ من بُشِّر بما يسره المُبَشِّرَ على بشارته، وقد بوب البخاري رحمه الله لذلك فقال: "باب ما يعطى البشير" وأشار إلى قصة كعب بن مالك رحمه الله، فقال: "وأعطى كعب بن مالك ثوبين حين بُشِّرَ بالتوبة"
وقصة كعب في الصحيحين وفيها: (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي، وضاقت بي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفَى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فقال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج – إلى أن قال: - فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما) [البخاري رقم: 4418،فتح الباري (8/113) ومسلم (4/2120)].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالبشارة من حيث هي، كما في الصحيحين عن أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن فقال: (يسرا ولا تعسرا وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا) [صحيح البخاري رقم: 3083، فتح الباري (6/191)].

(93)

استقبال المجاهدين والترحيب بهم
ومن حق المجاهدين في سبيل الله على من بقي من المسلمين في البلد أن يستقبلوهم ويرحبوا بهم ويشعروهم بالاحترام والتقدير، لما نالوه من مشقة في سبيل الله تعالى وما واجهوا من التعب والمشقة في الحروب، من الجوع والعطش ومفارقة المضاجع والظلال، ولكونهم أدوا الفرض وأسقطوه عن غيرهم، وهكذا كان السلف يعملون وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بوب لذلك البخاري رحمه الله فقال: "باب استقبال الغزاة" وأورد فيه حديثين: أحدهما حديث السائب بن زيد رضي الله عنه، قال: (ذهبنا نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع) [صحيح البخاري رقم: 3083، فتح الباري (6/191)].
وبينت رواية الترمذي لنفس الحديث أن ذلك كان عند قدومه من غزوة تبوك، وفيه توضيح أكثر للمتلقين (الناس) وهو يدل على كثرتهم وهذا نصه: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك خرج الناس يتلقونه إلى ثنية الوداع، قال السائب: فخرجت مع الناس وأنا غلام) [الترمذي رقم الحديث: 2772، تحفة الأحوذي (5/281)].
وقال ابن القيم رحمه الله: فلمادنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولدان يقلن:
طلع البـدر علينـا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعـا لله داع
وبعض الرواة يَهِمُ في هذا، ويقول: إنما كان عند مقدمه المدينة من مكة، وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام... [زاد المعاد (3/12)].
هكذا كان السلف الصالح يعاملون المجاهدين في سبيل الله، يودعونهم عند سفرهم داعين لهم بالنصر والشهادة، ويكرمونهم عند قدومهم بالاستقبال والترحيب، لأن المقياس عندهم هو سبيل الله.
وكانوا إذا فرت طائفة من الجيش الإسلامي وتركته ورجعت إلى المدينة، بسبب ما رأت تلك الطائفة من كثرة العدو وغلبة ضعفها البشري عن التحمل والثبات، كانوا يستقبلون تلك الطائفة بالتأنيب ويَحثُون التراب عليهم، ويعيرونهم بقولهم لهم: يا فُرَّار فررتم في سبيل الله [السيرة النبوية لابن هشام (2/18) والبداية والنهاية لابن كثير (4/248)].
فهل بقي هذا المقياس للتكريم أو التأنيب عند المسلمين؟
لقد انعكست الأمور وانقلبت الموازين واختلت المقاييس وأصبح الخونة الجبناء الذين يبيعون الدين والأرض والشعوب للأعداء الكافرين، هم موضع التكريم وإذا خضع أحدهم لعدو المسلمين فركع له واستسلم وتآمر على شعبه ودينه وأرضه، ثم رجع إلي ذلك الشعب، رأيت غوغاء الناس وهم يركضون لاستقبال الزعيم والتصفيق له كأنهم قطعان من الحيوان، يهتفون بحياته ويثنون على خطواته، ويلقبونه بألقاب الفاتحين الأبطال، وقليل هم الذين يدركون الخيانة ويعرفون الخونة، فتراهم ينظرون إلى تلك الجموع الضائعة متعجبين مشفقين، يدعون لها بالهداية والإنابة إلى الله.
وهؤلاء القليل مغلبون على أمرهم لا حول لهم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، محاصرون من كل جانب لا يملكون أن يوصلوا إلى تلك الجموع الضائعة الخاسرة كلمة الحق عن طريق أقل وسيلة للإعلام، وإذا تجرءوا فقالوا كلمة حق بأي وسيلة اتهموا بالشذوذ والتآمر على مصالح الشعب والخروج عن الصف، وقيل فيهم ما قال أعداء الله من قبل في ذوي الصلاح والهدى والدعوة إلى الله بأنهم خارجون على النظام مفسدون، يريدون القضاء على مكاسب الشعب التي حققها له القادة الأبطال: {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبان بطريقتكم المُثْلى} [طه:63].
وبمقدار ما تُسلط أجهزة الإعلام على أولئك الصالحين لتصفهم بكل أوصاف الذم حتى يظهروا أمام الجموع الضائعة بمظهر الشذاذ المفسدين الذين يجب نبذهم وعدم الإصغاء إلى آرائهم، بمقدار ذلك أو أكثر تكيل تلك الأجهزة المديح والثناء للأبطال المتآمرين حتى يصبحوا هم الملائكة الأبرار، الذين لا يريدون إلا الحق ولا يسلكون إلا سبيل الهداية والرشد، فيرتسم في أذهان الغوغاء أن هؤلاء الضالين المفسدين هم الهداة المهتدون، وأن أولئك المجاهدين – فعلاً – الأبرار، هم أهل الغواية والضلال.
وقد سبق هؤلاء الذين يقلبون الحقائق، فيظهرون الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، سبقهم إخوانهم الذين سجل التاريخ عليهم كل تصرفاتهم، فلحقتهم لعائن الله في الأرض وتنتظرهم نقمته في الآخرة.
{وقال فرعون ذروني أقتلْ موسى ولْيَدْعُ ربَّه، إني أخاف أن يبدِّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26].
قال فرعون {ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرَّشاد} [غافر: 29]
وليت الأمر يفق عند هذا الحد فقط، ولا يتعداه إلى التعذيب والإهانة والقتل والتشريد، وسيأتي مزيد بيان لهذا في الباب الثالث إنشاء الله عند الكلام على الابتلاء وأنواعه.
وممن ينالون التكريم والتعظيم أولئك العجول البشرية، الذين لا يذكرون الله إلا قليلا، بل ربما لو سألت الكثير منهم عن جهة القبلة ما دلك عليها، لعدم اتجاهه إليها، أولئك هم نجوم الرياضة وأبطالها الذين أصبحوا شغل الناس الشاغل قبل المباراة بالإعلانات عنها في جميع أجهزة الإعلام، وفي وقت المباراة بمراقبتها وتحمس كل طائفة لفريق منها، وبعد المباراة بالحديث عن البطولة والنصر، ورفع بيارق النصر والرقص في الشوارع والتصفيق وإزعاج الناس بأبواق السيارات وترديد علم المنتصر الذي يعرف به.
ومما يؤسف له أن يطلق على تلك الفرق أسماء غزوات كانت غرة في جبين التاريخ حقق المسلمون فيها انتصارات رائعة على أعدائهم، والآن تطلق على فرق عمد إلى إلهائها باللعب وتلهية الناس بها، حتى أصبحت مثل ثيران أسبانيا تتصارع ليتلهى بها الجمهور [راجع على سبيل المثال جريدة المدينة المنورة، عدد (4620) الصادرة بتاريخ 23 رجب سنة 1399هـ وعدد (4258) بتاريخ 11 رجب سنة 1399هـ وعدد (4615) بتاريخ 17 رجب سنة 1399 هـ].
وهكذا تجد التكريم والتعظيم للراقصات والمومسات اللاتي تتألق أسماؤهن وأشباههن من الرجال، ويلقبون بالألقاب الرفيعة: النجوم، الرواد العظماء، المبتكرون... وتفتح لهم أبواب الظهور، حتى يصبحوا أئمة الشعوب وقادتها في تحطيم الأخلاق والمعنويات والقضاء على الرجولة الشرف، وهكذا.
والسبب في ذلك أن المقياس عند عامة الناس انقلب من سبيل الله إلى سبيل الشيطان، فكان السلف يكرم أهل سبيل الله لأنه المقياس عندهم، وأصبح المنتسبون إلى الإسلام الآن يكرمون أهل سبيل الشيطان لأنه المقياس عندهم.

(94)

إشعار قادة البلاد المفتوحة بالتكريم
تأليفاً لقلوبهم
وينبغي أن يشعر المجاهدون في سبيل الله، أهلَ البلاد التي يتغلبون عليها ويفتحونها، بأنهم لم يفتحوا بلادهم ليذلوهم ويهينوهم، وإنما جاهدوهم لإعلاء كلمة الله تعال،ى وفي ذلك بركة وخير لهم، ومظهر ذلك تكريم بعض قادة البلاد، بأي نوع من أنواع التكريم التي تجعلهم يطمئنون للفاتحين ويألفونهم ويرحبون بهم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة، فإنه أشعر أهلها بأنه لم يأت للقضاء عليهم وتدمير بيوتهم، على رغم ما مما عملوه معه صلى الله عليه وسلم ومع أصحابه قبل الهجرة، من الإيذاء والفتنة والتآمر، لذلك أمر صلى الله عليه وسلم أن ينادى في القوم أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن [مسلم (3/1480) رقم الحديث: 1780].
وفي رواية: فقال أبو سفيان: أَدارِي؟ فقال النبي صلى اله عليه وسلم: (نعم) [المصنف (5/376) رقم الحديث: 9739].
وفي أخرى، فقال له – أي للرسول صلى الله عليه وسلم –: يا رسول الله إن أبا سفيان رحل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئاً قال: (نعم. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق على نفسه الباب فهو آمن) [أبو داود (3/416) رقم الحديث: 3021، وانظر المبسوط للسرخسي (10/38)].
وأنت ترى أن هذا الأمر الذي أعطاه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان، لا يختلف عن أي دار في مكة، لأن من دخل داره أو دار غيره وأغلق الباب مشيراً بذلك إلى عدم مقاومة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو آمن، ولكن ذكر أبي سفيان باسمه في ذلك الموقف طيَّب نفسَه، وجعله يتعجب ويستفهم: أداري، أداري؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعطه هذا الحق إلا بعد أن أسلم، كما في رواية أبي داود: (فأسلم بمر الظهران، فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر...) الخ.
ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عزم على قتل بعض المشركين وعدم تأمينهم والعفو عنهم، وخشي أن يدخلوا في لفظه العام في قوله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن...) استثناهم وأمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة وهم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح، فأما عبد الله بن خطل، فأُدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فقتل، وأما مقيس بن صبابة فأدركوه وهو في السوق فقتلوه أيضاً، وأما عكرمة فقد فر في سفينة في البحر، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، وأما عبد الله بن أبي السرح، فقد اختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه النبي أن يبايعه وهو ينظر إليه ولم يبايعه ثلاث مرات، وفي الرابعة بايعه وهو غير راض عنه، ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال: (ما كان منكم رجل شديد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) [انظر مضمون هذه القصة في صحيح البخاري رقم: 4286، فتح الباري (8/15)، وصحيح مسلم (2/989) رقم: 1357، وسنن أبي داود (3/134) رقم: 2685، وجامع الأصول (8/373) وما بعدها رقم: 6148، 6149، والمبسوط (10/38-39)].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:43 am


(95)

الفرع الرابع : بعض آداب الجهاد العامة
سبق الكلام على بعض آداب الجهاد قبل المعركة –غالبا- وفي أثنائها، وبعدها.
وهذه بعض الآداب التي لا وقت لها، إذ يجوز أن تكون قبل الحرب، ويجوز أن تكون أثناءها، ويجوز أن تكون بعدها.
عدم قتل الرسل
الناس – كل الناس – مهما حصل بينهم من نزاع، أو حروب، لا بد أن يحتاج بعضهم للاتصال بالآخرين، للتفاوض معهم، أو عرض تنازل، لعدم قدرتهم على الاستمرار في المقاطعة أو الحرب أو غير ذلك.
والمسلمون أهل حق ودعوة إلى ذلك الحق، وهم حريصون على إيصال ذلك الحق إلى الناس كلهم بالوسائل السلمية، ولا يلجأون إلى القتال إلا مضطرين، عندما يقف أعداء دعوتهم في طريقها لصد الناس عنها، والْحَوْل بين الدعاة إلى الله وبين الناس، أو عندما لا ينصاعون لحكم الله تعالى بأن يدخلوا في دين الله أو يؤدوا الجزية وهم صاغرون، هنالك يكون آخر الدواء الكي، إذ على المسلمين أن يحملوا السلاح لتأديب أعداء الله، وفي هذه الحال قد يبدو للمحاربين رأي في الأمر، فيحتاجون إلى الاتصال بالمجاهدين في سبيل الله، فيرسلون منهم من يبلغ أمرهم إلى المسلمين، وهم الذين يسمون بالرسل، فإذا جاء رسول أو أكثر من المحاربين إلى المسلمين، فإنه يكون آمناً على نفسه وماله فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يتعدى عليه حتى يبلغ رسالته ويغادر آخر جزء من بلاد المسلمين.
وهذا الأدب السماوي العظيم جاء في السنة النبوية قولاً وفعلاً، وطبقه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابُه في كل البلدان التي جاهدوا فيها لرفع راية الإسلام.
كما في حديث نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ كتاب مسيلمة الكذاب، قال للرسولين: (فما تقولان أنتما؟) قالا نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما) [أحمد في المسند (3/487) أبو داود (3/191) رقم الحديث: 2761، وانظر نيل الأوطار (8/34) وقال في عون المعبود: "فيه دليل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام، والحديث سكت عليه المنذري [عون المعبود 7/442]" وانظر قصة رسول قيصر إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وهو في تبوك في البداية والنهاية" (5/15)]، قال ابن قدامة: "ويجوز عقد الأمان للرسول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين، ولما جاء رسول مسيلمة قال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا، فتفوت مصلحة المراسلة" [المغني (9/244)].
وكان صلى الله عليه وسلم يشتد غيظه إذا قتل الأعداء أحد رسله، فقد بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتله... فاشتد ذلك عليه، وكان ذلك هو السبب في غزوة مؤتة [انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (2/128) وفتح الباري (7/511)].

(96)

تأمين من طلب من المحاربين سماع كلام الله وتعلم معنى الإسلام
وإذا طلب بعض المحاربين الكافرين الإذن له بدخول دار الإسلام أو مقابلة من يعلمه الإسلام من المجاهدين، فإن على المسلمين أن يؤمنوا من طلب ذلك ويسمعوهم كلام الله، ويشرحوا لهم معاني الإسلام ويرغبوهم فيه، ويحذروهم من محاربته لأن ذلك هو المقصود الأساس للمجاهدين، فإذا فعلوا ذلك فعليهم أن يوصلوه إلى المكان الذي يأمن فيه على نفسه، بأن يحموه من أي اعتداء عليه في بلاد الإسلام، أو في معسكر المسلمين المجاهدين، كما قال تعالى: {وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأَجِرْه حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه} [التوبة: 6].
قال ابن قدامة: "ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام، وجب أن يعطاه، ثم يرد إلى مأمنه، لا نعلم في هذا خلافاً، وبه قال قتادة ومكحول والأوزاعي والشافعي، وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس، لقوله تعالى: {وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فاَجِرْه حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه}.
ولكن يجب على المسلمين الحذر من أن يكون إنما فعل ذلك ليتجسس عليهم، فيجب أن لا يمكن من معرفة شيء من أسرارهم التي لو اطلع عليها العدو لاستفاد منها" [المغني (9/44)].

(97)

الفصل الثاني: أقسام الجهاد في سبيل الله
القسم الأول: الجهاد المعنوي
تمهيد:
سبق في تعريف الجهاد أنه: (بذل الوسع، وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق) وهو أشمل التعاريف وأجمعها، لأنه يشمل كل نشاط الإنسان الذي يبذله في طاعة الله تعالى، سواء كان ذلك: في تطويع نفسه لأداء الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات لله تعالى، أو تطويع غيره لربه بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والترغيب والترهيب، ببيان محاسن هذا الدين وما فيه من خير عظيم للبشرية في الدنيا والآخرة، وبيان مساوي الكفر بالله ومعصيته، وما في ذلك من بلاء وضنك في الدنيا والآخرة.
وكذلك القيام بجهاد أعداء الله بالنفس والمال لرفع راية الإسلام، وغير ذلك مما يدخل في هذا التعريف الجامع المانع.
وقد استدل بعض العلماء على شمول الجهاد لكل هذه المعاني وغيرها بقوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ جهاده} [الحج: 87] قال القرطبي في تفسيره: "قيل:عنى به جهاد الكفار، وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد مظالمهم، والكافرين في رد كفرهم" [الجامع لأحكام القرآن (12/99)]، واختار هذا المعنى أبو السعود أيضاً في تفسيره، فقال: {وجاهدوا في الله} أي لله تعالى ولأجله أعداءَ دينه الظاهرة، كأهل الزيغ، والباطنة كالهوى والنفس، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه رجع من غزوة تبوك، فقال: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) [تفسير أبي السعود (4/46)].
وهذا الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: (قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه) من حديث جابر ورمز له بـ(ض) يعني أنه ضعيف [فيض القدير شرح الجامع الصغير (4/511) "والحديث ذكره الثعلبي بغير سند وأخرجه البيهقي في الزهد من حديث جابر، قال ابن حجر: هو من رواية عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أسلم، والثلاثة ضعفاء" اهـ من تعليقات أستاذي المشرف على البحث الشيخ مناع خليل قطان]
وقال الشارح المناوي: (من الجهاد الأصغر) وهو جهاد العدو المباين (إلى الجهاد الأكبر) وهو جهاد العدو المخالط، قالوا: وما الجهاد الأكبر، قال: (مجاهدة العبد هواه) فهي أعظم الجهاد وأكبره، لأن قتال الكفار فرض كفاية، وجهاد النفس فرض عين على كل مكلف في كل وقت {إنَّ الشيطان لكم عدوٌ فاتَّخذوه عدواًّ...} [فاطر: 6]
وفي هذا إشارة إلى أن الحديث وإن كان ضعيفاً من حيث السند، فإن نصوصاً أخرى من القرآن الكريم تدل على صحة معناه، وقد انتقده بعضهم من حيث المعنى أيضاً، لإشعاره في نظرهم بالتهوين من شأن قتال العدو، وهذا الانتقاد غير وارد، وسيأتي أن قتال العدو فرع عن جهاد النفس، لأن الذي لم يستطع جهاد نفسه، لا يرجى منه أن يضحي بها أو بغيرها من الأموال والأهل وغيرهما.
وبهذا يظهر أن الجهاد ينقسم قسمين:
القسم الأول: الجهاد المعنوي.
القسم الثاني: الجهاد المادي، وتحت كل قسم منهما أقسام أيضاً.
وحيث أن الجهاد المعنوي هو أساس الجهاد المادي فإنه يحسن البدء به.

(98)

المبحث الأول: جهاد النفس
وفيه فرعان:
الفرع الأول: ذكر مخاطر النفس وأدوائها وأعوانها.
الفرع الثاني: جهاد النفس وأعوانها.
الفرع الأول: ذكر مخاطر النفس وأدوائها وأعوانها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول
بيان أن النفس الإنسانية هي موضوع الكتاب والسنة
إن الله عز وجل الخالق الخبير، هو وحده الذي يعلم أغوار النفس الإنسانية والتواءاتها، وإن الإنسان ليجهل من نفسه أكثر مما يعلم منها، قال تعالى: {ألا يعلمُ من خَلَقَ وهو اللطيفُ الخبيرُ} [الملك: 14] وإن الإنسان ليتمنى-بعد أن تحققت له أمنيته من الضلال في الدنيا-أن يسلك الطريق المستقيم بعد أن عاين مقر عذابه الدائم بسبب بعده عن الله وتكذيبه بآياته، ولكن الخالق يعلم منه ما خفي على نفسه، كما قال تعالى: {ولو ترى إذ وُقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نُرَدُّ ولا نكذِّبَ بآيات ربنا ونكونَ من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يُخْفون من قبل، ولو رُدُّوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 27-28]
وقد أنزل الله هذا القرآن من أجل هذه النفس التي يصفها تارة بالإيمان والعمل الصالح الذي يترتب عليه الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {ألم. ذلك الكتابُ لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 1-5]
وتارة بالاطمئنان بالإيمان بالله وبذكره والعمل الصالح له، وبما أعد الله لها من الكرامة في الدار الآخرة، والرضا بكل ذلك كما قال تعالى: {يا أيتها النفسُ المطمئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيَّة، فادخلي في عبادي وادخلي جنَّتي} [الفجر: 27-30].
وتارة بالعناد والصدود وعدم الاستجابة للحق، مهما كانت الدعوة إليه واضحة مقنعة، وذلك حين يختم عليها، فلا يدخل إليها خير، ولا يخرج منها شر: {إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيم} [البقرة: 6-7]
وتارة بأنها أمارة بالسوء، أي دأبها الإكثار والإلحاح على صاحبها في أن يعمل المنكر القبيح: {وما أبرئ نفسي، إنّ النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53]
وتارة يصفها بالخداع والغش والمراوغة والنفاق والمرض والفساد: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً، ولهم عذاب أليمٌ بما كانوا يكذبون. وإذا قيل لهم لا تُفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون...} الآيات إلى قوله تعالى {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 8-20]
وتارة يصفها بأنها كثيرة التحرج من فعل الشر وترك الخير، وأنها تلوم صاحبها على ذلك باستمرار، كما قال تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 1-2]
وتارة يُذَكِّرها بحقارتها وكبريائها {أوَلَمْ يَرَ الإنسان أناَّ خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مُبين} [يس: 77].
وتارة يذكر تعالى أنه قد أقام عليها الحجة، فلم يبق لها عذر في تمردها وعصيانها: {إناَّ هديناه السبيلَ إماَّ شاكراً وإماَّ كفورا} [الإنسان: 3]، {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 7-8]
وتارة يصفها بالظلم والجهل {إناَّ عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} [الأحزاب: 72].
وإذا كان الله هو خالق هذه النفس وهو أعلم بها منها، وقد أراد لها شرعاً أن تقوم بالخلافة في الأرض، وبين لها طريق الخير وطريق الشر بما فطرها عليه من معرفة الحسن والقبيح، فإنه لم يدعها لذاتها تتخبط في هذه الحياة دون هداية وبيان، بل أرسل إليها الرسل وأنزل الكتب لبيان ما يصلحها، ويجعلها مصلحة مرشدة تعمر الأرض بالتوحيد والإيمان والعمل الصالح وآخر كتاب نزل هو أكمل الكتب المهيمن على كل الكتب السماوية السابقة، وهو (القرآن) وآخر رسول، وهو (محمد) رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل من نزل عليه جبريل في الأرض، وفي هذا الكتاب هداية لأقوم سبيل، وفي هذا الرسول نور وهداية وخير، قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] {يا أيها النبيُّ إناَّ أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً} [الأحزاب: 45-46] ولذلك أمرها ونهاها ورغبها ورهبها وبين لها ما ينفع وما يضرها في الدنيا والآخرة.
فالقرآن الكريم والسنة المطهرة في حقيقة الأمر، ما موضوعهما إلا النفس الإنسانية، في حال انفرادها أو اجتماعها، في سلمها وحربها، في عسرها ويسرها، في حال رضاها وسخطها، وفي ثوابها وعقابها، وفي كل حالة من حالاتها.
وليفتح من يريد أن يعلم ذلك علم اليقين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليرى أن هذه النفس هي المقصودة بكل كلمة، وكل أمر ونهي، وكل ترغيب أو ترهيب، وثواب أو عقاب، أو غير ذلك.
لذلك فإن خطر هذه النفس عظيم وأمرها جسيم.

