القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز

القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز كنز ورسالة لمنهج حياة للعالم الإسلامي اجمع
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 موسوعة الأخلاق" المحمودة"

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:42 am

۞بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ۞
۞ٱلْسَلآمّ ٍعَلْيّكَمُ وٍرٍحَمُةٌ اللَّــْـْہ ۆبُركَاته۞
۞أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من ♥️هَمْزِهِ، ♥️ونَفْثِهِ،♥️ونَفْخِهِ۞
۞الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ۞
۞أَشْهَدُ أَنّ لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله ♥️وأَشْهَدُ ان محمداً رسول الله۞
۞تحية من عند الله طيبة مباركة۞



موسوعة الاخلاق الأخلاق المحمودة
" الإحســـــان "

(الإحْسَان نوعان) :
- إحسان في عبادة الخالق : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وهو الجِدُّ في القيام بحقوق الله على وجه النُّصح، والتَّكميل لها .
- وإحسانٌ في حقوق الخَلْق... هو بذل جميع المنافع مِن أي نوعٍ كان، لأي مخلوق يكون، ولكنَّه يتفاوت بتفاوت المحْسَن إليهم، وحقِّهم ومقامهم، وبحسب الإحْسَان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحْسِن وإخلاصه، والسَّبب الدَّاعي له إلى ذلك (بهجة قلوب الأبرار للسعدى) .
وقال الراغب : الإحسان على وجهين : أحدهما : الإنعام على الغير، والثاني : إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا (المفردات) .

أولًا : في القرآن الكريم  :
- قال سبحانه : " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " [النَّحل:90] .
قال السعدي : (الإحْسَان فضيلة مستحبٌّ، وذلك كنفع النَّاس بالمال والبدن والعِلْم، وغير ذلك مِن أنواع النَّفع حتى إنَّه يدخل فيه الإحْسَان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره) [تيسير الكريم الرحمن] .
- وقال تعالى : " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ " [البقرة: 83] .
أي : (أحسنوا بالوالدين إحسانًا، وهذا يعمُّ كلَّ إحسان قولي وفعلي ممَّا هو إحسان إليهم، وفيه النَّهي عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدم الإحْسَان والإساءة؛ لأنَّ الواجب الإحْسَان، والأمر بالشَّيء نهيٌ عن ضِدِّه .
وللإحْسَان ضِدَّان : الإساءة، وهي أعظم جرمًا، وترك الإحْسَان بدون إساءة، وهذا محرَّم، لكن لا يجب أن يلحق بالأوَّل، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، وتفاصيل الإحْسَان لا تنحصر بالعَدِّ، بل تكون بالحَدِّ .
ثمَّ أمر بالإحْسَان إلى النَّاس عمومًا فقال : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً، ومِن القول الحَسَن : أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العِلْم، وبذل السَّلام، والبشاشة وغير ذلك مِن كلِّ كلام طيِّب .
ولـمَّا كان الإنسان لا يسع النَّاس بماله، أُمِر بأمرٍ يقدر به على الإحْسَان إلى كلِّ مخلوق، وهو الإحْسَان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النَّهي عن الكلام القبيح للنَّاس حتى للكفَّار) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال : ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : ((إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَه، فليُرح ذبيحته)) [رواه مسلمٍ] .
قال المباركفوري : (قوله : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)) أي: إلى كلِّ شيء ، أو ((على)) بمعنى : في، أي : أمركم بالإحْسَان في كلِّ شيء، والمراد منه العموم الشَّامل للإنسان حيًّا وميتًا ، قال الطَّيبي : أي أوجب مبالغة؛ لأنَّ الإحْسَان هنا مستحبٌّ، وضمَّن الإحْسَان معنى التَّفضُّل وعدَّاه بعلى، والمراد بالتَّفضُّل : إراحة الذَّبيحة بتحديد الشَّفرة، وتعجيل إمرارها وغيره. وقال الشُّمُنِّيُّ : على- هنا- بمعنى اللام متعلِّقة بالإحْسَان، ولا بدَّ مِن على أخرى محذوفة بمعنى : الاستعلاء المجازي، متعلِّقة بكَتَبَ، والتَّقدير : كَتَبَ على النَّاس الإحْسَان لكلِّ شيء) [تحفة الأحوذى للمباركفورى] .
- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهليَّة ؟ قال : ((مَن أحسن في الإسلام لم يُؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة، ومَن أساء في الإسلام أُخذ بالأوَّل والآخر)) [رواه البخارى] .

من أقوال السَّلف والعلماء في الإحسان :
- قال ابن عيينة : سئل علي رضي الله عنه عن قول الله تعالى : " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ " [النَّحل: 90] فقال : العدل : الإنصاف، والإحْسَان : التفضُّل [حلية الأولياء] .
- وقرأ الحسن البصري : " هذه الآية إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ " [النَّحل: 90] الآية، ثمَّ وقف فقال : إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه [حلية الأولياء] .

من فوائد الإحْسَان :

1- للإحْسَان ثمرة عظيمة تتجلَّى في تماسك بنيان المجتمع، وحمايته مِن الخراب والتَّهلكة ووقايته مِن الآفات الاجتماعيَّة .
2- المحسن يكون في معيَّة الله عزَّ وجلَّ، ومَن كان الله معه فإنَّه لا يخاف بأسًا ولا رهقًا .
3- المحسن يكتسب بإحسانه محبَّة الله عزَّ وجلَّ .


أقسام الإحْسَان :
الإحْسَان ينقسم إلى قسمين : إحسان في عبادة الله. وإحْسَان إلى عباد الله، وكل قسم منهما ينقسم إلى واجب ومستحب .
فأما الإحسان في عبادة الله فيتضمن الإحْسَان في الإتيان بالواجبات الظَّاهرة والباطنة، وذلك بــــ(الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القَدْر مِن الإحْسَان فيها واجبٌ، وأمَّا الإحْسَان فيها بإكمال مستحبَّاتها فليس بواجب.
والإحْسَان في ترك المحرَّمات : الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى : " وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ " [الأنعام:120] فهذا القدر مِن الإحْسَان فيها واجبٌ .
وأمَّا الإحْسَان في الصَّبر على المقدورات، فأن يأتي بالصَّبر عليها على وجهه مِن غير تسخُّط ولا جزع) [جامع العلوم والحكم] .
وأما الإحسان إلى عباد الله فالواجب منه (هو الإنصاف، والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجَّه عليك مِن الحقوق...بأن تقوم بحقوقهم الواجبة، كالقيام ببرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات، بإعطاء جميع ما عليك مِن الحقوق، كما أنَّك تأخذ مالك وافيًا. قال تعالى : " وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " [النِّساء: 36] فأمر بالإحْسَان إلى جميع هؤلاء) [بهجة قلوب الأبرار] .
وقال ابن رجب : (والإحْسَان الواجب في معاملة الخَلْق ومعاشرتهم : القيام بما أوجب الله مِن حقوق ذلك كلِّه، والإحْسَان الواجب في ولاية الخَلْق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلِّها) [جامع العلوم والحكم] .
وأما المستحب منه فهو (القَدْرُ الزَّائد على الواجب في ذلك كلِّه) [جامع العلوم والحكم] ومثال ذلك (بذل نفع بدنيٍّ، أو ماليٍّ، أو علميٍّ، أو توجيه لخير دينيٍّ، أو مصلحة دنيويَّة، فكلُّ معروف صَدَقة، وكلُّ ما أدخل السُّرور على الخَلْق صَدَقة وإحسان. وكلُّ ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون مِن قليل أو كثير، فهو صَدَقة وإحسان) [بهجة قلوب الأبرار] .
من صور الإحْسَان :
1- الإحْسَان في عبادة الله :
(والإحْسَان في عبادة الله له ركن واحد بيَّنه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله : ((بأن تعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك)) فأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مرتبة الإحْسَان على درجتين، وأنَّ المحسنين في الإحْسَان على درجتين متفاوتتين، الدَّرجة الأولى : وهي ((أن تعبد الله كأنَّك تراه)) الدَّرجة الثَّانية : أن تعبد الله كأنَّه يراك، والمعنى إذا لم تستطع أن تعبد الله كأنَّك تراه وتشاهده رأي العين، فانزل إلى المرتبة الثَّانية، وهي أن تعبد الله كأنَّه يراك. فالأولى عبادة رغبة وطمع، والثَّانية عبادة خوف ورهب) [أعمال القلوب لسهل بن رفاع العتيبى ،بتصرف] .
2- الإحْسَان إلى الوالدين :
جاءت نصوص كثيرة تحثُّ على حقوق الوالدين وبرِّهما والإحْسَان إليهما قال تعالى : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا " [الإسراء: 23-24] .
قال القرطبي : (قال العلماء : فأحقُّ النَّاس بعد الخالق المنَّان بالشُّكر والإحْسَان والتزام البرِّ والطَّاعة له والإذعان مَن قرن الله الإحْسَان إليه بعبادته وطاعته، وشكره بشكره، وهما الوالدان، فقال تعالى : " أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ " [لقمان: 14]) [الجامع لأحكام القرآن] .
وقوله تعالى : " قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " [الأنعام: 151] .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ العمل أفضل ؟ قال : الصَّلاة لوقتها، قال قلت : ثمَّ أي ؟ قال : برُّ الوالدين، قال : قلت : ثمَّ أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال الرَّازي : (أجمع أكثر العلماء على أنَّه يجب تعظيم الوالدين والإحْسَان إليهما إحسانًا غير مقيَّد بكونهما مؤمنين؛ لقوله تعالى : " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " [البقرة:83]) (5)[فيض القدير] .3- الإحْسَان إلى الجار :
عن أبي شُريح الخُزاعي أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت)) [رواه مسلم] .
ويكرم جاره بالإحسان إليه وكف الأذى عنه، وتحمل ما يصدر منه، والبشر في وجهه، وغير ذلك من وجوه الإكرام [التحفة الربانية فى شرح الأربعين النووية] .

4 - الإحْسَان في الجدال :
يقول الله تبارك وتعالى : " وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [النَّحل: 125] .
قال الشَّوكاني : (أي : بالطَّريق التي هي أحسن طرق المجادلة. وإنَّما أمر -سبحانه- بالمجادلة الحسنة لكون الدَّاعي محقًّا وغرضه صحيحًا، وكان خصمه مبطلًا وغرضه فاسدًا) [فتح القدير] .


الألفـــة "

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ " [آل عمران: 103] .
قال الرَّاغب الأصفهاني : (قوله : " وَلاَ تَفَرَّقُواْ " حث على الأُلْفَة والاجتماع، الذي هو نظام الإيمان واستقامة أمور العالم، وقد فضَّل المحبَّة والأُلْفَة على الإِنصاف والعدالة، لأنَّه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبَّة، ولصدق محبَّة الأب للابن صار مؤتمنًا على ماله، والأُلْفَة أحد ما شرَّف الله به الشَّريعة سيَّما شريعة الإِسلام) [تفسير الراغب الأصفهانى] .
- وقال تعالى : " وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا " [آل عمران: 103] .
قال الزَّمخشريُّ : (كانوا في الجاهليَّة بينهم الإحَن والعداوات والحروب المتواصلة، فألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبَّة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانًا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمرٍ واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوَّة في الله) [الكشاف] .
وقال السُّيوطي : (إذ كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلَّا هو إنَّ الأُلْفَة لرحمة، وإنَّ الفُرْقَة لعذاب) [الدر المنثور] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن جابر قال  : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف)) [صححه الأبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة] قال المناوي في شرح قوله : ((المؤمن يأْلَف)) قال : (لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه، وفي رواية : ((إلْفٌ مَأْلُوفٌ)) والإلْف : اللَّازم للشَّيء، فالمؤمن يأْلَف الخير، وأهله ويألفونه بمناسبة الإيمان، قال الطِّيبي : وقوله : ((المؤمن إلْفٌ)) يحتمل كونه مصدرًا على سبيل المبالغة، كرجل عدل، أو اسم كان، أي: يكون مكان الأُلْفَة ومنتهاها، ومنه إنشاؤها وإليه مرجعها ((ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف)) لضعف إيمانه، وعُسْر أخلاقه، وسوء طباعه، والأُلْفَة سببٌ للاعتصام بالله وبحبله، وبه يحصل الإجماع بين المسلمين وبضِدِّه تحصل الـنُّفْرة بينهم، وإنَّما تحصل الأُلْفَة بتوفيقٍ إلهي... ومِن التَّآلف : ترك المداعاة والاعتذار عند توهُّم شيء في النَّفس، وتَــرْك الجدال والمراء وكثرة المزاح) [فيض القدير] .

- وعن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((خيار أئمتكم : الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويصلُّون عليكم، وتصلُّون عليهم، وشرار أئمتكم : الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)) [رواه مسلم] .
إنَّ خيار النَّاس في نظر الشَّرع هم الذين يأْلَفون ويُؤْلَفون، وخاصَّة حين يكونون في منصب أو مسؤوليَّة، إذ قد ينزلقون إلى صورٍ مِن الغلظة والجفوة حين يكونون مطلوبين لا طالبين [انظر:هذه أخلاقنا: لمحمود الخزندار] .أقوال السَّلف والعلماء في الأُلْفَة :

- عن مجاهد قال : رأى ابن عبَّاس رجلًا فقال : (إنَّ هذا ليحبُّني، قالوا : وما علمك ؟ قال : إنِّي لأحبُّه، والأرواح جنودٌ مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) [روضة العقلاء] .
- وعن الأوزاعيِّ قال : كتب إليَّ قتادة : إن يكن الدَّهر فرَّق بيننا فإنَّ أُلْفَة الله الَّذي ألَّف بين المسلمين قريب  [الدر المنثورر] .

- وقال يونس الصَّدفي : (ما رأيت أعقل مِن الشَّافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثمَّ افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثمَّ قال : يا أبا موسى، ألَا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفق في مسألة) [سير أعلام النبلاء] .
- وقال السُّلمي : (وأصل التَّآلف هو بغض الدُّنْيا والإعراض عنها، فهي التي توقع المخالفة بين الإخوان) [آداب الصحبة] .
- وقال الماورديُّ : (الإنسان مقصود بالأذيَّة، محسود بالنِّعمة، فإذا لم يكن آلفًا مألوفًا تخطَّفته أيدي حاسديه، وتحكَّمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تَصْفُ له مُدَّة ، فإذا كان آلفًا مألوفًا انتصر بالأُلْفَة على أعاديه، وامتنع مِن حاسديه، فسَلِمت نعمته منهم، وصَفَت مُدَّتُه عنهم، وإن كان صفو الزَّمان عُسْرًا، وسِلمُه خَطَرًا) [أدب الدنيا والدين] .
- وقال الْغَزالِي : (الأُلْفَة ثَمَرَة حُسْن الخُلُق، والتَّفرق ثَمَرَة سوء الخُلُق، فَحُسْن الخُلُق يُوجب التَّحبُّب والتَّآلف والتَّوافق، وسُوء الخُلُق يُثمر التَّباغض والتَّحاسد والتَّناكر) [إحياء علوم الدين] .

من فوائد الأُلْفَة :
1- قيام الأُلْفَة بين المؤمنين مِن أسباب النَّصر والتَّمكين .
2- الأُلْفَة تجمع شمل الأمَّة وتمنع ذلَّهم .
3- الأُلْفَة سببٌ للاعتصام بالله وبحبله .
4- الألفة من أسباب محبَّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .

أسباب الأُلْفَة :
التَّواضع : إنَّ (خفض الجنَاح ولين الكَلِمَة وتَرْك الإغلاظ مِن أَسبَاب الأُلْفَة واجتماع الكَلِمَة وانتظام الأَمر ولهذا قيل: مَن لانت كلمته وجبت محبَّته وحَسُنَت أُحدُوثته، وظمئت الْقُلُوب إلى لقائه وتنافست في مودته) [التيسير بشرح الجامع الصغير ،للمناوى] .
قال ابن عثيمين : (وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيِّنًا ليِّنًا بالقول وبالفعل؛ لأنَّ هذا ممَّا يوجب المودَّة والأُلْفَة بين النَّاس، وهذه الأُلْفَة والمودَّة أمرٌ مطلوبٌ للشَّرع، ولهذا نهى النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام عن كلِّ ما يوجب العداوة والبغضاء) [شرح رياض الصالحين] .
- القيام بحقوق المسلمين والالتزام بها :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((حق المسلم على المسلم خمسٌ : رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) [رواه البخارى ومسلم] .
(فهذه الحقوق التي بيَّنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كلَّها إذا قام بها النَّاس بعضهم مع بعض، حَصل بذلك الأُلْفَة والمودَّة، وزال ما في القلوب والنُّفوس مِن الضَّغائن والأحقاد) [شرح رياض الصالحين] .
ومن ذلك :
- الكلام اللَّين : فالكلام اللَّين والطَّيب مِن الأسباب التي تؤلِّف بين القلوب، قال تعالى : " وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا " [الإسراء: 53] .
- التَّعفُّف عن سؤال النَّاس : قال صلى الله عليه وسلم : ((وازهد فيما في أيدي النَّاس يحبَّك النَّاس)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .

وقد أرجع الماورديُّ أسباب الأُلْفَة إلى خمسة أسباب رئيسة : وهي : الدِّين والنَّسب والمصاهرة والمودَّة والبرُّ، فقال :
1- (فأمَّا الدِّين : وهو الأوَّل مِن أسباب الأُلْفَة؛ فلأنَّه يبعث على التَّناصر، ويمنع مَن التَّقاطع والتَّدابر. وبمثل ذلك وصَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فروى سفيان عن الزُّهري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) [رواه البخارى ومسلم] .
وهذا وإن كان اجتماعهم في الدِّين يقتضيه فهو على وجه التَّحذير مِن تذكُّر تراث الجاهليَّة وإحَن الضَّلالة، فقد بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب أشدُّ تقاطعًا وتعاديًا، وأكثر اختلافًا وتماديًا، حتى إنَّ بني الأب الواحد يتفرَّقون أحزابًا، فتثير بينهم بالتَّحزب والافتراق أحقاد الأعداء، وإحَن البعداء...
2- وأما النَّسب : وهو الثَّاني مِن أسباب الأُلْفَة؛ فلأن تعاطف الأرحام حميَّة القرابة يبعثان على التَّناصر والأُلْفَة، ويمنعان مِن التَّخاذل والفرقة، أنفة مِن استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيًا مِن تسلُّط الغرباء الأجانب .
3- وأمَّا المصاهرة : وهي الثَّالث مِن أسباب الأُلْفَة، فلأنَّها استحداث مواصلة، وتمازج مناسبة، صدرا عن رغبةٍ واختيار، وانعقدا على خيرٍ وإيثار، فاجتمع فيها أسباب الأُلْفَة ومواد المظاهرة ، قال الله تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً " [الرُّوم: 21] يعني بالمودَّة المحبَّة، وبالرَّحمة الحنو والشَّفقة، وهما مِن أوكد أسباب الأُلْفَة...
4- وأمَّا المؤاخاة بالمودَّة، وهي الرَّابع مِن أسباب الأُلْفَة؛ لأنَّها تكسب بصادق الميل إخلاصًا ومصافاة، ويحدث بخلوص المصافاة وفاءً ومحاماةً. وهذا أعلى مراتب الأُلْفَة، ولذلك آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه؛ لتزيد ألفتهم، ويقوي تضافرهم وتناصرهم ...
5- وأمَّا البرُّ، وهو الخامس مِن أسباب الأُلْفَة، فلأنَّه يوصِّل إلى القلوب ألطافًا، ويثنيها محبَّة وانعطافًا، ولذلك ندب الله تعالى إلى التَّعاون به، وقرنه بالتَّقوى له، فقال : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2] .
لأنَّ في التَّقوى رضى الله تعالى، وفي البرِّ رضى النَّاس. ومَن جَمَع بين رضى الله تعالى ورضى النَّاس فقد تمَّت سعادته، وعمَّت نعمته) [أدب الدنيا والدين] .


" الأمانـــة "

أولًا : في القرآن الكريم :
- قوله تعالى : " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا " [النِّساء: 58] .
قال ابن تيمية : (قال العلماء : نزلت... في ولاة الأمور : عليهم أن يؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين النَّاس أن يحكموا بالعدل... وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة) [السياسة الشرعية] .
وقال الشَّوكاني : (هذه الآية مِن أمَّهات الآيات المشتملة على كثير مِن أحكام الشَّرع؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الخطاب يشمل جميع النَّاس في جميع الأمانات، وقد رُوِي عن علي، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب أنَّها خطاب لولاة المسلمين، والأوَّل أظهر، وورودها على سبب... لا ينافي ما فيها مِن العموم، فالاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، كما تقرَّر في الأصول، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولًا أوَّليًّا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم مِن الأمانات، وردُّ الظُّلامات، وتحرِّي العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم مِن النَّاس في الخطاب، فيجب عليهم ردُّ ما لديهم مِن الأمانات، والتَّحرِّي في الشهادات والأخبار، وممَّن قال بعموم هذا الخطاب : البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عبَّاس، وأبيُّ بن كعب، واختاره جمهور المفسِّرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أنَّ الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر) [فتح القدير] .
- وقوله عزَّ وجلَّ : " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا " [الأحزاب: 72-73] .
ففي هذه الآية : (عظَّم تعالى شأن الأمَانَة، التي ائتمن الله عليها المكلَّفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السِّرِّ والخفية، كحال العلانية، وأنَّه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السَّماوات والأرض والجبال، عَرْض تخيير لا تحتيم، وأنَّكِ إن قمتِ بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلكِ الثَّواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤدِّيها فعليك العقاب. فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا أي : خوفًا أن لا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربِّهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعَرَضَها الله على الإنسان، على ذلك الشَّرط المذكور، فقَبِلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل) [تيسير الكريم الرحمن] .
- وقال تعالى في ذكر صفات المفلحين : " وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ " [المؤمنون: 8] (أي : مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربِّه، كالتَّكاليف السِّرِّيَّة، التي لا يطَّلع عليها إلَّا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما قال : (أخبرني أبو سفيان أنَّ هرقل قال له : سألتك ماذا يأمركم ؟ فزعمت أنَّه يأمر بالصَّلاة والصِّدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمَانَة قال : وهذه صفة نبي) [رواه البخارى] .
- وعنه أيضًا رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ((آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) [رواه البخارى ومسلم] .
(يعني إذا ائتمنه النَّاس على أموالهم أو على أسرارهم أو على أولادهم أو على أي شيء مِن هذه الأشياء فإنَّه يخون -والعياذ بالله-، فهذه مِن علامات النِّفاق) [شرح رياض الصالحين] .
- وعن ابن عباس أيضًا قال : ((بينما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدِّث القوم، جاء أعرابيٌّ فقال: متى السَّاعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم : بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال : أين أُراه السَّائل عن السَّاعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله، قال : فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة، قال : كيف إضاعتها ؟ قال : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة)) [رواه البخارى] .

من أقوال السَّلف والعلماء في الأمَانَة :
قال أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه : (أصدق الصِّدق الأمَانَة وأكذب الكذب الخيانة) [روى نحوه البيهقى فى السنن الكبرى] .
- وعن ابن أبي نجيح قال : (لما أُتِي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده ويقول : والله إنَّ الذي أدَّى إلينا هذا لأمين، فقال رجل : يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدُّون إليك ما أدَّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا، قال : صدقت) [عيون الأخبار] .
- وعن هشام أنَّ عمر قال : (لا تغرُّني صلاة امرئ ولا صومه، مَن شاء صام، ومَن شاء صلى، لا دين لمن لا أمانة له) [رواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق] .
- وقال عبد الله بن مسعود : (القتل في سبيل الله كفَّارة كلِّ ذنب إلَّا الأمَانَة، وإنَّ الأمَانَة الصَّلاة والزَّكاة والغسل مِن الجنابة والكيل والميزان والحديث، وأعظم مِن ذلك الودائع) [رواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق] .
- وعن أبي هريرة قال : (أوَّل ما يرفع مِن هذه الأمَّة الحياء والأمَانَة، فسلوها الله) [رواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق] .

من فوائد الأمَانَة :  [نضرة النعيم]
1- الأمَانَة مِن كمال الإيمان وحسن الإسلام .
2- يقوم عليها أمر السَّموات والأرض .
3- هي محور الدِّين وامتحان ربِّ العالمين .
4- بالأمَانَة يُحْفَظ الدِّين والأعراض والأموال والأجسام والأرواح والمعارف والعلوم والولاية والوصاية والشَّهادة والقضاء والكتابة...
5- الأمين يحبُّه الله ويحبُّه النَّاس .
6- مِن أعظم الصِّفات الخُلقيَّة التي وصف الله بها عباده المؤمنين بقوله : "وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ " [المؤمنون: 8] و[المعارج: 32] .
7- مجتمع تفشو فيه الأمَانَة مجتمع خيرٍ وبركة .
من صور الأمَانَة :
1- الأمَانَة فيما افترضه الله على عباده :
فمِن الأمَانَة : (ما ائتمنه الله على عباده مِن العبادات التي كلَّفهم بها، فإنَّها أمانة ائتمن الله عليها العباد) [شرح رياض الصالحين] .
2- الأمَانَة في الأموال :
(ومِن الأمَانَة : العفَّة عمَّا ليس للإنسان به حقٌّ مِن المال، وتأدية ما عليه مِن حقٍّ لذويه، وتأدية ما تحت يده منه لأصحاب الحقِّ فيه، وتدخل في البيوع والديون والمواريث والودائع والرهون والعواري والوصايا وأنواع الولايات الكبرى والصُّغرى وغير ذلك) [الأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميدانى] .
(ومنها الأمَانَة المالية وهي : الودائع التي تُعْطَى للإنسان ليحفظها لأهلها، وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان لمصلحته، أو مصلحته ومصلحة مالكها؛ وذلك أنَّ الأمَانَة التي بيد الإنسان إمَّا أن تكون لمصلحة مالكها أو لمصلحة مَن هي بيده أو لمصلحتهما جميعًا، فأمَّا الأوَّل فالوديعة تجعلها عند شخص، تقول -مثلًا- : هذه ساعتي عندك، احفظها لي، أو : هذه دراهم، احفظها لي، وما أشبه ذلك، فهذه وديعة المودع فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها، وأمَّا التي لمصلحة مَن هي بيده فالعارية : يعطيك شخصٌ شيئًا يعيرك إيَّاه مِن إناء أو فراش أو ساعة أو سيَّارة، فهذه بقيت في يدك لمصلحتك، وأمَّا التي لمصلحة مالكها ومَن هي بيده: فالعين المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع؛ استأجرت منِّي سيَّارة وأخذتها، فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك، وأنا أنتفع بالأجرة، وكذلك البيت والدُّكَّان وما أشبه ذلك، كلُّ هذه مِن الأمانات) [شرح رياض الصالحين] .
3– الأمَانَة في الأعراض :
فمِن الأمَانَة في الأعراض: العفَّة عمَّا ليس للإنسان فيه حقٌّ منها، وكفُّ النَّفس واللِّسان عن نيل شيء منها بسوء، كالقذف والغيبة .
4- الأمَانَة في الأجسام والأرواح :
فمِن الأمَانَة في الأجسام والأرواح : كفُّ النَّفس واليد عن التَّعرُّض لها بسوء، من قتل أو جرح أو ضرٍّ أو أذى .
5– الأمَانَة في المعارف والعلوم :
فمِن الأمَانَة في المعارف والعلوم تأديتها دون تحريف أو تغيير، ونسبة الأقوال إلى أصحابها، وعدم انتحال الإنسان ما لغيره منها .
الأمَانَة صفة الرُّسل :
إنَّ صفة الأمَانَة أحد الصِّفات الواجب توافرها في كلِّ رسول...
فإن كان خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، قد لُقِّب قبل البعثة (بالأمين) فلك أن تتصور شمائل الرُّجولة، وخصال الصَّلاح تتخايل في شخصه الكريم، والتي لأجلها وُضِع في المكان اللَّائق به .
والأَتْباع ما داموا عقلاء، فلابد أن يكون لهم نصيب مِن تلك الخِلَال، فقد وصف الله المؤمنين بما وصف به الملائكة والمرسلين، قال تعالى واصفًا للمؤمنين : " وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ " وقد وردت مرَّتين : في سورة [المؤمنون: 8] وفي سورة [المعارج: 32] .
وتلك الصِّفة بعينها ذُكِرت خمس مرَّات متواليات بحقِّ الأنبياء في سورة الشُّعراء :
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ.. فقد قالها نبيُّ الله نوح في آية [107]، ونبيُّ الله هود، في آية [125]، ونبيُّ الله صالح في آية [143]، ونبيُّ الله لوط في آية [162]، ونبيُّ الله شعيب في آية [178] .
بل إنَّ جبريل عليه السَّلام، مِن أسمائه : (الرُّوح الأمين) .
ولا غرو، فبقدر امتداد معنى الأمَانَة في النَّفس، تكون قيمتها، وتكون منزلة صاحبها .
نماذج في الأمَانَة مِن الأمم الماضية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اشترى رجل مِن رجل عقارًا له فوجد الرَّجل الذي اشترى العقار في عقاره جرَّةً فيها ذهبٌ، فقال له الذي اشترى العقار : خذ ذهبك منِّى؛ إنَّما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذَّهب ، فقال الذي شرى الأرض : إنَّما بعتك الأرض وما فيها، قال : فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولدٌ ؟ فقال : أحدهما لي غلامٌ، وقال الآخر : لي جارية، قال أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدَّقا)) [رواه البخارى ومسلم] .


عدل سابقا من قبل Admin في الإثنين فبراير 26, 2018 5:01 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:43 am




" الإيثَـــار "

الفرق بين الإيثَار والسَّخاء والجود :
ذكر ابن قيِّم الجوزية فروقًا بين كلٍّ مِن الإيثار والسَّخاء والجود، مع أنَّها كلَّها أفعال بذلٍ وعطاء، قال ابن القيِّم في مدارج السالكين : (وهذا المنزل – أي الإيثَار- : هو منزل الجود والسَّخاء والإحْسَان، وسمِّي بمنزل الإيثَار؛ لأنَّه أعلى مراتبه، فإنَّ المراتب ثلاثة :
إحداها : أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه، فهو منزلة السَّخاء .
الثَّانية : أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئًا، أو يبقي مثل ما أعطى فهو الجود .
الثَّالثة : أن يؤثر غيره بالشَّيء مع حاجته إليه، وهي مرتبة الإيثَار) [مدارج السالكين] .