(99)

المطلب الثاني
أهل القرآن يصفون القرآن يصفون النفس وعظم خطرها
وإن الذي علم أن هذا القرآن إنما أنزل لهذه النفس: يصفها، ويرشدها ويثيبها ويعاقبها، لهو أولى من يصفها -بعد كتاب الله وسنة رسوله- وهو كذلك أدرى – بعد الله ورسوله – بعللها وأدوائها وعلاجها، وتأمل هذه الجمل التي يصفها فيها أحد خبراء النفس هذه النفس:
"فالنفس جبل عظيم، شاق في طريق السير إلى الله عز وجل، وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل، فلا بد أن ينتهي إليه، ولكن منهم من هو شاق عليه، ومنهم من هو سهل عليه، وإنه ليسير لمن يسره الله عليه، وفي ذلك الجبل أودية وشعاب وعقبات ووهود، وشوك وعوسج وعليق وشرق، ولصوص يقطعون الطريق على السائرين لا سيما أهل الليل المدلجين، فإذا لم يكن معهم عُدَد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات، وإلا تعلقت بهم تلك الموانع، وتشبثت بهم تلك القواطع، وحالت بينهم وبين السير، فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته.
والشيطان على قُلَّة ذلك الجبل، يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه، فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قتله، وضعف عزيمة السائر ونيته، فيتولد من ذلك الانقطاع والرجوع والمعصوم من عصمة الله.
وكلما رقِيَ السائرُ في ذلك، اشتد صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلته، انقلبت تلك المخاوف كلهن أماناً، وحينئذ يسهل السير وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها، ويرى طريقاً واسعاً آمناً يفضي به إلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن، فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوة وعزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" [مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين (2/7) لابن القيم].
ويصفها في مكان آخر بالجهل والظلم، وأنها منبع كل شر ومأوى كل سوء، وأن العبد لا خلاص له من شرها إلا باللجوء إلى خالقها، قال:
"ويفيده نظره إليها – أي يفيد الإنسان نظره إلى النفس الأمارة بالسوء – أموراً: منها أن يعرف أنها جاهلة، ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح، ومن وصفه الجهل والظلم، لا مطمع في استقامته واعتداله البتة، فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم، ومع هذا فجهلها أكثر من علمها، وظلمها أعظم من عدلها، فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيها شرها، وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها، فإنه ربها ومولاها، وألا يكله إليها طرفة عين، فإنه إن وكل إليها هلك، فما هلك من هلك إلا حيث وُكِلَ إلى نفسه... فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه، علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء، وأن كل خير فيها، ففضل من الله من به عليها، لم يكن منها، كما قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمتهُ ما زَكَا منكم من أحد} [النور: 21] وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها، ولكن هو الله الذي من بهما..." [مدارج السالكين 1/220)].
ويصف ابن تيمية خطر هواها على صاحبه، وأنه لا يثبت على حال واحدة، بل إن ما يزعم أنه حق يدعو إليه، ينقلب عنده باطلاً يعارضه ويحاربه، وما يزعم أنه باطل يدعو إلى تركه ويظهر قبحه، ينقلب عنده حقاً يدعو إليه ويحارب من يكره.
قال رحمه الله: "والناس هنا ثلاثة أقسام: قوم لا يقومون إلا في أهواء أنفسهم، فلا يرضون إلا بما يُعْطَونه، ولا يغصبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام، زال غضبه وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان عنده منكراً – ينهى عنه ويعاقِب عليه ويَذُم صاحبَه ويغضب عليه – مرضيا،ً وصار فاعلاً له وشريكاً فيه، ومعاوناً عليه ومعادياً لمن نهى عنه وينكر عليه، وهذا غالب في بني آدم يرى الإنسان ويسمع ما لا يحصيه. وسببه أن الإنسان ظلوم جهول فلذلك لا يَعدِل، بل ربما كان ظالماً في الحالين، يرى قوماً ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتدائه عليهم، فيرضي أولئك المنكرين ببعض الشيء، فينقلبون أعواناً له، وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه، وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي، حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك، أو يرضوه ببعض ذلك، فتراه قد صار عوناً لهم، وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره" [الفتاوى (28/147)].
ويصف النفس بأنها أعظم خطراً من غيرها، لأنها ملازمة لصاحبها متصلة به لا تفارقه، فهي تأمره من داخله، وتحول بينه وبين الخير من داخله كذلك، فلا فكاك له منها.
قال: "ولهذا يبقى الإنسان عند شهوته وهواه، أسيراً لذلك مقهوراً تحت سلطان الهوى أعظم من قهر كل قاهر – أي من المخلوقين – فإن هذا القاهر الهوائي القاهر للعبد هو صفة قائمة بنفسه لا يمكنه مفارقته البتة.. بخلاف كل قاهر ينفصل عن الإنسان، فإنه يمكنه مفارقته مع بقاء نفسه على حالها، وهذا إنما يفارقه بتغير صفة نفسه" [الفتاوى (10/587)].
ويصف الإنسان في موضع آخر بأنه عبد هوى نفسه، يوالي من أجلها ويعادي من أجلها كذلك، قال: "فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة، فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى: {أرأيتَ من اتخذ إلهه هواه؟! أفأنت تكون عليه وكيلاً}" [الفتاوى (14/324) والآية من سورة الفرقان:43].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:49 am


(100)

المطلب الثالث
أعوان النفس الأمارة بالسوء
ومع أن النفس منبع الشر ومأوى السوء في ذاتها، فإن لها من الأعوان، والجنود ما يزيدها شراً على شرها وفساداً على فسادها. ومن أهم أعوانها على شرها وفسادها ألمور الآتية:
الأمر الأول: الجهل.
والجهل حمأة منتنة، يتفجر منها قيح المعاصي من الشرك بالله إلى أصغر معصية، والجاهل يقف أمام الحق معانداً وجاحداً ومستكبراً، ولو كانت حجج هذا الحق أوضح من الشمس في كبد السماء في يوم صحو، كما قال تعالى: {ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة، وكلَّمهم الموتى، وحشرنا عليهم كلّ شيء قُبُلاً، ما كانوا ليؤمنون إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون} [الأنعام: 111]
والجاهل يحجب جهلُه عقلَه أن يفقه أوضح القضايا وأظهرها على الإطلاق، وهي وحدانية الله، ولو كان الداعي إليها نبياً رسولاً موجودا بين ظهراني الجهال، قال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] وقال تعالى عن عاد قوم هود، عندما دعاهم إلى توحيد الله وحذرهم من عذابه العظيم: {قالوا أجئتنا لتَأفِكَنا عن آلهتنا؟! فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال إنما العلم عند الله وأبلِّغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوماً تجهلون} [الأحقاف: 22-23] هذا في الشرك بالله تعالى، وقال تعالى في قوم لوط الذين ارتكبوا أقبح فاحشة من المعاصي بعد الشرك بالله: {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون، أئنكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء!! بل أنتم قوم تجهلون} [النمل: 54-55].
والجهال لا يكتفون بارتكاب معصية الله بأنفسهم، بل إنهم يأمرون بها أهل العلم بالله ويدعونهم إليها، ولذلك أمر الله نبيه أن ينكر عليهم هذا الأمر، وأن يفاصلهم مفاصلة كاملة، كما قال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64].
وقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون } إلى قوله {لكم دينكم ولي دين} [الكافرون].
وقد استعاذ موسى عليه السلام بربه أن يكون من الجاهلين، عندما اتهمه قومه بأنه يستهزئ بهم ويسخر منهم؛ ولم يقل: أعوذ بالله أن أكون من الساخرين أو المستهزئين، بل قال: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] لأن الجهل سبب الهزء والسخرية في مقام يقتضي الجد، قال القرطبي بعد أن فسر هذه الآية: "وفي هذا كله أدل دليل على قبح الجهل وأنه مفسد للدين" [الجامع لأحكام القرآن (1/447)].
وعندما يشتد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لما يرى من عناد قومه وتعنتهم عليه بأن يأتيهم بآية ليؤمنوا،لم ينهه الله عن الجزع والتحسر الشديدين، وإنما نهاه عن منبعهما وهو الجهل [انظر الجامع لأحكام القرآن (6/418)] كما قال تعالى: {وإن كان كَبُر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكوننَّ من الجاهلين} [الأنعام: 35].
هذا وليس المقصود بالجهل أن الإنسان الموصوف به غير عالم مطلقاً، بل قد يكون عنده علم بالحق وأدلته مقنعة لعقله، ولكنه لا يستجيب لذلك الحق، بل يعاديه ويرده ويحارب أهله، ولذلك صار بمنزلة من لم يعلم لعدم عمله بعلمه، كما ينفي عن العاقل عقله، لعدم انتفاعه به.
قال ابن تيمية رحمه الله: "فأهل الخوف لله والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله، وقد روي عن أبي حيان التميمي أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس عالماً بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله، فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده) [صحيح البخاري (7/96) وصحيح مسلم (4/1829) بلفظ آخر مقارب]، وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحين في الكتاب والسنة،لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: {فأوحى إليهم ربُّهم لنهلكنَّ الظالمين، ولَنُسْكِنَنَّكُم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم: 13-14] وقوله: {ولِمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجبات ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} [النساء: 17]، قال أبو العلية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية؟ فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل... قال محمد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته، وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم: إنما سُمُّوا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميَّزين، وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنه يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا،ً وإنما يحتمل أمرين: أحدهما أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه، والثاني أنهم قدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل فسموا جهالاً، لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة. فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال هما متلازمان...
والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع ل،له وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من ال،له إذ لو تم خوفه من الله لم يعص... وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري -ويروى مرسلاً-عن النبي صلى الله عليه وسلم: (العلم علمان، فعلم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده).
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (... ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر...) وهذا المنافق يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه، وقد يصدق أنه كلام الله وأن الرسول حق، ولا يكون مؤمنا،ً كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما، لكن من كان كذلك لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة... ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل كما تقدم" [مجموع الفتاوى 7/21-24 باختصار بعض الجمل، ومن أراد مزيداً من الإيضاح فليراجعه].
وقد جعل رحمه الله الجهل والظلم منشأ جميع السيئات، فقال: "وأما السيئات فمنشؤها الجهل والظلم، فإن أحداً لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه، ولا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها أو بغض نفسه لها" [مجموع الفتاوى (14/287)].
وبهذا يتضح خطر الجهل على النفس البشرية التي هي منبع الشر ومأوى السوء في ذاتها.

(101)

الأمر الثاني من أعوان النفس الأمارة بالسوء: الغفلة.
والغفلة داء عضال تحجب صاحبها عن النظر إلى أبواب مفتوحة من الخير، لولاها لولج كل باب فيها ليحقق رضا الله عنه بفعل طاعته، كما أنها – أي الغفلة – تحجبه كذلك عن رؤية أضرار لا حصر لها داخل أبواب مغلقة، يحطمها بمطارق شهواته فيلجها، ليحمل نفسه من عظائم أوزارها، وإن الإنسان الذي يصاب بداء الغفلة لتمر به أيام عمره ولياليه وهو صاد معرض عن كل خير، منهمك في معاصي الله وسخطه، حتى يأتيه هادم اللذات فينزع منه روحه وهو في غفلة، فلا يفيق من غفلته إلا في ذلك الوقت الذي يشعر فيه بالندم ولات ساعة مندم
وهاهو القرآن الكريم ينعى على أهل الغفلة غفلتهم، وينذرهم قرب يوم الحساب على ما قدموا وهم سادرون، ويرتب على غفلتهم إعراضَهم عن ذكر الله، وموقفهم منه موفق اللاعب الذي لا يبالي ولا يفكر فيما يضره أو ينفعه: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذِكر من ربهم مُحْدَثٍ إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهيةً قلوبهم وأسرُّوا النَّجْوى الذين ظلموا هَلْ هذا إلا بَشَرٌ مثلكم؛ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} [الأنبياء: 1-3].
وتتجسم آيات الله للمتقين، فتبهر عقولهم، وتملأ قلوبهم إيمانا،ً وتزيدهم علماً بالله، ولكن أهل الغفلة يمرون على كل آية وتمر عليهم كل آية دون أن يستفيقوا من غفلتهم، ولذلك نرى كل تصرفاتهم صادرة عن سكون إلى الدنيا وركون إليها، وعدم خوف من الله خالقهم وخالق تلك الآيات: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون. إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون، إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} [يونس: 5-8].
وإذا كانت سنة الله تعالى في أكثر الناس أنهم لا يؤمنون: {وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] فإن هذه الكثرة هي التي أصيبت بداء الغفلة: {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92].
وقد يكون الغافل مبدعاً في معايش الدنيا ومصالحها المادية البحتة، في الطب والهندسة والكيمياء والفلك وأنواع الصناعات وغيرها، وقد يصل إلى اكتشافات مادية مدهشة يغزو بها الفضاء، ويقرب للناس المسافات البعيدة في الأسفار والأصوات والرؤية وغير ذلك، كما هو الحال في هذا العصر، ولكن ذلك لا يخرجه عن كونه غافلاً مصاباً بداء الغفلة، لأن الغفلة الحقيقية هي الغفلة عن آيات الله التي تجلب الإيمان به وتعمقه وتلفت النظر، وتنبه القلب إلى الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه من الثواب والعقاب لأوليائه وأعدائه، فلا يخرج عن الغافلين من تعمق في علوم الكون دون أن يستفيد شيئاً من ذلك، لا بل إن كثيرا ممن يسمون بالعلماء في هذا العصر، ليسوا بعلماء عند الله تعالى، بسبب تلك الغفلة التي أفقدتهم التفكير في آيات الله العظيمة، قال تعالى: {وَعْدَ الله لا يخلف الله وَعْدَه، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، أو لم يتفكَّروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون} [الروم: 6-8].
وقد وصف الله أهل جهنم أنهم لا يستفيدون من قلوبهم ولا من أعينهم ولا من آذانهم وما خلقها الله من أجله وأنهم أكثر ضلالاً من الأنعام وختم تلك الصفات بالغفلة بصيغة حصرهم فيها، كما قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179].
وعندما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم – وأمره له أمرٌ لأمته – بذكره، حذره من الغفلة والكون في عداد أهلها، لأنها تلهي عن ذكر الله المأمور به، فقال: {واذكر ربك في نفسك تَضَرُّعاً وخِيفةً ودون الجهر من القول بالغدوِّ والآصال، ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205].
وإن أهل الغفلة ليتحسرون عند دنو وعد الله – يوم القيامة – ويلومون أنفسهم، ويقرون أنهم كانوا ظالمين بسبب تلك الغفلة، ولكنه تحسر غير مجدٍ، ولوم غير مفيد، وإقرار لا يترتب عليه إلا عذاب الله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين، إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 96-98].
ويتذكر الغافل - يوم القيامة الذي ظل غافلا عن أهواله طيلة حياته- يتذكر غفلته تلك في وقت زالت فيه الغفلة وانقشع غطاؤها، فإذا هو يعاين كل شيء: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} [ق:21-22].
قال ابن تيمية رحمه الله يصف خطر الغفلة: "فالغفلة عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة، والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغموراً بما يهواه ويخشاه غافلاً عن الله، رائداً غير الله، ساهياً عن ذكره قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمره قد ران حب الدنيا على قلبه، كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي، وإن منع سخط)" [الفتاوى (10/597)].
ونهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم – وهو نهي لأمته – أن يطيع من أغفل الله قلبه عن ذكره فقال: {ولا تُطِعْ من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتَّبع هواه، وكان أمرُه فُرُطاً} [الكهف: 28].
وعزا ابن القيم رحمه الله الزهد عن الحياة -العليا حياة الأنبياء والرسل وأتباعهم- إلى أصلين: أحدهما ضعف الإيمان، والثاني جثوم الغفلة على القلب، وقال في هذا الأخير: "السبب الثاني: جثوم الغفلة على القلب فإن الغفلة نوم القلب، ولهذا تجد كثيراً من الأيقاظ في الحس نياماً في الواقع..." [مدارج السالكين (3/284)]
وقال شيخه ابن تيمية رحمه الله: "فالغفلة والشهوة أصل الشر، قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}" [الفتاوى (14/289) والآية في سورة الكهف: 28].
ويصف الأستاذ سيد قطب رحمه الله أصحاب الغفلة واللهو في كتابه [في ظلال القرآن] في مطلع سورة الأنبياء فيقول: "مطلع قوي يهز الغافلين هزاً، والحساب يقترب وهم في غفلة، والآيات تعرض وهم معرضون عن الهدى، والموفق جد وهم لا يشعرون بالموقف وخطورته، وكلما جاءهم من القرآن جديد قابلوه باللهو والاستهتار واستمعوه وهم هازلون يلعبون {لاهية قلوبهم} والقلوب هي موضع التأمل والتدبر والتفكر، إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجد، فتلهو في أخطر المواقف، وتهزل في مواطن الجد وتستهتر في مواقف القداسة، فالذكر الذي يأتيهم يأتيهم {من ربهم} فيستقبلونه لاعبين بلا وقار ولا تقديس، والنفس التي تفرغ من الجد والاحتفال بالقداسة، تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال، فلا تصلح للنهوض بعبء، ولا الاضطلاع بواجب، ولا القيام بتكليف، وتغدوا الحياة عاطلة هينة رخيصة، إن روح الاستهتار التي تلهوا بالمقدسات روح مريضة والاستهتار غير الاحتمال، فالاحتمال قوة جادة شاعرة، والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء" [في ظلال القرآن (17/2367) طبع دار الشروق].
وبهذا يظهر كذلك خطر الغفلة على صاحبها وعلى البشرية كلها.

(102)

الأمر الثالث من أعوان النفس الأمارة بالسوء: الهوى.
"الهوى: ميل النفس إلى الشهوة، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوى سقوط من علو إلى أسفل" اهـ [المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص:3-4].
وإذا كانت النفس كما سبق منبع البشر ومأوى السوء، فإن هواها هو قائدها إلى كل شر وكل سوء، وهواها محنة لصاحبها مثلها، كلاهما يوبقه إذا استسلم ولم يقاوم ويسقطه في قعر الخسران وسخط الرحمن.
القرآن الكريم يسلط أضواءه على الهوى فيعريه ليراه صاحبه على حقيقته.
والهوى المردي هو الذي تبرأ منه أولياء الله، لأنه يورث أصحابه الحيرة والقلق في الأرض، والشيطان هو الذي يزينه ويدعو صاحبه إليه، بخلاف أولياء الله، فإنهم يدعون إلى هدى الله ويزينونه للناس، حتى لا يُردوا على أعقابهم وقد أمروا أن يسلموا لربهم، كما قال تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين} [الأنعام: 71].
وفي مقابل استهواء الشياطين من لهم عليهم سلطان، ذكر الله تعالى أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، إنما هو وحي منه مبرئاً له من أن ينطق بشيء من هوى نفسه، فقال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4].
ويشتط صاحب الهوى حتى يسخر من الحق وأهله، وينكر المعروف ويعرف المنكر، ويبالغ في ذلك، حتى أنه ليحاول أن يثبت للناس أنه صاحب حق أوتي صبراً على التزامه، وأن صاحب الحق – في الواقع – إنما يريد إضلاله، وهو في الواقع قد صار إلهه هواه فلا يستحسن إلا هواه، ولا يتنفع بأدوات العلم التي منحه الله إياها، لأنه فاق في ضلال الأنعام، كما قال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا. إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا. أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 41-44]
وإذا اتخذ الإنسان إلهه هواه فمتى يطمع فيه أن يفرق بين الحق والباطل؟ بل متى يطمع فيه أن يبقى مستحسناً شيئاً مَّا دون أن يستقبحه ويستحسن ضده؟
ولهذا اشتد نهي الله عن اتباع الإنسان هوى نفسه أو هوى غيره من أهل الضلال والكذب والجهل والكفر والظلم، لأن كل تلك الصفات سببها الهوى فمن اتبع هواه أو هوى غيره وقع في ذلك ولا بد.
فالهوى سبب في تعاطي الظلم ومجانبة العدل، قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 135] وقال تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} [الروم: 29] وقال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص:26].
وقال تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} [الأنعام: 150].
ففي الآية الماضية آية سورة "ص" نهى الله داود عليه السلام عن اتباع الهوى في حكمه بين الناس، ورتب على اتباع الهوى أنه يضله عن سبيل الله، وفي هذه الآية "آية الأنعام" نهى الله محمداً صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهواء المكذبين بآيات الله، الذين يحرمون ما شاءوا من عند أنفسهم بدون علم، بل إنهم يتبعون الظن، ثم ينسبون شركهم وتحريمهم إلى الله لأنه شاءهما هو سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
ومن أعظم النصوص التي وصفت الهوى بالوصف اللائق به آية "المؤمنون" التي نصت على أن السماوات والأرض ومن فيهما، يصيبها الفساد لو كان الهوى هو قائد الحق، كما قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون} [المؤمنون: 71].
قال ابن كثير: "وقوله: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو الله عز وجل، والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، أي لفساد أهوائهم واختلافها..." [تفسير القرآن العظيم (3/250)].
وقال سيد قطب: "فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة، وبالحق الواحد يدبر الكون كله، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة، ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة، لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس، وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات.
وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته، كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد على قاعدة ثابتة ونهج مرسوم لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد، وفي هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءً من الناموس الكوني، تتولاه اليد التي تدبر الكون كله وتنسق أجزاءه جميعاً، والبشر جزء من هذا الكون خاضع للناموسه الكبير، فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله ويدبره في تناسق عجيب، بذلك لا يخضع نظام البشر لأهواء فيفسد ويختل، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن (إنما يخضع للحق الكلي ولتدبير صاحب التدبير)" [في ظلال القرآن (18/2475)].

(103)

الأمر الرابع : الشهوات.
"أصل الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده... وقد يسمى المُشْتَهى شهوة" [المفردات ص:271].
والنفس نزاعة دائماً إلى الملذات المعنوية والحسية، وإذا لم تكن هذه النفس مراقبة محكومة بحكم الله عند صاحبها فإنها لا تترك شيئاً مما تشتهيه سواء أكان نافعاً أم ضاراً – لها أم لغيرها – والشهوات مع كونها مطلوبة للنفس فإن الشيطان يزينها لها ويلح عليها في أن تطلبها وتتمكن منها، بل إنه ليظهر الشهوات المحظورة الضارة في صورة أجمل من الشهوات المباحة النافعة.
والشهوة تتحد مع الغفلة فتكونان أصلاً لكل شر [راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (14/287)]، وهي من أشد جنود النفس الأمارة بالسوء قهراً لصاحبها وأسراً له [المرجع السابق (10/587، 548)].
والشهوة والهوى تقودان صاحبهما إلى المهالك فيسلس لهما قياده فيصوران له المعروف منكراً والمنكر معروفاً فيتصورهما كذلك [المرجع السابق ص: 28،147].
وشهوات النفس كثيرة، ويكفي أن يذكر منها على سبيل المثال الأنواع الآتية:
النوع الأول: العلو في الأرض.
المراد بالعلو في الأرض التجبر والطغيان والإفساد "والنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها" [الفتاوى (14/324)].
وهذه الصفة من صفات أعداء الله، وعلى رأسهم إمامهم إبليس لعنه الله، كما قال تعالى: {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34]، وقال: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين، قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [ص: 71-76].
وقال تعالى عن فرعون: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] وقال: {وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين} [يونس: 83] وقال: {إنه كان عالياً من المسرفين} [الدخان: 31] وقال: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين}[المؤمنون: 45-46] وخص الله جنته بمن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً فقال: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] وذلك أن مريدي العلو في الأرض يجحدون بآيات الله مع وضوحها، ومع علمهم بأنها حق، ولذلك فإن عاقبتهم شر عاقبة كما أن عاقبة المتقين خير عاقبة: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 14].
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: "إن فرعون علا في الأرض: أي استكبر وتجبر، قال ابن عباس والسدي: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية وقيل بملكه وسلطانه فصار عالياً على من تحت يده" [الجامع لأحكام القرآن (13/248)].
والمتصف بهذه الصفة يجتهد في أن يحافظ عليها بإنكار الحق وجحده، وجمع غوغاء الناس وضلالهم -ممن يطلبون الزلفى عنده- حوله ليدلوا بأصواتهم معه شاهدين له بأنه جدير بالعلو، وأن استعلاءه على غيره من أهل الحق دليل فلاحه كما قال قوم فرعون: {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى} [طه: 63-64].
قال ابن تيمية: "وطالب الرئاسة – ولو بالباطل – ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلاً، وتغضبه الكلمة التي بها ذمه وإن كانت حقاً" [الفتاوى (10/599)].
وقال رحمه الله – بعد أن ذكر أن الناس فإرادة العلو والفساد أربعة أقسام:
القسم الأول: يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء والمفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء هم شرار الخلق، قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4]، وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) فقال رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً فمن الكبر ذاك قال: ((لا إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس)) فبطر الحق دفعه وجحده وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم. وهذا حال من يريد العلو والفساد" [الفتاوى (28/392)].
وكلما يشاهد الآن من فساد في الأرض وظلم وطغيان وقلق واضطراب فإن منشأه من الطغاة – أمثال فرعون – الذين يريدون في الأرض العلو والإفساد من أولئك الرؤساء والملوك الذين لا يرضون بإقامة حكم الله في الأرض خشية على عروشهم، لأنهم بالمحافظة على علوهم وإفسادهم ينشرون الفساد في الأرض في كل مجال: في الأعراض والأموال والدماء، ويحطمون بقوتهم ونظمهم الكافرة كل قوة تتصدى لعلوهم وإفسادهم، وبهذا يظهر أن شهوة العلو في الأرض من أخطر جنود النفس الأمارة بالسوء لأنها لا تدمر صاحبها فحسب، بل تنشر الدمار في الأرض كلها وتحطم البشرية كلها، والسبب في ذلك أن كل شيء يشتهيه، ذو العلو في الأرض يفرضه على الناس فرضاً، ولو أزهق بذلك الأرواح وسفك الدماء وانتهك الأعراض، واغتصب الأموال، يفرضه بالقوى التي بيده، كما فعل فرعون وما أكثر الفراعنة في الأرض.!!!

( 104)

النوع الثاني من أنواع الشهوة: شهوة النساء.
ميل الرجال إلى النساء، وميل النساء إلى الرجال، من الأمور الفطرية التي فطر الله الصنفين عليها، إبقاء لاستمرار النسل، وعمارة الكون عمارة ترضي الخالق جل وعلا.
وجعل لتحقيق ذلك وسائل شرعية كافية، فصلها القرآن والسنة، ووسعها –استنباطا منهما-علماء الإسلام المجتهدون، فلا يستنكر ذلك إلا من جهل
ولكن هذا الميل وهذه الشهوة من أشد جنود النفس الأمارة بالسوء، إذا يضبطا بما شرع الله، ولهذا لجأ يوسف عليه السلام –وهو نبي كريم- إلى ربه سبحانه، ليصرف عنه كيد النساء، فقال: (وإلاَّ تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) [يوسف 33]
ولبشاعة ما يترتب على الاستجابة -غير المشروعة-لهذه الشهوة نهى الله تعالى عن قرب الزنى، فضلا عن إتيانه، مبينا سبحانه وتعالى أنه من أقبح الذنوب وأفحشها، وأنه سبيل قبيح مذموم لا يسلكه إلا من استحق الذم والتقبيح، فقال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) [الإسراء 32].
قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى: ناهيا عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) أي ذنبا عظيما (وساء سبيلا) أي وبئس طريقا ومسلكا" [تفسير القرآن العظيم (3/38)]
أسباب الزنا المقربة إليه.
وأسباب الزنا ودواعيه المقربة إليه كثيرة، منها ما يكون من قبل الأفراد-رجالا ونساء- ومنها ما يكون من قبل الأسر والمجتمع، ومنها ما يكون من قبل الحكومات، ولنذكر شيئا من ذلك:
أ-النظر المتعمد –إلى المرأة ومفاتنها، وتعمد المرأة النظر بريبة إلى الرجل.
فالنظر سهم من سهام إبليس، وبه ترتسم الصورة الفاتنة في القلب، فتفتنه وتهيجه، إذا لم يتوقها بالإقبال إلى الله وطلب العون منه على إزالتها.
قال ابن القيم رحمه الله: "فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق نظره أورد نفسه موارد الهلاك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية." [قال في الحاشية "وليست لك الآخرة] وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم: (والنظر سهم مسموم من سهام إبليس." والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة، فيقع الفعل، ما لم يمنع منه مانع" [ كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 129-130]
قلت: وأعظم الموانع من دواعي الزنا وأقواها، خوف الله تعالى ومراقبته كما يأتي.
وقال ابن تيمية رحمه الله: "وأما النظر والمباشرة، فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر، أو على المباشرة، صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش، فإن دوام النظر بالشهوة، وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة، قد يكون أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه، ولهذا قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله) [البقرة 165] ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين. والعاشق المتيم يصير عبدا لمعشوقه، منقادا له، أسير القلب له" [مجموع الفتاوى (15/293].
وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله: في كتابه الإحياء: "فإن العين مبدأ الزنا، فحفظها مهم، وهو عسر من حيث إنه يستهان به، ولا يعظم الخوف منه، والآفات كلها منه تنشأ، والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها، والمعاودة يؤاخذ بها... وقال العلاء بن زياد: لا تتبع بصرك رداء المرأة، فإن النظر يزرع في القلب شهوة، وقلما يخلو الإنسان في تردده عن وقوع البصر على النساء." [إحياء علوم الدين (3/106]

(105)

ب- مخاطبة المرأة لغير حاجة.
ومن الوسائل والدواعي المقربة إلى الزنا وتعاطي الفاحشة، تخاطب الرجل والمرأة الأجنبيين لغير حاجة، فإن الكلمة تجر كلاما، والمخاطبة من الطرفين تفتح بابا لطمع مريض القلب من الجانبين، ولهذا أباح الله تعالى مخاطبة الرجل المرأة للحاجة-من وراء حجاب-وأمر المرأة إذا تكلمت مع الرجل، ألا يكون في كلامها رقة تجعل مريض القلب بالشهوة يطمع فيها، كما قال تعالى: (وإذا سألتموهن فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) [الأحزاب 53] وقال تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن، فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا) [الأحزاب 32]
وهذا الحكم غير مختص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان السياق ورد فيهن، وتخصيصهن بالخطاب لبيان فضلهن على غيرهن في تقوى الله، حيث يضاعف الله لهن الأجر على من سواهن، كما يضاعف عليهن العقاب، إن أتين بفاحشة مبينة، كما نص على ذلك في الآيتينSadيا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها كرتين، وأعتدنا لها رزقا كريما) [الأحزاب 30-31]
قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض): "هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك" [تفسير القرآن العظيم (3/482)]
وقال سيد قطب رحمه الله: "ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال، أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغباتهم. ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير؟ إنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض فيما يبدو للعقل أول مرة، وفي أي عهد يكون هذا التحذير؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الأعصار، ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء، يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب، وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-وأم المؤمنين، وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمنع الأسباب المثيرة من الأساس" [في ظلال القرآن 22/2859].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:49 am



(106)

جـ - الخلو بالمرأة الأجنبية.
ومن أعظم الوسائل والدواعي المؤدية إلى تعاطي الفاحشة، أن يخلو الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية، ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الوسيلة، كما في حديث عقبة بن عامر، وفيه: (إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) [البخاري رقم: 5232، وهو في فتح الباري (9/330) و في صحيح مسلم (4/1711)] والحمو يطلق على أقارب الزوج وأقارب الزوجين من غير المحارم.
وفي قوله تعالى في سورة الأحزابSadوإذا سألتموهن فاسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن) دليل واضح على عدم جواز الخلوة بالمرأة من غير أزواج النبي صلى الله علليه وسلم، من باب أولى، لأنه نهى تعالى عن مخاطبتهن دون حجاب، ولا فرق بين أن يكون الذي يخاطبهن منفردا أو معه غيره، فإن الحجاب واجب، والسفور محرم، فكيف بالخلوة؟
قال ابن جرير رحمه الله: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) يقول تعالى ذكره: "سؤالكم إياهن إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب، أطهر لقلوبكم وقلوبهن، من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من ألاَّ يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (22/39)]
وقال سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن): "فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد: إن الاختلاط وإزالة الحجب والترخص في الحجب، واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين، أطهر للقلوب وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك، إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئا من هذا، والله يقول: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات وأمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق. وحين يقول الله قولا، ويقول خلق من خلقه قولا، فالقول لله سبحانه، وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين، أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد. والواقع الملموس يهتف بصدق الله وكذب المدعين غير ما يقول الله، والتجارب المعروضة اليوم مصدق لما يقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل" [في ظلال القرآن (22/2878 ]

(107)

د – اختلاط الرجال بالنساء لغير حاجة مشروعة.
ومن دواعي الفتنة بين الرجال والنساء، الاختلاط بين الجنسين، بدون حاجة شرعية أو معاشية، تقرها الشريعة.
فالاختلاط المأذون به شرعا على صفة لا تكون سببا في الفتنة، مثل الحج الذي لا يمكن أداؤه بدون اختلاط بين الرجال والنساء، لأنهم يؤدون عبادة واحدة، في وقت واحد ومكان واحد، كالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمرات.
وكذلك اختلاطهما في أرض المعركة، إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، فإن المرأة مدعوة للقيام بالتمريض، وسقي المجاهدين، ونقل جرحاهم مع العناية بهم، ونقل موتاهم كذلك من المناطق التي يخشى عليهم من عدوان العدو عليهم بالتمثيل...
وكذلك مشاركتها في صلوات الجمع والجماعات والأعياد، فإنها تختلط بالرجال في ذهابها وإيابها، وإن كانت مأمورة بالتحرز والبعد عن الرجال حتى في صفوف الصلاة، وكذلك الرجال مأمورون بذلك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " [رواه مسلم برقم 977]
وقد تحتاج المرأة إلى المشاركة في الأسواق، لبيع أو شراء، عندما لا تجد من يكفيها المؤنة في ذلك، فتضطر إلى مبايعة الرجال ومماكستهم، وذلك كله مشروع، وقد حصل في عصور إسلامية متعددة، من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إلى عصرنا هذا، وستبقى حاجتها على ذلك مستمرة.
والواجب في هذه الحالات أن يحترز الرجال والنساء وأن يبتعدوا عن مواطن الريبة، وأن يعملوا بما شرعه الله في حقهم جميعا، من غض البصر، وعدم قرب بعضهم من بعض، ما وسعهم ذلك، ولا عاصم لهم جميعا، إلا خوف الله وتقواه.
أما الاختلاط غير المشروع الذي يمكن التحرز منه، وهو الذي يقصد الداعون إليه الفتنة وجعله ذريعة إلى الفواحش والمنكرات، كاختلاط الجنسين في الفصول الدراسية، الطالب بجانب الطالبة، وفي أماكن اللهو كالسينما والمسرح، وأماكن الرقص، وفي الشواطئ، والمخيمات الصيفية الثقافية والرياضية والاجتماعية، التي تحصل فيها المنكرات وأسباب الرذيلة، وقد عرف ذلك القاصي والداني، وهو يجري بترتيب وإعداد من قبل بعض الدول التي تحارب الإسلام وما يدعو إليه من الأخلاق الفاضلة والخلال الطاهرة، وقد ذاق وباله المسلمون في غالب الشعوب الإسلامية، في كل أنحاء الأرض، حتى أصبحت الدياثة غالبة على كثير من أسر المسلمين ومجتمعاتهم، بل نال ذلك أسر بعض من يدعون العلم والفقه في الدين.
وإن الفساد الذي أحدثه الاختلاط الذي في شباب المسلمين –فتيانا وفتيات-لكاف في تمييع هذا الشباب وتحطيم أخلاقه، وجعله في سقط المتاع، لا يغار على دين ولا خلق، ولا أرض ولا عرض.
والمؤسف أن بعض الجامعات التي كان واجبها أن تكون معاقل للعلم، وإشعاعا للمعرفة، وموطنا للأخلاق الفاضلة، والحث على القوة والدفاع عن الدين والمقدسات، يصمم قادتها على مستوى الدولة وعلى مستوى الإدرات الدعوة إلى الاختلاط المنكر، حتى أصبحت بؤرا للفساد الذي حل محل الإصلاح والهداية اللذين اعتاد الناس أن يتلقوهما من المعاهد والجامعات.[راجع: الحجاب للأستاذ المودودي ص: 102، وحصوننا مهددة من داخلها، للدكتور محمد محمد حسين ص 107، ومجلة المجتمع الكويتية، عدد 32، ص 3، وعدد 9 ص17، وعدد16 ص 20، وعدد 9 ص 12، وعدد 18 ص 4، وراجع الفصل الثاني من كتاب الخطر الصهيوني على العالم الإسلامي ص 47-61، لمؤلفه ماجد الكيلاني. ]

(108)

هـ - إثارة الغرائز عن طريق أجهزة الإعلام.
ويأتي دور أجهزة الإعلام في إثارة غرائز الشباب –نساء ورجالا-ودعوتهم إلى الرذيلة بشتى الأساليب، وبجميع الوسائل: الإذاعة، والتلفاز، والسينما، والفيديو، والمسجلات، والصحف والمجلات، والقصص الغرامية، في الكتب غيرها، والتمثيليات والمسلسلات الإباحية. [واليوم في الشبكة العالمية: الإنترنت]
فقد تولى أمر هذه الوسائل في غالب الشعوب الإسلامية، من ينفذ توجيهات أعداء الإسلام من اليهود والنصارى بهذه الوسائل، أو أغرم بتقليدهم، محطمين بذلك إيمان المسلمين، وعبادتهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وعاداتهم الحميدة التي توارثوها عن آبائهم جيلا بعد جيل،حتى ليراهم الرائي وقد فاقوا في حماسهم لنشر الرذيلة وأسباب الفساد، أساتذتهم الذين يسمعون لهم ويطيعون، أكثر من سمعهم وطاعتهم لخالقهم ونبيهم وعلمائهم، فدمروا شباب المسلمين، حتى كادوا يفقدون رجولتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم الغر الميامين، الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل رفع راية الإسلام، حتى فتحوا القلوب بالهدى والرشاد، وحطموا سدود الطغيان في الأرض بالقوة والعتاد.
وما على المرء إلا أن يستعرض واقع غالب شباب المسلمين، ليرى إلى أين وصلوا من الميوعة وعبودية الشهوات، ولينظر إلى هذا الشباب الضائع كيف يتسكع في المسارح والمراقص والشوارع، وكيف يعكفون الأوقات الطوال في دور السينما وأمام شاشات التلفاز، لمتابعة الموضوعات السافلة، والمناهج القاتلة، كما تراهم قد خلعوا جلباب الحياء والفضيلة في الحدائق العامة، وعلى شواطئ البحار وأماكن اللهو والفجور، قل الحياء في وجوههم، وأضحوا مثل الحيوانات السائبة، لا يبالون ما يصدر عنهم من منكر وسوء، تراهم قد تجمعوا في صفوف طويلة يتزاحمون من أجل الدخول إلى تلك الأماكن القذرة، كل منهم ينتظر دوره وراء منافسه الذي سبقه ليأخذ مكانه، في الوقت الذي ينادي منادي الله في مكبرات مآذن المساجد: بـ(حي على الصلاة حيى على الفلاح) فلا يجيبه إلا النزر اليسير ممن هدى الله، وقد تجد كثيرا من تلك القطعان البشرية تتهكم بالمؤذن وتهزأ به وتسخر ممن يستجيب له! كل ذلك وغيره من أهم أسبابه ما غرسته في نفوس الناس وسائل الإعلام تلك التي اعتلى على كراسي توجيهها أعداء الأمة الإسلامية وهم من أبناء جلدتها، ويتكلمون بلسانها، تسببوا في انحطاط أخلاق الجيل المسلم ومسخه.
وحدث عن فرق المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات، وما جروه على الشباب من وبال، ولا حرج.
بالله عليك هل ترى مثل هذا الجيل الذي وقع في شباك وسائل الإعلام المفسدة، فلم يستطع انتشال نفسه من حمأتها القذرة، يستطيع أن يقف أمام العدو للدفاع عن نفسه، فضلا عن قيامه بالدعوة إلى الله وإبلاغ العالم هذا الدين، والجهاد في سبيل الله، لرفع راية الإسلام؟ كلا وألف كلا! وهؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفرة أعداء الله من وثنيين وشيوعيين وعلمانيين يحاربون دين الله في أرضه، وغالب هذا الشباب لا زال يبتعد عن دينه، غارقا في بحر شهواته، يسوقه أعداؤه إلى مهاوي سقوطه، وفقده رجولته وميادين حتفه، من تلك الشهوات التي استعبدته، فاستبدل العزة بالذلة، والشجاعة بالجبن.
[راجع كتاب حصوننا مهددة من داخلها صفحة: 81-صفحة 156]
قال ابن تيمية رحمه الله فيمن يحب شيوع الفاحشة: "وقوله تعالى (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) الآية: [النور 19]: وهذا ذم لمن يحب ذلك، وذلك يكون بالقلب فقط، ويكون مع ذلك باللسان والجوارح، وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة، أو يخبر بها، محبة لوقوعها في المؤمنين، إما حسدا أو بغضا، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها، وكلاهما محبة للفاحشة وبغضا للذين آمنوا، فكل من أحب ذِكْرها ذَكَرها" [مجموع الفتاوى (15/333]
نعم هناك شباب مسلم ملتزم بدينه، غيور على عزته، عنده استعداد للقيام بالجهاد في سبيل الله، دفعا للعدو، وإعزازا لدين الله، وسيكون قدوة حسنة لغيره من الشباب البعيد عن طاعة الله والالتزام بدينه، ولكن هذا الشباب الصالح قليل، وهو مع قلته يحول بينه وبين نصر دين الله غالب من تولوا أمر المسلمين، الذين هم السبب في نشر الفاحشة والفساد في بلدان المسلمين.

(109)

سفور المرأة المثير للغرائز.
ولقد حملت المرأة قسطا كبيرا من الإثارة الداعية إلى الوقوع في الفاحشة، استجابة لأعداء الفضيلة والأخلاق الفاضلة، حيث خرجت عن وظيفتها ومكانتها اللائقة بها، وفطرتها التي فطرها الله عليها، وهو البقاء في منزلها الذي لو قامت بواجبها فيه حق القيام، من حقوق زوجها وأولادها وأسرتها، لأسهمت في بناء جيل مثقف قوي، لا ينال منه أعداؤه إلا ما يسوؤهم، كما كان ذلك شأن المرأة المسلمة في العصور الماضية (يراجع كتاب المؤلف: المسئولية في الإسلام)
ويكفي نقل هذا المقطع للأستاذ المودودي رحمه الله، لبيان بعض ما قامت به المرأة المعاصرة من الفتنة، قال فيه: "فالذين قد عزموا على اتباع هذا الطريق-أي النظام الديمقراطي الغربى، الذي تسبب عنه الجهر بالفواحش-بقلب مطمئن مقتنع قد اكتمل الانقلاب أو كاد-في حياتهم الخلقية والاجتماعية، فعادت نساؤهم يخرجن من بيوتهن في ملابس شفافة، عارية، يخيل إلى الناظر كأن كل واحدة منهن ممثلة من ممثلات "هوليود" وأصبح يرى فيهن كل الجسارة والصفاقة، بل يتبين المرء من ملابسهن الفاضحة، وألوانهن البراقة، وعنايتهن بالتزين، وحركاتهن من التشفي والتغنج، أنه لا مطمع أمام أعينهن، إلا أن يكن مغنطيسا جنسيا، يجذبن الرجال إليهن جذبا. وقد قل الحياء فيهن إلى حد أن عدن لا يستحين من الغسل مع الرجال شبه عاريات، بل من عرضهن أنفسهن في تلك الحالة، لتؤخذ صورهن، وتنشر في المجلات. والحياء لم يعد له وجه عندهم حقا" [كتاب الحجاب صفحة: 129]
والمرأة عندما تخرج على تلك الهيئة المثيرة الداعية إلى الفساد، تهيج بذلك من في قلبه مرض، فيزيد طمعه في تعاطي الفاحشة، وتقوى إرادته لذلك، بخلاف المرأة المحتشمة عند خروجها، أو التي لم تخرج من بيتها إلا لحاجة، حفاظا على نفسها ووقاية لأمراض القلوب بالشهوات من فتنتها، فإنهم لا يطمعون فيها، بل قد يصيبهم اليأس الذي يضعف إرادة الفاحشة.
قال ابن تيمية رحمه الله: "ومن في قلبه مرض من الشهوة وإرادة الصور، متى خضع المطلوب، طمع المريض، والطمع الذي يقوي الإرادة والطلب، ويقوي المرض بذلك، بخلاف ما إذا كان آيسا من المطلوب، فإن اليأس يزيل الطمع، فتضعف الإرادة، فيضعف الحب، فإن الإنسان لا يريد أن يطلب ما هو آيس منه، فلا يكون مع الإرادة عمل أصلا، بل يكون حديث نفس، إلا أن يكون يقترن بذلك كلام أو نظر، ونحو ذلكن فيأثم بذلك" [مجموع الفتاوى: (10/132)]

(110)

و – الغناء:
ومن أعظم معاول هدم الأخلاق وإفساد القلوب التي استطاع أعداء الله أن يقودوا بها الشباب من ذراري المسلمين، إلى طاعة الشيطان ومعصية الرحمن، وأن يقتلوا فيه الرجولة والإحساس بالمسئولية، والاعتزاز بدين الله الذي كان أجداده الميامين يعتزون به، أقول: إن من أعظم تلك المعاول، الغناء الذي يعد الحمأة النتنة التي تمد وسائل الإعلام بمادته التي لا يكاد يخلو منها لحظة من لحظات نشاطه المفسد للشعوب الإسلامية، وفيه يجتمع اللفظ القبيح الداعر، والمعنى الخبيث المميت للقلوب، والصوت الرخيم المفتن الصادر من النساء-وكذلك الرجال المتأنثين- اللاتي أعددن إعدادا خاصا للإغراء والفتنة، وذللت لهن كل الوسائل والأسباب التي تمكنهن من جعل أوقاتهن كلها مجالا لهذا الداء العضال، ما بين تعلم من شياطين الفساد الذي يسمونه بالفن، وما بين تدرب على كيفية النطق بالألفاظ الملحنة، نطقا فيه من التكسر والتخنث ما لا يرضاه إلا الشيطان الرجيم وأتباعه الخاسرون، فترتب على ذلك إفساد الشبان والشابات، بل وكبار السن من الرجال والنساء.
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: "فلعمر الله كم حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم حر أصبح عبدا للصبيان والصبايا، وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة؟!" [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان]
وإذا كان هذا الوصف الذي سطره ابن القيم وقع في زمنه، قبل ابتكار وسائل الإعلام التي لا يكاد يخلو منها بيت، منها المسموع، ومنها المرئي، ومنها المقروء، وقد أسست لها مدارس ومعاهد وكليات، وقد خرَّجت جيوشا من أبناء المسلمين، وأصبحوا سلعة غالية لدى كثير من جماهير الشعوب الإسلامية، الذين يؤثرونها على حفظة كتاب الله الكريم، ويحترمونها أكثر من احترامهم لعلماء المسلمين، لا تتغنى وسائل الإعلام في غالب الدول إلا بتمجيدهم، وإضفاء الألقاب الفخمة عليهم، من تسميتهم بالنجوم تارة، وبالرواد تارة، وبالمناضلين مرة، وبالعمالقة ثانية، وبالملهمين حينا، وبالقادة آنا، حتى إنك لتجد قارئ القرآن يذاع صوته من محطة، ويذاع صوت ابنته المغنية من محطة أخرى، فيقفل السامعون صوت القارئ، ليتحولوا إلى سماع المغنية.
أقول: إذا كان كلام ابن القيم هذا يحكي واقع الغناء في وقته، ولم توجد بعد هذه الأدوات، وهذا التكريم العام، فكيف به لو رأى وسمع ما يحدث من الغناء اليوم، وماذا تراه سيقول لو أنه بقي إلى عصرنا هذا؟
ألا ترى أن كلام ابن القيم قد بلغ ذروته اليوم، فأصبح ما ذكره من أوصاف سامع الغناء مجسما واضحا، حتى في أبناء البوادي الذين ما كانوا في الأزمنة الماضية إلا رجال شجاعة وبأس، يرسل الملوك والرؤساء أبناءهم من المدن إليهم، ليكتسبوا منهم الشجاعة والنخوة والعزة؟ ألا ترى أنه يصدق عليهم قوله: "وكم من حر أصبح عبدا للصبيان والصبايا؟"
وهل يمكن أن يكون عبيد الصبيان والصبايا قادرين على القيام بالجهاد في سبيل الله، قبل أن يتحرروا من تلك العبودية الدنسة إلى عبودية الله وحده؟

(111)

ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم، من فتنة النساء تحذيرا شديدا، كما في صحيح مسلم، من حديث زيد بن حارثة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء) [صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 4/2098]
وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) [صحيح مسلم أيضا، نفس الجزء ونفس الصفحة]
هذا، ومع كون النفس أمارة بالسوء، وتواقة إلى ارتكاب المحرمات، والوقوع في دنس الشهوات، فإن كثيرا من الناس تأصل فيهم حب الشهوات، حتى أصبحوا عبيدا لها، يتبعونها، ويتخذونها إلها لهم من دون الله يعبدونها ويحثون الناس عليها، وقد يكونون من رؤساء الناس وحكامهم، ممن بيدهم وسائل الترغيب والترهيب، فيوقعون عامة الناس في حبائل شهواتهم تلك، لأن نفوسهم لا تهدأ، إذا رأوا في الأرض من يتطهرون من المعاصي، وقد وقعوا هم في أوحال الفواحش والمنكرات، كما قال تعالى: ((والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)) [النساء: 27]
قال ابن جرير رحمه الله-بعد أن ساق أقوال المفسرين للآية-: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم، من أهل الباطل وطلاب الزنا، ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله، أن تميلوا ميلا عظيما، عن الحق وعما أذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم، فيما حرم الله وترك طاعته، ميلا عظيما" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 5/29]
وقال سيد قطب رحمه الله: "وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات، فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال، ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم، بلا حاجز ولا كابح من أي لون كان، السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب، ولا يسكن معه عصب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة، يريدون أن يعود معه الآدميون قطعانا من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث، بلا ضابط إلا ضابط القوة، أو الحيلة، أو مطلق الوسيلة.
كل هذا الدمار، وكل هذا الفساد، وكل هذا الشر، باسم الحرية-وهي في هذا الوضع ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة-وهذا هو الميل الذي يحذر الله المؤمنين إياه، وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات، وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم، إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي، الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف، وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة، والأجهزة الموجهة، لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع، دون الانطلاق البهيمي الذي لا عاصم منه، إلا منهج الله حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض، إن شاء الله" [ في ظلال القرآن: 5/632 دار الشروق]


(112)

النوع الثالث من أعوان النفس الأمارة بالسوء: الغنى.
ومن أعوان النفس الأمارة بالسوء على طغيانها، كثرة الأموال التي تلهي صاحبها وتشغله عن ربه سبحانه وتعالى، بسبب إقباله عليها وجمعه لها، من حلال أو حرام، وصرفها وإنفاقها، في حلال أو حرام، فإن الأموال الكثيرة، عندما تكون بيد صاحب النفس الأمارة بالسوء، تمكنه من الحصول على رغبات نفسه التي قد لا يقدر عليها غيره، ممن لا توجد عنده تلك الأموال.
لذلك كان المال من أهم الأسباب المؤدية إلى تكذيب الحق وأهله، والاستهزاء بالناس واحتقارهم، ومنع الخير عنهم، والاعتداء على الآخرين، والاتصاف بالصفات الذميمة، كما قال تعالى: ((فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم. أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين.)) [القلم: 8-15]
قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: ((أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)) يقول تعالى: هذا مقابلة ما أنعم الله عليه، من المال والبنين، كفر بآيات الله عز وجل وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين، كقوله تعالى: ((ذرني ومن خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد...)) وساق الآيات إلى قوله تعالى: ((عليها تسعة عشر)) [المدثر: 11-30، وتفسير القرآن العظيم: 4/405]
وقال سيد قطب رحمه الله: "ثم يعقب على هذه الصفات الذاتية، بموقفه من آيات الله، مع التشنيع بهذا الموقف الذي يجزي به نعمة الله عليه بالمال والبنين((أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)) وما أقبح ما يجزي إنسان نعمة الله عليه بالمال والبنين، استهزاء بآياته، وسخرية من رسوله، واعتداء على دينه، وهذه كلها تعدل كل ما مر من وصف ذميم" [في ظلال القرآن: 29/3663]
ويبطر صاحب المال، حتى يفتخر بكثرة ما ينفقه في معاصي الله، من شهوات نفسه، ويظن بذلك أنه قد استقل عن ربه واستغنى عن خالقه، لا بل يظن أنه لا أحد يقدر على كبح جماحه، وإيقافه عند حده، كما قال تعالى: ((لقد خلقنا الإنسان في كبد. أيحسب ألا يقدر عليه أحد. يقول أهلكت مالا لبدا. أيحسب أن لن يقدر عليه أحد.)) [البلد: 4-7]
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "ويطغى-يعني الإنسان-ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه، حيث يقول: أهلكت مالا لبدا، أي كثيرا بعضه فوق بعض، وسمى الله الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود إليه من إنفاقه إلا الندم والخسارة والتعب والقلة." [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 8/243]
ويبلغ المال بصاحبه من الإلهاء والاغترار، إلى ألا يكون له هم سواه، فهو يسعى بكل ما أوتي من جهد وقوة لجمعه بأي وسيلة، ثم يأخذ في تعديده باستمرار، ليعلم القدر الزائد على ما حصل عليه منه من قبل، وليكاثر به، لا بل إنه لشدة ركونه إلى المال واغتراره به، ليظن أن ذلك سيخلده في الدنيا الفانية، لكثرة ما يلك من مساكن وقصور، وما يحوز من المراكب والمآكل والمشارب والملابس وغيرها، وما سهله له ماله من شهوات الدني، كما قال الله تعالى: ((ويل لكل همزة لمزة. الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده)) [الهمزة: 1-3]
قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: ((الذي جمع مالا وعدده)) أي جمع بعضه على بعض، وأحصى عدده، كقوله تعالى: ((وجمع فأوعى)) [المعارج18] قاله السدي وابن جرير. وقال محمد بن كعب في قوله: ((جمع مالا وعدده)): ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة. وقوله تعالى: ((يحسب أن ماله أخلده)) أي يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار" [تفسير القرآن العظيم: 4/548]
ويأتي المال في طليعة أعذار القاعدين عن الجهاد في سبيل الله، كما قال تعالى: ((سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا، فاستغفر لنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم)) [الفتح: 11]
قال ابن جرير رحمه الله: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، سيقول لك يا محمد الذين خلفهم الله في أهليهم، عن صحبتك والخروج معك في سفرك الذي سافرت، ومسيرك الذي سرت، إلى مكة معتمرا زائرا بيت الله الحرام، إذا انصرفت إليهم، فعاتبتهم على التخلف عنك: شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وإصلاح معايشنا." [جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 26/77]
وقال سيد قطب رحمه الله: "فالمخلفون من الأعراب... سيقولون اعتذارا عن تخلفهم: ((شغلتنا أموالنا وأهلونا)) وليس هذا بعذر، فللناس دائما أهل وأموال، ولو كان مثل هذا يجوز أن يشغلهم عن تكاليف العقيدة وعن الوفاء بحقها، ما نهض أحد قط بها." [في ظلال القرآن: 26/3321]


(113)

تابع للنوع الثالث من أعوان النفس الأمارة بالسوء: وهو الغنى.
والأموال في طليعة ما يختبر به العبد، لأنها تحول بينه وبين طاعة الله تعالى، إما بجمعها من طرق غير مشروعة، وإما بصرفها في سبل غير مشروعة كذلك، وإما بالطغيان والتكبر بها على الآخرين، وإما بذلك كله وبغيره. قال تعالى: ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة)) [التغابن: 15]
قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى: ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة)) أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه" [تفسير القرآن العظيم: 4/376]
والأموال من أهم ما يبارز بها إبليس ابن آدم، ويوقعه بها في شباكه، كما قال تعالى: ((قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا. واستفزز من استطعت منهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)) [الإسراء: 63-64]
قال ابن كثير رحمه الله: "قوله تعالى: ((وشاركهم في الأموال والأولاد)) قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله تعالى. وقال عطاء: هو الربا. وقال الحسن: هو جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام. وكذا قال قتادة. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة. وقال ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله" [تفسير القرآن العظيم: 3/50]
ويتعاظم الفراعنة الطغاة أعداء الله، بما يملكون من أموال وأنهار وبساتين، على غيرهم، ويجعلون ذلك مسوغا لطغيانهم، بسب قدرتهم على التصرف في ذلك كله، ويحتقرون الحق وأهله، مسوغين ذلك بعدم وجود الأموال الكثيرة معهم.
كما قال تعالى: ((ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين. فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين.)) [الزخرف: 51-53]
قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره، إنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها: (( أليس ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)) قال قتادة: كانت لهم جنات وأنهار ماء ((أفلا تبصرون)) أي أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك؟ يعني وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء" [تفسير القرآن العظيم: 4/129]
ويكون المال سببا في بغي صاحبه-إن لم يكن من عباد الله المؤمنين-وفي فرحه وإفساده، ونسيان أن الله الذي خلقه هو الذي رزقه، ويفتخر به على الناس، ويتباهى عليهم بما يقدر على تحصيله بماله، من أنواع الزينة وغيرها، ليشغل الناس بتمني حصولهم على مثل ما حصل عليه، كما قال تعالى: ((إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وءاتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين(76) وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين(77) قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون(78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا باليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم(79) [القصص]
قال سيد قطب رحمه الله: "ذلك كان المشهد الأول-يعني موقف قارون- من مشاهد القصة، يتجلى فيه البغي والتطاول والإعراض عن النصح، والتعالي على العظة، والإصرار على الفساد، والاغترار بالمال، والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران.
ثم يجيء المشهد الثاني-يعني موقف أهل الدنيا وأهل الآخرة من قارون وغناه-حين يخرج قارون بزينته على قومه، فتطير لها قلوب فريق منهم وتتهاوى لها نفوسهم، ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون، ويحسون أنه أوتي حظا عظيما يتشهاه المحرومون" [في ظلال القرآن: 20/2712]
ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته، حين خاطب أصحابه، رضي الله عنهم، فقال: (فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم.) [البخاري رقم: 3158 وهو في فتح الباري: 6/257 من حديث عمرو بن عوف الأنصاري، ومسلم: 4/2273]
حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة المال، أن تهلكهم كما أهلكت من قبلهم. وهاهي هذه الفتنة تكاد تدمر أهلها في هذا العصر، الذي بلغت فيه عبادة الناس الدرهم والريال والدينار، والجنيه والين والدولار ذروتها، كما بلغت تعاستهم بسبب تلك العبادة ذروتها، وتحقق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار... ) [صحيح البخاري رقم 2730 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]
ولا داعي لذكر أمثلة على هذا الأمر، فكل الناس يعلم ما أحدثه الغنى عند كثير من الناس، من بطر وتكبر وارتكاب معاصي، وظلم وطغيان...
ويكفي هذا القدر من الأمثلة على كون الشهوات من أخطر أعوان النفس الأمارة بالسوء، على ترك طاعة الله، وارتكاب معاصيه، وأن تلك الشهوات تعتبر عقبات تصد أهلها عن القيام بالجهاد في سبيل الله، ولا سبيل لهم إلى اجتيازها إلا بإيمان صادق، وإرادة قوية، وصبر طويل، وعمل متواصل، لتخليص النفس من شرورها والوقوع في شباكها.
ولقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الشهوات، بالحواجز التي تحول بين المرء ودخول النار، فلا يدخل النار إلا من اقتحم تلك الحواجز، فقال صلى الله عليه وسلم: (وحفت النار بالشهوات) [صحيح مسلم: 4/2174]
والمراد بالشهوات: الملذات المحرمة. قال النووي رحمه الله: "وأما الشهوات التي النار محفوفة بها، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة، كالخمر والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك.
وأما الشهوات المباحة، فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها، مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها، ونحو ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:52 am