التَّرغيب في الإيثار : أولًا : في القرآن الكريم :

قال الله تبارك وتعالى : " وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الحشر: 9] .
قال الطَّبري : (يقول تعالى ذكره : وهو يصفُ الأنصار : " وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ " مِن قبل المهاجرين، " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ " يقول : ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم " وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " يقول : ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم) [جامع البيان] .

وقال ابن كثير : (أي : يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك) [تفسير القرآن العظيم] .

- وقال الله تعالى : " لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ " [آل عمران: 92] .
(يعني : لن تنالوا وتدركوا البرَّ، الذي هو اسمٌ جامعٌ للخيرات، وهو الطَّريق الموصل إلى الجنَّة، حتى تنفقوا ممَّا تحبُّون، مِن أطيب أموالكم وأزكاها. فإنَّ النَّفقة مِن الطَّيب المحبوب للنُّفوس، مِن أكبر الأدلَّة على سماحة النَّفس، واتِّصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقَّتها، ومِن أدلِّ الدَّلائل على محبَّة الله، وتقديم محبَّته على محبَّة الأموال، التي جبلت النُّفوس على قوَّة التَّعلُّق بها، فمَن آثر محبَّة الله على محبَّة نفسه، فقد بلغ الذِّروة العليا مِن الكمال، وكذلك مَن أنفق الطَّيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفَّقه أعمالًا وأخلاقًا، لا تحصل بدون هذه الحالة) [تفسير السعدى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الأشعريِّين إذا أرملوا (نفذ زادهم) في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمَّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّويَّة، فهم منِّي، وأنا منهم)) [رواه البخارى ومسلم) .
يقول العيني : (فيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه ....وفيه فضيلة الإيثَار والمواساة) [عمدة القارى شرح صحيح البخارى] .
وقال أبو العبَّاس القرطبي : (هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الغالب على الأشعريِّين الإيثَار، والمواساة عند الحاجة... فثبت لهم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنَّهم...كرماء مؤثرون) [المفهوم لما أشكل من تلخيص كاب مسلم] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((طعام الاثنين كافي الثَّلاثة، وطعام الثَّلاثة كافي الأربع)) [رواه البخارى ومسلم) وفي لفظ لمسلم : ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثَّمانية)) [رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما] .
(قال المهَلَّب: والمراد بهذه الأحاديث الحضُّ على المكارمة في الأكل والمواساة والإيثَار على النَّفس، الذي مدح الله به أصحاب نبيَّه، فقال : " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " [الحشر:9] ولا يُراد بها معنى التَّساوي في الأكل والتَّشاح؛ لأنَّ قوله عليه السَّلام : ((كافي الثَّلاثة)) دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتَّقنُّع بالكفاية، وقد همَّ عمر بن الخطَّاب في سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم، وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته) [شرح صحيح البخارى لابن بطال] .

من فوائد الإيثَار :  
1- دخولهم فيمن أثنى الله عليهم مِن أهل الإيثَار، وجعلهم مِن المفلحين .
2- الإيثَار طريق إلى محبَّة الله تبارك وتعالى .
3- تحقيق الكمال الإيماني، فالإيثَار دليلٌ عليه، وثمرة مِن ثماره .
4- ومِن أعظم الثِّمار والفوائد : أنَّ التَّحلِّي بخُلُق الإيثَار فيه اقتداءٌ بالحبيب محمَّد صلى الله عليه وسلم .
5- أنَّ المؤْثر يجني ثمار إيثاره في الدُّنْيا قبل الآخرة وذلك بمحبَّة النَّاس له وثناؤهم عليه، كما أنَّه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذِّكر، فيكون بذلك قد أضاف عمرًا إلى عمره .

أقسام الإيثَار :

القسم الأوَّل : إيثار يتعلَّق بالخالق :
وهو أفضل أنواع الإيثَار وأعلاها منزلة، وأرفعها قدرًا، يقول ابن القيِّم : (والإيثَار المتعلِّق بالخالق أجلُّ مِن هذا -أي مِن الإيثَار المتعلِّق بالخلق- وأفضل، وهو إيثار رضاه على رضى غيره، وإيثار حبِّه على حبِّ غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذُّل له والخضوع والاستكانة والضَّراعة والتملُّق على بذل ذلك لغيره، وكذلك إيثار الطلب منه والسُّؤال وإنزال الفاقات به على تعلُّق ذلك بغيره)   [طريق الهجرتين وباب السعادتين] .
ولهذا النَّوع مِن الإيثَار علامتان تدلان عليه، لا بدَّ أن تظهرا على مدَّعيه، وهما :
الأول : أن يفعل المرء كلَّ ما يحبُّه الله تعالى ويأمر به، وإن كان ما يحبُّه الله مكروهًا إلى نفسه، ثقيلًا عليه .
الثَّاني : أن يترك ما يكرهه الله تعالى وينهى عنه، وإن كان محبَّـــبًا إليه، تشتهيه نفسه، وترغِّب فيه .
يقول ابن القيِّم : (فبهذين الأمرين يصحُّ مقام الإيثَار) [طريق الهجرتين وباب السعادتين] .
صعوبة هذا الإيثَار على النَّفس :
جُبِلت النَّفس على الرَّاحة والدَّعة والميل إلى الملاذ والمتع، كما جُبِلت على البعد عن كلِّ ما يشقُّ عليها أو ينغِّص متعتها أو يحدُّ مِن ملذَّاتها، ولـمَّا كان هذا النَّوع مِن الإيثَار يضادُّ ما جُبِلَت عليه النَّفس مِن الرَّاحة والدَّعة كان صعبًا عليها التَّلبُّس به، أو التَّخلُّق والتَّحلِّي بمعناه .

يقول ابن القيِّم مبيِّــنًا صعوبة هذا النَّوع مِن الإيثَار وثقله على النَّفس :
(ومؤنة هذا الإيثَار شديدة لغلبة الأغيار، وقوَّة داعي العادة والطَّبع، فالمحنة فيه عظيمة، والمؤنة فيه شديدة، والنَّفس عنه ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلَّا به، وإنَّه ليسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه) [طريق الهجرتين وباب السعادتين] .

وإن كان هذا النَّوع مِن الإيثَار شديدٌ على النَّفس صعب على الرُّوح إلَّا أنَّ ثمراته وما يجنيه الشَّخص منه تفوق ثمرات أيِّ نوع مِن الأعمال، فنهايته فوز محقَّق وفلاح محتوم، وملك لا يضاهيه ملك .

القسم الثَّاني : إيثار يتعلَّق بالخَلْق :
وهذا هو النَّوع الثَّاني مِن أنواع الإيثَار مِن حيث تعلُّقه بالخَلْق.. وقد قسَّم ابن عثيمين هذا النَّوع مِن الإيثَار إلى ثلاثة أقسام : (الأوَّل : ممنوع، والثَّاني : مكروه أو مباح، والثَّالث : مباح) .
- القسم الأوَّل : وهو الممنوع : وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعًا، فإنَّه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعًا... فالإيثَار في الواجبات الشَّرعية حرام، ولا يحل لأنَّه يستلزم إسقاط الواجب عليك .
- القسم الثَّاني : وهو المكروه أو المباح: فهو الإيثَار في الأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم، وأباحه بعضهم، لكن تَــركُه أولى لا شكَّ إلَّا لمصلحة .
- القسم الثَّالث : وهو المباح : وهذا المباح قد يكون مستحبًّا، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبُّدي أي تؤثر غيرك، وتقدِّمه على نفسك في أمرٍ غير تعبُّدي) [شرح رياض الصالحين] .
شروط هذا النَّوع مِن الإيثَار :
ذكر ابن القيِّم شروطًا للإيثَار المتعلِّق بالمخلوقين تنقله مِن حيِّز المنع أو الكراهة إلى حيِّز الإباحة ولعلَّنا نجملها فيما يلي :
1- أن لا يضيع على المؤْثِر وقته .
2- أن لا يتسبَّب في إفساد حاله .
3- أن لا يهضم له دينه .
4- ألَّا يكون سببًا في سدِّ طريق خير على المؤْثِر .
5- أن لا يمنع للمُؤْثر واردًا .
فإذا توفَّرت هذه الشُّروط كان الإيثَار إلى الخَلْق قد بلغ كماله، أمَّا إن وُجِد شيء مِن هذه الأشياء كان الإيثَار إلى النَّفس أَوْلَى مِن الإيثَار إلى الغير، فالإيثَار المحمود -كما قال ابن القيِّم هو : (الإيثَار بالدُّنْيا لا بالوقت والدِّين وما يعود بصلاح القلب) [طريق الهجرتين وباب السعادتين] .

درجات الإيثَار :
ذَكَر أبو إسماعيل الهرويُّ في كتابه ((منازل السَّائرين)) أنَّ للإيثار ثلاث درجات :
- الدَّرجة الأولى : (أن تؤثر الخَلْق على نفسك فيما لا يَحْرُم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يفسد عليك وقتًا) [منازل السائرين] .
قال ابن القيِّم في شرحه لهذه الدَّرجة : (يعني : أن تُقدِّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل : أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى وتسقيهم وتظمأ بحيث لا يؤدِّي ذلك إلى ارتكاب إتلافٍ لا يجوز في الدِّين) [مدارج السالكين] .
- الدَّرجة الثَّانية : (إيثار رضى الله تعالى على رضى غيره، وإن عَظُمَت فيه المحن وثَقُلَت به المؤن، وضَعُفَ عنه الطول والبدن) [منازل السائرين] .
قال ابن القيِّم : (هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخَلْق، وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرُّسل عليهم صلوات الله وسلامه وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم) [مدارج السالكين] .
- الدَّرجة الثَّالثة : (إيثارُ إيثارِ الله تعالى: فإنَّ الخوض في الإيثَار دعوى في الملك، ثمَّ تَرْك شهود رؤيتك إيثار الله، ثمَّ غيبتك عن التَّرك) [منازل السائرين] .

موانع اكتساب صفة الإيثَار :
موانع اكتساب الإيثَار المتعلِّق بالخالق :
يقول ابن قيِّم الجوزية في الموانع التي تجعل النَّفس تتخلَّف عن هذا النَّوع مِن الإيثَار :
(والنَّقص والتَّخلُّف في النَّفس عن هذا يكون مِن أمرين :
1- أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك، بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشَّيء إلَّا بعد عُسْر، وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشُّكوك والشُّبهات والاحتمالات، فلا يتخلَّص له رؤيتها وعيانها .
2- الثَّاني أن تكون القريحة وَقَّادة دَرَّاكة، لكن النَّفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحقَّ والرُّشد ضَعُفَت عن إيثاره، فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض : كلَّما ساقه خطوة وقف خطوة ، أو كسوق الطِّفل الصَّغير الذي تعلَّقت نفسه بشهواته ومألوفاته، فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه، لا ينساق معه إلَّا كَرْهًا) [طريق الهجرتين وباب السعادتين] .
موانع اكتساب الإيثَار المتعلِّق بالخَلْق :
1- ضعف الإيمان واليقين، فكما أنَّ الإيمان القويَّ يدفع صاحبه للبذل والعطاء والإيثَار، فإنَّ ضعفه يكون سببًا في الأثرة والشُّح .
2- الشُّح المطاع، لذا ذكر الله عزَّ وجلَّ في الآية التي مدح فيها أهل الإيثَار أنَّ مَن يُوَفَّق في الوقاية مِن شحِّ نفسه فقد أفلح .

الوسائل المعينة على اكتساب الإيثَار :
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثَار المتعلِّق بالخالق :
ذكر ابن قيِّم الجوزية أمورًا تجعل مِن هذا الإيثَار أمرًا سهلًا على النَّفس، فقال :
(والذي يسهِّله على العبد أمور :
- أحدها : أن تكون طبيعته ليِّنة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة .
- الثَّاني : أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويًّا؛ فإنَّ هذا ثمرة الإيمان ونتيجته .
- الثَّالث : قوَّة صبره وثباته .
فبهذه الأمور الثَّلاثة ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه) [طريق الهجرتين وباب السعادتين] .
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثَار المتعلِّق بالخَلْق :
قال ابن القيِّم : (فإن قيل : فما الذي يسهِّل على النَّفس هذا الإيثَار، فإنَّ النَّفس مجبولة على الأَثَـــرَة لا على الإيثَار ؟ قيل : يسهِّله أمور :
- أحدها : رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها؛ فإنَّ مِن أفضل أخلاق الرَّجل وأشرفها وأعلاها : الإيثَار. وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبَّته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله .
- الثَّاني : النُّفرة مِن أخلاق اللِّئام ومقت الشُّح وكراهته له .

نماذج مِن إيثار رسول الله صلى الله عليه وسلم :
- عن سهل بن سعد قال : ((جاءت امرأة ببردة، قال : أتدرون ما البردة ؟ فقيل له : نعم، هي الشَّملة منسوج في حاشيتها ، قالت : يا رسول الله، إنِّي نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنَّها إزاره، فقال رجل مِن القوم : يا رسول الله، اكسنيها، فقال : (نعم) فجلس النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في المجلس، ثمَّ رجع فطواها، ثمَّ أرسل بها إليه، فقال له القوم : ما أحسنت، سألتها إيَّاه، لقد علمت أنَّه لا يردُّ سائلًا، فقال الرَّجل : والله ما سألته إلَّا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل : فكانت كفنه)) [رواه البخارى] .

نماذج مِن إيثار الصَّحابة رضوان الله عليهم :

ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه ((أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبعث إلى نسائه ، فقلن : ما معنا إلَّا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن يضمُّ - أو يضيف - هذا ؟ فقال رجل مِن الأنصار : أنا، فانطلق به إلى امرأته ، فقال : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ما عندنا إلَّا قوت صبياني ، فقال : هيِّئي طعامك، وأصبحي سراجك (1) ، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء ، فهيَّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوَّمت صبيانها، ثمَّ قامت كأنَّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنَّهما يأكلان ، فباتا طاويين (2) ، فلمَّا أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ضحك الله اللَّيلة- أو عجب مِن فعالكما-، فأنزل الله : "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الحشر:9])) [روه البخارى] .

نماذج مِن إيثار السَّلف رحمهم الله :
عن أبي الحسن الأنطاكيِّ : أنَّه اجتمع عنده نيِّف وثلاثون رجلًا بقرية مِن قرى الرَّيِّ، ومعهم أرغفة معدودة لا تُشْبِع جميعهم، فكسروا الرُّغفان، وأطفئوا السِّراج، وجلسوا للطَّعام، فلمَّا رُفع فإذا الطَّعام بحاله، لم يأكل منه أحد شيئًا إيثارًا لصاحبه على نفسه .

أقوالٌ وحكمٌ في الإيثَار :
قال أبو سليمان الدَّارني : لو أنَّ الدُّنْيا كلَّها لي فجعلتها في فم أخ مِن إخواني لاستقللتها له .
- وقال أيضًا : إنِّي لألقم اللُّقمة أخًا مِن إخواني فأجد طعمها في حلقي [إحياء علوم الدين] .



" البِـــــرُّ "

التَّرغيب في البِرِّ :

- قال تعالى : " لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " [البقرة: 177] .
قال الزَّمخشريُّ : (البِرُّ اسم للخير ولكلِّ فعل مُرْضِى، أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الخطاب لأهل الكتاب؛ لأنَّ اليهود تصلِّى قِبل المغرب إلى بيت المقدس، والنَّصارى قِبل المشرق. وذلك أنَّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كلُّ واحد من الفريقين أنَّ البِرَّ التوجُّه إلى قبلته، فردَّ عليهم، وقيل : ليس البِرَّ فيما أنتم عليه، فإنَّه منسوخ خارج من البِرِّ، ولكنَّ البِرَّ ما نبيِّنه، وقيل : كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل : ليس البِرَّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البِرِّ : أمر القبلة، ولكنَّ البِرَّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمَّة : بِرُّ من آمن، وقام بهذه الأعمال) [الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
عن الـنَّـوَّاسِ بن سمعانَ رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثم، فقال : ((البِرُّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه النَّاس)) [رواه مسلم] .
قال ابن دقيق العيد : (أمَّا البِرُّ فهو الَّذي يُبِرُّ فاعلَه، ويلحقه بالأبرار، وهم المطيعون لله عزَّ وجلَّ، والمراد بحسن الخلق : الإنصاف في المعاملة، والرِّفق في المحاولة، والعدل في الأحكام، والبذل في الإحسان، وغير ذلك من صفات المؤمنين)  [شرح الأربعين النووية ،لابن دقيق العيد] .

- وعن ثوبانَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يزيد في العمر إلَّا البِرُّ، ولا يردُّ القدر إلَّا الدُّعاء، وإنَّ الرَّجل ليُحْرَم الرِّزق بخطيئة يعملها)) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .
قال السِّندي في حاشيته : (قوله : ((لا يزيد في العمر إلا البِرُّ)) إمَّا لأنَّ البارَّ ينتفع بعمره وإن قلَّ، أكثر ممَّا ينتفع به غيره وإن كثر، وإما لأنَّه يُزاد له في العمر حقيقة، بمعنى أنَّه لو لم يكن بارًّا لقصر عمره عن القدر الذي كان إذا بَرَّ، لا بمعنى أنَّه يكون أطول عمرًا من غير البارِّ، ثمَّ التفاوت إنَّما يظهر في التَّقدير المعلَّق، لا فيما يعلم الله تعالى أنَّ الأمر يصير إليه، فإنَّ ذلك لا يقبل التَّغير، وإليه يشير قوله تعالى : " يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " [الرعد: 39]) [حاشية السندى على سنن ابن ماجه] .

أقوال السَّلف والعلماء في البِرِّ :
- روي عن عيسى ابن مريم -على نبينا وعليه السلام - : (البِرُّ ثلاثة : المنطق والنَّظر والصمت، فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها)  [أدب الدنيا والدين] .
- وقال أبو الدَّرداء رضى الله عنه : (اعبدوا الله كأنَّكم ترونه، وعُدُّوا أنفسكم في الموتى، واعلموا أنَّ قليلًا يغنيكم، خير من كثير يلهيكم، واعلموا أنَّ البِرَّ لا يبلى، وأنَّ الإثم لا يُنسى) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .
وعن أبي الأشهب قال : (سمعت الحسن، يقول : " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ " [المؤمنون: 60] قال : كانوا يعملون ما عملوا من أنواع البِرِّ، وهم مشفقون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله) [الزهد لوكيع] .
- وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : (يكفي من الدُّعاء مع البِرِّ مثل ما يكفي الطَّعام من الملح) [رواه ابن أبى شيبة فى المصنف] .

- و(قال سليمان بن عبد الملك : يا أبا حازم أيُّ عباد الله أكرم ؟ قال : أهل البِرِّ والتَّقوى) [إحياء علوم الدين] .

من فوائد البر :
- البِرُّ طريق موصل إلى الجنَّة :
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (عليكم بالصِّدق؛ فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة، وإنَّ الرَّجل يَصْدُق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا) .
2- من فضائل البِرِّ أنه سبيل للزيادة في العمر :
فعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يردُّ القضاء إلَّا الدُّعاء، ولا يزيد في العمر إلَّا البِرُّ) .
3- البِرُّ من أسباب سعادة المرء في الدَّارين .
4- البِرُّ يؤدِّي إلى نيل محبَّة النَّاس، وإلى الألفة وشيوع روح المحبَّة في المجتمع .
5- بذل البِرِّ يؤكِّد المحبَّة، فقد قيل : (أربعة تؤكِّد المحبَّة : حسن البِشْر، وبذل البِرِّ، وقصد الوفاق، وترك النِّفاق) [صيد الأفكار للقاضى المهدى] .

أقسام البِرِّ :
البِرُّ ينقسم إلى قسمين : بِرُّ صِلَة، وبِرُّ معروف .
قال الماورديُّ : (والبِرُّ نوعان : صِلَة، ومعروف .
فأما الصلَة : فهي التَّبرع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النَّفس وسخاؤها ويمنع منه شحُّها وإباؤها قال الله تعالى : " وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الحشر: 9] .
وأما النَّوع الثَّاني من البِرِّ فهو : المعروف، ويتنوع أيضا نوعين : قولًا وعملًا، فأما القول : فهو طيب الكلام، وحسن البِشْر، والتودُّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورِقَّة الطبع، ويجب أن يكون محدودًا كالسَّخاء؛ فإنَّه إن أسرف فيه كان مَلَقًا مذمومًا، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفًا، وبِرًّا محمودًا .
وأمَّا العمل : فهو بذل الجاه والمساعدة بالنَّفس، والمعونة في النَّائبة، وهذا يبعث عليه حبُّ الخير للنَّاس، وإيثار الصَّلاح لهم، وليس في هذه الأمور سَرَفٌ، ولا لغايتها حَدٌّ، بخلاف النَّوع الأوَّل؛ لأنَّها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين : نفع على فاعلها في اكتساب الأجر، وجميل الذِّكر، ونفع على المعان بها في التخفيف عنه، والمساعدة له) (1) [أدب الدنيا والدين] .
من صور البِرِّ :
البِرُّ لفظةٌ تعمُّ جميع أعمال الإحسان، وتشمل كلَّ خصال الخير، وعلى هذا فللبر أشكال وصور كثيرة، لكنْ من أبرز من صور البِرِّ والإحسان : البِرُّ بالوالدين :
قال الله تعالى مثنيًا على نبيه عيسى عليه السلام : " وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا " [مريم: 32] .
وقال عن نبيه يحيى عليه السلام: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا " [مريم: 14] .
وقرن بر الوالدين بتوحيده فقال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا 23 وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 23-24] .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ((سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال : بر الوالدين، قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله)) فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله (ويكاد الإنسان لا يفي والديه حقهما عليه مهما أحسن إليهما، لأنهما كانا يحسنان إليه حينما كان صغيرًا وهما يتمنيان له كل خير، ويخشيان عليه من كل سوء، ويسألان الله له السلامة وطول العمر، ويهون عليهما من أجله كل بذلٍ مهما عظم، ويسهران على راحته دون أن يشعرا بأي تضجر من مطالبه، ويحزنان عليه إذا آلمه أي شيء)  [الأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميدانى] .

موانع فعل البِرِّ :
1- البعد عن الله سبحانه وتعالى، وكثرة الذُّنوب تحيل بين المرء وبين عمل المعروف والبِرِّ .
2- البخل والشُّحُّ، وحبُّ المال، والحرص عليه، والتعلق به .
3- الحقد، والتَّحاسد، والكراهية تمنع الشخص من الإحسان إلى النَّاس .
4- الجهل بما يرتَّب على عمل البِرِّ من أجر عظيم .
الوسائل المعينة على فعل البِرِّ :
1- طلب رضا الله، فمن أراد التقرُّب إلى الله، فإنَّه سيسعى بكلِّ عمل يوصله إليه، ومن ذلك كلُّ أعمال البِرِّ .
2- تدريب النفس وتعويدها على عمل الصَّالحات، حتَّى وإن دعته نفسه إلى تركها :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق...)) .

3- حبُّ النَّاس، والسَّعي للتودُّد إليهم، والتقرُّب منهم، مدعاة للبِرِّ، والإحسان لهم .

الحِكَم والأمثال في البِرِّ :
- قال ابن المقفع : (من أفضل البِرِّ ثلاث خصال: الصِّدق في الغضب، والجود في العُسرة، والعفو عند القدرة) [الأدب الصغير والأدب الكبير] .
- يقال : (ثلاث من كنوز البِرِّ : كتمان الصَّدقة، وكتمان الوجع، وكتمان المصيبة) [تنبيه الغافلين] .
- ويقال : (مكتوب في التوراة : من يزرع البِرَّ يحصد السَّلامة) [تنبيه الغافلين] .

- ويقال : (من علامات التَّوفيق ثلاث: دخول أعمال البِرِّ عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع الطَّلب لها، وفتح باب اللَّجَأ والافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ في الشِّدَّة والرَّخاء، ومن علامات الخذلان ثلاث: تعسُّر الخيرات عليك مع الطَّلب لها، وتيسُّر المعاصي لك مع الرَّهَب منها، وغلق باب اللَّجَأ والافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ) [قوت القلوب فى معاملة المحبوب ،لأبى طالب المكى] .


" البشـاشـة "
مدح البَشَاشَة وطلاقة الوجه في السنة النبوية :

وردت أحاديث من السُّنَّة النَّبويَّة، تحثُّ على البَشَاشَة وطلاقة الوجه، ومن هذه الأحاديث :
- عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق)) [رواه مسلم] .
(قوله صلى الله عليه وسلم : ((ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق)) روي (طَلْق) على ثلاثة أوجه : إسكان اللام وكسرها، وطليق، بزيادة ياء، ومعناه : سهل منبسط. فيه الحثُّ على فضل المعروف، وما تيسَّر منه وإن قلَّ، حتى طلاقة الوجه عند اللِّقاء) [شرح النووى على مسلم] .
- عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كلُّ معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
قال المباركفوري : (...((وإنَّ من المعروف)) أي : من جملة أفراده، ((أن تلقى أخاك)) أي : المسلم ((بوجهٍ)) بالتنوين، ((طَلْق)) معناه : يعني تلقاه منبسط الوجه متهلِّله) [مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] .
وقال في ((دليل الفالحين)) : (أي بوجه ضاحك مستبشر، وذلك لما فيه من إيناس الأخ المؤمن، ودفع الإيحاش عنه، وجبر خاطره، وبذلك يحصل التَّأليف المطلوب بين المؤمنين) .
وقال أيضًا : (أي : متهلِّلٌ بالبِشْر والابتسام؛ لأنَّ الظَّاهر عنوان الباطن، فلُقْيَاه بذلك يشعر لمحبَّتك له، وفرحك بلُقْيَاه، والمطلوب من المؤمنين التوادُّ والتحابُّ) [دليل الفالحين لطرق رياض الصاحين] .
- عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشَّوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)) [صححه الأبانى فى صحيح سنن الترمذى] .

((تبسُّمك في وجه أخيك)) أي : على وجه الانبساط. صدقة، أي : إحسان إليه، أو لك، فيه ثواب صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، والصَّدقات مختلفة المراتب [انظر:مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] .

أقوال السَّلف والعلماء في البَشَاشَة وطلاقة الوجه :
- عن هشام بن عروة، عن أبيه قال : (مكتوب في الحكمة : ليكن وجهك بسطًا، وكلمتك طيبة، تكن أحبَّ إلى النَّاس من الذي يعطيهم العطاء) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .
- قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : (إنَّ المسلمَيْنِ إذا التقيا، فضحك كلُّ واحد منهما في وجه صاحبه، ثم أخذ بيده، تَحَاتَّتْ ذنوبهما كتحات ورق الشجر) [ذكره ابن حمدون فى "التذكرة الحمدونية] .
- قال عبد الله بن المبارك : (حسن الخلق : طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى) [رواه الترمذى] .
- قال ابن القيِّم : (طلاقة الوجه والبِشْر المحمود وسط بين التَّعبيس والتَّقطيب، وتصعير (4) الخدِّ، وطيِّ البِشْر عن البَشَر، وبين الاسترسال مع كلِّ أحد بحيث يذهب الهيبة، ويزيل الوقار، ويطمع في الجانب، كما أنَّ الانحراف الأوَّل يوقع الوحشة، والبغضة، والنُّفرة في قلوب الخَلْق، وصاحب الخُلُق الوسط : مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقاؤه،وفي صفة نبيِّنا : من رآه بديهة هابه، ومن خالطه عشرة أحبَّه) [مدارج السالكين] .
- قال بعض الحكماء : (الْقَ صاحب الحاجة بالبِشْر، فإنْ عدمت شكره، لم تعدم عذره) [أدب الدنيا والدين] .

من فوائد البَشَاشَة وطلاقة الوجه :
1- طلاقة الوجه تبشر بالخير، ويقبل على صاحبها النَّاس، والوجه العبوس سبب لنفرة النَّاس .
2- من فوائدها محبَّة الله عزَّ وجلَّ ؛ لقوله عليه السَّلام : ((إنَّ الله يحبُّ الطَّلْق الوجه، ولا يحبُّ العبوس)) [رواه أبو عبد الرحمن السلمى فى آداب الصحبة] .
3- طلاقة الوجه للضيف من إكرامه مع طيب الحديث عند الدُّخول والخروج وعلى المائدة [إحياء علوم الدين] .
وقد قيل : (من آداب المضيف : أن يخدم أضيافه، ويظهر لهم الغنى، والبسط بوجهه، فقد قيل : البَشَاشَة خير من القِرَى) [غذاء الألباب شرح منظومة الآداب] .

من موانع اكتساب البَشَاشَة :
1- خبث النَّفس، وتغلغل الصِّفات القبيحة فيها من الحسد والغلِّ والحقد والكبر، والتي ترسم الجهامة على وجه صاحبها، وتجعل البَشَاشَة تفارق مُحَيَّاه .
2- عدم اتباع هدي النَّبي صلى الله عليه وسلم ، والذي حثَّ على هذه الصِّفة بخلقه وقوله صلَّى الله عليه وسلم .
3 - بغض النَّاس، وكراهية الخير لهم .
من الوسائل المعينة على اكتساب البَشَاشَة :
1- استشعار الأجر الذي رتَّبه الشرع على البَشَاشَة وحسن ملاقاة المسلمين .
2- اتِّباع هدي النَّبي صلى الله عليه وسلم والذي كانت البَشَاشَة خلقه وعلمها لأمته بقوله عليه الصَّلاة والسلام .
3- حُبُّ النَّاس يجعلك تَبَشُّ في وجوههم .

نماذج من البشاشة في حياة الرَّسول صلى الله عليه وسلم :
- بَشَاشَته صلى الله عليه وسلم عند مقابلة ذوي الخلق السيِّئ، مداراة لهم واتقاء لفحشهم وتأليفًا لهم، كما ورد عن عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة -رضي الله عنها- أخبرته قالت : ((استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ائذنوا له، بئس أخو العشيرة ! أو ابن العشيرة ، فلما دخل، ألان له الكلام ، قلت : يا رسول الله ! قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام ! قال : أي عائشة ! إنَّ شرَّ النَّاس من تركه النَّاس، أو ودعه النَّاس اتقاء فحشه)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
- بَشَاشَته صلى الله عليه وسلم عند مقابلته للناس، فعن جرير رضي الله عنه قال : ((ما حجبني النَّبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي)) [رواه البخارى ومسلم] .