(114)

إن مجاهدة النفس وإخضاعها للسير في سراط الله المستقيم، وكبح جماحها من أن تشذ عن طاعته سبحانه إلى معصيته وطاعة عدوه الشيطان الرجيم، إن تلك المجاهدة أمر شاق ولازم ومستمر: شاق لما جبلت عليه النفس من محبة الانطلاق غير المحدود لتنهب كل ما أتت عليه من شهوات وملذات، وشاق لكثرة تلك الشهوات والملذات التي لا تدع النفس تطمئن لحظة من اللحظات دون أن تهيج إلى هذه الشهوة أو تلك، وشاق لأن أكثر الناس يعين على ارتكاب المعاصي وترك الطاعات، ولأن الشيطان لعنه الله لا يفتر عن الحض على التمرد على الله بشتى الأساليب والوسائل – كما يأتي.
وهو أمر لازم أيضاً، لأنه لا مندوحة للإنسان –إذا أراد النجاة في الدنيا والآخرة من مساخط الله وما يترتب عليها– من أن يحارب هذه النفس الأمارة بالسوء ويقف ضد هواها المردي، وإلا لزلّ عن الصراط المستقيم وتنكب الجادة الهادية إلى طريق الضلال والردى.
وهو أمر مستمر كذلك ما دام الإنسان حياً، لأن النفس ملازمة له، وهي تأمره بما تهواه وتصده عما يأمره الله به في كل لحظة، فإذا انقطع عن مجاهدتها لحظة، أوقعته ولابد فيما فيه حتفه وهلاكه في تلك اللحظة.
ومجالات مجاهدة النفس لا تحصى كثرة: ولكنها يمكن أن تجمل في مطلبين.
المطلب الأول: تقوية صلة هذه النفس بخالقها وإلهها.
المطلب الثاني: محاسبتها ومخالفتها، وفي كل مطلب أمور.
المطلب الأول: تقوية صلتها بالله تعال، وفيه أمور:
الأمر الأول: طرد جهلها الذي هو من طبيعتها بالعلم النافع:
وقد سبق أن الجهل من أعوان النفس الأمارة بالسوء، فالعلم النافع من أعظم الأسلحة التي تعين على جهاد هذه النفس.
ومصدر هذا العلم إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى الذي خلق هذه النفس هو أعلم بها منها، وقد أنزل هذا القرآن من أجلها وبعث رسوله صلى الله عليه وسلم مبلغاً عن وحيه الذي يشمل القرآن والسنة معاً، وليكون صلى الله عليه وسلم قدوة عملية لمن أراد الاستجابة لداعي الله سبحانه.
قال تعالى: ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)) [الملك: 14] وقال تعالى: ((قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، إنه كان غفوراً رحيماً)) [الفرقان: 6] وقال تعالى: ((واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، واعلموا أن الله غفور رحيم)) [البقرة: 235].
فخالق النفس أعلم بها، والذي يعلم سرها ونجواها، هو الذي يعلم ما يصلحها وما يفسدها، ولذلك كان كتابه هو كتاب هذه النفس الذي فيه هدايتها وبه سعادتها، قال تعالى: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)) [الأحزاب: 21] وقال تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب)) [الحشر: 7].
والعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هو السبيل الوحيد لمعرفة الخلال التي ترضي الله تعالى مما يجب أن يتحلى بها المؤمن، إما بالأمر بها والدعوة إليها، وإما بمدح أهلها والثناء عليهم بها، كما أن العلم بهما هو السبيل الوحيد –كذلك- لمعرفة الصفات الذميمة التي تسخط الله تعالى، مما يتصف بها أعداء الله من الكافرين والمنافقين والفاسقين: إما بالنهي عنها أو بوصف أهلها بها على سبيل الذم.
ولهذا كان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما الهاديين لعباد الله المتقين إلى صراطه المستقيم.
وقد بين سبحانه وتعالى ذلك في أول سورة البقرة فقال: ((ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)) [البقرة: 1-2] ثم شرع تعالى في بيان صفات المؤمنين مرتباً عليها فلاحهم وهداهم، كما بين بعدها صفات أعدائه الكافرين والمنافقين [البقرة: 6-20] مشيراً سبحانه بذلك إلى هذا المعنى العظيم، وهو أن هذا الكتاب إنما أنزل لهداية النفس البشرية بما يدعو إليه من العقيدة والشريعة والخلق، وأن من لم يستجب له فإنه في شقاء وخسارة كما قال تعالى: ((إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)) [الإسراء: 9] وقال: ((ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)) [طه: 124].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) [البخاري رقم (4981) فتح الباري (9/3) ومسلم (1/134)]
وقال عليه الصلاة والسلام -مبينا ما بعثه الله به من الهدى، ونصيب من وفقه الله للتفقه في دينه، على ضوء ذلك الهدى، وخسران من حرم الفقه في دين الله والعمل به-: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم،كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في الدين ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) [البخاري رقم (79) فتح الباري (1/175) ومسلم (4/1787)].
ففي هذا الحديث العظيم قسم الرسول صلى الله عليه وسلم الناس في قبول الهدى أو عدمه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العلماء العاملون.
القسم الثاني: العلماء الذين ينتفع الناس بعلمهم أكثر من انتفاعهم هم به.
القسم الثالث: من لم ينتفع بعلم ولا عمل.
قال الإمام النووي رحمه الله: "أما معاني الحديث ومقصوده، فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس:
فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتاً، وينبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها، وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره، فينتفع وينفع.
والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظون حتى يأتي طالب محتاج فيعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.
والنوع الثالث من الأرض: السباخ التي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع بها غيرها، وكذلك النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أنواع من العلم منها: ضرب الأمثال، ومنها فضل العلم والتعليم وشدة الحث عليهما، وذم الإعراض عن العلم واله أعلم" [شرح النووي على مسلم (15/47-48)].
وقد أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم الخير لمن وفقه الله ففقهه في الدين، ومعنى ذلك أن من لم يفقهه في دينه فقد حرم الخير، وكيف ينال الخير من حرم الفقه في دين الله؟
ففي حديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى اله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) [البخاري رقم (71) فتح الباري (1/164) ومسلم (2/718)]
قال الحافظ رحمه الله: "ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين – أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع- فقد حرم الخير" [فتح الباري (1/165)].
والسبب في ربط الخير بالفقه في الدين أنه بالفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم، يتعرف المؤمن بذلك على أسماء اله وصفاته، وما يجب له تعالى وما يجب للنفس وللناس من قريب أو بعيد، فينطلق الفقيه في الدين في عمله عن علم ومعرفة، ويفرق بين الحق والباطل، بخلاف الجاهل في ذلك كله.
وهذا يقتضي من العبد أن يجتهد في تحصيل العلم من الكتاب والسنة، وكل علم يعين على فهمهما والفقه فيهما، وأن يكون القصد من ذلك تطبيق ما علمه بعمله حتى يكون علماً نافعا،ً وإلا كان الجاهل بدين الله خيراً منه.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: ((فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)) [إبراهيم: 13-14]
وقوله: ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)) [الرحمن: 46] فوعد بنصر الدنيا وثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر لا يخاف الله، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ((إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب)) [النساء: 17]
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل .. قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته، وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم: إنما سموا جهالاً لمعاصيهم، لا لأنهم غير مميزين، وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءً، وإنما يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.
والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة.
فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال هما متلازمان.
والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من الله ... إلى أن قال: وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((العلم علمان، فعلم في القلب وعلم على اللسان فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده))" [الفتاوى (7-21-23)].

(115)

ومن أعظم ما يعين العبد على نفسه، علمه بأدوائها، وبأعوانها على الشر، وعلمه بما يعالج به تلك الأدواء ويدفع به تلك الأعوان من الكتاب والسنة، لأنه بذلك يكون مثل الجندي الذي درب على معرفة عدوه ومعرفة قوة هذا العدو وأسلحته ومواطن ضعفه وميدان انطلاقه، وكذلك زود بالعدة والأسلحة المضادة التي تبطل مفعول أسلحة عدوه وتعطل حركته وتلجئه إلى التقهقر، ثم الفشل والهرب من الميدان في آخر الأمر، فهو في حاجة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة في ميدان معركة عدوه الكافر، فالنفس هي التي تشح بفعل الخير، وهي التي تجود بالشر ولذلك علق الله فلاح الإنسان على وقايته تعالى شحها.
كما قال تعالى: ((فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) [التغابن: 16].
كما بين تعالى أنه لا فلاح للإنسان إلا بتزكية نفسه، وأن الخسران في تدنيسها: ((قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها)) [الشمس: 9-10] ونص تعالى على كثير من الطاعات التي تزكي هذه النفس، وتكون سبباً في فلاح صاحبها، مثل قوله تعالى: ((قد أفلح المؤمنون، الذين هو في صلاتهم خاشعون)) إلى قوله: ((أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس فهم فيها خالدون)) [المؤمنون: 1-11].
فاجتهاد المسلم في التفقه في دين الله من كتاب الله وسنة رسوله، هو محور فلاحه، وبعده عن ذلك من أعظم أسباب خسرانه.

(116)

الأمر الثاني من المطلب الأول: إرغام النفس على العمل الصالح الذي تضمنه المنهج الإسلامي.
لقد خلق الله تعالى الإنسان وفطره على الحركة والعمل في هذه الحياة، ليقوم بعمارة الأرض ويحقق استخلاف ربه إياه فيها، كما أنه تعالى زود هذا الإنسان بمنهج لحياته ينير له الطريق ويقوده إلى ما فيه سعادته، ودعاه سبحانه إلى الصراط المستقيم – فهو دائماً في سعي وحركة، لا يسكن إلا ليتحرك: ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)) [الانشقاق: 6] قال ابن جرير رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: إنك عامل إلى ربك عملاً فملاقيه به خيراً كان عملك ذلك أو شراً" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (30/115)].
وقال ابن كثير رحمه الله: "أي أنك ساعٍ إلى ربك سعيا وعامل عملا، ((فملاقيه)) ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر." [تفسير القرآن العظيم: (4/488)
وقال سيد قطب رحمه الله: "يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحا، تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشق طريقك في النهاية إلى ربك، فإليه المرجع، وإليه المآب، بعد الكدح والكدح والجهاد" [في ظلال القرآن: 30/3866]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها،أو موبقها) [صحيح مسلم: (1/203) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه]
قال النووي رحمه الله: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها) فمعناه كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى، باتباعها، فيوبقها، أي يهلكها. والله أعلم." [شرح النووي على مسلم: (3/102]
وقال ابن رجب رحمه الله: "ودل الحديث على أن كل إنسان، إما ساع في هلاك نفسه، أو في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها في الآثام الموجبة لغضب الله وعقابه" [جامع العلوم والحكم، ص: 193]
فظهر مما تقدم أن الإنسان لا بد أن يشغل وقته بعمل وسعي، فإن ملأه بالعمل بمنهاج الله، فقد حافظ على عمره الذي منحه الله، فلا يشذ به عن طاعته التي يخلص بها نفسه من غضبه وأليم عقابه، أو يملأ ذلك الوقت بطاعة الشيطان، فيكون في ذلك هلاك نفسه باستحقاها سخط الله وعقابه.
ولعل ذلك من أسباب تعظيم الله للزمن ، حيث أقسم تعالى به في مواضع من كتابه، على فلاح الإنسان وفوزه بالعمل الصالح، أو خسرانه بعمل المعاصي، لأن عمر الإنسان محدود بزمن معين، له بداية ونهاية، فهو يتقلب فيه مفلحا فائزا، أو مفلسا خاسرا.
كما قال تعالى: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) [العصر]
وقال تعالى: (( والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى. فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى)) [الليل: 1-10]
وقال تعالى: ((والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. والنهار ‘ذا جلاها. والليل إذا يغشاها. والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها.)) [الشمس: 1-10]
وصرح سبحانه وتعالى، بأن المقصود من خلق الليل والنهار-يخلف كل منهما الآخر-منح عباده المتقين، التذكر والشكر-أي الدوام على عبادته- كما فال تعالى: ((وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أرد أن يذكر أو أراد شكورا)) [الفرقان: 62]
قال ابن كثير رحمه الله: "أي يخلف كل واحد منهما صاحبه، يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك ... وقوله تعالى: ((لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا)) أي جعلهما يتعاقبان، توقيتا لعبادة عباده له عز وجل، فمن فاته عمل في الليل، استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار، استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح، أن الله عز وجل يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل" [تفسير القرآن العظيم: (3/324)]
ولهذا يحاسب الله تعالى أهل النار يوم القيامة، على ما أعطاهم من الفسحة في أعمارهم التي منحهم إياها ليتذكروا حقه عليهم، ويتبعوا هداه الذي أرسل إليهم به رسله عليهم السلام، كما قال تعالى: ((والذين كفروا لهم نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور. وهم يصطرخون فيها، ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير. فذوقوا فما للظالمين من نصير.)) [فاطر: 36،37]
قال ابن كثير رحمه الله: "أي أوما عشتم في الدنيا أعمارا، لو كنتم ممن ينتفع بالحق، لا انتفعتم به في مدة عمركم." تفسير القرآن العظيم: (3/558)]
وفي صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلغ ستين سنة) [رقم الحديث:(6419) وهو في الفتح: (11/238)]
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "قال ابن بطال: إنما كان الستون حدا لهذا، لأنها قريبة من المعترك، وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار، لطفا من الله بعباده، حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة، وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل، لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك، ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة، وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية." [فتح الباري: (11/240 )]
وفي سنن الترمذي، من حديث ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، من عند ربه، حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم) [الترمذي رقم: 2531. وهو في تحفة الأحوذي: (7/99-100) والحديث فيه ضعف، ولكن النصوص السابقة واضح في أن الإنسان مسؤول عن عما عمله في عمره، فهي دالة على معناه،]
فالزمن الذي يعيش فيه المكلف، هو مسؤول عنه أمام الله تعالى يوم القيامة، وذلك يقتضي أن يجاهد المرء نفسه باستمرار، بملء هذا الزمن بطاعة الله، لا بمعاصيه.

(117)

تابع للأمر الثاني: وهو إرغام النفس على العمل الصالح الذي تضمنه المنهج الإسلامي.
لما كان عمر الإنسان كله-في حال تكليفه-لا بد من تحركه وسعيه وكسبه فيه، فإن نجاحه وفلاحه، لا يتحققان إلا بملء وقته بطاعة الله، وإلا أصيب بمفسدة الفراغ الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبر أن الفراغ نعمة يندم على تفويتها صاحبها، إذا لم يستغلها في طاعة ربه، لأن الذي لا يشغل وقته بطاعة الله، سيشغلها بمعصيته.
ففي حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) [صحيح البخاري: رقم (6412) وهو في الفتح: (11/229)]
قال الحافظ: "قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا، حتى يكون مكفيا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على ألاّ يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون" [فتح الباري: (11/230)]
ولقد وعى السلف الصالح-وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-خطر التفريط في الفراغ، وعدم شغله بطاعة الله تعالى، ومن ذلك وصية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما التي كان يعظ بها الناس، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أوعابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" [صحيح البخاري، رقم: (6416) وهو في الفتح: (11/233)]
قال ابن رجب رحمه الله: "قوله: وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، يعني اغتنم الأعمال الصالحة، قبل أن يحول بينك وبينها السقم، ومن الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت. وقد روي معنى هذه الوصية عن النبي صلى الله عليه وسلم-وذكر حديث ابن عباس لسابق-.
وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) [جامع العلوم والحكم: ص 336]
ولقد أخبر الله في كتابه، أن الذي لا يشغل فراغه بطاعة ربه في الدنيا، يندم على ذلك يوم القيامة، ويتمنى أن يعود إلى الدنيا ليحصل له فراغ يشغله بطاعة الله، ولكن ذلك الندم لا ينفعه، لأنه فوت على نفسه وقتا كافيا منحه الله إياه، شغله بغير طاعة الله، كما قال تعال: ((وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له، من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين.)) [الزمر: 54-59] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
قال الأستاذ محمد قطب-مبينا خطر الفراغ على الإنسان-:"إن الفراغ مفسد للنفس، إفساد الطاقة المختزنة بلا ضرورة، وأول مفاسد الفراغ، هو تبديد الطاقة الحيوية لملء الفراغ، ثم التعود على العادات الضارة التي يقوم بها الإنسان لملء هذا الفراغ، والإسلام حريص على شغل الإنسان شغلا كاملا، منذ يقظته إلى منامه، بحيث لا يجد الفراغ الذي يشكو منه، ويحتاج إلى ملئه إلى تبديد الطاقة أو الانحراف بها عن نهجها الأصيل." [منهج التربية الإسلامية (1/253)]

(118)

(تابع للأمر الثاني: وهو إرغام النفس على العمل الصالح الذي تضمنه المنهج الإسلامي.)
عندما حذر الله تعالى عبده خطر الفراغ والتفريط فيه، وأمره بملئه بطاعته، لم يترك سبحانه هذا العبد يتخبط في وضع منهج عملي يملأ به ذلك الفراغ، من عند نفسه، بل تفضل الله سبحانه على عبده بمنهج عملي شامل لحياته كلها، من وقت ولادته إلى أن يلقى ربه.
فليس عند المسلم مطلقا وقت فراغ يملؤه بغير طاعة الله، وهذا المنهج الرباني يشمل نشاط قلبه وعقله وجسمه وروحه في كل جزء من أجزاء حياته، ويطلق على هذا المنهج: "العبادة" أو "العمل الصالح" وما أشبه ذلك من الألفاظ الدالة عليه، كـ"الخير" و"البر" و"الطاعة" و "المعروف"
غاية المنهاج العملي.
وقد جعل الله تعالى لمنهاجه العملي-الذي لا يجد الإنسان معه فراغا يشكو منه، أو يشغله بالشر والفساد-غاية تجمع نشاط الإنسان ، بحيث لا يتحرك ولا يسكن إلا لتحقيق تلك الغاية.
وهذه الغاية هي "رضا الخالق " الذي وصف تعالى عباده المؤمنين باتباعه، ومعلوم أن اتباع رضوان الله تعالى، وهو الواقي من اتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء والشيطان، كما قال تعالى: ((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ولم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم)) [آل عمران: 173-174]
وهو تعالى إنما يرضى الإسلام، فمن أسلم لله فقد اتبع رضوانه، كما قال تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا)) [المائدة: 3]
وهو سبحانه لا يرضى الكفر والفسوق والعصيان، فمن كفر، أو فسق، أو عصى ربه، فقد اتبع ما يسخط الله، لا ما يرضيه، كما قال تعالى: ((إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم)) [الزمر: 7] وقال تعالى: ((يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)) [التوبة: 96]
وكما أنه تعالى لا يرضى الكفر والفسوق والعصيان، فإنه كره ذلك إلى عباده المؤمنين، وحذرهم منه، كما قال تعالى: ((ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون)) [الحجرات: 7]
والمؤمنون الذين اتبعوا رضوان الله، خصهم تعالى برضاه عنهم ورضاهم عنه، كما قال تعالى: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية. جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه.)) [البينة: 7-8]
ولما كان الهدف والغاية من كسب المؤمن في الدنيا، هو رضا الله تعالى، فإنه تعالى يذكر عباده المؤمنين، بعد دخولهم الجنة –التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر-وظنهم أنه لم يبق أي نعيم لم ينعم به الباري عليهم، يذكرهم الله بنعمة رضوانه عليهم، وحصولها لهم، وإحلالها عليهم، إحلالا لا انقطاع له.
كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) [صحيح مسلم (4/2176)]
هل ترى الإنسان الذي حدد الله له غايته، فرضي تلك الغاية، وهي رضاه تعالى عنه، هل تراه يتسبب في إفساد فراغه بتبديد طاقته أو شغل وقته بما هو شر؟

(119)

(تابع لمنهاج ملء الفراغ وغايته)
لقد بين تعالى في كتابه الكريم، أنه لم يخلق المكلفين من عباده في هذه الأرش-جنهم وإنسهم-إلا لعبادته، وليس لشيء آخر، كما قال تعالى: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.)) [الذاريات: 56-58]
كما بين تعالى في آيات أخرى، أن نشاط هذا الإنسان كله لله، فحركاته وسكناته، وحياته وموته كلها لله، كما قال تعالى: ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)) [الأنعام: 162-163]
وقد يشكل على بعض الناس، ممن لم تدرك أفهامهم مقاصد القرآن والسنة ومصطلحات الإسلام، هذا الشمول في الآيتين، فيسألون: أما خلق الإنسان إلا لعبادة الله؟ ألا يزاول غير عبادة الله، من أكل وشرب وملبس، وصحوة ونوم، ومسكن ومركب، وقيام وقعود، في غير صلاة وصيام وحج وقراءة قرآن وذكر....؟
نعم قد يشكل على هؤلاء هذا الشمول الذي يجعل عمر الإنسان كله عبادة، لأنهم لم يفهموا معنى العبادة التي لم يخلقهم الله تعالى لغيرها، ولو فهموها كما فهمها السلف الصالح، لما حصل لهم هذا الإشكال.
لقد وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه-وهو إيضاح للأمة كلها-أن العبادة عامة شاملة، لكل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه-ولو كان مباحا-
فكما أن أركان الإيمان-وهي من أعمال القلب-وأركان الإسلام-وهي من أعمال الجوارح-وما تفرع عن تلك الأركان، هي أصول العبادة، فكذلك سعي الإنسان لاكتساب رزقه ورزق عياله، إذا قصد به وجه الله، والتَّقَوِّي على طاعته، هو عبادة. وتقيد الإنسان في بيعه وشرائه وكل معاملاته، بما أحل الله تعالى واجتناب ما حرم، هو عبادة.
لا بل إن المسلم لينام على سريره يرجو أن يثيبه الله على منامه، ولهذا كان ذاكرا لربه في كل حال من أحواله، فيذكر الله إذا أوى إلى فراشه، ويذكره إذا استيقظ من منامه، ويذكره إذا أغلق باب داره، ويذكره إذا أراد دخول المرحاض لقضاء حاجته، ويذكره إذا خرج منه، ويذكره إذا دخل المسجد أو خرج منه، ويذكره عند تناول طعامه أو شرابه، وإذا فرغ منهما، ويذكره إذا لبس ثوبه، ويذكره إذا خرج من داره أو دخلها، ويذكره إذا ركب دابته أو سيارته أو طائرته أو سفينته... ويذكره إذا غادر بلدته مسافرا، أو قفل إليها راجعا، بل لا يزال لسانه رطبا بذكر الله محققا أمر الله تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا.)) [الأحزاب: 41-42]
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) [البخاري، رقم: 2989، وهو في الفتح: (6/132)]
قال ابن رجب رحمه الله في شرح الحديث: "وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، منها ما نفعه متعد، كالإصلاح وإعانة الرجل على دابته.. والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام، وتشميت العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفن النخاعة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصم، وتبصير المنقوص بصره، وهداية الأعمى أو غيره الطريق...
ومنه ما هو قاصر النفع، كالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وركعتي الضحى..." [جامع العلوم والحكم، ص: 216]
ويحس المسلم بالضر الذي يصيبه، من جوع وعطش ونحوهما، فيدفعه عن نفسه إذا قدر عليه، يحس بأن غيره من الحيوانات العجماء-فضلا عن الإنسان-إذا أصابه ذلك الضرر، قد لا يقدر على دفعه عن نفسه، فيسرع المسلم لنجدته، ابتغاء وجه ربه، فينال بذلك ثواب الله ورضاه، لأنه تقرب إليه بذلك.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفمه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له) قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر) [البخاري، رقم الحديث: 2363، وهو في الفتح: (5/40) ومسلم: (4/1761)]
ويسعى المسلم، ليكسب الرزق لعياله، وهو يبتغي بذلك وجه الله، يكون في عبادة يثيبه الله عليها، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه-وفيه-: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في أمرأتك) [البخاري، رقم: 2742 ، وهو في الفتح: (5/363) وصحيح مسلم: (3/1250)]
وهذا المعنى –وهو أن الله تعالى خلق الإنسان ليكون نشاطه كله عبادة لربه-هو الذي فهمه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من معنى العبادة أو العمل الصالح الذي يحقق الغاية، وهي رضا الله تعالى، ولهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "والله إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي" [البخاري، رقم: 4342، وهو في الفتح: (8/60) وصحيح مسلم: (3/1456)] ومعنى كلامه: أنه يرجو أن يثيبه الله على نومه، كما يرجوه أن يثيبه على قيام الليل.
وفهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسيلم، ومن تبعهم ممن فقههم الله في الدين، هو الذي جمع طاقتهم ووحدها لتحقيق تلك الغاية، فرفعوا بذلك كلمة الله في الأرض، في فترة قصيرة من الزمن، كما أكثروا من طاعة الله والتقرب إليه، إذ غدت أعمالهم كلها طاعة لله وعبادة وعملا صالحا، ولو كانت في الأصل مباحات.
يدل على ذلك أن الأحكام التكليفية لا تخرج عن خمسة أقسام، وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه، والعبد إذا فعل الواجب والمندوب والمباح قاصدا وجه الله، فقد عبد الله بذلك، ونال ثوبه، وإذا ترك المحرم والمكروه، قاصدا وجه الله، فقد عبد الله بذلك، ونال ثوابه، بل إذا ترك المباح –ورعا-خشية أن يقع فيما به بأس أثابه الله على ذلك، وأعمال الإنسان لا يمكن أن تخرج عن هذه الأحكام التكليفية، كما هو معلوم.
وهذا ما دعا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن يعرف العبادة تعريفا شاملا لا يخرج منه أي جزء من أعمال القلوب والجوارح المراد به وجه الله، فقال: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك في الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك، من العبادة" [مجموع الفتاوى: (10/149)]
وعلى هذا فالعمل الصالح، هو ما يراد به وجه الله، مطابقا لشرعه، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، يتقرب بعملها العبد إلى ربه، أو محرما أو مكروها، يتركهما العبد لوجه ربه، وهي الأحكام الخمسة المعروفة في علم أصول الفقه بـ"الأحكام التكلبفية".

(120)

(تابع لمنهاج ملء الفراغ وغايته)
إن أداء الفرائض والمحافظة عليها، هو الحد الأدنى الذي كلفه الله المسلم، حيث لا يجوز له التفريط فيه، بل يجب عليه أداؤه على الوجه المطلوب شرعا فيه.