نماذج من حياة السَّلف والعلماء :
- إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل، الدمشقي الصالحي الحنبلي :
قال عنه الذهبي : (وذكر عن جماعة ثناءهم عليه، ووصفهم إياه بالسَّخاء والكرم والمروءة، والإحسان الكثير إلى الفقراء، وإيثارهم، وقضاء حوائجهم، والتواضع لهم، وطلاقة الوجه والبَشَاشَة والورع والخوف والعبادة، والأخلاق الجميلة ونحو ذلك) [انظر تاريخ الإسلام للإمام الذهبى] .
- شهاب الدين يحيى بن إسماعيل بن محمد القيسراني :
كان يتودَّد للصَّالحين، ويكثر الصَّوم والعبادة، ويصبر على الأذى، ولا يعامل صديقه وعدوَّه إلا بالخير وطلاقة الوجه (2)[انظر شذرات الذهب ،لابن العماد الحنبلى] .

- إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم :
كان طيب الأخلاق ينطبع، ويتطلب البَشَاشَة ويتبع، سهل القياد، واري الزِّنادِ، متَّسمًا بالعدالة، محتشمًا عن الإزالة [أعيان العصر وأعوان النصر] .

أقوال وأمثال عن البَشَاشَة وطلاقة الوجه :

- قال أبو حاتم : (البَشَاشَة إدام العلماء، وسجيَّة الحكماء؛ لأنَّ البِشْر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي، ومن بَشَّ للنَّاس وجهًا،لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك) .
- وقال أيضًا : (لا يجب للسُّلطان أن يفرط البَشَاشَة والهَشَاشَة للنَّاس، ولا أن يقلَّ منهما؛ فإنَّ الإكثار منهما يؤدِّي إلى الخفَّة والسَّخف، والإقلال منهما يؤدِّي إلى العجب والكبر) [انظر :روضة العقلاءونزهة الفضلاء] .
- قال الحارث المحاسبي : (ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة : حسن الوجه مع الصِّيانة، وحسن الخلق مع الدِّيانة، وحسن الإخاء مع الأمانة) [غذاء الألباب شرح منظومة اللآداب] .
- قال الأحنف : (رأس المروءة : طلاقة الوجه، والتودُّد إلى النَّاس) [التذكرة الحمدونية،لابن حمدون] .
- البِشْر دال على السَّخاء كما يدلُّ النَّور على الثَّمر  [التذكرة الحمدونية،لابن حمدون] .
- من حسن الخلق أن يحدِّث الرجل صاحبه وهو مبتسم [التذكرة الحمدونية،لابن حمدون] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:45 am




" التَّأنِّي أو (الأناة) "
التَّرغيب في التَّأنِّي :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " [النِّساء: 94] .
قال الطَّبري : (فتبيَّنوا، يقول : فتأنَّوا في قتل مَن أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا مَن الْتَبَس عليكم أمره، ولا تتقدَّموا على قتل أحدٍ إلَّا على قتل مَن علمتموه -يقينًا- حرْبًا لكم ولله ولرسوله) [جامع البيان فى تأويل القرآن] .
- وقال سبحانه : " وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ " [يوسف: 50] .
قال ابن عطيَّة : (هذا الفعل مِن يوسف -عليه السَّلام- أناةً وصبرًا وطلبًا لبراءة السَّاحة، وذلك أنَّه -فيما رُوِي- خشي أن يخرج وينال مِن الملك مرتبة، ويسكت عن أمر ذنبه صفحًا، فيراه النَّاس بتلك العين أبدًا، ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه، فأراد يوسف -عليه السَّلام- أن تَبِين براءته، وتتحقَّق منزلته مِن العفَّة والخير) [المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشجِّ - أشجِّ عبد القيس - : ((إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة)) [رواه مسلم] .
قال القاضي عياض : (الأناة : تربُّصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحِلْم : هذا القول الذي قاله، الدَّال على صحَّة عقله، وجودة نظره للعواقب، قلت : ولا يخالف هذا ما جاء في مسند أبي يعلى وغيره : أنَّه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشجِّ : ((إنَّ فيك خصلتين...)) الحديث، قال : يا رسول الله، كانا فيَّ أم حدثا ؟ قال : ((بل قديم)) قال : قلت : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبُّهما) [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج] .
- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ((التَّأنِّي مِن الله، والعَجَلة مِن الشَّيطان)) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال المناوي : (التَّأنِّي مِن الله تعالى أي : ممَّا يرضاه ويثيب عليه، والعَجَلَة مِن الشَّيطان أي : هو الحامل عليها بوسوسته؛ لأنَّ العَجَلَة تمنع مِن التَّثبُّت، والنَّظر في العواقب) [فيض القدير شرح الجامع الصغير] .
وقال ابن القيِّم : (العَجَلَة مِن الشَّيطان فإنَّها خفَّةٌ وطيشٌ وحدَّةٌ في العبد تمنعه مِن التَّثبُّت والوقار والحِلْم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشُّرور، وتمنع عنه أنواعًا من الخير) [الروح] .

- وعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أنَّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((التُّؤدة في كلِّ شيء خيرٌ إلَّا في عمل الآخرة)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .

أقوال السَّلف والعلماء في التَّأنِّي :
- كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يعاتبه في التَّأنِّي، فكتب إليه معاوية : (أما بعد، فإنَّ التَّفهُّم في الخبر زيادة ورشد، وإنَّ الرَّاشد مَن رشد عن العَجَلَة، وإنَّ الخائب مَن خاب عن الأناة، وإنَّ المتثبِّت مصيب، أو كاد أن يكون مصيبًا، وإنَّ العَجِل مخطئٌ أو كاد أن يكون مخطئًا) [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة،لللالكائى] .
- وقال مالك : (كان يُقَال : التَّأنِّي مِن الله، والعَجَلَة مِن الشَّيطان، وما عَجِل امرؤٌ فأصاب، واتَّأد آخر فأخطأ، إلَّا كان الذي اتَّأد أصوب رأيًا، ولا عَجِل امرؤٌ فأخطأ، واتَّأد آخر فأخطأ، إلَّا كان الذي اتَّأد أيسر خطأ) [المدخل إلى السنن الكبرى ،للبيهقى] .
- وقال إبراهيم بن أدهم : (ذكروا الأناة في الأشياء كلِّها، فقال الأحنف : أمَّا أنا فإذا حضرت جنازة لم أتأنَّ، وإذا وجدت كفؤًا زوَّجت ولم أتأنَّ، وإذا حضرت الصَّلاة لم أتأنَّ) [شعب الإيمان للبيهقى] .

من فوائد التَّأنِّي :
1- دلالة على رجاحة العقل، ووفور الرَّزانة، وطمأنينة القلب .
2- يعصم الإنسان مِن الضَّلال والخطأ .
قال ابن عثيمين : (الأناة : التَّأنِّي في الأمور وعدم التَّسرُّع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزلُّ بسبب التَّعجُّل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك. فمِن النَّاس -مثلًا- مَن يتخطَّف الأخبار بمجرَّد ما يسمع الخبر يحدِّث به، ينقله،.. ومِن النَّاس مَن يتسرَّع في الحكم، سمع عن شخص شيئًا مِن الأشياء، ويتأكَّد أنَّه قاله، أو أنَّه فعله ثمَّ يتسرَّع في الحكم عليه، أنَّه أخطأ أو ضلَّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التَّأنِّي في الأمور كلُّه خيرٌ) [شرح رياض الصالحين] .
3- التَّأنِّي كلُّه خيرٌ ومحمود العاقبة في الدُّنْيا والآخرة .

4 - قال ابن القيِّم : (إذا انحرفت عن خُلُق الأناة والرِّفق انحرفت: إمَّا إلى عَجَلة وطيش وعنف، وإمَّا إلى تفريط وإضاعة، والرِّفق والأناة بينهما) [مدارج السالكين] .

من صور التَّأنِّي :
1- عند الذهاب إلى الصَّلاة :
فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال : ((بينما نحن نصلِّي مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة الرِّجال، فلمَّا صلَّى قال : ما شأنكم؟ قالوا : استعجلنا إلى الصَّلاة ، قال : فلا تفعلوا إذا أتيتم الصَّلاة فعليكم بالسَّكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا)) [رواه البخارى] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ((إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصَّلاة وعليكم بالسَّكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا)) [رواه البخارى] .
ففي الحديثين نهي عن الاستعجال والإسراع لإدراك الصَّلاة، والأمر بالتَّأنِّي والسَّكينة في المجيء للصَّلاة والقيام لها [فتح البارى شرح صحيح البخارى] .
2- التَّأنِّي في طلب العلم :
قال تعالى : " لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ " [القيامة: 16] .
قال ابن القيِّم في هذه الآية : (ومِن أسرارها - سورة القيامة - : أنَّها تضمَّنت التَّأنِّي والتَّثبُّت في تلقِّي العِلْم، وأن لا يحمل السَّامع شدَّة محبَّته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلِّم بالأخذ قبل فراغه مِن كلامه، بل مِن آداب الرَّب التي أدب بها نبيَّه أَمْرُه بترك الاستعجال على تلقِّي الوحي، بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل مِن قراءته، ثمَّ يقرأه بعد فراغه عليه، فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلِّمه حتى يقضي كلامه) [التبيان فى أقسام القرآن] .
3- التَّأنِّي عند مواجهة العدو في ساحة القتال :
قال النُّعمان بن مقرن للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهم - في تأخير القتال يوم نهاوند : ((ربَّما أشهدك الله مثلها مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلم يُندِّمك، ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يقاتل في أوَّل النَّهار، انتظر حتى تهبَّ الأرواح، وتحضر الصَّلوات)) [رواه البخارى] .
قال ابن حجر : (قوله : ((فلم يندِّمك)) أي : على التَّأنِّي والصَّبر حتى تزول الشَّمس) [فتح البارى شرح صحيح البخارى] .
وقال الشَّافعي : (لا ينبغي أن يولِّي الإمام الغزو إلَّا ثقة في دينه، شجاعًا ببدنه، حسن الأناة، عاقلًا للحرب بصيرًا بها، غير عَجِلٍ ولا نَزِق، ويتقدَّم إليه أن لا يحمل المسلمين على مهلكة بحال) [السنن الكبرى للبيهقى] .

من أسباب عدم التَّأنِّي :
1- الغضب والحزن الشَّديد : روى ابن عبَّاس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنهم - في قصَّة اعتزال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم نساءه ، وفيه : ((اعتزل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أزواجه فقلت : خابت حفصة وخسرت... فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلًا، ثمَّ غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود : استأذن لعمر)) [رواه البخارى].
قال ابن حجر : (الغضب والحزن يحمل الرَّجل الوقور على ترك التَّأنِّي المألوف منه؛ لقول عمر : ثم غلبني ما أجد، ثلاث مرَّات) [فتح البارى شرح صحيح البخارى] .
وقال ابن الجوزي : (أشدُّ النَّاس تفريطًا مَن عَمِل مبادرة في واقعة مِن غير تثبُّت ولا استشارة، خصوصًا فيما يوجبه الغضب، فإنَّه طلب الهلاك أو النَّدم العظيم، وكم مَن غَضبَ فقتل وضرب، ثمَّ لما سكن غضبه؛ بقي طول دهره في الحزن والبكاء والنَّدم! والغالب في القاتل أنَّه يقتل، فتفوته الدُّنْيا والآخرة) [صيد الخاطر] .
2- استعجال نتائج الأمور :
العجلة طبيعة في الإنسان وهي صفة مذمومة، وهي من الشيطان، كما جاء في الحديث الذي تقدم ذكره .
قال الصنعاني : (العجلة هي السرعة في الشيء، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة محمودة فيما يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال : لا منافاة بين الأناة، والمسارعة، فإن سارع بتؤدة وتأن فيتم له الأمران، والضابط أن خيار الأمور أوسطها) [سبل السلام] .

3- التَّفريط : وذلك إذا فرَّط المرء فيما ينبغي عليه القيام به، فإنَّه يضطر للقيام به على وجه السُّرعة والعَجَلَة حتى يتدارك الأمر، وربما لا يحصل له مقصوده .

الوسائل المعينة على اكتساب صفة التَّأنِّي :
1- الدُّعاء : كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو الله بأن يهديه إلى أحسن الأخلاق، فكان مِن دعائه : واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيئها لا يصرف عنِّي سيئها إلَّا أنت [رواه مسلم] .
2- النَّظر في عواقب الاستعجال :
قال أبو إسحاق القيرواني : (قال بعض الحكماء : إيَّاك والعَجَلَة؛ فإنَّ العرب كانت تكنِّيها أمَّ الندامة؛ لأنَّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكِّر، ويقطع قبل أن يقدِّر، ويحمد قبل أن يجرِّب، ويذمُّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصِّفة أحدٌ إلَّا صحب النَّدامة، واعتزل السَّلامة) [زهر الآداب وثمر الألباب] .

3- قراءة سيرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : فنستفيد مِن سنَّته صلى الله عليه وسلم التَّأنِّي والصَّبر على الإيذاء، قال خباب بن الأرت رضي الله عنه : ((شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسِّد بردة له في ظلِّ الكعبة، قلنا له : ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا ؟ قال : كان الرَّجل فيمن قبلكم يُحْفر له في الأرض، فيُجْعَل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشَقُّ باثنتين، وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه مِن عظم أو عصب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الرَّاكب مِن صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلَّا الله، أو الذِّئب على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون)) [رواه البخارى] .

نماذج مِن تأنِّي الأنبياء والمرسلين عليهم السَّلام :

نبيُّ الله يوسف عليه السَّلام :
تأنَّى نبيُّ الله يوسف -عليه الصَّلاة والسَّلام- مِن الخروج مِن السِّجن حتى يتحقَّق الملك ورعيَّته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، وامتنع عن المبادرة إلى الخروج ولم يستعجل في ذلك .
قال تعالى : " وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ " [يوسف: 50] .
قال ابن عطيَّة : (هذا الفعل مِن يوسف - عليه السَّلام - أناةً وصبرًا وطلبًا لبراءة السَّاحة) [لامحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية] .


" التَّضْحية "

التَّرغيب في التَّضْحية :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء " [آل عمران:140] .
قال القاسمي : (أي : وليكرم ناسًا منكم بالشَّهادة، ليكونوا مثالًا لغيرهم في تَضْحية النَّفس شهادةً للحقِّ، واستماتةً دونه، وإعلاءً لكلمته) [تفسير القاسمى] .
- قال تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا " [الأحزاب:21-27] .
(لما ذكر تعالى غزوة الأحزاب، وموقف المنافقين المذبذبين منها، بالقعود عن الجهاد، وتثبيط العزائم، أمر المؤمنين في هذه الآيات بالاقتداء بالرَّسول الكريم في صبره وثباته، وتَضْحِيته وجهاده) [صفوة التفاسير ،للصابونى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((انتدب الله لمن خرج في سبيله - لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق برسلي - أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنَّة، ولولا أن أشقَّ على أمَّتي، ما قعدت خلف سريَّة، ولوددت أنِّي أُقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أُقتل ثم أحيا، ثم أُقتل)) [رواه البخارى ومسلم] .
فبذل النَّفس والشَّهادة في سبيل الله هي ذروة التَّضْحية .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال : ((من خير معاش النَّاس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه، أو رجل في غنيمة في رأس شَعَفَةٍ من هذه الشَّعَف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويعبد ربَّه حتَّى يأتيه اليقين، ليس من النَّاس إلا في خير)) [رواه مسلم] .