وأول هذه الفرائض، الإخلاص لله في عبادته، وهو تنقية العمل وتصفيته من شوائب الشرك، سواء شركا أكبر، و هو الذي لا يغفره الله تعالى، كما قال عز وجل: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) [النساء: 48،116]
أو شركا أصغر-ومنه إرادة الإنسان بعمله مراءاة الناس-كما قال تعالى: ((فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)) [الكهف: 110]
وفي الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه) [صحيح مسلم: (4/2289)]
وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)) [البينة: 5]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك) [البخاري، رقم الحدي(50) وهو في الفتح: (1/114) ومسلم: (1/36)]
وقال: (اتق الله حيثما كنت) [الترمذي: (4/355) وقال: "حديث حسن صحيح. وراجع جامع العلوم والحكم، لابن رجب "ص 136)]
والإخلاص لله تعالى في العمل، يربي النفس على الاتجاه إلى بارئها، وانصرافها عمن سواه، وهذان الأمران هما العاصمان –بإذن الله-من الهوى والانزلاق في مهاوي الشهوات والمعاصي. وهو أساس الخوف من الله تعالى وخشيته التي تحجز المسلم من تلك الشهوات والمعاصي، كما قال تعالى: ((وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى)) [النازعات: 40،41]
ولما كان الإخلاص هو أساس الأعمال الصالحة، استحق الذكر في مقدمتها.
وقد حث الله تعالى العبد على تزكية نفسه، بما افترضه الله عليه في نصوص القرآن والسنة، ويصعب استقصاء تلك الفرائض ونصوصها، وأثرها في تزكية النفس هنا. ويكفي ذكر بعضها على سبيل الأمثلة.
والنصوص الدالة على وجوب أداء الفرائض، منها ما ورد عاما يشمل جميع الفرائض، ومنها ما وردفي فرائض بعينها.
فمن نصوص النوع الأول، قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا)) [النساء: 5]
وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، شاملة لكل ما أمر الله به، أو أمر به رسوله، بأن يأتي به المسلم حسب طاقته، كما أنها شاملة لترك كل ما نهى الله تعلى عنه، أو نهى عنه رسوله.
وقد رتب الله تعالى على طاعته وطاعة رسوله، فوز المطيع ونجاحه، وذلك شامل لفوزه في الدنيا-ومنه الانتصار على الأعداء- وفوزه في الآخرة، كما قال تعالى: ((ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)) [الأحزاب: 71]
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها) [قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: هذا الحديث من رواية مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، وله علتان: إحداهما أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة...
والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة. ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر. وقد حسن الشيخ-يعني النووي-رحمه الله هذا الحديث، وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه.

والتقرب إلى الله بفرائضه، أحب إليه تعالى من غيرها، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) [صحيح البخاري، رقم (6502) وهو في الفتح: (11/340)]
قال الحافظ: "ويستفاد منه-أي من هذا الحديث-أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله. قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم، ويقع بتركها المعاقبة، بخلاف النفل في الأمرين، وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب، فكانت الفرائض أكمل.
فلهذا كانت أحب إلى الله تعالى وأشد تقربا، وأيضا فالفرض كالأصل والس، والنفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به، امتثال الأمر، واحترام الأمر وتعظيمه، بالانقياد إليه، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل" [فتح الباري (11/343)]
أما النوع الثاني-وهو النصوص الواردة في كل فريضة على حدة، دالة على وجوب أدائها، ومبينة لآثار امتثالها، في تربية النفوس وتزكيتها، أو الأضرار المترتبة على التهاون بها، في قسوة القلوب وتدسية النفوس، فإن في حصرها وشرحها صعوبة ومشقة، وبسط وتطويل، لأن منها ما هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ومنها ما هو فرض كفاية، إذا قام به بعض المسلمين قياما كافيا، سقط عمن عداهم، ومنها ما يوجبه المكلف على نفسه، كالنذر...

قال الحافظ في شرح الحديث الآنف الذكر: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه): "يدخل تحت هذا اللفظ جميع فرائض العين والكفاية، وظاهره الاختصاص بما ابتدأ الله فريضته، وفي دخول ما أوجبه المكلف على نفسه نظر، للتقييد بقوله: (افترضته عليه)إلا إن أخذ من جهة المعنى الأعم." [فتح الباري (11/343)]
ولكثرة تلك الفرائض ونصوصها، يكفي ذكر بعضها، لمعرفة مدى أثرها في التربية والتزكية، وقوة مجاهدة النفس وأعوانها على طاعة الله تعالى، وترك معاصيه.

(121)

الجهاد في سبيل الله (جهاد النفس-المحافظة على الفرائض)
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
فريضة الصلاة:
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج ، وصوم رمضان) [اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: (1/3)]
وفي حديث عمر بن الخطاب-المشهور بحديث جبريل-قال: "يا محمد أخبرني عن الإسلام؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) قال: "صدقت..." [[مسلم: (1/37)]
وقد وردت نصوص القرآن التي توجب الصلاة بأساليب متنوعة:
منها الأمر بإقامتها، مثل قوله تعالى: ((وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون)) [الأنعام: 72]
ومنها الأمر بالمحافظة عليها، مثل قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)) [البقرة: 238]
ومنها ذم ووعيد من أضاعها وفرط في أدائها، كما قال تعالى: ((فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)) [مريم: 59]
ومنها جعلها قرينة لبعض أصول الإيمان التي لا فلاح لمن لم يتصف بها، كما قال تعالى: ((الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)) البقرة: 1-5] وغير ذلك من الآيات التي لا يقصد هنا استقصاؤها.
أما أثر الصلاة في تزكية المسلم وتربيته، فهو من الأمور التي يمكن معرفته من النصوص الكثيرة، من الكتاب والسنة، ولكن العلم الحق بذلك الأثر، لا يؤتاه إلا من ذاقه حقا في نفسه، بإقامتها، كما كان يقيمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحافظ عليها كما كان يحافظ عليها، مع الإقبال على إليه وخشيته والإنابة إليه، وتدبر آياته وذكره فيها، فهي ركن من أركان فلاح المسلم، ولا فلاح له بدو نهاكما مضى في الآيات الأولى من سورة البقرة قريبا.
وكذلك قوله تعال: ((قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى.)) [سورة الأعلى: 14-15] فقد علق سبحانه الفلاح بتزكية النفس، وذكر ما يتزكى به المؤمن، وهما ذكر الله والصلاة.
كما ذكر الله تعالى الصلاة، على رأس صفات المؤمنين المفلحين، في الدنيا والآخرة، بذكر بعض صفاتها، وهو الخشوع فيها، وختم بها كذلك تلك الصفات، بذكر بعض صفاتها الأخرى، وهو المحافظة عليها، مبينا سبحانه آثارها في المقيم لها، ومنها الفلاح ووراثة الفردوس والخلود فيه.
كما قال تعالى: ((قد أفلح المؤمنون(1)الذين هم في صلاتهم خاشعون(2)والذين هم عن اللغو معرضون(3)والذين هم للزكاة فاعلون(4)والذين هم لفروجهم حافظون(5)إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين(6)فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون(7)والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون(Cool والذين هم على صلواتهم يحافظون(9)أولئك هم الوارثون(10)الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون(11)) [المؤمنون: 1-11]
ويظهر من اكتناف ذكر الخشوع في الصلاة، وذكر المحافظة عليها، أن الصفات الحميدة التي ذكرت بينهما لا تصدر إلا من مقيم الصلاة، ومما يدل على ذلك ـ وهو من آثار إقامة الصلاة والمحافظة على كونها تنهي عن الفحشاء والمنكر _ قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر . والله يعلم ما تصنعون) [العنكبوت: 45] وهذه من أعظم علامات إقامة الصلاة كما أمر الله ومن أهم ثمارها وأثرها في تزكية نفس المسلم وتربيتها.
ومن آثارها أنها قرينة الصبر في استعانة المؤمن بها على طاعة الله واجتناب معصيته، كما قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: 45] وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) [البقرة: 153].
ومن آثار إقامة الصلاة أنها من أسباب الإحسان إلى الناس ولذلك تجد الإنفاق وإيتاء الزكاة مقترنين بها في أغلب أي القرآن، كقوله: (ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) [البقرة: 3].
وقوله: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) [الأنبياء: 73].
ولقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر الصلاة في تزكية النفس البشرية وتطهيرها من أدناس الشهوات والمعاصي فشبهها، في تكفير السيئات ومحو الخطايا، بنهر جارٍ بباب المسلم ـ وفي قرب النهر منه إغراء على كثرة الاغتسال والتطهر ـ وهو يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فلا يبقى على جسمه شيء من الأوساخ.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك؛ يبقى من درنه قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا". [البخاري: رقم528، فتح الباري: 2/11 ، ومسلم: 1/462].
ولا يزال المؤمن يزكي نفسه بالصلاة حتى تصبح ملجأ له، يستريح بها من الهموم والأتعاب كما في الحديث: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) [أبو داود: 5/263، قال في عون المعبود: والحديث سكت عنه المنذري ـ 13/231 ، وذكر الحديث صاحب كشف الخفاء ـ 1/108 ـ ولم يزل عنه الإلباس].
وتتوق نفس المؤمن إلى الطيبات التي أحلها الله له فيحبها، ولكن عينه لا تقر إلا عندما يقف أمام ربه مستقبلاً القبلة مكبراً خاشعاً في صلاته، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حبب إليَّ من ديناكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" [الجامع الصغير ورمز لمن أخرجه بـ(ح م ، ن ، ك ، هـ ق) ولدرجته ب ، ح أي حسن ، وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، وقال: صحيح3/87].
والنفس البشرية التي يجاهدها صاحبها حتى تصل إلى هذه الدرجة، فلا ترتاح إلا بطاعة الله تعالى ولا تقر عينه، إلا في مناجاة ربه والتقرب إليه، جديرة أن تكون نفس من يجاهد في سبيل الله جعلنا الله ممن يصل إلى تلك الدرجة أو يقرب منها.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ أمر الله سبحانه بالاستعانة بالصلاة فكان إذا نزل به ما يهمه لجأ إليها مستعيناً بها كما في حديث حذيفة الذي رواه أبو داود: (كان إذا حزبه أمر صلى) [أبو داود (2/78) صحيح الجامع الصغير للألباني (4/215) وقال: (حسن)]. وهذا أمر زائد على الصلاة المفروضة لكنه يظهر تعلق المؤمن بها تعلقاً يجعله جديراً بأن يكون من المجاهدين في سبيل الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:58 am


(122)

أثر الزكاة في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
سبق ذكر بعض النصوص الدالة على أن الزكاة ركن الإسلام الثالث، ويكفي ذلك في إثبات وجوب أدائها.
أما أثر أدائها في تزكية المسلم وتطهيره من الذنوب والمعاصي لتسمو نفسه حتى يصبح أهلاً للانخراط في سلك المجاهدين في سبيل الله فمنها ما يأتي:
قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم) [التوبة: 103].
وتظهر آثار الزكاة في النفس البشرية من هذه الآية، حيث جعل الله تعالى الزكاة سبباً في التزكية والتطهير لتلك النفس التي كان من أهداف بعث الله تعالى رسوله إلى الناس تزكيته إياهم وتطهيرهم من كل دنس في حياتهم كلها، كما قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة: 2].
قال سيد قطب في قوله : "(ويزكيهم): وإنها لتزكية، وإنه لتطهير، ذلك الذي كان يأخذهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ تطهير للضمير والشعور، وتطهير للعمل والسلوك، وتطهير للحياة الزوجية، وتطهير للحياة الاجتماعية، تطهير ترتفع به النفس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح، ويرتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني، ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال..
إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة، ولحياة السريرة وحياة الواقع، تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها، وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه ويتعامل مع الملأ الأعلى، ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم) [في ظلال القرآن: (28/3565)].
وإنما كانت الزكاة سبباً في التزكية والتطهير؛ لأنها دليل على صدق إيمان العبد الذي تغلب على شح نفسه، فأخرج من ماله الذي تعب في جمعه ما أمره الله تعالى به، ولأنها دليل على أن المؤمن الذي أداها قد فاز في المعركة مع عدوه الذي يخوفه من الفقر ويأمره بالفحشاء، لنجاحه في طاعة ربه الذي أمره بالإنفاق ووعده بالفضل الجزيل من عنده، كما قال تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم) [البقرة:268].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أي الصدقة أعظم أجراً؟) قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم) قلت: (لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) [البخاري: رقم1419 فتح الباري (3/284) ومسلم (2/716)].
ويظهر من هذا الحديث أن بذل المال وإخراجه طاعة لله تعال،ى أمر شاق على النفس يحتاج إلى جهادها حتى تسمح به.
قال النووي رحمه الله: (فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره) [شرح النووي على صحيح مسلم (7/123)].
وقال الحافظ ابن حجر: (ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالاً على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة، كان ذلك أفضل من غيره) [فتح الباري: (3/285)].
وفي صحيح مسلم [ (1/203)]: (والصدقة برهان) وفي رواية للنسائي[(5/5)] (والزكاة برهان)
وفي شرح النووي على مسلم لهذا الحديث: (معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه. والله أعلم) [شرح النووي على مسلم (3/101)].
وقال ابن رجب: (فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على حلاوة الإيمان وطعمه) [جامع العلوم والحكم (ص19)].
وإذا عرف هذا علم أن من لم يجاهد نفسه حتى تسمح بإخراج جزء من ماله لله تعالى، فإنه لا يقدر على بذل نفسه في سبيل الله لأن بذل النفس أشق من بذل المال، فكيف ترضى نفس أن تتقدم لأسنة رماح الأعداء انتصاراً لدين الله ورفعاً لكلمته، وهي لا ترضى ببذل جزء من المال؟.

(123)

أثر الصوم في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
ولسنا في حاجة إلى ذكر أدلة فرضية الصيام، لأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة، ويكفي أن يعلم المسلم أنه أحد الأركان الذي بني عليها الإسلام.
والمقصود هنا بيان أثر الصيام في تزكية النفس وتطهيرها، وكونها أهلا لطاعة الله والبذل في سبيله، لقد بين الله سبحانه وتعالى أن القرآن العظيم، لا ينتفع به ويهتدي بهداه إلا المتقون.
فهو-وإن نزل للدعوة الناس كلهم إلى طاعة الله وتقواه-لا يهتدي به في الواقع إلا أهل التقوى، كما قال تعالى: ((الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)) [البقرة: -2]
ومن أهم العبادات التي تكسب المؤمن تقوى الله الصيام، وبخاصة صيام شهر رمضان، كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) [البقرة: 183]
وإنما يثمر الصيام التقوى، لما فيه من إلزام الإنسان نفسه بطاعة ربه في اجتناب المباحات التي أصبحت محرمة عليه، بعد شروعه في الصيام. وحقيقة التقوى، امتثال أمر الله بفعله، وامتثال نهية باجتنابه
.......
والإنسان عندما يدع ما تشتهيه نفسه من المباحات والطيبات، طاعة لربه سبحانه، يكون أكثر بعدا عما هو محرم عليه في الأصل، وأشد حرصا على فعل ما أمره الله به.

أقوال العلماء في حكمة فرضية الصوم وأثره في حياة المسلم:
قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين، من هذه الأمة، وآمرا لهم بالصيام، وه الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة- إلى أن قال-في قوله تعالى ((لعلكم تتقون)): لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)" [تفسير القرآن العظيم01/213)]
..........
وقال في تفسير المنار على قوله تعالى: ((لعلكم تتقون)): "هذا تعليل لكتابة الصيام، ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى، بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة، امتثالا لأمره، واحتسابا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها، فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام نصف الصبر) رواه ابن ماجه، وصححه في الجامع الصغير) [تفسير المنار: (2/145)]
وقال سيد قطب، رحمه الله في قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)): "
وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم... إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب، وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله وإيثارا لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب، من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس بالبال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أداتها وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم، هدفا وضيئا يتجهون إليه عن كريق الصيام" [في ظلال القرآن: (2/168)]
وهنا نلفت النظر إلى الارتباط بين قوله تعالى في أول سورة البقرة: ((هدى للمتقين)) [الآية: 2] وبين قوله تعالى في أول آيات الصيام: ((لعلكم تتقون)) وقوله في آخر هذه الآيات: ((ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)) [البقرة: 185]
فقوله تعالى: (( هدى للمتقين)) بين فيها أن هداية هذا القرآن، لا ينالها حقيقة إلا أهل التقوى.
وقوله: (( لعلكم تتقون)) بين فيها أن الصيام طريق من الطرق الموصلة إلى التقوى.
وقوله تعالى: ((ولتكبروا الله على ما هداكم...)) بين فيها أن الهداية قد حصلت للصائمين الذين منحهم الله بصومهم التقوى، والمتقي المهتدي جدير بأن يشكر الله على منحه التقوى والهداية: ((ولعلكم تشكرون))
قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: ((لعلكم تشكرون)) : "أي إذا قمتم بما أمركم الله، من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك" [تفسير القرآن العظيم: (1/218)]
وقال سيد قطب رحمه الله في ظلال هذه الآية ((ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)): "فهذه غاية من غايات الفريضة، أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام، اكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها.
وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا، ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة، ولتفيء قلوبه إليه بهذه الطاعة، كما قال لهم في مطلع الحديث: ((لعلكم تتقون))
وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقا على الأبدان والنفوس، وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه، أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير" [في ظلال القرآن: (2/172)]
ولما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه، وتنفر عن ترك ذلك، فإن من أعظم ما يزكيها ويطوعها لطاعة ربه، أن تُدَرَّب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى لها، إذا أمرها بتركها.
ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب والجماع، وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور المهمة في حياته كلها، في نهار شهر رمضان بأكمله، فإذا تركها مخلصا لله في تلك المدة من الزمن، فإنه بذلك يكون جديرا بأن يكون من المجاهدين لأعدائه الملازمين، وهم نفسه الأمارة بالسوء، والهوى المردي، والشيطان الرجيم.
والذي ينجح في هذا الجهاد، يسهل عليه الجهاد الخاص، وهو قتال عدوه الخارجي من اليهود والنصارى والوثنيين، ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم، يصعب عليه هذا الجهاد، لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فيما هو أخف عليه، كالصيام مثلا، فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء يستقبل بصدره ونحره قذائف المدافع ورصاص البنادق، وأطراف الرماح وحد السيف.
وإن صبر في من لم يجاهد نفسه بطاعة الله على قتال عدوه، فالغالب أنه لا يصبر مجاهدا الجهاد الشرعي، وهو الجهاد في سبيل الله، وإنما يقاتل رياء وسمعة، ليقال عنه: إنه شجاع، أو للحصول على مغنم.

وتأمل الأسلوب الذي فرض الله به القتال على المسلمين، تجده نفس الأسلوب الذي فرض الله به الصيام، إلا أنه بين في الصيام أنه أداة لتقواه، وبين في فريضة القتال، انه فرضه عليهم وهو كره لهم، ومعلوم أن التقوى هي التي تعين المسلم على الصبر على ما تكرهه نفسه، وهو الجهاد في سبل الله، قال تعالى: ((كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شبئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) [البقرة: 216]

(124)

أثر الحج في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). [آل عمران: 97]. وسبقت الأحاديث الدالة على كونه خامس أركان الإسلام.

أما أثر الحج في تزكية النفس وتطهيرها، فإنه يؤدي بها إلى تقوى الله كالصيام، مع شيء من التفصيل في امتثال الأوامر المقربة إلى الله، واجتناب النواهي المبعدة عنه سبحانه، فالحاج مأمور بذكر الله سبحانه، إذ يدخل في الإحرام بقوله: (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك) [البخاري رقم1549 ـ فتح الباري (3/408) ومسلم (2/841)].

وهو مأمور بالمداومة على هذا الذكر وغيره أثناء إحرامه [راجع البخاري رقم1670، فتح الباري (3/519) ومسلم (2/931)].

وله في كل نسك يؤديه، ذكر عام أو خاص، كما أنه يدرب النفس على طاعة الله تعالى بعدم تعاطي بعض الطيبات والمباحات في الأصل، كالجماع وما يؤدي إليه والألبسة المعتادة غير ثوبي الإحرام ـ بالنسبة للرجال ـ والطيب، وتغطيته الرأس، وقص الشعر ونتف الإبط وتقليم الأظافر، ونحو ذلك من المحظورات التي وردت بها النصوص.
كذلك قتل صيد البر وأكله ـ مطلقاً أو إذا صيد من أجله ولو صاده غيره.

فالحاج مأمور بترك الرفث وهو الجماع وما يتصل به ـ فتكون زوجه معه في سفره يجمعهما مكان واحد وقت النوم ووقت اليقظة فلا يمد يده إليها إلا لحاجة كما يمد يده لعامة الناس، ولا يتكلم معها بكلام تشم منه رائحة التعريض، بما كان يباح له التصريح به.

كما أنه مأمور بترك الفسوق من قول أو فعل ـ وهو مأمور بذلك كل وقت ولكنه في الحج أعظم وآكد ـ وهو مأمور بترك الجدال، إلا إذا دعت الحاجة لمصلحة.

وبذلك يكون الحاج قد تزود من زاد التقوى، كما قال تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) [البقرة: 197].

والحاج أهل لهداية الله بعد أن تزود من تقواه: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) [البقرة: 198].

وزاد التقوى الذي يمنحه الله للحاج من حجه، يزيده تقرباً إلى الله ودواماً على طاعته، حتى تصبح طاعته لربه أحب إليه من أي محبوب آخر، ولذلك لا يفتأ ذاكراً له: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذركم آباءكم أو أشد ذكراً) [البقرة:200].

والحاج يؤدي ما أمر به من الأنساك في الحج ـ عبادة لربه ـ وهو يعلم أن كل ذلك لا ينفعه عند الله، إلا إذا اتجه بقلبه وقالبه إلى الله، وامتلأ قلبه بتقوى الله وخشيته: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين) [الحج:37].

ويذهب الحاج إلى بيت الله الحرام لتأدية مناسك الحج، وقد أثقلته الذنوب والمعاصي ورانت على قلبه محبة الشهوات، فيزكيه حجه ويطهره، ويدرب نفسه على طاعة ربه في فترة زمنية معينة، فيترك ما نهاه الله عنه من الرفث والفسوق، فيعود وقد غفر الله له حتى غدا مثل من ولد لتوه لا ذنب له ولا إثم، بل طاعة وأجر وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه).

وكما في حديثه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاءاً إلى الجنة) [البخاري رقم 1773 ـ فتح الباري (3/597) ورقم 1820 فتح الباري (4/20) ومسلم (2/983)].

ولما كان الحج فيه مشاق النفقة والسفر والتعرض للمخاطر المتعددة، كالخوف والجوع والعطش والحر والبرد والزحام وغير ذلك، جعله صلى الله عليه وسلم للنساء بمنزلة الجهاد للرجال، كما في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: (لا، ولَكُنَّ أفضلُ الجهاد حجٌ مبرور) [البخاري رقم الحديث 1520 ، فتح الباري (3/381)].
قال الحافظ: (وسماه جهاداً لما فيه من مجاهد النفس) [فتح الباري (3/382)].

والذي وفقه الله تعالى لأداء مناسك الحج يعلم سبب تسمية الرسول صلى الله عليه وسلم الحج جهادا،ً فإن سفر الحج فيه شبه كبير بسفر الجهاد، لما يلتزم به الحاج من التقشف، ولما يقتضيه أداءه من الإلتزام بالنظام، والسير مع عامة الناس في وقت واحد، وفي مكان واحد، لا سيما يوم التروية وما بعده، إذ ترى الناس يصعدون إلى منىً في وقت واحد، وينزلون بها لأخذ أماكنهم ويصلون بها الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم الفجر مستعدين لمغادرتها صبيحة اليوم التاسع كلهم إلى عرفات.

وهناك يقفون كلهم بعد أن يصلوا الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم في وقت واحد، ثم إذا غربت الشمس تحركوا جميعاً نحو مزدلفة ينزلون بها جميعاً، ويصلون بها المغرب والعشاء جمع تأخير قبل أن ينزلوا متاعهم، ثم ينامون مبكرين استعداداً لأعمال يوم النحر.

فإذا أصبحوا صلوا الفجر ودعوا الله وذكروه حتى يسفروا ثم يتجهون جميعاً إلى منىً فيبدءون برمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، ثم يذهب من عليه نحر لينحر ثم يحلقون ثم يطوفون طواف الإفاضة ثم يعودون إلى منىً للبقاء فيها ذاكرين الله تعالى رامين الجمرات في اليومين التاليين ليوم النحر أو الثلاثة.

ثم يتجهون إلى بيت الله لطواف الوداع، وفي التزامهم كلهم بذلك النظام ما فيه من المشقة والزحام وغير ذلك، والحاج الذي يقوم بذلك كله مع التزامه بطاعة الله في نيته وفي سلوكه، لا يعود إلا وقد هذبت نفسه وألفت الطاعة والجندية الإسلامية.

ولعل ذلك يبين شيئاً من حكمة ذكر الجهاد في سبيل الله بعد ذكر الآيات المتعلقة بالحج كما قال تعالى: ((إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز)) [الحج: 38 ـ40].

الحج والأقصى الأسير!
إن حجاج بيت الله الحرام ليبذلون المال، ويعدون العدة للسفر،ويحرمون، ويلبون-والتلبية عهد على طاعة الله ورسوله-ويطوفون ويسعون، ويقومون بكل مناسك الحج _ومنها ركنه الأعظم الوقوف بعرفات.

ثم يؤدون ركن الحج العظيم-طواف الإفاضة- ويزورون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض الأماكن التي تذكرهم برجال الجهاد، كالبقيع، وأحد، والخندق....

فهل يتذكرون صنو المسجدين العظيمين وثالثهما: ذلك المسجد الأسير " الأقصى" الذي يدنسه أبناء القردة والخنازير.

فهل تذكرتم يا حجاج بيت الله الحرام، أبناء الصحابة والتابعين في الأرض المباركة، الذين يقذفهم اليهود بالقنابل والرشاشات والمدافع، والطائرات والدبابات، ويهدمون منازلهم ويخرجونهم منها في العراء، ويحاصرونهم في قِطَع من الأرض، حتى لا يقدر القريب أن يزور قريبه، ويمنعون عنهم وصول الغذاء والدواء والملبس والمشرب؟

هل تذكرتم قبلتكم الأولى، ومسرى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومعراجه؟

هل تذكرتم أن من أهم ثمرات حج بيت الله الحرام أن الله قد أذن للذين يقاتلهم أعداء الله بقتال الأعداء؟ وأن من ثمرات الحج دفع العدوان عن المساجد والمعابد.

اقرؤوا بتدبر وتفكروا في هذه الآيات الواردة في الحج، وكيف ختمت بقتال المسلمين من يقاتلهم ظلما وعدوانا، وبدفع المسلمين الاعتداء على المساجد والمعابد من أن تهدم أو تمس بسوء.

اقرؤوا هذه الآيات، واصبروا على قراءتها تقبل الله حجكم، ورزقكم الجهاد في سبيل الله لرد العدوان عن أنفسكم وإخوانكم، ودفع العدو عن تدنيس المساجد وتهديمها، وبخاصة المسجد الأقصى الأسير الذي دنسه أرذل خلق الله في الأرض "اليهود" فدفع العدوان عن إخوانكم، ودفعه عن مساجدكم ينبغي أن يكون من ثمرات حجكم:

بدأت الآيات المتعلقة بالحج من الآية السادسة والعشرين من سورة الحج، وهي قوله:
((وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)) (26)
وانتهت بالآية السابعة والثلاثين، وهي قوله تعالى:
((لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين)) (37)

وأتبعها تعالى بقوله :
((إن الله يدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور(38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير(39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)) (40)

وإنه ليبدو لي من ذكر هذه الآيات الأخيرة بعد آيات الحج، أن من أهم آثار الحج في حياة المسلمين، أن يقاتلوا من يقاتلهم من الأعداء، وأن يحموا بيوت الله من عدوان من أراد إفسادها ماديا أو معنويا، لأن في مناسك الحج تدريبا على التعب والصبر والنظام والانضباط، وبذل المال، وشد الرحال، وأهم من ذلك كله التزكية الإيمانية والطاعة لله والإخلاص له، وفي ذلك كله شبه بمشاق الجهاد ونظامه ....

هل تذكرتم أن الجبن عن دخول الأرض المقدسة لإخراج العدو منها، هو من صفات اليهود، وليس من صفات المسلمين؟!

فقد حكى الله موقف اليهود عندما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة في هذه الآيات، وهي واضحة في الدلالة على جبنهم:
((وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين(20) ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين(21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون)) [المائدة:22]

هاهو الأقصى الحزين يذكرنا، إن لم نكن قد تذكرنا. فهل من سامع للتذكير، وهل من مجيب لمستغيث؟؟؟!!!

اللهم امنح حجاج بيتك الحرام والمسلمين في الأرض قائدا يؤمهم في المسجد الحرام، ومسجد نبيك الكريم، ثم يقودهم تحت رايتك لتحرير بيتك الثالث: "المسجد الأقصى" من أعدائك اليهود، الذين احتلوه وأحرقوه ودنسوه، وداسوا كرامة أهله، ليؤمهم فيه، كما أمهم في صنويه: البيت الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. يارب العالمين، يا أرحم الراحمين.

لقد فتح القدس في صدر الإسلام عمر، وحررها من الصليبيين صلاح الدين، فهل سيجد من قادة المسلمين السياسيين والعسكريين شبيها لهما أو لأحدهما؟

لعل الله يأتي باليوم الذي ينطلق فيه حجاج بيت الله الحرام من أول المساجد الثلاثة بعد أداء مناسكهم، لتحرير بيته الثالث "المسجد الأقصى" ليتحقيق هذا الترتيب الرباني في كتابه في واقع المسلمين اللهم آمين.
وبهذا يظهر أثر الحج في تزكية النفس وتطهيرها وتضحيتها وأهليتها لتكون مجاهدة في سبيل الله.

(125)

أثر صلة الرحم في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
المقصود بالرحم ـ هنا ـ القرابة، والمقصود بالصلة البر والإحسان، أي البر بذوي القربى والإحسان إليهم، وهذه الصلة تتفاوت درجات وجوبها بحسب درجة ذي القربى قرباً وبعداً، والصلة قد تكون صلة بتعليم ذوي القربى أمور دينهم التي يجهلونها ـ لا سيما الواجبات العينية ـ وقد تكون بالإحسان المادي إليهم أو ما شابه ذلك.

والإنسان الذي يقطع رحمه ولا يصلها، عاصٍ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، مرتكب لما حرم الله سبحانه وتعالى عليه، قاطع ما أمر الله به أن يوصل، وقد ذمه الله تعالى ذماً شديداً، وأوجب عليه لعنته، وجعله معرضاً لطمس بصيرته، كما قال تعالى: ((فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)) [محمد: 22 ـ23].

وقد أخذت الرحم وعداً من الله تعالى ـ والله لا يخلف وعده ـ بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال لها: مه قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعكِ؟ قالت: بلى يا رب. قال: فذاك) [البخاري رقم4830 فتح الباري (8/579) ومسلم (4/1980)].

وفي حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا لا يدخل الجنة قاطع) [البخاري رقم 5984 فتح الباري (10/415) ومسلم (4/1981)].

والنصوص في الواردة في صلة الرحم والنهي عن قطعها كثيرة منها العام، كما مضى ومنها الخاص بنوع من القرابة، (كالوالدين) وغيرهما.

والمقصود أن الذي لا يجاهد نفسه على صلة أرحامه، ليس أهلاً للجهاد في سبيل الله، لأنه عاصٍ لله ولرسوله قاطع لرحمه، وقد يكون سبباً في منع الله نصر المؤمنين على أعدائهم، وقد يكون غير قادر على الصبر والمصابرة أمام الأعداء.

لهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من استأذنه في الجهاد معه دون أن يستأذن والديه، أن يرجع إليهما ويجاهد في طاعتهما والقيام بحقوقهما، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: جاء رجل النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: (أحي والداك) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد) [البخاري رقم 3004 فتح الباري (6/140) ومسلم (4/1975)].

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: (هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما.. هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، وإلا فحيئذٍ يجوز بغير إذن، وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر. [شرح النووي على صحيح مسلم (16/104)].

وقد يعرض عاق والديه نفسه لغضبهما عليه ودعائهما، ودعوة المظلوم مستجابة ولو كان كافراً، والعدل واجب ولو لكافر، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب) [أحمد في المسند (3/153) والأحاديث الصحيحة للألباني (2/407)].

وقال تعالى في وجوب العدل ـ ولو لمن يبغضهم المؤمن في الله وهم الكفار ـ: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)) [المائدة: 8].

ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنه بقصة جريج الراهب ـ وهو رجل من بني إسرائيل _محذراً إياهم من عقوق الوالدين، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج، كان يصلي جاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات.

وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه.
فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام، قال: الراعي، قالوا نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين) [البخاري رقم 3436 فتح الباري (6/476) ومسلم (4/1976)].

(126)

أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة من أهم قواعد الإسلام التي لا قوام لأمته إلا بها، وهو عنوان فلاح المسلمين وفوزهم ومنطلق أهليتهم لقيادة البشرية، فإذا حققوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أنفسهم كانوا أهلاً لتحقيقه في سواهم من أمم الكفر والضلال، وإلا كانوا أهلاً لغضب الله وسخطه ولعنته، ومن كان معرضاً لسخط الله وعظيم عقابه، كيف يكون جديراً بالكون في صف المجاهدين في سبيل الله.

فالمؤمنون لا ينجيهم من الخسران أن يقوم كل واحد منهم بما كلفه الله إياه، دون أن يتواصى مع غيره من إخوانه المؤمنين بالحق والصبر، قال تعالى: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين أمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) [العصر].

وكيف يقف الصف المخلخل الذي يبتعد أفراده عن الله بترك طاعته والولوغ في مستنقع معاصيه، ولا يوجد فيه من يغضب لله فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟

كيف يقف هؤلاء في هذا الصف في وجه عدوهم مجاهدين في سبيل ربهم، ولم تتوافر فيهم صفات عباد الله المؤمنين الذين قال تعالى عنهم: : ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)) [التوبة: 71].
وهم الذين قصر الله الفلاح عليهم، كما قال: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون)) [آل عمران: 104].

وأوضح سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به هي موجبات قيادة هذه الأمة لغيرها من الأمم قال تعالى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس؛ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله..)) [آل عمران: 110].

يظهر من هذا أن النصر على الأعداء لا يكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الخيرية المذكورة لا تتم بدون موجباتها المذكورة بعدها.

وقد لعن الله بني إسرائيل الذين لم يتناهوا فيما بينهم عن المنكر، وإذا عملت هذه الأمة مثل عمل بني إسرائيل فحكمها حكم بني إسرائيل، قال تعالى: ((لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)) [المائدة: 78 ـ79]

ومما يدل على ذلك ما أورده ابن كثير في تفسير الآية، قال: (وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا شريح ـ وساق سنده إلى أن قال ـ : عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم") قال يزيد وأحسبه قال: (في أسواقهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم). ((ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، فقال: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً) [تفسير القرآن العظيم ( 2/82 ـ 83 ) ].

والأمة التي يستشري فيها الشر والفساد مثل السفينة التي ألقي بها في بحر لجي لتمخر عبابه، وهي مخرقة تقذف أمواج البحر بمياهه بداخلها من تلك الخروق، فهل يقدر ربانها على قيادتها إلى شاطئ الأمان، وهل يستحق أهلها الذي ألقوها في ذلك البحر اللجي وهم يعلمون ما بها من خروق أن ينالوا النجاة، كيف الأمر لو كانت سليمة قادرة على مصارعة الأمواج فأرادت فئة من ركابها أن تخرقها وهي تمخر عباب البحر وسكت عنهم بقية الركاب؟

والجواب في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) [صحيح البخاري رقم الحديث 2493، فتح الباري (5/132)]. قال الحافظ بن حجر: (وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [الفتح (5/296)]، فأثر القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفوز والقيادة للبشرية وأثر تركه الهلاك والخسران والذل.

(127)

أثر المحافظة على نوافل الطاعات: في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
ما سبق من الكلام يتعلق بالمحافظة على الفرائض وأثر ذلك في تربيته النفس وتزكيتها وتطهيرها، وقد ضربت لذلك ستة أمثلة هي: الصلوات الخمس، وصيام رمضان والزكاة، والحج وصلة الرحم، (وهذه الخمسة من فروض العين) ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من فروض الكفاية.

وآن الأوان لذكر المحافظة على نوافل الطاعات وأثرها في تزكية النفس وتطهيرها، وتأهيل صاحبها للبذل والتضحية بالنفس والمال والولد والجاه والمنصب، في سبيل الله تعالى.

والكلام في النوافل من وجهين:
الوجه الأول: النوافل العامة ، وكونها مطلوبة المحافظة عليها، وأثرها كذلك في التزكية والتطهير.
الوجه الثاني: ذكر بعض النوافل بعينها وبيان أثرها.

الوجه الأول: الحث على المحافظة على النوافل عموماً وبيان أثرها في تزكية النفس وتطهيرها.

حث الله سبحانه وتعالى في كتابه عباده المؤمنين على فعل الخير، والعمل الصالح والتنافس في ذلك، ورغب في ذلك كله بوعده مَن عمله بالثواب الجزيل.

قال تعالى: ((و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، إن الله بما تعملون بصير)) [البقرة: 110].
فقوله تعالى: ((وما تقدموا لأنفسكم من خير)) الآية شامل لكل عمل صالح يقدمه العبد طاعة لله، واجباً كان أم تطوعاً.

قال ابن جرير رحمه الله: (فإنه يعني جل ثناؤه بذلك ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم فتقدموه قبل وفاتكم ذخراً لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة فيجازيكم به. والخير هو العمل الصالح الذي يرضاه الله) [جامع البيان عن تأويل القرآن (1/491)].

وقال تعالى: ((ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات..)) [البقرة: 148].
وهو كذلك أمر بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة والتنافس فيها، كما قال ابن جرير: (فبادروا بالأعمال الصالحة شكراً لربكم، وتزودوا في دنياكم لأخراكم) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/29)].

وقال تعالى: ((ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين، وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، والله عليم بالمتقين) [آل عمران: 113ـ 115].

والشاهد من هذه الآيات ـ هنا ـ قوله: ((ويسارعون في الخيرات)) وقوله: ((وما يفعلوا من خير)) فإن الخيرات والخير المذكورين فيها شاملان لكل عمل صالح يتسابق فيه عباد الله الصالحون.

قال ابن جرير: ((ويسارعون في الخيرات)) يقول: ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معالجتهم مناياهم-إلى أن قال في قوله تعالى-: ((وما يفعلوا من خير فلن يكفروه)) : وما تفعل هذه الأمة من خير وتعمل من عمل لله فيه رضا، فلن يكفرهم الله ذلك، يعني بذلك فلن يبطل الله ثواب عملهم ذلك، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ولكنه يجزل لهم الثواب عليه ويسني لهم الكرامة والجزاء) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/56ـ57)].

وقال تعالى: ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)) [النحل: 97].

وفي هذه الآية وعد من الله تعالى لعبده المؤمن الذي يعمل الصالحات ـ وهي شاملة لكل عمل يرضي الله تعالى ـ بأن يحييه حياة طيبة، وهي حياة العز والاطمئنان والطاعة والرضا والخير والنصر على الأعداء وغير ذلك من الحياة الموصوفة بأنها طيبة.

قال سيد قطب رحمه الله: (وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به وقد لا يكون معها، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة، وليس المال إلا عنصراً واحداً يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة) [في ظلال القرآن (14/2193)].

يظهر من هذه الآية الكريمة أن ثمار العمل الصالح. ومنه التطوع ـ تعود إلى صاحبها في الدنيا والآخرة، ومن أعظم ما تكون به الحياة طيبة بالنسبة للمؤمن أن ترتفع راية الإسلام ويعز أهله، وتهوي راية الكفر ويذل أهله، ولا يكون ذلك إلا لعباد الله الصالحين المحافظين على الأعمال الصالحة، كما أن من أفضل الأجر عند الله أجر الشهيد في سبيل الله الذي يتمنى أن يعود إلى الدنيا ليقتل مرات لما رآه من الثواب الذي اختصه الله به، وقد مضى.

ولقد جعل الله تعالى التقرب إليه بالنوافل سبباً في حبه لعبده المتقرب إليه، الحب الذي يصل معه العبد إلى درجة التوفيق والتسديد لقلبه وجوارحه، ولا يفكر إلا في طاعة الله ولا يتحرك إلا فيما يرضيه عز وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) [البخاري 6502 فتح الباري (11/340)].

وإن الذي يحافظ على نوافل الطاعات، لا بد أن يكون قد حافظ على الفرائض من باب أولى، لما يعلم من العقاب على تركها، بخلاف النوافل فإنها يثاب عليها ولا يعاقب عليها. وقد مضى في نفس الحديث الآنف الذكر قوله تعالى: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه).

لذلك كانت نوافل الطاعات بمنزلة الحائط الذي يبنى خارج الدار لسترها وصد اللصوص المقتحمين، والفرائض بمنزلة الدار، والذي بنى الحائط من أجل الدار لا يفرط في الدار وصيانتها وإحكام بنائها.

و الذي يحافظ على النوافل يصد عن نفسه الشيطان من أن يوسوس له بترك الفرائض أو النقص منها، لأنه إذا كان ملازماً للنافلة –التي لا عقاب عليه - لأجل ثوابها لا بد أن يلازم الفرائض ملازمة أشد، لما يخافه من العقاب على تركها أو نقصها.

ولكنه مع ذلك الحرص وتلك الملازمة بشر، قد تحصل له غفلة فيفوته إتمام بعض الفرائض، فإذا فاته شيء من ذلك فإن ربه سبحانه يتفضل فيجبر له ذلك النقص بما قدمه في حياته من تطوع.

قال ابن حجر رحمه الله: "وأيضاً فإن من جملة ما شرعت له النوافل جبر الفرائض كما صح في الحديث الذي أخرجه مسلم: "انظروا هل لعبدي من تطوع فتكمل به فريضته" الحديث بمعناه، فتبين أن المراد من التقرب بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض لا من أخل بها) [فتح الباري (11/343)].

ونص الحديث الذي أشار إليه الحافظ رحمه الله ـ وهو من حديث أبي هريرة : (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقصت من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) [أبو داود (1/540) والترمذي رقم الحديث 411، تحفة الأحوذي (2/462) صحيح الجامع الصغير للألباني (2/184)

هذا ولم يهتد الكاتب إلى الحديث في صحيح مسلم الذي عزاه إليه الحافظ رحمه الله].

والإكثار من الأعمال الصالحة ـ النافلة ـ مطلوب، ولكنه يجمل بمن أراد دوام القرب من ربه أن يداوم على طاعته، ولا ينبغي أن يأتي بعمل صالح يرضي به الله تعالى ثم ينقطع عنه، لا سيما إذا كان من النوافل المؤكدة والمرغب فيها.

لذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته أن يعملوا ما هو في وسعهم حتى يداوموا عليه، ولا يملوا فينقطعوا عن ذلك، وهذا الانقطاع يحرم المؤمن من الاتصال الدائم بالله.

ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنهـا أنها قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير وكان يحجره من الليل (أي يتخذه حجرة) فيصلي فيه فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار فثابوا ذات ليلة فقال: (يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) (وكان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه) [صحيح مسلم (1/540)].

قال النووي رحمه الله: (وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيراً من الكثير المنقطع، لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق سبحانه وتعالى، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة) [شرح النووي على مسلم (6/71)].

هذه هي ثمار المحافظة على نوافل الطاعات: دوام الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق وزيادة الأجور ومضاعفتها، والذي يجاهد نفسه على ذلك جديرٌ أن يجاهد في سبيل الله.

الوجه الثاني: ذكر بعض النوافل بأعيانها وبيان أثرها في تزكية النفس وتطهيرها:
طرق الخير التي يثاب المسلم على فعلها لا تحصى كثيرة. وقد عني بها علماء المسلمين في كتبهم مستدلين عليها من الكتاب والسنة. وقد سبق الكلام على حث الكتاب والسنة على فعل الخير عموماً، وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله في أول باب: "بيان كثرة طرق الخير" في كتابه رياض الصالحين هذه الآيات: ((وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم)) [البقرة: 215]، ((وما تفعلوا من خير يعلمه الله)) [البقرة: 197]. ((من عمل صالحاً فلنفسه)) [الجاثية: 15]. ثم ذكر أحاديث شاملة لكثير من أفراد الطاعات [رياض الصالحين ص68].

وهي تعتبر أمثلة، وإلا فإن النصوص في ذلك لا تحصى كما سبق، وبمراجعة أبواب رياض الصالحين ـ وحده يظهر للقارئ تلك الكثرة فكيف وهو ـ أي رياض الصالحين قد اختصرت فيه نصوص قليلة من القرآن الكريم وكذلك أحاديث من كتب قليلة من كتب الحديث.

لذلك لا يتحمل هذا البحث التنصيص على كثير من طرق الخير التي تزكي المسلم وتصله بربه، فيكون بذلك أهلاً للانخراط في سلك المجاهدين في سبيله، ولكن لا بد من التنصيص على بعض تلك الطاعات وحكم غير ما لم يذكر حكم ما ذكر، وإن تفاوتت الطاعات في الثواب بحسب الوقت والحاجة وما أشبه ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 1:59 am



(128)

أثر قراءة القرآن بتدبر وسماعه في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
تلاوة القرآن الكريم مأمور بها عبادة الله، إذ هو أفضل كلام يتعبد به في الصلاة وغيرها، لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ((إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين)) [النمل: 91ـ92].

وتلاوته شاملة لقراءته مطلقاً، وإن كان السياق هنا يدل على قراءته على الناس لتبليغهم وإنذارهم [انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/378)].
وإذا كانت تلاوة القرآن وسيلة الدعوة إلى الله فإن كونها وسيلة لتزكية نفس القارئ من باب أولى [انظر في ظلال القرآن (20/2670)].

ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة قارئ القرآن الحاذق في حفظه وقراءته، كما بين الثواب الذي يجزله الله لقارئه الذي يشق عليه، كما في حديث قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه (أي في تلاوته لضعف حفظه أو قراءته) وهو عليه شاق له أجران" [البخاري: رقم 4937 فتح الباري (8/691) ومسلم (1/459)]. وفي رواية "والذي يقرأ وهو يشتد عليه أجران").

ويكفي قارئ القرآن فضلاً استماع الله لصوته الحسن بكلامه تعالى، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن) (يريد يجهر به) [البخاري رقم 5023 ، فتح الباري (9/68)].

وتأمل الفرق البعيد بين قارئ القرآن (لا سيما العامل به) وغيره في هذا المثال النبوي الذي تضمنه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر) [البخاري رقم 5427 ، فتح الباري (9/555) ومسلم (1/549)].

وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: (تعلموا هذا القرآن فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: بألم، ولكن بألف، ولام، وميم، بكل حرف عشر حسنات…) [الدارمي (2/308) قال المحشي: الحديث هنا موقوف على عبد الله بن مسعود وقد روى نحوه الترمذي مرفوعاً، وقال: حسن صحيح غريب، وهو قطعة من حديث طويل، رواه الحاكم عن إبراهيم البري عن أبي الأحوص عنه مرفوعاً، وقال: تفرد به صالح بن عمر عنه، وهو صحيح].

ولقد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الفضل العظيم لقراءة كتاب الله، فبالغ بعضهم في قراءته ليستكثر من الحسنات، وكان يقرأه كله في ليلة واحدة ـ فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، لما فيه من تفويت بعض حقوق نفسه وحقوق أهله، وما ينبني عليه من أثر العجز عنه والاستمرار عليه، وسبق أن أحب العمل أدومه وإن قلَّ ـ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأه في شهر فقال: إنه يطيق أكثر من ذلك، فأمره أن يقرأه في سبع ونهاه عن أن يزيد عليها.

عن عبد الله بن عمرو عنهـما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اقرأ القرآن في شهر) قلت: إني أجد قوة… حتى قال: (اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك) [البخاري رقم 5054، فتح الباري (9/95) ومسلم (3/814)].
وفي رواية (قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة) الحديث [البخاري (9/94)].

ولا بد للقارئ أن يتدبر كلام الله ويتفهم مراميه، ليحقق الحكمة من إنزاله، كما قال تعالى: ((كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب)) [سورة ص: 29].
و بتدبر المؤمن كتاب الله ينجو من مشابهة أولئك المنافقين الذين أنكر الله عليهم عدم تدبرهم الذي كان من أثره تغييرهم أوامر الله ورسوله، التي تعلمونها منه صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)) [النساء: 82].
وقال تعالى: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها)) [محمد: 24].
وقال تعالى: ((وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)) [الأعراف: 204].
وبمداومة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن وتدبره والإنصات له وتطبيقه، وصلوا إلى تلك القمة العالية في التربية والتزكية.

قال محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ: فتربيته الصحابة التي غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية، وزكتها تلك التزكية التي أشرنا إليها آنفاً وأحدثت أعظم ثورة روحية اجتماعية في التاريخ، إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن في الصلاة وتدبره في غير الصلاة (وفي الصلاة أيضاً من باب أولى) وربما كان أحدهم يقوم الليل بآية واحدة يكررها متدبراً لها، وكانوا يقرؤونه في كل حال حتى مستلقين ومضطجعين كما وصفهم الله بقوله: ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)) [آل عمران:191]. وأعظم ذكر الله تلاوة كتابه المشتمل على ذكر أسمائه الحسنى وصفاته المقدسة وأحكامه وحكمه وسننه في خلقه وأفعاله في تدبير ملكه كما تقدم) [الوحي المحمدي ص163].

عرض الإنسان نفسه على القرآن
ليعلم ما يرضى الله منه فيعمله، وما يغضبه فيتجنبه:
وعندما يقرأ المؤمن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى لهداية البشرية في هذه الحياة إلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: ((إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)) [الإسراء: 19]، عندما يقرأ المؤمن هذا القرآن، وهو يذكر صفات المؤمنين ويمدحها ويثني عليها ويدعو للاتصاف بها، وكذلك يذكر صفات أعداء الله من الكافرين والمنافقين ويذمها ويحذر منها، فإنه بذلك يعلم أهو من عباد الله المؤمنين؟ أهو سائر في طريقهم، أم يزوغ عنه هنا وهناك؟ وبذلك يستطيع أن يقوم نفسه في إيمانه وسلوكه ومعاملاته، وفي كل شأن من شؤون حياته.

قال شيخنا العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: (وهذه الآية -يعني آية الإسراء التي سبق ذكرها قريباً- الكريمة أجمل الله جلّ وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة). [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/409)].

ألا ترى ماذا قالت عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالت للسائل: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: (فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) [صحيح مسلم (1/513) وأورد ذلك بن كثير في تفسير قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) في أحاديث متعددة].

وقال ابن كثير رحمه الله: ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية له وخلقاً تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل) [تفسير القرآن العظيم (4/402)].

وفي القرآن الكريم ما يقوي الإيمان، ويدعو إلى البذل، ويبين صفات المجاهدين التي يجب أن يتحلى بها من يريد أن يقوم بالجهاد في سبيل الله… وكلما أكثر الإنسان من قراءة القرآن ازداد علماً وعملاً، وحصلت له التزكية التي نزل القرآن الكريم من أجلها، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم للقيام بها، كما قال تعالى: ((هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليه آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)) [الجمعة: 2].
وهذا ما دعا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقول: (إذا سمعت الله يقول: ((يا أيها الذين آمنوا..)) فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه) [زاد المعاد لابن القيم (1/113)].


(129)

أثر صلاة التطوع في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
الصلوات المفروضة فرض عين هي الصلوات الخمس التي فرضها الله على هذه الأمة خمساً، وجعل ثوابها خمسين ـ الحسنة بعشر أمثالها ـ وقد سبق أنها ركن من أركان الإسلام، وهي الركن الوحيد الذي ربط الله به المسلم خمس مرات في يومه وليلته.

ولعظم شأن الصلاة وما تشتمل عليه من معانٍ تزكي المؤمن وتطهره، شرع الله سبحانه للمؤمن غيرها من الصلوات التي ترافقها قبل الفرض وبعده أو قبله فقط، وهي التي تسمى بالسنن الراتبة، لتكون القبلية مهيئية صاحبها للإقبال إلى الله تعالى في الفريضة، ولتكون البعدية مذكرة له بدوام ارتباطه به سبحانه، ولتكون كلها ـ القبلية والبعدية ـ مكملة لما قد يحصل عليه من نقص في فريضته كما مضى.

قال ابن قدامة رحمه الله ـ مبيناً السنن الراتبة ـ (وهي عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) [زاد المعاد (2/102) المغني (2/93)]…

ورأى بعض العلماء أن الراتبة قبل الظهر أربع، ورأى بعضهم أن للعصر راتبة وهي أربع، ورجح ابن قدامة أن لا راتبة للعصر، وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم حث عليها. [المغني (2/93)]

وعلى كلٍ فهي عشر على القول الأول، و أربع عشرة أو ست عشرة ركعة، على ما ذكر بعده، ومن السنن الراتبة ركعتان أو أربع ركعات بعد صلاة الجمعة.

كما شرع للمؤمن صلوات أخرى غير الراتبة، مثل قيام الليل، وصلاة التراويح في رمضان، والوتر، وسنة الضحى، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة ـ وهي فرض كفاية ـ ولكنها تصبح في حق من لم تجب عليه تطوعاً، وركعتين قبل صلاة المغرب بعد الأذان، وركعتي تحية المسجد لمن أراد الجلوس فيه، وركعتي صلاة الاستخارة. [المغني (2/93ـ100)].

ولا حاجة لذكر النصوص الواردة في هذه النوافل ومن أراد أن يطلع عليها فليرجع إلى كتب الحديث وكتب الفقه التي فصلت ذلك تمام التفصيل. [انظر مثلاً زاد المعاد (2/102 ـ 121) وكذا (2/150ـ156)].

و المقصود ذكر تلك النوافل التي شرعها الله تعالى لعبده المؤمن، منها ما هو متكرر مع الفرض وبعضها آكد من بعض، ومنها ما يتكرر كل يوم ليلاً أو نهاراً، ومنها ما يشرع لسبب من الأسباب ويشمل الجميع وصف التعيين فهي معينة كما ترى.

ولم يقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، بل حثَّ أمته صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة ـ غير المفروضة وغير النافلة المعينة ـ وبين صلى الله عليه وسلم أن الصلاة ترفع الدرجات، وتمحو الخطايا، وتؤهل المكثر منها لمرافقته صلى الله عليه وسلم في الجنة.

كما ثبت في صحيح مسلم عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: (لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطّ عنك بها خطيئة"، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان.

وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه، وحاجته فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "أو غير ذلك" قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود". [الحديثان في صحيح مسلم (1/353)].

ومع ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم التقرب إلى ربه بصلاة النافلة، إذ كان يقوم حتى ترم قدماه، كما في الصحيحين من حديث المغيرة قال: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له: فيقول: "أفلا أكون عبداً شكوراً" [البخاري رقم 1130 فتح الباري (3/14)، ومسلم (4/2171)].

مع ذلك كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على أن ينال أصحابه هذا الفضل العظيم، لتزكية نفوسهم وفوزهم بالقرب من الله تعالى وبحبه وتوفيقه، فكان يحذرهم من أن يثبطهم الشيطان عن التنفل بالصلاة ـ ولا سيما صلاة الليل ـ فقد ذكر عنده صلى الله عليه وسلم رجل نام ليله حتى أصبح (أي لم يقم الليل) فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". [البخاري رقم 3270 فتح الباري (6/335) ومسلم (1/537)].

وأوضح صلى الله عليه وسلم حرص الشيطان على حرمان المسلم من هذا الفضل العظيم فقال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدةٍ: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان". [البخاري رقم 1142 فتح الباري (3/24) ومسلم (1/538)].

وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على أن لا يحول الشيطان بين أصحابه وبين فضل الله العظيم يتفقد أقرب المقربين إليه، ويحثهم على قيام الليل، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة،ً فقال: "ألا تصليان" فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إليّ شيئاً، ثم سمعته وهو مولٍ يضرب فخذه وهو يقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) [البخاري رقم 1127، فتح الباري (3/10) ومسلم (1/537) والآية من سورة الكهف رقم: 54].

ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسارعون إلى الإكثار من صلاة التطوع حتى تتعب أجسامهم، فيكاد يسقط أحدهم من الإعياء، ولكنه يشعر بالراحة والاطمئنان، فلا يبالي تعب جسمه، فيمد الحبل ليتعلق به عند الإعياء، فيشفق عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمرهم بفعل ما يطيقون.

ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: "ما هذا الحبل"؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا، حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد". [البخاري رقم 1150، فتح الباري (3/36) ومسلم (1/541)].

والأحاديث والآثار الواردة في حرص الرسول صلى الله عليه وسلم وحرص أصحابه على صلاة النافلة أكثر من أن تحصى فليعد إليها من أراد. [انظر مثلاً أول الجزء السادس من كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم للعلامة الأثير الجزري مطبعة الملاح1392هـ.

ويتضح مما مضى أن من آثار المحافظة على صلاة التطوع محبة الله تعالى لعبده وتوفيقه إياه لعمل ما يرضيه عنه، وأنها تحقق للعبد شكر لله سبحانه، وترفع درجاته عنده، وتمحو خطاياه، وتؤهله للنعيم الدائم: الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنها من أهم أسباب مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك وغيره تزكية للنفس وتطهيراً لها وإعدادها للجهاد في سبيل الله ورفع رايته.

هذا وإن من أراد أن ينصب نفسه للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، فلا بد أن يعلم أنه معرض للابتلاء وكره الناس ووقوفهم ضده ومحاولتهم إغراءه بشتى أنواع المغريات، ليسكت ويعرض عنهم ويتركهم وما يشتهون، فإن لم يفد معه الإغراء والترغيب فإنهم لا بد منتقلون إلى الوعيد والتهديد، ووضع كل العراقيل في سبيله، بل سيعتدون على ماله وعرضه ونفسه، فلا يدعونه وشأنه، كما كان أمر جميع الأمم مع الأنبياء، وكما وقع من كفار قريش والجزيرة العربية مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والصبر على ذلك ليس سهلاً بل هو أمر شاق، بل إن البشر لا يطيق ـ بدون سند رباني ـ مواصلة الدعوة والجهاد مع تكالب الأعداء عليه، والأعداء دائماً كُثُر، وأعدى أعداء الإنسان وأقربهم إليه نفسه وهواه وشيطانه.

لذلك لا بد من زاد للصبر وعدة للسير ووقود للاستمرار، وما ذلك الزاد وتلك العدة وهذا الوقود إلا اللجوء إلى الله والاعتماد عليه، وطلب العون منه بالتقرب إليه، ولا سيما ـ في جوف الليل ـ عندما يأوي إلى فراشه بعد الأتعاب والهموم والأحزان والعراك المتنوع، في هذا الوقت الذي يأخذ الإنسان يحدث نفسه عما لاقاه وتحاول تثبيطه وتوهينه لتحول بينه وبين مواصلة الجهاد والكفاح الدائمين حتى يلقى ربه.

هنا لا بد له أن يفزع إلى ربه ويقف بين يديه طالباً منه المدد والعون، مستمداً منه القوة والعزم على الجهاد في سبيله، ذاكراً له بالتكبير الذي يملأ جوانح نفسه بربه، فلا يهاب إلا إياه راكعاً وساجداً له، فلا يخضع لسواه، مناجياً له بكتابه متدبراً معانيه فاقهاً لأوامره ونواهيه، عالماً أسراره وحكمه، فيذهب عنه التعب، لارتياح نفسه بطاعة مولاه وتنزاح الوحشة عنه لأنسه بمن يناجيه في جوف الليل الذي سكن فيه الناس إلى مضاجعهم نائمين غافلين عن الله، أو صاخبين فيه على منكراتهم غير مبالين.

عند ذلك تتجدد الهمة وتقوى العزيمة وتخلص النية، فيتمثل أمامه أنبياء الله ولسان حالهم جميعاً يقول للأعداء: ((إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم)) [هود: 54ـ56].

قال سيد قطب رحمه الله ـ عند قوله تعالى: ((إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)) [المزمل: 5]: (وإن قيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها، والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة، واستقبال إيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.
إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير). [في ظلال القرآن (29/3745)].

(130)

أثر صوم التطوع في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
سبق أن ذكرنا أن صيام رمضان أحد أركان الإسلام، وأنه ذو أثر عظيم في تزكية النفس وتطهيرها، وأنه يؤدي بالصائمين إلى تقوى الله.

وإن نفل الصوم كذلك، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر من صيام التطوع، ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى يظن أنه لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أنه لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته). [البخاري رقم 1972 فتح الباري (4/115) ومسلم (2/812)].

وصام صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وحث على صيامه، كما في حديث ابن عباس عنهـما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: قالوا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: "فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه". [البخاري رقم 2004 فتح الباري (4/244) ومسلم (2/795].

وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شهر شعبان، كما في حديث عائشة رضي الله عنهـا قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان). [البخاري رقم 1969 فتح الباري (4/213) ومسلم (2/810)].

وحث صلى الله عليه وسلم على صيام ست من شهر شوال، وبين أن من صامها بعد رمضان فكأنما صام الدهر، ففي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه : أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" [مسلم (2/822)].

كما كان صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم الإثنين ويوم الخميس، كما في حديث عائشة. [جامع الأصول (ت م س) (6/322)]. وكان يأمر أصحابه صلى الله عليه وسلـم بصيام أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. [جامع الأصول (6/325) ومسلم (2/817)]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله" [البخاري رقم 1979 فتح الباري (4/224)].

وللصيام أثر كبير في تزكية النفس وتطهيرها، لما فيه من التزام المؤمن وصبره عما هو حلال له في الأصل من أجل الله سبحانه، ولذلك أبهم الله أجر الصوم وكان فضل الصوم عند الله عظيماً.

كما أن الصائم القادر على منع نفسه من الطعام والشراب والجماع التي هي من أكثر الأمور التي تتوق إليها نفس المسلم ـ لا سيما عند حاجته إليها ـ قادر كذلك على الصبر على أذى الناس وعدم الرد بالمثل، والصوم يقي صاحبه من الأوضار في الدنيا ومن النار في الآخرة.

ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها" [البخاري رقم 1894 فتح الباري (4/103) ومسلم (2/806ـ807)].

وخص الله الصائمين في الدنيا، بباب في الجنة، إكراماً لهم لا يدخله سواهم، جزاء لهم وميزه باسم: "الريان"، كما في حديث سهل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد". [البخاري رقم 1896 وفتح الباري (4/111) ومسلم (2/808)].

ولما في الصوم من تزكية وتطهير وأجر عظيم، اشرأبت نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، أراد بعضهم أن يصوم الدهر كله، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك رفقاً بأصحابه من أن لا يطيقوا ذلك كغيره من العبادات، وبين لهم صلى الله عليه وسلم أن صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله (أي لأن الحسنة بعشر أمثالها)

فلما لم تطب النفس بذلك، ألزمهم بعدم الزيادة على صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم، وأخبرهم أن ذلك هو أحب الصيام إلى الله، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنهـما قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : "إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل"؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس (أي تعبت) لا صام من صام الدهر، "صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله". قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى" [البخاري رقم 1979 فتح الباري (4/224) ومسلم (2/814)]. وفي رواية: "وأحب الصيام إلى الله صيام داود"

تأمل كيف ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين جهاد النفس بالعبادة وجهاد الأعداء في سبيل الله. فقال: "ولا يفر إذا لاقى"، فإن في ذلك تنبيهاً على أن التقرب إلى الله إذا أداه صاحبه على الوجه المطلوب الذي يرضي ربه، فإنه يثمر القيام بحق الله في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله مع الثبات وعدم الفرار.

وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يبيتون ركعاً سجداً، مبتلة لحاهم بدموعهم خشية من الله، فإذا أصبح الصباح فلاقوا العدو استبطأ أحدهم أكل تمرات في يده تشوقاً إلى لقاء الله، فيرمي تمراته ويدخل في الصف ويقاتل حتى يقتل، والذين كانوا يتزاحمون على الصف الأول في الصلاة، كانوا يتزاحمون على الصف الأول عند اللقاء أيضاً.
وفي الصيام ـ كالحج ـ شبه بالجهاد في سبيل الله، لما فيه من الجوع والعطش والبعد عن الأهل وغير ذلك مما يحتاج إلى صبر وجهد كثير.

(131)

أثر تطوع الحج والعمرة في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
فُرِض الحج على المسلم بشروطه المبينة في كتب الفقه مرة واحدة في العمر، أما العمرة فاختلف في وجوبها، وليس البحث الآن بصدد بيان حكمها، ولكن على القول بوجوبها فإنها كذلك واجبة مرة واحدة في العمر، ويبقى باب التطوع مفتوحاً بالحج كل عام، وبالعمرة في أي وقت من الأوقات ـ وإن كره بعضهم تكرارها في العام وكره بعضهم فعلها في بعض الأوقات، كأيام التشريق مثلاً.

والحديث الصحيح يدل على أن الإكثار من العمرة مُزَكٍّ ومطهر وسُلَّمٌ إلى ثواب الله.
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [البخاري رقم 1773 فتح الباري (3/597) ومسلم (2/983)].

وفي حديثه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه). [البخاري رقم 1819 فتح الباري (4/20) ومسلم (2/983)].
هذا مع ما يشتمل عليه الحج والعمرة من مشاق السفر ومفارقة الأهل والوطن، وما يتضمنه كل منهما من أذكار وطاعات كثيرة.

والحديثان شاملان لحج الفرض وحج التطوع لعموم لفظهما، وإذا كانت العمرة إلى العمرة تكفران ما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والحاج الذي يؤدي حجه كما يرضي ربه يرجع كيوم ولدته أمه، فإن ذلك يظهر ما للحج والعمرة من التزكية والتطهير للنفس البشرية.


(132)

أثر ذكر الله تعالى في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
وذكر الله تعالى من أعظم الطاعات التي تجعل العبد متصلاً بربه في كل أوقاته، وليس المقصود به تحريك اللسان بالأذكار الواردة شرعاً فقط، بل ذلك مع تأمل الأذكار بالقلب وتفهم معانيها والاستفادة منها بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وامتلاء القلب من خوف الله ومحبته سبحانه.

وقد لا يتحرك اللسان بالذكر، ولكن القلب لا يغفل عن الله، وعلامة ذلك أن يتقيد المسلم في كل أعماله بما شرع الله، فإذا حدثته نفسه بترك واجب ذكر ال،له فأدى ذلك الواجب، وإذا حدثته نفسه بارتكاب محرم ذكر الله، فأقلع عن ذلك المحرم، وهكذا تجده ذاكراً لله في كل أحيانه ولعل هذا من معاني قوله تعالى: ((واذكر ربك إذا نسيت..)) [الكهف: 24].

ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالإكثار من الذكر، كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيماً)) [الأحزاب: 41ـ43].

وتأمل كيف ينقلب مَن يذكر ربه من حالةِ مرتكبٍ للفاحشة، إلى حالةِ مطيعٍ عامل مستغفر مغفور له، مثابٍ عند ربه، قال تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين)) [آل عمران: 133-136].

وكلما ذكر المؤمن ربَّه ذكره ربُّه، وأين ذكر العبد المخلوق الفقير إلى الله ربه من ذكر الله الخالق الغني عبده؟ قال تعالى: ((كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فاذكروني أذكركم ، واشكروا لي ولا تكفرون)) [البقرة: 152].

وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم. وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). [البخاري رقم 7405 ، فتح الباري (13/384) ومسلم (4/2061)].

وذكر الله تعالى يلين قلوب المؤمنين ويجعلها ساكنة مطمئنة إلى ربها، كما أنه يذكرها عظمته فتخافه، ويترتب على ذلك المسارعة بطاعته والبعد عن معصيته. قال تعالى: ((الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ، ومن يضلل فما له من هادٍ)) [الزمر: 23].

وقال تعالى: ((فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) [الحج: 34 ـ 35].

وقال تعالى: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون)) [الأنفال: 2].
وقال تعالى: ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) [الرعد: 28]

وكما حث الله تعالى على ذكره عموماً في الآيات السابقة وأمثالها مثل قوله: ((إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك..)) [آل عمران: 190 ـ191].

فإنه سبحانه قد حث على ذكره في عبادات كثيرة مثل الحج كما قال تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)) [الحج/ 27 ـ 28].

وقال تعالى: ((فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين)) [البقرة: 198]، وقال: ((فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذركم آبائكم أو أشد ذكراً)) [البقرة: 200]

ومثل الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)) [الأنفال: 45].

وذكر الله تعالى من أهم أسباب طلب مرضاة الله ومغفرته، ومن أعظم ما يدفع العبد إلى الإكثار من طاعة الله والبعد عن معصيته، ولذلك كان من أعظم العبادات تزكيةً للنفس وتطهيراً لها وعوناً عليها وعلى أعوانها.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإن وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني، قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول: ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) [البخاري رقم 6408 فتح الباري (11/208) ومسلم (4/2069)]

والذكر رافع للدرجات محَّاءٌ للخطايا، والذي ترفع درجاته وتمحى خطاياه باستمرار مفلح مزكٍ نفسه ومطهرها، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) [البخاري رقم 6405 فتح الباري (11/206) ومسلم (4/2071)].

وفي حديثه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك) [البخاري 3293 فتح الباري (6/338) ومسلم (4/2071)].

وهنالك أذكار كثيرة شرع للمؤمن المحافظة عليها، منها المطلق ومنها المقيد بعدد أو وقت أو بهما، كالذكر عند النوم والاستيقاظ منه، وأذكار الصلاة كالتكبير والتسبيح والتحميد، والذكر بعد الصلاة، أو عند دخول المسجد أو الخروج منه.

أو عند دخول المرحاض و عند الخروج منه، وعند السفر وعند الرجوع منه، وعند النزول بمكان في السفر، وعند تناول الطعام والشراب أو الفراغ منهما. وعند مباشرة الزوجة وعند دخول المنزل وركوب الدابة أو نحوها.

وفي مناسك الحج من وقت الإحرام إلى الانتهاء منه وهكذا... لو أراد الإنسان أن يجمع تلك الأذكار ويحفظها ويعمل بها لما وجد وقتاً يخلو من ذكر الله، مع أن ذلك ميسر وسهل لا يقتضي منه ترك عمله. وإذا ملّ من الذكر باللسان فإنه يستطيع أن يذكر الله في كل حين بقلبه وسلوكه.

[يرجع في هذه الأذكار إلى الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث، حيث تفرد لها أبواب خاصة، وهناك كتب عني مؤلفوها بجمع الأذكار خاصة مثل الأذكار للنووي والكلم الطيب لابن تيمية والوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم وغيرها].

والذاكر الصادق النية هو رجل الجهاد في سبيل الله.
قال ابن القيم رحمه الله: (وفي الترمذي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يقول: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قرنه") [الوابل الطيب صفحة 50].

وقد عني ابن القيم رحمه الله ببيان فوائد الذكر في كتابه المذكور، ويكفي أن تذكر منه هذه الجملة قال: (الخامسة والثلاثون أن الذكر ييسر للعبد وهو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه وفي حال نعيمه ولذته، وليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثله، حتى أنه ييسر للعبد وهو نائم على فراشه، فيسبق القائم مع الغفلة فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق على فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقة الركب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الوابل الطيب صفحة64].

وقال رحمه الله: (ومن منازل ((إياك نعبد وإياك نستعين)) منزلة الذكر، وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائماً يترددون.

والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بوراً ، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطرق، وماءهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.

وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواءها إذا غشيها اعتلالها، به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن، وتقشع الظلمة عن الأبصار، وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان.

قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين يقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسته الإنس وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه) [مدارج السالكين (2/423)].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 2:00 am


(133)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها
وذلك بالأمور الثمانية الآتية:
الأمر الأول:
محاسبتها على ما منحها الله تعالى من النعم العظيمة التي توجب عليها شكره والبعد عن معصيته. إن نعم الله سبحانه وتعالى على عبده لا يحصيها إلا هو سبحانه.

فمنه تعالى كانت نعمة خلق هذا الإنسان وإيجاده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر كما بين له طريق الخير والشر، وحثه على سلوك الأولى وحذره من الثانية. قال تعالى: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً)) [الدهر: 1ـ3].

ومنه سبحانه نعمة الرزق حيث سخر له السموات والأرض والنباتات والحيوانات في البر والبحر، ومنحه الأدوات التي تعينه على تناول ذلك الرزق ـ المنفصلة عنه كالآلات الزراعية وآلات الصيد وآلات الطهي وغيرها ـ والمتصلة به، وهي جوارحه وأجهزة جسمه كاليدين والرجلين والجهاز الهضمي والجهاز الدموي والجهاز التنفسي والجهاز الإخراجي وغيرها، كما قال تعالى: ((يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك)) [الانفطار: 6-8].

وقال تعالى: ((أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاهاً، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعاً لكم ولإنعامكم)) [النازعات: 27-33]. وقد شمل ذلك وغيره من نعم الله التي لا تحصى قوله تعالى: ((وما بكم من نعمة فمن الله..)) [النحل: 53]. وقوله: ((وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)) [إبراهيم: 34] وأعظم نعمة على الإنسان إنزال الكتب وإرسال الرسل لهدايته وبيان الهدى والضلال له ودعوته إلى الهدى وتحذيره من الضلال، كما قال تعالى: ((ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتبوا الطاغوت)) [النحل: 36].

الأمر الثاني:
تذكير النفس بأن الله تعالى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء وأن كل شيء يعمله العبد فإنه محصًى عليه مكتوبٌ يحاسب عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلى لديه رقيب عتيد)) [ق: 16 ـ 18] وقال: ((وإن عليكم لحافظين ، كراماً كاتبين ، يعلمون ما تفعلون)) [الانفطار من 10 ـ 12].

وقال تعالى يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد)) [المجادلة: 6] وقال تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)) [الزلزلة 7 ـ 8] وفي حديث جبريل المشهور: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [البخاري رقم 50 ، فتح الباري (1/114) ومسلم (1/36)].

ولهذا أمر الرسول  بتقوى الله في كل مكان لأنه تعالى حاضر: ((اتق الله حيثما كنت)) [الترمذي (4/355 ـ356) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وراجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 136)].

الأمر الثالث:
تذكير النفس بالموت، وبأهوال يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وفيه تكشف الأسرار وتوزن الأعمال، فمن غلبت حسناته فاز ونجى، ومن غلبت سيئاته خسر وندم، ولات ساعة مندم، قال تعالى: ((إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ما قدمت وأخرت)) [الانفطار: 1 ـ 5] وقال تعالى: ((فأما من ثقلت موازينه ، فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه، فأمه هاوية، وما أدراك ما هي، نار حامية)) [القارعة: 6 ـ 11].

وقال: ((فإذا جاءت الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى، فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى)) [النازعات: 34 ـ 41].

ويجب كذلك أن ينبهها من غفلتها وإعراضها ولعبها ولهوها وظلمها، بأن قيام الساعة كذلك قريب وهو أمر يجب أن يعد له العدة، كما قال تعالى: ((اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا…)) [الأنبياء: 1 ـ 3 ].

وعليه أن يصف لها أهوال هذا اليوم فيطلعها على مثل قوله تعالى: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد)) [الحج: 1 ـ 2 ].

وعليه دائماً أن يوقظها من غفلتها بأن الموت على الرقاب فيجب أن يعد له العدة قبل أن يدهمه وهو على سخط الله تعالى، وقد أعذر الله إليها بما أعطاها من الفسحة في العمر كما قال تعالى: ((أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءكم النذير)) [فاطر: 37]. وقال تعالى: ((وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)) [الأنبياء: 34 ـ 35].

وقال: ((ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر)) [التكاثر: 1ـ2]. وبقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف إذنيه) [البخاري رقم 4937 ، فتح الباري (8/696) ومسلم (4/2195)]. وقوله في حديث أبي هريرة: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم) [البخاري رقم 6532 فتح الباري (11/392) ومسلم (4/3196)].

وكذلك يذكرها بالقبر ووحشته وعذابه الذي لا ينجو منه إلا صاحب العمل الصالح، ويذكر لها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ـ لمحمد صلى الله عليه وسلم ـ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً) [البخاري رقم 1374 ، فتح الباري (3/232) ومسلم (4/2200)].

وهذا يدعو المؤمن أن يذهب بنفسه إلى القبور فيزورها ليتذكر الحياة وابتلاءه فيها والموت وما بعده، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) [مسلم (2/672)] وفي رواية في غير مسلم: (فإن زيارتها تذكرة) [أبو داود (3/557)] وفي رواية: (فزوروا القبور فإنها تذكم بالموت) [أبو داود (3/557)].

(134)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها

الأمر الرابع: توجيه النفس إلى الاقتداء بأهل القدوة الحسنة:
وهم أصحاب السمو والرفعة الذين ارتفعت نفوسهم عن كل ما يخالف أمر الله من شهوات الدنيا وسفاسفها وملذاتها، حباً لله وطمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه. حتى يكون ممن تشمله رحمة الله ومغفرته، إذ يحقق بذلك محبة الله ومحبة رسوله وعباده الصالحين، والمرء مع من أحب، فإن أحب أهل الكفر والفسوق والعصيان فهو معهم في الدنيا والآخرة، وإن أحب أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين كان معهم في الدنيا والآخرة.

ألا ترى أن المسلم يجب أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة يصليها لله فرضاً كانت أو نفلاً. وهو يدعو فيها بهذا الدعاء: ((اهدنا السراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين…)) [الفاتحة: 6] فمن هدي إلى صراط الله المستقيم مع المنعم عليهم، كان معهم يوم القيامة حيث يمر على الصراط مثلهم أو قريباً منهم، ومن ترك هذا السبيل واتبع سبلاً أخرى متفرقة، كان مع أهل تلك ا لسبل، وهم المغضوب عليهم والضالون.

وتذكير النفس بهذا الأمر من أعظم الدواعي لتزكيتها وتطهيرها وإعدادها للجهاد في سبيل الله.
قال ابن تيمية رحمه الله:
ومن هذا الباب ـ أي مما تستلزمه محبة الله ورسوله ـ ما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود وأبي موسى وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء مع من أحب) [مسلم (4/232) وما بعدها]. وفي رواية أنه سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ـ أي ولما يعمل بأعمالهم ـ فقال: (المرء مع من أحب).

قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث، فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن يجعلني الله معهم وإن لم أعمل عملهم.

وهذا الحديث حق، فإن كون المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك، وكونه معه هو على محبته إياه، فإن كانت المحبة متوسطة أو قريباً من ذلك كان معه بحسب ذلك، وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك، والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادراً عليها، فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك، وإن كانت موجودة.

وحب النبي وإرادته يستلزم بغض ضده وكراهته، مع العلم بالمضاد، ولهذا قال تعالى: ((لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)) والموادة من أعمال القلوب. [مجموع الفتاوى: (10/752) والآية في سورة المجادلة: 22].

وليذكر المسلم نفسه بقصة يوسف عليه السلام التي يتضح بها التطبيق العملي لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب). فقد توافرت كل دواعي الإغراء والترغيب لوقوعه في معصية الله، ثم كل وسائل التهديد والترهيب.

ومع ذلك كان مع من أحب وهو الله سبحانه وتعالى ـ فلم تستهوه دواعي الإغراء والترغيب، ولم تخضعه وسائل التهديد والترهيب، بل لجأ إلى ربه مستغيثاً به فأغاثه قال: ((رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم)) [يوسف: 33 ـ 34].

ولا يقال إن هذه المنزلة لا يبلغها إلا الأنبياء لأنهم معصومون، فإن الذي يقتدي بالأنبياء في مجاهدة نفسه وصبره ودعاء ربه واستعانته به يوفقه الله ويعينه، ويحول بينه وبين معصية الله وييسر له تزكية نفسه. وفي هذا تذكر قصة الثلاثة أهل الغار الذين فرج الله عنهم بتوسلهم إليه بأحسن أعمالهم التي تقربوا بها إليه مخلصين.

ومنهم ذلك الرجل الذي اجتهد في الوقوع في المعصية حتى تمكن منها فلما ذُكِّر بالله ذَكَر وخاف وترك لله : (وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال ففرج عنهم الثلثين) [البخاري رقم 2215 ، فتح الباري (4/408) ومسلم (4/2099)].
فليقتد المؤمن في مجاهدة نفسه بعباد الله الصالحين حتى يكون في ركبهم.

(135)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها

الأمر الخامس: تذكير النفس بمعنى الحرية الحقة ومعنى الرق والعبودية المذلين.

لأن النفس دائماً تحب أن تنطلق في ميادين شهواتها، وتكره أن يقيدها أحد عن تلك الشهوات ـ مهما كانت ـ وتظن أن في ذلك حريتها، وأن في تقييدها عبودية وخضوعاً لمن يقيدها عن شهواتها، وهي لا تريد الخضوع لأحد، وإنما تريد الحرية الكاملة، ولم يمر زمان من الأزمان ـ فيما يظهر اشتهر فيه النداء بالحرية، وإن كان الناس ينطلقون في كل الأزمنة وراء شهواتهم كما يشاءون، وذلك يكثر ويقل حسب تربية الناس وتوجيه قادتهم ـ لم يمر زمان مثل هذا الزمان انتشرت فيه الدعوة إلى الحرية ـ بهذا اللفظ ـ

والسبب في ذلك أن أعداء الله ممن يحبون إشاعة الفاحشة وتدنيس النفوس وبعدها عن الله تعالى، فسروا لها الحرية بعكس معناها والعبودية ـ كذلك ـ بعكس معناها، وعندما يسوء الإدراك والتصور يسوء السلوك والتصرف.

ففسر أعداء الله الحرية بأنها الانطلاق الكامل من كل قيد ـ حتى ولو كان هذا القيد صادراً من خالق السموات والأرض ـ وبنوا على ذلك بأن للإنسان أن يغشى كل ما تشتهيه نفسه وتهواه مالاً أو جنساً، أو منصباً أو غير ذلك، وله أن يدوس على حريات الناس كلهم ما دام يستطيع الوصول إلى بغيته وكل واحد عليه أن يباري غيره فمن عزَّ بزَّ ومن غلب استلب، وتسمية الأشياء بغير أسمائها للتضليل ليست جديدة، وإن اختلفت أساليبها ووسائلها.

ألا ترى هذه العبارة الخبيثة التي أطلقها إبليس لإغراء آدم وتحريضه على معصية الله ((فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)) [طه: 120] وعلى الرغم من ترغيب الله وتحذيره لآدم فإن قلب الحقائق عمل فيه عمله: ((وعصى آدم ربه فغوى)) [طه: 121].

ولقد كذب عدو الله ـ الشيطان ـ وكذب أتباعه الكفرة الفجرة، فليس ما زعموه حرية بحرية، بل إنه الرق لا لجهة واحدة، بل لجهات لا تحصى ولا تعد إلا إذا أحصيت شهوات النفس وملذاتها التي يشتهيها ويهواها البشر، ومن يستطيع أن يحصي ذلك غير الخالق؟

فإن الإنسان لا يهوى شيئاً من الملذات، جنساً أو مالاً أو جاهاً أو غيرها، إلا ريثما يمله ويهوى غيره من جنسه، وهكذا يظل طول عمره وهو يهوى شيئاً ويمله، ويهوى غيره ويمله، فتبقى نفسه في طمع وهلع، طمع في ما تهوى ولم تحصل عليه، وهلع من مفارقة ما حصلت عليه أن يذهب من بين يديها.