من فوائد التَّضْحية :
1- في التَّضْحية نصرة للدِّين .
2- في التَّضْحية تحقيق التَّكافل بين طبقات المجتمع .
3- في التضحية تقوية الأمَّة، وتحقيق تماسكها، فيهابها أعداؤها، وتصبح قويَّة البنيان عزيزة الجانب .
4- في التَّضْحية تحقيق التَّراحم بين نسيج المجتمع الإسلامي كلِّه .

من أقسام التضحية :
1 - التضحية المحمودة (المشروعة) :

- التَّضْحية بالنَّفس :
قال تعالى : " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ " [البقرة: 216] .
(أخبر أنَّه مكروه للنُّفوس؛ لما فيه من التَّعب والمشقَّة، وحصول أنواع المخاوف، والتعرُّض للمتالف، ومع هذا، فهو خيرٌ محضٌ؛ لما فيه من الثَّواب العظيم، والتَّحرُّز من العقاب الأليم، والنَّصر على الأعداء والظَّفر بالغنائم، وغير ذلك، ممَّا هو مُرَبٍّ، على ما فيه من الكراهة) [تفسير السعدى] .

2- التَّضْحية المذمومة (غير المشروعة) :
التضحية المذمومة هي التَّضْحية في نصرة باطل، أو من أجل جاهلية، وكل تضحية لم تكن في سبيل الله أو ابتغاء مرضاته، أو تحقيقًا لمقصد شريف نبيل فهي مذمومة .
فعن أبي موسى رضي الله عنه قال : ((جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! ما القتال في سبيل الله ؟ فإنَّ أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حَمِيَّةً، فرفع إليه رأسه، قال : وما رفع إليه رأسه إلَّا أنَّه كان قائمًا، فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عزَّ وجلَّ)) [رواه البخارى] .

من صور التَّضْحية :
1- التَّضْحية بالنَّفس وهي من أعلى مراتب التَّضْحية :
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال : ((من خير معاش النَّاس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه، أو رجل في غنيمة في رأس شَعَفَةٍ من هذه الشَّعَف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويعبد ربَّه حتَّى يأتيه اليقين، ليس من النَّاس إلا في خير)) [رواه البخارى ومسلم] .

2- التَّضْحية بالمال :
كما في حديث عن ابن عباس، قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود النَّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلِّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الرِّيح المرسلة)) [رواه مسلم] .

موانع اكتساب صفة التَّضحية :
1- عدم الإخلاص لله في العمل .
2- حبُّ النَّفس والأثرة .
3- الانغماس في اللَّهو والتَّرف والدعة .
4- إساءة الظنِّ وعدم الثِّقة .

5- ضعف الإيمان، والتَّفكير في الرِّزق الذي يقعده عن الإنفاق والتَّضْحية بالمال، والخوف من الموت الذي يقعده عن الجهاد والتَّضْحية بالنَّفس .

الوسائل المعينة على اكتساب صفة التَّضحية :
1- عدم الانكباب على الدُّنيا .
2- التَّخلُّص من الرُّوح الانهزاميَّة .
قال تعالى : " وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " [آل عمران: 139] .
3- حبُّ الآخرين .
4- التَّحلِّي بالشَّجَاعَة والإقدام .
5- التَّحلِّي بعلو الهمَّة .

نماذج من تَضْحية النَّبي صلى الله عليه وسلم :
الرَّسول صلى الله عليه وسلم قمة في الأخلاق الكريمة، وفي التَّضْحية والشَّجَاعَة، فكان أشجع النَّاس، وأقواهم قلبًا، وأثبتهم جنانًا، وقد كانت حياته كلُّها تَضْحية في سبيل الإسلام، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون ليلة من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال رضي الله عنه ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال)) [صححه ابن القيم فى عدة الصالحين والألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
نماذج من تَضْحية الصَّحابة :
أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه :
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطب النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : (إنَّ الله خيَّر عبدًا بين الدُّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ ؟ إن يكن الله خيَّر عبدًا بين الدُّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال : يا أبا بكر لا تبك، إنَّ أمَنَّ النَّاس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متَّخذًا خليلًا من أمتي، لاتَّخذت أبا بكر، ولكن أخوَّة الإسلام ومودَّته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر) [رواه البخارى ومسلم] .
وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال : سمعت عمر بن الخطَّاب، يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدَّق، فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت : اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا، قال : فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عنده، فقال : يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله، قلت : لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا)) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
عن ابن عمر رضي الله عنهما : (أنَّ عمر بن الخطَّاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال : يا رسول الله، إنِّي أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قطُّ أنفس عندي منه، فما تأمر به ؟ قال : إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بها، قال : فتصدَّق بها عمر : أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدَّق بها في الفقراء، وفي القُرْبى، وفي الرِّقاب، وفي سبيل الله، وابن السَّبيل، والضَّيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير مُتَمَوِّلٍ) قال : فحدَّثت به ابن سيرين، فقال : غير مُتَأَثِّلٍ مالًا) [رواه البخارى ومسلم] .

حِكَمٌ وأقوالٌ في التضحية :
- قال ابن المقفع : ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك (الرفد بالكسر:العطاء والصلة) ومحضرك، وللعامَّة بشرك وتحيَّتك، ولعدوك عدلك، وضنَّ بدينك وعرضك عن كلِّ أحد .
- قيل لعبد الله بن جعفر إنَّك لتبذل الكثير إذا سُئِلت، وتضيِّق في القليل إذا توَجَّرت؟ فقال: إنِّي أبذل مالي، وأضنُّ بعقلي [الكامل فى اللغة والأدب، للمبرد] .


" التعــــاون "

أهمية التَّعاون :
لقد حثَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على التَّعاون ودعا إليه، فقال : ((مَن كان معه فضل ظهر، فليعد به على مَن لا ظهر له، ومَن كان له فضلٌ مِن زاد فليعد به على مَن لا زاد له)) [رواه مسلم] .
وشبَّه المؤمنين في اتِّحادهم وتعاونهم بالجسد الواحد، فقال : ((مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

وقال صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا)) [رواه البخارى ومسلم] .

التَّرغيب في التَّعاون :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " [العصر: 1-3] (أي : يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثُّه عليه، ويرغِّبه فيه) [تيسير الكريم الرحمن ،للسعدى] .
(فهذه السُّورة العظيمة القصيرة، اشتملت على معان عظيمة، مِن جملتها: التَّواصي بالحقِّ، وهو التَّعاون على البرِّ والتَّقوى) [مجموع فتاوى ومقالات لابن باز] .
- وقال سبحانه : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [المائدة: 2] .
قال ابن كثير : (يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البرُّ، وترك المنكرات وهو التَّقوى، وينهاهم عن التَّناصر على الباطل، والتَّعاون على المآثم والمحارم) [تفسير القرآن العظيم] .

- وقوله عزَّ وجلَّ : " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " [آل عمران:103].
قال أبو جعفر الطَّبري: (يعني بذلك جلَّ ثناؤه: وتعلَّقوا بأسباب الله جميعًا. يريد بذلك -تعالى ذكره-: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، مِن الألفة والاجتماع على كلمة الحقِّ، والتَّسليم لأمر الله) [جامع البيان فى تأويل القرآن] .

وقال السعدي : (فإنَّ في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكَّنون مِن كلِّ أمر مِن الأمور، ويحصل لهم مِن المصالح التي تتوقَّف على الائتلاف ما لا يمكن عدُّها، مِن التَّعاون على البرِّ والتَّقوى) [تيسير الكريم الرحمن ،للسعدى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطَّال : (تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا في أمور الدُّنْيا والآخرة مندوبٌ إليه بهذا الحديث) [شرح صحيح البخارى] .
وقال أبو الفرج ابن الجوزي : (ظاهره الإخبار، ومعناه الأمر، وهو تحريضٌ على التَّعاون) [كشف المشكل من حديث الصحيحين] .
- وعن ابن عمر رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربةً مِن كربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطَّال في شرح هذا الحديث : (... وباقي الحديث حضٌّ على التَّعاون، وحسن التَّعاشر، والألفة، والسِّتر على المؤمن، وترك التَّسمع به، والإشهار لذنوبه) [شرح صحيح البخارى] .
وقال ابن حجر[فتح البارى] والعيني [عمدة القارى] : (في الحديث حضٌّ على التَّعاون، وحسن التَّعاشر والألفة) .
- وعن أنس رضي الله عنه، قال : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا))، قيل : يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف ننصره ظالـمًا ؟ قال : ((تأخذ فوق يده))[رواه البخارى] .
قال ابن بطَّال : (والنُّصرة عند العرب : الإعانة والتَّأييد، وقد فسَّره رسول الله أنَّ نصر الظالم منعه مِن الظُّلم؛ لأنَّه إذا تركته على ظلمه ولم تكفه عنه أدَّاه ذلك إلى أن يُقْتَصَّ منه؛ فمنعك له مما يوجب عليه القصاص نصره، وهذا يدلُّ مِن باب الحكم للشَّيء، وتسميته بما يؤول إليه...) [شرح صحيح البخارى] .
وقال العيني : (النُّصرة تستلزم الإعانة) [عمدة القارى] .

أقوال العلماء في التَّعاون :
- قال عطاء بن أبي رباح : (تفقَّدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، أو مشاغيل فأعينوهم، أو نسوا فذكِّروهم) [إحياء علوم الدين] .
- وقال ابن تيمية : (حياة بني آدم وعيشهم في الدُّنْيا لا يتم إلَّا بمعاونة بعضهم لبعضٍ في الأقوال أخبارها وغير أخبارها وفي الأعمال أيضًا) [الفتاوى الكبرى] .
- وقال أبو حمزة الشَّيباني لمن سأله عن الإخوان في الله مَن هم ؟ قال : (هم العاملون بطاعة الله عزَّ وجلَّ المتعاونون على أمر الله عزَّ وجلَّ، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم) [الإخوان ،لابن أبى الدنيا] .

من فوائد التَّعاون :

1- استفادة كلِّ فرد مِن خبرات وتجارب الآخرين في شتى مناحي الحياة .
2- إظهار القوَّة والتَّماسك .
3- تنظيم الوقت وتوفير الجهد .
4- ثمرة مِن ثمرات الأخوَّة الإسلاميَّة .
5- رفع الظُّلم عمَّن وقع عليه .

6- حماية للفرد .
7- تقاسم الحِمْل وتخفيف العبء .
8- سهولة التَّصدِّي لأي أخطار تواجه الإنسان ممَّن حوله .
9- سهولة إنجاز الأعمال الكبيرة التي لا يقدر عليها الأفراد .
10- القضاء على الأنانية وحبِّ الذَّات .

أقسام التَّعاون :
ينقسم التَّعاون إلى قسمين :
1- تعاون على البرِّ والتَّقوى .
2- تعاون على الإثم والعدوان .
قال ابن تيمية : (فإنَّ التَّعاون نوعان : الأوَّل : تعاونٌ على البرِّ والتَّقوى: مِن الجهاد وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقِّين؛ فهذا ممَّا أمر الله به ورسوله ، ومَن أمسك عنه خشية أن يكون مِن أعوان الظَّلمة فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية متوهِّمًا أنَّه متورِّعٌ، وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع؛ إذ كلٌّ منهما كفٌّ وإمساكٌ .
والثَّاني : تعاونٌ على الإثم والعدوان، كالإعانة على دمٍ معصومٍ، أو أخذ مالٍ معصومٍ، أو ضرب مَن لا يستحقُّ الضَّرب، ونحو ذلك؛ فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله ، نعم، إذا كانت الأموال قد أُخِذَت بغير حقٍّ، وقد تعذَّر ردُّها إلى أصحابها، ككثيرٍ مِن الأموال السُّلطانيَّة؛ فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثُّغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك : مِن الإعانة على البرِّ والتَّقوى) [السياسة الشرعية] .

آثار التَّعاون على الإثم والعدوان [نضرة النعيم] :
1- تقلب نظام المجتمع وتساعد على فساد الذِّمم .
2- تفتح أبواب الشَّرِّ وتطمس معالم الحقِّ .
3- تنبئ عن خسَّة صاحبها ودناءة نفسه .
4- دليل كامل على ضعف الإيمان وقلَّة المروءة .
5- تساعد على الطغيان .

من صورٌ مِن التَّعاون :
1- التَّعاون على تجهيز الغازي .
2- التَّعاون على دفع الظُّلم .
3- التَّعاون في الثَّبات على الحقِّ والتمسُّك به .
4- التَّعاون في الدَّعوة إلى الله .
5- التَّعاون في تزويج العُزَّاب .
6- التَّعاون في طلب العِلْم والتَّفقُّه في الدِّين .
7- التَّعاون لتفريج كربات المهمومين وسدِّ حاجات المعوزين .
8- التَّعاون مع الأمير الصَّالح، وتقديم النُّصح له ومساعدته على القيام بواجباته .

موانع اكتساب التَّعاون :
1- التَّعصُّب والحزبيَّة .
2- اتِّباع الأوهام والشُّكوك في مدى جدوى هذا التعاون والاستفادة منه .
3- الأنانيَّة، وعدم حبِّ الخير للآخرين .
4- تعذُّر الفرد بانشغاله وكثرة أعماله .
5- تنافس الأفراد .
6- محبة الصَّدارة والزَّعامة وغيرها مِن حظوظ النَّفس .
7- الحسد للآخرين .
8- سوء الظَّن بالآخرين .
9- عدم التَّعوُّد على التَّعاون .

الأسباب المعينة على اكتساب التَّعاون :
1- التَّعارف .
2- معرفة المسلم لحقوق المسلم عليه .
3- احتساب الأجر .
4- تنمية الرُّوح الجماعيَّة .

نماذج تطبيقيَّة في التعاون من حياة الأنبياء والمرسلين :
- أمر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السَّلام ببناء الكعبة، فقام إبراهيم عليه السَّلام استجابة لأمر الله، وطلب مِن ابنه إسماعيل أن يساعده على تنفيذ هذا الأمر الإلهي، ويعينه في بناء الكعبة، فقال له : ((يا إسماعيل، إنَّ الله أمرني بأمرٍ، قال : فاصنع ما أمرك ربُّك، قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك، قال : فإنَّ الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا، وأشار إلى أكمةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال : فعند ذلك رفعا القواعد مِن البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [البقرة: 127] قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " )) [رواه البخارى] .

نماذج تطبيقية مِن حياة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التَّعاون :
- كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يسعى لقضاء حوائج المسلمين، ويحبُّ إعانتهم، والوقوف معهم فيما يلمُّ بهم مِن نوازل، وكان مجبولًا على ذلك مِن صغره وقبل بعثته، وقد بيَّنت ذلك أمُّنا خديجة رضي الله عنها عندما كانت تخفِّف مِن روع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند عودته مِن غار حراء بعد نزول الوحي عليه، وكان فزعًا، فقالت له : (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقِّ) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ((كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يكون في مَهْنة أهله، فإذا حضرت الصَّلاة قام إلى الصَّلاة)) [رواه البخارى] .

نماذج تطبيقيَّة مِن حياة الصَّحابة في التَّعاون :
تعاون أبي بكر وأهل بيته مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هجرته :
- جهَّز أبو بكر راحلتين عندما أعلمه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وخاطر بنفسه وهاجر مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعندما وصلا غار ثور دخل أبو بكر أوَّلًا ليستبرأ الغار للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كي لا يصيبه أذى، وأعدَّت أسماء بنت أبي بكر لهما جهاز السَّفر، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي لهما بأخبار قريش، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يريح الغنم عليهما وهما في الغار ليشربا مِن لبنها، وفي طريقهما إلى المدينة كان أبو بكر إذا تذكر طلب قريش للرَّسول صلى الله عليه وسلم مشى خلفه، وإذا تذكر رصدها له مشى أمامه [انظر صحيح البخارى] .
تعاون الصَّحابة رضوان الله عليهم في بناء المسجد النبوي :
- عندما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لبني النَّجار : ((يا بني النَّجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، فقال أنسٌ : فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنُبِشَت، ثمَّ بالخرب فسوِّيت، وبالنَّخل فقطِّع، فصفُّوا النَّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصَّخر وهم يرتجزون والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول : اللَّهمَّ لا خير إلَّا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)) [رواه البخارى ومسلم] .
تعاون الأنصار مع المهاجرين بعد الهجرة :
- قال عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه : ((آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الرَّبيع، فقال لي سعد : إنِّي أكثر الأنصار مالًا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتها، فقلت : لا حاجة لي في ذلك، دلُّوني على السُّوق، فدلُّوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقِطًا وسمنًا)) [رواه البخارى] .
- وقالت الأنصار للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ((اقسم بيننا وبينهم النَّخل، قال : لا، قال : يكفوننا المئونة ويشركوننا في التَّمر، قالوا : سمعنا وأطعنا)) [رواه البخارى] .

وصايا في الحثِّ على التَّعاون :
- قال أبو هلال العسكري : (أجود ما قيل في التَّضافر والتَّعاون قول قيس بن عاصم المنقري يُوصي ولده وقومه : وجدت في كتاب غير مسموع لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة وعاينته، وقال : يا بني، أُوصيكم بتقوى الله، وليعطف الكبير منكم على الصَّغير، ولا يجهل الصَّغير حقَّ الكبير، وأكرموا مسلمة بن عبد الملك؛ فإنَّه نابكم الذي عنه تعبرون، ومِجَنَّكم الذي به تستجيرون، ولا تقطعوا مِن دونه رأيًا ولا تعصوا له أمرًا، وأكرموا الحجاج ابن يوسف؛ فإنَّه الذي وطَّأ لكم المغابر وذلَّل لكم قارب العرب، وعليكم بالتَّعاون والتَّضافر وإيَّاكم والتَّقاطع والتَّدابر .

- رُوِي أنَّ أكثم بن صيفي دعا أولاده عند موته، فاستدعى بضمامة مِن السِّهام، وتقدَّم إلى كلِّ واحدٍ أن يكسرها، فلم يقدر أحدٌ على كسرها، ثمَّ بدَّدها وتقدَّم إليهم أن يكسروها، فاستهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين؛ ليعجز مَن ناوأكم عن كسركم كعجزكم [صيد الأفكار فى الأدب والأخلاق والحكم]
- و(دعا يزيد بن المهلَّب ولده حبيبًا ومَن حضر مِن ولده، ودعا بسهام، فحزمت، وقال : أفترونكم كاسريها مجتمعةً ؟ فقالوا : لا، قال : أفترونكم كاسريها مفترقةً ؟ قالوا : نعم، قال : هكذا الجماعة) [صفحات مشرقة من حياة السابقين،لنذير محمد كتبى] .

مِن أقوال الحكماء :
- مَن جاد لك بمودَّته فقد جعلك عديل نفسه، فأوَّل حقوقه اعتقاد مودَّته، ثمَّ إيناسه والانبساط إليه في غير محرَّم، ثمَّ نصحه في السِّرِّ والعلانية، ثمَّ تخفيف الأثقال عنه، ثمَّ معاونته فيما ينوبه مِن حادثة، أو يناله مِن نكبة، فإنَّ مراقبته في الظَّاهر نفاق، وتركه في الشِّدَّة لُؤْم [أدب الدنيا والدين] .
- فضيلة الفلَّاحين التَّعاون بالأعمال، وفضيلة التِّجَّار التَّعاون بالأموال، وفضيلة الملوك التَّعاون بالآراء والسِّياسة، وفضيلة العلماء التَّعاون بالحِكَم [الكشكول ،لبهاء الدين الهمذانى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:47 am




" التَّواضُــع "

التَّرغيب في التَّواضُع :

أولًا: في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا " [الفرقان: 63] قال ابن القيِّم : (أي : سكينة ووقارًا، متواضعين غير أشرين ولا مَرِحين ولا متكبِّرين، قال الحسن : علماء حلماء. وقال محمَّد بن الحنفيَّة : أصحاب وقار وعفَّة، لا يسفِّهون، وإن سُفِه عليهم حلموا. والهَوْن -بالفتح- في اللُّغة: الرِّفق واللِّين، والهُون - بالضَّم - : الهَوَان فالمفتوح منه : صفة أهل الإيمان، والمضموم صفة أهل الكُفْران، وجزاؤهم مِن الله النِّيران) [مدارج السالكين] .
(وقال تعالى مخاطبًا رسوله، ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين فيما أَلان به قلبه على أمَّته المتَّبعين لأمره، التَّاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه، " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " [آل عمران: 159]) [تفسير القرآن العظيم] .
- كما أمره الله سبحانه وتعالى أن يلين جانبه للمؤمنين، وأن يتواضع لهم، فقال : " وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ " [الحجر: 88] .
قال القرطبيُّ في تفسير هذه الآية : (أي : أَلِن جانبك لمن آمن بك، وتواضعْ لهم) [الجامع لأحكام القرآن].

ثانيًا : في السُّنَّة النبوية :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما نقصت صدقة مِن مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله)) [رواه مسلم] .
قال القاضي عياض في قوله صلى الله عليه وسلم ((وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله)) : (فيه وجهان : أحدهما : أنَّ الله تعالى يمنحه ذلك في الدُّنْيا جزاءً على تواضعه له، وأنَّ تواضعه يُثْبِتُ له في القلوب محبَّةً ومكانةً وعزَّةً.
والثَّاني : أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه) [إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] .
- وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ)) [رواه مسلم] .
(يعني : أن يتواضع كلُّ واحد للآخر، ولا يترفَّع عليه، بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان مِن عادة السَّلف رحمهم الله : أنَّ الإنسان منهم يجعل مَن هو أصغر منه مثل ابنه، ومَن هو أكبر مثل أبيه، ومَن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى ما هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى مَن هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى مَن هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحدٌ على أحد، وهذا مِن الأمور التي يجب على الإنسان أن يتَّصف بها، أي بالتَّواضُع لله عزَّ وجلَّ ولإخوانه مِن المسلمين) [شرح رياض الصالحين] .

أقوال السَّلف والعلماء في التَّواضُع :
- قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : (لا يبلغ عبدٌ ذُرَى الإيمان حتى يكون التَّواضُع أحبَّ إليه مِن الشَّرف، وما قلَّ مِن الدُّنْيا أحبَّ إليه ممَّا كَثُر، ويكون مَن أحبَّ وأبغض في الحقِّ سواء، يحكم للنَّاس كما يحكم لنفسه وأهل بيته) [رواه ابن المبارك فى الزهد] .
- و(سُئِل الفضيل بن عياض عن التَّواضُع، فقال : يخضع للحقِّ، وينقاد له، ويقبله ممَّن قاله) [مدارج السالكين] .
- وقال ابن المبارك : (رأس التَّواضُع أن تضع نفسك عند مَن هو دونك في نعمة الدُّنْيا حتى تُعْلِمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل، وأن ترفع نفسك عمَّن هو فوقك في نعمة الدُّنْيا، حتى تُعْلِمه أنَّه ليس له بدنياه عليك فضل) [التواضع والخمول ،لابن أبى الدنيا] .
- وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال : (رأيت أمَّ الدَّرداء مع نساء المساكين جالسة ببيت المقدس) [التواضع والخمول ،لابن أبى الدنيا] .
- وقال قتادة : (مَن أُعْطِي مالًا أو جمالًا وثيابًا وعلمًا، ثمَّ لم يتواضع، كان عليه وبالًا يوم القيامة) [التواضع والخمول ،لابن أبى الدنيا] .
- وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك : (أيُّ الرِّجال أفضل؟ قال: مَن تواضع عن رفعة، وزهد على قُدْرَة، وترك النُّصرة على قومه) [التواضع والخمول ،لابن أبى الدنيا] .
- وقال إبراهيم بن شيبان : (الشَّرف في التَّواضُع، والعزُّ في التَّقوى، والحرِّية في القناعة) [دارج السالكين] .

من فوائد التَّواضُع :
1- أنَّ التَّواضُع يرفع المرء قدرًا ويُعْظِم له خطرًا ويزيده نبلًا [روضة العقلاء] .
2- التَّواضُع يؤدِّي إلى الخضوع للحقِّ والانقياد له [الأخلاق الإسلامية ،لحسن المرسى-بتصرف] .
3- التَّواضُع هو عين العزِّ؛ لأنَّه طاعة لله ورجوع إلى الصَّواب [الأخلاق الإسلامية ،لحسن المرسى] .
4- يكفي المتواضع محبَّة عباد الله له، ورفع الله إيَّاه [الأخلاق الإسلامية ،لحسن المرسى] .
5- التَّواضُع فيه مصلحة الدِّين والدُّنْيا، ويزيل الشَّحناء بين النَّاس، ويريح مِن تعب المباهاة والمفاخرة [فتح البارى , بتصرف] .

أقسام التَّواضُع :
(التَّواضُع نوعان : أحدهما محمود، والآخر مذموم ، والتَّواضُع المحمود : ترك التَّطاول على عباد الله والإزراء بهم . والتَّواضُع المذموم : هو تواضع المرء لذي الدُّنْيا رغبةً في دنياه، فالعاقل يلزم مفارقة التَّواضُع المذموم على الأحوال كلِّها، ولا يفارق التَّواضُع المحمود على الجهات كلِّها) [روضة العقلاء] .

ذكر أبو إسماعيل الهرويُّ للتواضع ثلاث درجات، فقال :
(الدَّرجة الأولى : التَّواضُع للدِّين، وهو أن لا يعارِض بمعقولٍ منقولًا، ولا يتَّهم للدِّين دليلًا، ولا يرى إلى الخلاف سبيلًا) [مدارج السالكين]) .

من صور التَّواضُع :
- تواضع الإنسان في نفسه :
ويكون ذلك بألَّا يظنَّ أنَّه أعلم مِن غيره، أو أتقى مِن غيره، أو أكثر ورعًا مِن غيره، أو أكثر خشية لله مِن غيره، أو يظنُّ أنَّ هناك مَن هو شرٌّ منه، ولا يظنُّ أنَّه قد أخذ صكًّا بالغفران !! وآخر بدخول الجنَّة !! لأنَّ القلوب بين إصبعين مِن أصابع الرَّحمن، يقلِّبها كيف يشاء، يقول الله تعالى : " وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " [الأنفال: 24] .
وقال أبو زيد : ما دام العبد يظنُّ أنَّ في الخَلْق مَن هو شرٌّ منه فهو متكبِّر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا ؟ قال : إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا .
ومِن التَّواضُع ألَّا يَعْظُم في عينك عملك، إن عملت خيرًا، أو تقرَّبت إلى الله تعالى بطاعة، فإنَّ العمل قد لا يُقْبَل، " إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " [المائدة: 27] ولهذا قال بعض السَّلف : لو أعلم أنَّ الله قبل منِّي تسبيحة لتمنَّيت أن أموت الآن !
ومِن ذلك : التَّواضُع عندما تسمع نصيحة، فإنَّ الشَّيطان يدعوك إلى ردِّها، وسوء الظَّنِّ بالنَّاصح؛ لأنَّ معنى النَّصيحة أنَّ أخاك يقول لك : إنَّ فيك مِن العيوب كيت وكيت .

أمَّا مَن عصمه الله تعالى فإنَّه إذا وجد مَن ينصحه ويدلُّه على عيوبه، قهر نفسه وقبل منه، ودعا له وشكره، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، في تعريف الكِبْر : ((الكِبْر : بَطَر الحقِّ، وغمط النَّاس)) [رواه مسلم] .
يعني : ردُّ الحقِّ، وبخس النَّاس أشياءهم، فالمستكبر صاحب نفسيَّة متعاظمة لا يكاد يمدح أحدًا أو يذكره بخير، وإن احتاج إلى ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه .
أمَّا إن سمع مَن يذكره ببعض عيوبه فهيهات أن ينصاع أو يلين، وما ذاك إلَّا لمركَّب النَّقص في نفسه، ولهذا كان مِن كمال الإنسان أن يقبل النَّقد والملاحظة بدون حساسيَّة أو انزعاج أو شعور بالخَجَل والضَّعف، وها هو أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحمل الرَّاية، ويرفع الشِّعار : رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا [رواه الدارمى] .
- التَّواضُع مع النَّاس :
فالمسلم يخالط النَّاس ويدعوهم إلى الخير، وإلى الأخلاق الإسلاميَّة، ومِن طبيعة النَّاس أنَّهم لا يقبلون قول مَن يعظِّم نفسه ويحقرهم، ويرفع نفسه ويضعهم، وإن كان ما يقوله حقًّا، بل عليه أن يعرف أنَّ جميع ما عنده هو فضلٌ مِن الله، فالمسلم المتواضع هو الذي لا يعطي لنفسه حظًّا في كلامه مع الآخرين، ومِن تواضع المسلم مع النَّاس: أن يجالس كلَّ طبقات المجتمع، ويكلِّم كلًّا بما يفهمه، ويجالس الفقراء والأغنياء .
قال تعالى : " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " [الكهف: 28] .

- تواضع الإنسان مع مَن هو دونه :
مِن التَّواضُع : التواضع مع من هو أقل منك، بل لا يُتصوَّر التواضع إلا مع من هو دونك، سواء في العلم أو الفهم أو المال أو الجاه ومن هو أصغر منك سنا وغير ذلك، بل إذا رأيت من وقع في معصية فلا تتعالى عليه وتعجب بنفسك وعملك، فربما كانت معصيته سببًا في توبة وإنابة، وذل وانكسار، وربما كان إعجاب الإنسان بعمله سببًا في حبوط عمله .
عن جندب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّث : ((أنَّ رجلًا قال : والله لا يغفر الله لفلان ، وأنَّ الله تعالى قال : مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان ؟! فإنِّي قد غفرت لفلان وأحبطت عملك)) [رواه مسلم] .