والذي يهواه الإنسان يهواه غيره فينافسه فيه، وقد يرغب في شيء ويكره الآخر حصول ذلك الراغب عليه، فيقف ضده ويحول بينه وبينه، والنفس في كل ذلك أسيرة رقيقة لتلك الأشياء كلها حصلت عليها أو لم تحصل.

والحرية الحقة إنما هي حرية من حقق عبوديته لله وحده، فأطاعه في أوامره وازدجر عن نواهيه، ولو كره الناس منه طاعة ربه وازدجاره عن معاصيه، بل ولو كرهت نفسه ذلك.

عندئذٍ فقط يكون حراً لا تخضع نفسه لمال ولا لجنس ولا لمنصب أو جاه، ولا لشيء إلا لله الخالق الذي لا يستحق أحد غيره الخضوع المطلق والحب المطلق والطاعة المطلقة، وها هو القرآن كلام الله يصور ذ لك أبين تصوير ويوضحه أعظم توضيح.

قال تعالى: ((ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل له يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون)) [الزمر: 29] كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرق والأسر أن تصير النفس مستعبدة للملذات والشهوات كما قال: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم) [البخاري رقم 2887 فتح الباري (6/81)].

واقرأ هذه الجمل لأحد عمالقة الحرية، وهو يبين معناها ومعنى الأسر والرق بياناً شافياً وهو ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قال: "فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.

فإن المسلم لو أسره كافر واسترقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله فهذا يضره ولو كان في الظاهر ملك الناس.

فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس) [البخاري (6446) فتح الباري (11/271) ومسلم (2/726)]. وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة.

فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يدانى فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً، فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنباً، ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه" انتهى كلام ابن تيمية من[مجموع الفتاوى:(10/186)].

فالذي يسترق قلبه لغير الله، بل قل الذي لا تخلص عبوديته لله يكثر أسياده الذين يتشاكسون فيه، ويصير كل واحد منهم يأمره بتنفيذ ما ينهاه عنه الآخر، فهل تراه قادراً على تنفيذ أمر وضده في وقت واحد.

ولقد تعمق ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في معنى الحرية والعبودية فأبان أن قادة الشعوب الذين لا يتمتعون بالحرية الحقيقية هم عبيد لعبيدهم وخدمهم، فقال ـ رحمه الله ـ:

"وكذلك طالب الرياسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عنهم ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم، والتحقيق أن كلاهما ـ كذا ـ فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله. وإن كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه يستعبده الآخر" [الفتاوى (10/189)].

وإن مجاهدة الإنسان نفسه على إدراك هذا المعنى للحرية والعبودية معينة له عليها، في خضم جموع البشرية الضالة المضلة، واقرأ هذه القطعة التالية لأحد عمالقة الحرية في هذا العصر، وهو سيد قطب ـ رحمه الله ـ قال:

"ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة، ويمضي مع نزواته الخليعة، ويلصق بالوحل والطين حاسباً أنه يستمتع وينطلق من الأغلال والقيود، وتعز في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة وكل طيبة حلال، ولا يبقى إلا الْمَشْرَع الآسن وإلا الوحل والطين، وينظر المؤمن مِن علٍ إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين، وهو مفرد وحيد، فلا يهم ولا يحزن ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر وينغمس في الحمأة وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين" [معالم في الطريق صفحة 165].

وبين في كتابه القيم (في ظلال القرآن) أن الذي ينحل من عبوديته لله يقع في أحط أنواع العبوديات المتعددة لغير الله، فقال: "إن العبودية لله وحده هي العاصم للعبودية من الهوى والعاصم من العبودية للعباد، وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه.

إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله وحده، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى، يقعون من فورهم عبيداً لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم، فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع الإنسان من بين سائر الأنواع، وينحدرون في سلم الدواب، فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين، بعد أن كانوا، كما خلقهم الله، في أحسن تقويم" [في ظلال القرآن (10/1521)].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: الجهاد في سبيل الله   الخميس فبراير 22, 2018 2:02 am


(136)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها
الأمر السادس: غرس حب الله وخوفه في النفس:
الذي لا يحب الله مطلقاً ليس بمؤمن، لأن المؤمن لا بد أن يحب الله، كما يحبه الله.
قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه )) [المائدة: 54].
والمؤمن يحب ما يحبه الله ورأسه الإيمان، ويبغض ما يبغضه الله ورأسه الكفر، كما قال تعالى: (( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان )) [ الحجرات: 7 ].
بخلاف الكافر فإنه يحب ما يبغضه الله، ويبغض ما يحبه الله، قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن اسحبوا الكفر على الإيمان )) [التوبة: 23].

وقال تعالى: (( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى )) [فصلت:17].
وقد يحب الكافر ربه كما يحب غير ربه، ولكنها ليست المحبة المقصودة هنا، لأن هذه المحبة محبة شركية، مثل أن يصلي إنسان لله ويصلي للوثن وهكذا..

وإنما المقصود العبودية، التي تقتضي الذل الكامل والخضوع المطلق والطاعة التامة للمحبوب، والمؤمن الذي يذكر نعم الله عليه وأعظمها هدايته للإسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه، يجب أن يجتهد ويبذل كل ما في وسعه أن يكون الله تعالى أحب إليه من كل شئ، وإلا كان في إيمانه دخن.

ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) [البخاري رقم16 فتح الباري (1/60) ومسلم (1/66)].

وكل من يحبه الله، مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يحبه الله، مثل الإيمان، فمحبته تابعة لمحبة الله سبحانه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس أيضاً: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) [البخاري رقم15 فتح الباري (1/58) ومسلم (1/67)] لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى الله من الناس أجمعين.

قال ابن القيم: مقام حب الله:
وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركاً لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلاً، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها. كما قال تعالى: (( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ، والذين آمنوا أشد حباً لله )) [البقرة: 165].

وأصح القولين أن المعنى يحبونهم كما يحبون الله. وسووا بين الله وبين أندادهم في الحب، ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: (( والذين آمنوا أشد حباً لله )) فإن الذين آمنوا أخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره. وأما المشركون فلم يخلصوه لله.

والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة، وهي أول دعوة الرسل وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة، اعترافه وإقراره بهذه المحبة وإفراد الرب بها، فهو أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله.

وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكمليها، وتحصينها من الشوائب والعلل، فهي قطب رحا السعادة، وروح الإيمان وساق شجرة الإسلام، ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد، فالكتاب هادٍ إليها ودال عليها، ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها وأشرك فيها، مع الله غيره، ولأجلها خلقت الجنة والنار.

فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، فأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله، كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون في النار لآلهتهم (( تالله إن كنا لفي ضلال مبين ، إذ نسويكم برب العالمين )) [الشعراء: 97ـ98 ، طريق الهجرتين ص225].

وغرس محبة الله تعالى في القلب بهذا المفهوم الشامل الذي وضحه ابن القيم ـ إذ يعني العبادة بأكملها ـ يثمر في العبد الذي يجاهد نفسه على محبة الله أن يستجيب لكل أوامر الله فيمتثلها، ولكل نواهي الله فيجتنبها، فلا يراه تاركاً طاعة ولا آتياً معصيته، لأن تمكن محبة الله من القلب يأبى على صاحبه أن يدع ما يحبه الله، أو يقدم على فعل ما لا يحبه الله، ولهذا كان دليل محبة الله طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم )) [آل عمران: 31].

قال ابن كثير:
"هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ولهذا قال: (( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول". [تفسير القرآن العظيم (1/358)].

وقال سيد قطب في ظلال هذه الآية:
"إن حب الله ليس دعوى باللسان، ولا هياماً بالوجدان؛ إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول صلى الله عليه وسلم والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة، وأن الإيمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام، ولكنه طاعة الله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم". [في ظلال القرآن (3/378)].

فوصول العبد بنفسه إلى تقديم محبة الله على محبة غيره مهما كان ذلك الغير، من أعظم ما يطوع النفس لخالقها سبحانه ويزكيها ويجعلها مهاجرة إليه سبحانه، في جميع أوقاتها، وعلى قدر كمال المحبة لله ونقصها تكون طاعته تعالى وموافقته في محبوباته.

قال ابن القيم:
"وكلما كانت المحبة أقوى، كانت الموافقة أتم، قال الله تعالى: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) قال الحسن: قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية". [طريق الهجرتين: 535ـ536].

ولا بد ـ مع محبة الله تعالى ـ من تمرين النفس على الخوف منه وحده، وليس المراد الخوف الطبيعي، كالخوف من السبع ونحوه، إنما المقصود خوف العبودية، خوف الخضوع الكامل، والذل المطلق، من جبار السموات والأرض، الذي إذا أراد شيئاً كان، وهذا الخوف يجلبه تأمل المسلم في أسماء الله وصفاته، وآثارها في الكون في الدنيا، ثم في الآخرة.

فمثلاً إذا تأمل المسلم اسمه "القدير" في مثل قوله تعالى: (( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير )) [البقرة: 20] وهي واردة في المنافقين يمتليء قلبه خوفاً ورعباً من الله سبحانه وتعالى، الذي ليس قديراً فقط على إذهاب ما أنعم به على الإنسان من نعم، كالسمع والبصر، بل إنه على كل شئ قدير.

كذلك إذا تأمل نفس الاسم في سياق تهديد أعداء الله، الذين يسعون جادين في الإضرار بأوليائه، حتى إنهم ليكرسون جهودهم متمنين أن يحرموهم أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم وهي نعمة الإسلام، كما قال تعالى: (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير )) [البقرة: 109]. إذا تأمل الإنسان ذلك يرتجف قلبه من خشية الله وخوفه سبحانه.

وتأمل قوله تعالى: (( ولكل وجهة هو موليها ، فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً، إن الله على كل شيء قدير.. )) [البقرة: 148]. ترى من غير الله القدير يجرؤ أن يقول لخصمه، أو لمن يريد أن يهدده هذه العبارة؟ إلا إذا كان أعمى البصيرة قابلاً لأن يكون محل سخرية الناس. فكيف إذا اجتمع مع هذا الاسم العظيم اسم العليم في مثل قوله تعالى: (( يخلق ما يشاء وهو العليم القدير )) [الروم: 54].

كذلك إذا تأمل المسلم اسمه الملك واسمه المهيمن واسمه العزيز، واسمه الجبار واسمه المتكبر عظم في نفسه خوف الله تعالى: (( هو الله الذي لا إله إلا هو، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون )) [الحشر: 23].
واقرأ هذه الآية بتدبر وتأمل، ثم سل قلبك عما اعتراه.. (( إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام )) [آل عمران: 4].
فإذا لم يهتز اهتزازاً فاقرأ عليه الآية التي تليها.. وهي قوله: (( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء )) [آل عمران: 5].
وكذلك قوله تعالى: (( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمون منتقمون )) [السجدة: 22].

وعلامة خوف الله سبحانه، أن يذكره العبد في الوقت الذي تحدثه نفسه بارتكاب ما نهى الله عنه وليس عنده غير الله تعالى، فيقلع عن ذلك خوفاً منه، قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم )) [المائدة:94].

ولما كان الملائكة يخافون الله تعالى خوفاً تاماً لا نقص فيه، كان أثر ذلك أن يطيعوه طاعة تامة ولا يعصونه مطلقاً، قال تعالى: (( ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون )) [النحل: 49ـ50]. وقال: (( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون )) [التحريم:6].

ونهى الله تعالى المؤمنين أن يستجيبوا لتخويف أعداء الله عندما يخوفهم الشيطان، وأمرهم بخوفه وحده، لأن ذلك هو مقتضى الإيمان، فقال تعالى: (( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )) [آل عمران: 175].

والذي يخاف الله في الدنيا يأمن في الآخرة جزاءاً وفاقاً: (( إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً )) [الدهر:10ـ11].

ومن خوف الله خوف عذابه الذي لا يقدر على مثله المخلوقون: (( فيومئذٍ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد )) [الفجر: 25ـ36].

قال ابن القيم رحمه الله:
"وقد أمر الله سبحانه بالخوف منه في قوله: (( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )) [آل عمران: 175] فجعل الخوف منه شرطاً في تحقق الإيمان ـ إلى أن قال ـ والمعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني" [طريق الهجرتين: 502].

فخوف الله تعالى من أعظم الأمور التي تحول بين النفس ومعصية الله سبحانه، وتعين المؤمن على جهاد نفسه وتزكيتها وتطهيرها، وخشية الله وقاية للمسلم من دخول النار، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) قال الترمذي: "هذا حديث صحيح" [سنن الترمذي: رقم الحديث 2413 ، تحفة الأحوذي (6/600)].

وها هو هذا الرجل يسيء الظن بعمله، ويسيء الفهم في قدرة الله عليه، فيلقى ربه فيسأله عما حمله على فعله فيجيب: أن الحامل له مخافة الله، فينال مغفرته سبحانه، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني ما عذاباً ما عذب به أحداً، قال ففعلوا ذلك، فقال للأرض: أدي ما أخذت فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال مخافتك، فغفر له بذلك ) [صحيح مسلم (4/2110) النسائي (4/91) وانظر صحيح البخاري رقم الحديث 3478 فتح الباري (6/514)].

ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب [الترمذي: تحفة الأحوذي (9/475) وقال الشارح: وأخرجه النسائي والحاكم، وقال صحيح على شرط البخاري]. وقال الشارح: المباركفوري ـ : وأخرجه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري.

فإذا جاهد المؤمن نفسه على محبة الله المحبة الحقة، وعلى خوفه الخوف المطلق، فإنه بذلك يحول بين نفسه وبين شهواتها الموبقة، ويرغمها على طاعة الله سبحانه، وينتصر عليها وعلى أعوانها، بل ستصبح نفساً مطمئنةً بإذن الله.

(137)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها
الأمر السابع: التوبة إلى الله تعالى.
ومن أعظم الأمور التي تزكى بها النفس وتطهر، حملها على ترك الذنب والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الإنسان بشر والبشر يخطئ ويصيب ويطيع ويعصي، وليس العيب في الخطأ والمعصية مع التوبة، وإنما العيب في الاستمرار على المعصية، فقد أذنب آدم عندما عصى ربه فأكل من الشجرة ولكنه تاب، فتاب الله عليه وغفر له، وأذنب إبليس عندما امتنع من السجود لآدم، وقد أمره الله به ولم يتب إلى الله، فلعنه الله وأبعده من رحمته، وأطال عمره ليتحمل أوزاره وأوزار من يضلهم، إلى يوم القيامة.

والتوبة من الذنوب واجبة، أمر الله بها في كتابه، فقال: (( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )) [النور: 31].

ويجب أن تكون التوبة خالصة لله تعالى، متضمنة الرجوع الصادق إلى الله  قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا توبوا الله توبة نصوحا )) [التحريم: 8].

وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان هو صلى الله عليه وسلم يداوم عليها، ففي حديث الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة ) [مسلم (4/2075)].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) [البخاري رقم 6307، فتح الباري (11/101)].

وباب التوبة مفتوح، فلا يقنط العاصي من التوبة، ما لم تظهر علامات الساعة القريبة من وقوعها، كطلوع الشمس من مغربها، وما لم يستيقن الموت كأن يغرغر، كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) [مسلم (4/2113)].

وفي حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) [الترمذي رقم 3603، تحفة الأحوذي (9/521) وقال الترمذي حديث حسن غريب].

والتوبة النصوح هي ما توافرت شروطها التي ذكرها العلماء، قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية، والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي، فشروطها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ من حق صاحبها) [رياض الصالحين: 10].

وتوبة العبد يفرح بها ربه لرحمته إياه، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم، سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ) [مسلم: 4/2105].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد فرحه ويعظم سروره لتوبة بعض أصحابه، كما في قصة كعب عندما نزلت توبة الله عليه، قال رضي الله عنه: (فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو يبرق وجهه من السرور، ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك من يوم ولدتك أمك ) [مسلم (4/2120) وما بعدها].

وهكذا كان أصحابه رضي الله عنهم يفرح بعضهم بتوبة الله على بعض، وفي قصة كعب قال: " فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله  علينا حيث صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا ).

وكان التائب منهم يفرح بتوبة الله عليه فرحاً لا يعدله فرح في الدنيا، ويدلل على صدق توبته بعمله، فهذا كعب يقول: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، ويقول: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، ويقول: والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي". [كل النصوص التي أشير إليها من حديث كعب تراجع في مسلم (4/2120) رقم الحديث 2769].

فإذا ذَكَّر المسلم نفسَه بوجوب التوبة من الذنب، فعلاً كان أو تركاً، وإذا ذكرها بفرح الله بتوبتها وبفرح رسوله صلى الله عليه وسلم، وبفرح عباد الله الصالحين، فإن ذلك يكون من دواعي رجوعها إلى الله وتزكيتها بالتوبة إليه سبحانه.

قد يكون التائب من الذنب أكثر حذراً من الوقوع فيه مرة أخرى، لأنه قد ذاق مرارته بالوقوع فيه، وذاق حلاوة التوبة إلى الله بالبعد عن معصيته، كما أنه يحرص على الفضل العظيم الذي منى الله به عليه، ومنه كون الله يبدل سيئاته حسنات.

قال ابن تيمية رحمه الله:
" فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل الله سيئاته حسنات، انقلب ما كان يضره من السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه الله بها، فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له، بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له، والاعتبار بكمال النهاية، لا بنقص البداية… والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه، ليحصل له بذلك من تكميل العبودية والتضرع والخشوع والإنابة إليه، وكمال الحذر في المستقبل والاجتهاد في العبادة، ما لم يحصل بدون التوبة، كمن ذاق الجوع والعطش والمرض والفقر، ثم ذاق الشبع والري والعافية والغنى والأمن، فإنه يحصل له من المحبة لذلك وحلاوته ولذته، والرغبة فيه وشكر نعمة الله عليه والحذر أن يقع فيما حصل أو لا، ما لم يحصل بدون ذلك.. وينبغي أن يعرف أن التوبة لا بد منها لكل مؤمن، ولا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله، ويزول عنه كل ما يكره إلا بها". [مجموع الفتاوى (15/55)].

(138)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها
الأمر الثامن: واجب الأمة في محاسبة النفس عن طريق الحسبة والعقوبات الشرعية:
( 1 ) الحسبة:
كل ما مضى من مجاهدة النفس يتعلق بالإنسان نفسه، وهو الذي يجاهدها ويحاسبها، ويخالفها حتى يطوعها لربها ، ولكن مجاهدة النفس ليست من واجب الأفراد فحسب، بل هي من واجب المجتمع أيضاً، لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ومن مستلزمات هذه الولاية، التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا فلاح للأمة بدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إذا فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقق فيهم الخسران في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم )) [التوبة: 71].

وقال تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون )) [آل عمران: 104].

وقال تعالى: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )) [آل عمران: 110].

وقال تعالى: (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) [المائدة: 2].

وقال تعالى: (( والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )) [العصر].

ومن أعظم الأحاديث النبوية الزاجرة للأمة الإسلامية عن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدالة على أنه لا عافية ولا نجاة بدونهما، بل يكون بفقدهما هلاك الأمة كلها، حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهـما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبناً خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ) [البخاري رقم الحديث 2493 ، فتح الباري (5/132) ].
ترى هل يقدر المسلمون الآن أن يحصوا خروق سفينتهم؟!

( 2 ) العقوبات الشرعية: (الحدود والتعزيرات).
إذا قصر الفرد المسلم في حق نفسه فلم يجاهدها على فعل طاعة الله، وعلى ترك معصيته، وإذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فأصر على عناده وتمادى في طغيانه، فإنه يجب هنا أن يؤخذ على يديه من قبل السلطة أو الحكومة الإسلامية، فتنفذ فيه أحكام الله سبحانه وتعالى.

فإن أرتكب معصية فيها عقوبة محددة في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالسرقة والزنا، والقتل ونحوها، أقيم عليه ما قدره الله من العقوبات، ليكف ويتوب ويرتدع غيره ممن تسول له نفسه أن يفعل كفعله، فإن لم يكن الذنب الذي ارتكبه قد حددت له عقوبة مقدرة، فإن في باب التعزير مجالاً لردع الآثم المذنب.

إن إقامة الحدود والتعزيرات من أعظم الوسائل الرادعة للعصاة عن الاستمرار في جرائمهم، التي إذا تركوا وشأنهم فيها انتشرت فواحشهم في المجتمع، وصعب بعد ذلك إقلاعه عنها أو متابعته من قبل الحكومة.

وقد كانت الجرائم في المجتمع الإسلامي في عصوره الأولى نادرة، بسبب التربية النبوية وإقامة حدود الله الشرعية، وكلما كانت العقوبات الشرعية قائمة في بلد ما، قلت فيه الجرائم، وكلما كانت مهملة معطلة، كثرت في البلد الذي تهمل فيه وتعطل الجرائم، والرحمة كل الرحمة في إقامة شرع الله، لا في التساهل والتهاون فيه.

قال ابن تيمية رحمه الله:
"وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية كلها أدوية، نافعة يصلح الله بها مرضى القلوب، وهي من رحمة الله بعباده ورأفته بهم، الداخلة في قوله تعالى: (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ))، فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير، إذ هو في ذلك جاهل أحمق، كما يفعله بعض النساء والرجال والجهال بمرضاهم، وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر، ويتركونه من الخير رأفة بهم، فيكون ذلك سبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم". [الفتاوى (15/290)، الآية من سورة الأنبياء: 107].

وقال الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله:
"تعتبر الشريعة الأخلاق الفاضلة، أولى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع، ولهذا فهي تحرص على حماية الأخلاق، بحيث تكاد تعاقب على كل الأفعال التي تمس الأخلاق، أما القوانين الوضعية فتكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تاماً ـ إلى أن قال: ـ والعلة في اهتمام الشريعة بالأخلاق على هذا الوجه، أن الشريعة تقوم على الدين، وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحث على الفضائل، ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيِّرة.

ولما كان الدين لا يقبل التغيير والتبديل، ولا الزيادة ولا النقص، فمعنى ذلك أن الشريعة ستظل ما بقي الدين الإسلامي حريصة على حماية الأخلاق، آخذة بالشدة من يحاول العبث بها.

والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق، أن هذه القوانين لا تقوم على أساس من الدين، وإنما تقوم على أساس الواقع وما تعارف الناس عليه من عادات وتقاليد، والقواعد القانونية الوضعية يضعها الأفراد الظاهرون في المجتمع بالاشتراك مع الحكام، وهم يتأثرون حين وضعها بأهوائهم وضعفهم البشري، ونزعاتهم الطبيعية إلى التحلل من القيود.

كذلك فإن هذه القواعد قابلة للتغيير والتبديل بحسب أهواء القائمين على أمر الجماعة، فكان من الطبيعي أن تهمل القوانين الوضعية المسائل الأخلاقية شيئاً فشيئاً، وأن يأتي وقت تصبح فيه الإباحية هي القاعدة، والأخلاق الفاضلة هي الاستثناء، ولعل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية قد وصلت إلى هذا الحد الآن.

ويترتب على هذا الفرق بين الشريعة والقوانين الوضعية، أن يزيد عدد الأفعال التي تُكَوِّنُ الجرائم الأخلاقية ويتسع مداها في البلاد التي تطبق الشرعية، وأن يرتفع مستوى الأخلاق والقيم الروحية إلى أعلى درجات في هذه البلاد، أما البلاد التي تطبق القوانين، فإن مستوى الأخلاق فيها ينحط إلى أدنى دركاته، وترتفع القيم المادية، بينما تنحط القيم الروحية وتتفشى الإباحية البهيمية وتنكمش الإنسانية، وتقل الأفعال التي تعتبر جرائم أخلاقية حتى لتكاد تنعدم، [التشريع الجنائي الإسلامي (1/70ـ71)].

وإهمال إقامة العقوبات على مستحقيها، يعمق كثرة الجرائم واستحسانها، وينغص على الناس حياتهم، ويقلق مجتمعهم، ويسبب الفوضى والاضطراب، ويقضي على الأمن بكل أنواعه: الأمن على المال، والأمن على الأرواح والدماء، والأمن على الأعراض والحرم، وإقامة العقوبات تحول بين المجتمع وكل ما ذكر من الشر والفساد.

وتأمل هذه الجمل من الأستاذ القانوني الكبير عبد القادر عودة رحمه الله:
"ولقد كان الحجاز في يوم مضرب الأمثال في اختلال الأمن والنظام، والجرأة على ارتكاب الجرائم وترويع الآمنين والحجاج، والمسافرين، وقطع الطريق عليهم، لنهب مالهم ومتاعهم، ولعل الحالة الاقتصادية والاجتماعية في الحجاز الآن ـ لعله يقصد الأيام الأولى من حكم الملك عبد العزيز ـ ليست خيراً منها يوم كان الفساد مستشرياً في الحجاز، والفرق بين الحجاز قديماً وحديثاً هو نفس الفرق بين مصر والحجاز اليوم، هو وجود العقوبة الرادعة في الحجاز الآن وانعدامها قديماً، وهو انعدام هذه العقوبة في مصر اليوم، وهذه العقوبة الرادعة هي التي وطدت الأمن في الحجاز، وقضت على السلب والنهب وقطع الطريق، وجعلت الأمن فيه مضرب الأمثال، فلا يسقط من مسافر شئ إلا وجده في دار الشرطة، ولا يضيع لأحد شئ إلا رد عليه حيث كان، ولو لم يبلغ بضياعه، ما دام مع المال ما يدل على اسم صاحبه". [التشريع الجنائي الإسلامي (1/740)].

وبهذا نكتفي في جهاد النفس البشرية، وهو كما ترى لو طبقه الإنسان على نفسه، فجاهدها في الله حق الجهاد، وحملها على طاعته سبحانه بما مضى في هذا البحث، وتعاون المسلمون فيما بينهم فأتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وأقام حكام المسلمين شرع الله في رعيتهم فطبقوا الحدود الشرعية والعقوبات الزاجرة ـ لو تم ذلك ـ لعادت البشرية إلى الله سبحانه وتطهرت النفوس من أدرانها، واتجهت شاكرة إلى بارئها.

(139)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها
المبحث الثاني: جهاد الشيطان

وفيه فرعان:
الفرع الأول: بيان خطره على النفس.
الفرع الثاني: وسائل مجاهدته.

الفرع الأول: بيان خطر الشيطان على النفس:
خطر الشيطان له جوانب كثيرة عني بها القرآن الكريم عناية فائقة، وكذلك السنة النبوية، وعلماء المسلمين والفقهاء في دين الله من الكتاب والسنة، وعداؤه للإنسان قديم، إذ لم يوجد الإنسان إلا كان الشيطان بجانبه، يحسده على الخير الذي آتاه الله، ويدبر له المؤامرات ويكيد له المكائد ويغريه بالمعاصي، ويزين له الابتعاد عن طاعة الله ورضاه.

والشيطان يزهو بعنصره الذي خلقه الله منه على عنصر الإنسان، وهو مصر على مواصلة العداء والإضلال، وهو ملازم للإنسان ملازمة مستمرة، في كل مكان وزمان، وله أساليب متنوعة في الإضلال، الإغراء وقلب الحقائق حتى يُرى الإنسانَ الحق باطلا والباطلَ حقاً، ويتخذ أنواعا من التهديد والتخويف االتي يرعب بها الإنسان، ليثنيه عن طاعة الله، ويوقعه في معصيته. إنه الشيطان!

وهذه أمثلة من النصوص التي توضح خطر الشيطان على الإنسان:
قال تعالى: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى(118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124)قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)) (126) [طه]

فأنت ترى إبليس عصى أمر ربه، وأن الله حذر آدم زوجه منه لأنه عد