من الأسباب التي تعين على التَّواضُع :
1- تقوى الله :
وهذا مِن أوَّل الأمور والأسباب التي تعين المرء على التَّواضُع، وتردعه عن أخلاق أهل السَّفه والكِبْر؛ لأنَّ التَّقوى وقاية مِن كلِّ ما يغضب الله تعالى، وفعل جميع الطَّاعات التي أمر الله تعالى بها، فالكِبْر كبيرة مِن الكبائر، ولا يتَّصف بها أهل التَّقوى، والتَّواضُع مِن محاسن الأخلاق، ولابدَّ أنَّه يكون في أهل التَّقوى .
وهذا شيء يجب أن يكون مركوزًا في فطرة كلِّ إنسان، وخاصَّة إذا كان بالمرء تيه وعجب، عليه أن يعلم أنَّ الأيَّام دُوَل، يوم لك ويوم عليك، فلا ينبغي للعاقل أن يفرح بدنيا أقبلت عليه، ومِن ثَمَّ يشمخ بها، ويتعالى بنعم الله على عباد الله، والله يقول : " وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ " [آل عمران:140] فمَن تذكَّر دائمًا هذه السُّنَّة الكونيَّة خضع لإخوانه ولعامَّة النَّاس، وخفض جناحه لهم، لأنَّه ربَّما تقلَّبت به الدُّنْيا، فيذلُّ بعد أن كان عزيزًا، ويفتقر بعد أن كان غنيًّا، ويعلو عنه مَن كان يترفَّع عليه، فلِمَ الكِبْر والتِّيه والعجب ؟!
قال تعالى : " تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " [القصص: 83] .
2- عامل النَّاس بما تحبُّ أن يعاملوك به :
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المرء يحبُّ أن يتواضع له النَّاس، ويخفضوا جناحهم له، ويعاملوه برفق ولين، ويبغض -مِن ناحيةٍ أخرى- مَن يُغْلِظ له، ومَن يتكبَّر عليه بأي صورة مِن الصُّور .
ولو كان المرء جرابًا حُشِي كِبْرًا لتألَّم وتأفَّف -أيضًا- ممَّن يتكبَّر عليه، فلِمَ الكيل بمكيالين ؟!!
3- التَّفكُّر في أصل الإنسان [التواضع فى ضوء القرآن والسنة الصحيحة،لسليم الهلالى] :
إذا عرف الإنسان نفسه، علم أنَّه أذلُّ مِن كلِّ ذليل، ويكفيه نظرة في أصل وجوده بعد العدم مِن تراب، ثمَّ مِن نطفة خرجت مِن مخرج البول، ثمَّ مِن علقة، ثمَّ مِن مضغة، فقد صار شيئًا مذكورًا، بعد أن كان لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني شيئًا، فقد ابتدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوَّته، وبفقره قبل غناه .
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا بقوله :
" مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " [عبس: 18-19] .
ثمَّ امتنَّ عليه بقوله : " ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ " [عبس: 20] .
وبقوله : "فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا "[الإنسان: 2] .
لقد أحياه الله بعد موت، وأحسن تصويره، وأخرجه إلى الدُّنْيا، فأشبعه وأرواه، وكساه وهداه، وقوَّاه .
فمِن هذا بدايته، فأي وجه لتكبُّره وفخره وخيلائه ؟!
قال ابن حبَّان :
(وكيف لا يتواضع مَن خُلِق مِن نطفة مَذِرَة، وآخره يعود إلى جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة؟) . اهـ . [روضة العقلاء] .

نماذج مِن تواضع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم :
ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمَّ التَّواضُع، لا يعتريه كِبرٌ ولا بَطَرٌ على رِفْعَة قَدْرِه وعلوِّ منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يُعْرَف مجلسه مِن مجلس أصحابه؛ لأنَّه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل عنه، روى أبو داود في سننه عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه...)) [صححه الألبانى فى صحيح أبى داود] .
وقال له رجل : يا محمَّد، أيا سيِّدنا وابن سيِّدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا أيُّها النَّاس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينَّكم الشَّيطان، أنا محمَّد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله)) [صحح إسناده أحمد شاكر فى عمدة التفسير] .
- وكان صلى الله عليه وسلم مِن تواضعه، يتفقَّد أحوال أصحابه ويقوم بزيارتهم، فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : ((إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر له صومي، فدخل علي فألقيت له وسادة مِن أَدَم حشوها ليف فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال أما يكفيك مِن كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّام ، قال : قلت : يا رسول الله ! قال : خمسًا ، قلت : يا رسول الله ! قال : سبعًا ، قلت : يا رسول الله ! قال : تسعًا ، قلت : يا رسول الله ! قال : إحدى عشرة ، ثمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : لا صوم فوق صوم داود -عليه السَّلام - شطر الدَّهر ، : صم يومًا وأفطر يومًا) [رواه البخارى ومسلم] .

نماذج مِن تواضع الصَّحابة رضوان الله عليهم :
تواضع الصِّدِّيق رضي الله عنه :
- (لما استُخلف أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أصبح غاديًا إلى السُّوق، وكان يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة، فلمَّا بُويَع قالت جارية مِن الحي : الآن لا يحلب لنا، فقال : بلى لأحلبنَّها لكم، وإنِّي لأرجو ألَّا يغيِّرني ما دخلت فيه) [التبصرة لابن الجوزى] .
- وكان يقول : (وددت أنِّي شعرة في جنب عبد مؤمن) [رواه أحمد فى الزهد] .
قال هذا وهو مِن المبشَّرين بالجنَّة، وهو الصِّدِّيق العظيم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته مِن بعده !!
تواضع عمر رضي الله عنه :
- عن طارق بن شهاب، قال : (خرج عمر بن الخطَّاب إلى الشَّام ومعنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأَتَوا على مخاضة وعمر على ناقة له، فنزل عنها وخلع خفَّيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ! أنت تفعل هذا، تخلع خفَّيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة ؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك، فقال عمر : أوَّه، لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزَّة بغير ما أعزَّنا الله به أذلَّنا الله) [صححه الألبانى فى صحيح الترغيب] .
- عن أبي محذورة قال : (كنت جالسًا عند عمر رضي الله عنه، إذ جاء صفوان بن أميَّة بجَفْنَة (6) يحملها نفرٌ في عباءة، فوضعوها بين يدي عمر، فدعا عمر ناسًا مساكين وأرقَّاء مِن أرقَّاء النَّاس حوله، فأكلوا معه، ثمَّ قال عند ذلك: فعل الله بقوم، أو قال : لحى الله قومًا يرغبون عن أرقَّائهم أن يأكلوا معهم !! فقال صفوان: أما والله، ما نرغب عنهم، ولكنَّا نستأثر عليهم، لا نجد والله مِن الطَّعام الطَّيِّب ما نأكل ونطعمهم) [صحح اللبانى فى صحيح الأدب المفرد] .

تواضع عثمان رضي الله عنه :
قال الحسن : (رأيت عثمان بن عفان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة، ويقوم وأثر الحصى بجنبه، فنقول : هذا أمير المؤمنين، هذا أمير المؤمنين) [التبصرة لابن الجوزى] .
عن ميمون بن مهران قال : (أخبرني الهمدانيُّ أنَّه رأى عثمان بن عفان رضي الله عنه على بغلة، وخلفه عليها غلامه نائل وهو خليفة) [الزهد ،لأحمد] .
تواضع علي رضي الله عنه :
- عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل منهم قال : (رُئِي على علي بن أبي طالب إزارٌ مرقوعٌ، فقيل له : تلبس المرقوع ؟! فقال : يقتدي به المؤمن ويخشع به القلب) [الزهد ،لهناد بن السرى] .
- (وأنَّه رضي الله عنه قد اشترى لحمًا بدرهم، فحمله في ملحفته، فقيل له: نحمل عنك يا أمير المؤمنين. فقال: لا، أبو العيال أحقُّ أن يحمل) ( [إحياء علوم الدين] .

نماذج مِن تواضع السَّلف :
تواضع عمر بن عبد العزيز :
- (كان عند عمر بن عبد العزيز قوم ذات ليلة في بعض ما يحتاج إليه، فغشي سراجه، فقام إليه فأصلحه، فقيل له:
يا أمير المؤمنين! ألا نكفيك؟ قال: وما ضرَّني؟ قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز) [سيرة عمر بن عبد العزيز ،لابن عبد الحكم] .
- (ونادى رجلٌ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: يا خليفة الله في الأرض! فقال له عمر: مه، إنِّي لما وُلِدت اختار لي أهلي اسمًا، فسمَّوْني عمر، فلو ناديتني : يا عمر، أجبتك. فلمَّا كَبِرْتُ اخترت لنفسي الكُنَى، فكُنِّيت بأبي حفص، فلو ناديتني : يا أبا حفص، أجبتك. فلمَّا ولَّيتموني أموركم سمَّيتموني أمير المؤمنين، فلو ناديتني : يا أمير المؤمنين؛ أجبتك. وأمَّا خليفة الله في الأرض، فلست كذلك، ولكن خلفاء الله في الأرض داود النَّبيُّ عليه السَّلام وشبهه، قال الله تبارك وتعالى : " يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ "[ص: 26]) [سيرة عمر بن عبد العزيز ،لابن عبد الحكم] .
تواضع الإمام أحمد بن حنبل :
قال المروزيُّ : (لم أر الفقير في مجلس أعزَّ منه في مجلس أبي عبد الله؛ كان مائلًا إليهم مُقْصِرًا عن أهل الدُّنْيا، وكان فيه حِلْمٌ، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التَّواضُع، تعلوه السَّكينة والوَقَار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلَّم حتى يُسْأَل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدَّر) [سير أعلام النبلاء] .

وقال يحيى بن معين : (ما رأيت مثل أحمد بن حنبل!! صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء ممَّا كان فيه مِن الخير) [سير أعلام النبلاء] .

نماذج مِن تواضع العلماء المتقدِّمين :
تواضع ابن تيمية :
قال البزَّار - وهو يذكر تواضع ابن تيمية - : (وأمَّا تواضعه : فما رأيت ولا سمعت بأحدٍ مِن أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصَّغير والجليل والحقير والغني الصَّالح والفقير، وكان يدني الفقير الصَّالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله مِن الأغنياء، حتى أنَّه ربَّما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبرًا لقلبه وتقرُّبًا بذلك إلى ربِّه .
وكان لا يسأم ممَّن يستفتيه أو يسأله، بل يقبل عليه ببشاشة وجه، ولين عَرِيكة(الطبيعة) ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه: كبيًرا كان أو صغيرًا، رجلًا أو امرأةً، حرًّا أو عبدًا، عالـمًا أو عامِّيًّا، حاضرًا أو باديًا، ولا يجبهه ولا يحرجه ولا ينفِّره بكلام يوحشه، بل يجيبه ويفهمه ويعرِّفه الخطأ مِن الصَّواب بلطف وانبساط، وكان يلزم التَّواضُع في حضوره مِن النَّاس، ومغيبه عنهم في قيامه وقعوده، ومشيه ومجلسه ومجلس غيره .


" التَّــودُّد "

التَّرغيب في التَّودُّد :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " [فصلت: 34] .
قيل لابن عقيل : أسمع وصية الله عزَّ وجلَّ يقول :" ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " وأسمع النَّاس يعدُّون من يُظهر خلاف ما يبطن منافقًا، فكيف لي بطاعة الله تعالى، والتَّخلُّص من النِّفاق ؟ فقال : النِّفاق هو : إظهار الجميل وإبطان القبيح، وإضمار الشَّر مع إظهار الخير لإيقاع الشَّر، والذي تضمنته الآية : إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن [غذاء الألباب فى شرح منظومة الآداب، للسفارينى] .
- وقال تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " [الروم: 21] .
" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا " يعني : المرأة هي من الرَّجل ، "لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا " أي : تستأنسوا بها ، " وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً " محبَّة، وَرَحْمَةً يعني : الولد [تفسير القرآن العزيز ، لابن أبى زمنين] .
وقال الطبري : وقوله : " وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً " يقول : جعل بينكم بالمصاهرة والخُتُونة، مَوَدَّة تتوادُّون بها، وتتواصلون من أجلها، وَرَحْمَةً رحمكم بها، فعطف بعضكم بذلك على بعض " إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " [جامع البيان للطبرى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- وعن معقل بن يسار رضي الله عنه، قال : ((جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال : إنِّي أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها ؟ قال : لا، ثم أتاه الثَّانية فنهاه، ثم أتاه الثَّالثة، فقال : تزوَّجوا الوَدُود الولود؛ فإنِّي مكاثر بكم الأمم)) [قال الألبانى فى صحيح أبى داود حسن صحيح] .
الوَلُود : كثيرة الولد، والوَدُود : الموْدُودَة، لما هي عليه من حسن الخلق، والتَّوَدُّد إلى الزَّوج [نيل الأوطار ، للشوكانى] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ((أنَّ رجلًا قال : يا رسول الله ! إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأَحْلُم عنهم ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت، فكأنَّما تُسِفُّهم الملَّ ولا يزال معك من الله ظهير (9) عليهم ما دمت على ذلك)) [رواه مسلم] .
فأيَّده النَّبي صلى الله عليه وسلم على تودُّدِه إليهم، وإن لم يجد منهم مقابلًا لما يقوم به، إلَّا الإساءة إليه .

أقوال السَّلف والعلماء في التَّودُّد :

- قال الحسن : (التَّقدير نصف الكسب، والتَّودُّد نصف العقل، وحسن طلب الحاجة نصف العلم) [البيان والتبيين، للجاحظ] .
- وسئل الحسن عن حسن الخلق، فقال : (الكرم، والبذلة، والتَّودُّد إلى النَّاس) [الموشى ، للوشاء] .
- وعن ميمون بن مهران قال : (المروءة : طلاقة الوجه، والتَّودُّد إلى النَّاس، وقضاء الحوائج) [المروءة لابن الرزبان] .

من فوائد التَّودُّد إلى النَّاس :
1- التَّودُّد طريق موصل للحبِّ والألفة، مما يقوي روابط التَّقارب بين الأفراد، ويزيد اللُّحمة بينهم .
2- التَّودُّد وتقوية العلاقات بين النَّاس أساس لبناء مجتمع قوي مبني على الولاء والتَّناصر والتَّعاضد والتَّعاون .
3- التَّودُّد للنَّاس، وكسب محبتهم وثقتهم مدعاة لتقبل ما يطرح عليهم من أفكار أو ما يُدعون إليه بجهد أقل وبسهولة ويسر، ففرق بين التَّقبل من البشوش اللَّين المحبوب، ومن القاسي العابس الممقوت .

أنواع التَّودُّد إلى النَّاس :
التودد نوعان :
1- تودد محمود : وهو ما كان ناشئًا من محبة معتدلة لأهل الخير والصلاح .
2- تودد مذموم : وهو التودد إلى الكفار والظالمين وفسقة الناس .
موانع اكتساب التَّودُّد إلى النَّاس :
1- الكبر والخيلاء فهما من الصِّفات المنافية للتَّودُّد .
2- العبوس في وجوه النَّاس، فهو مانع لكسب وُدِّهم .
3- الغلظة في الكلام، وفظاظة العبارات، وفحش الألفاظ .
4- الشُّحُّ والبخل، مدعاة لمقت صاحبها، وتتنافى مع التَّودُّد للخَلْق .

وسائل معينة على التَّودُّد إلى النَّاس :
1- حسن الخلق مع البشْر فهو مفتاح قلوبهم، والباعث على مَوَدَّة صاحبه، وممهد له في قلوب النَّاس مكانًا .
قال أبو حاتم : (حسن الخلق بَذْر اكتساب المحبَّة، كما أنَّ سوء الخلق بَذْر استجلاب البغْضَة، ومن حَسُن خلقه صان عرضه، ومن ساء خلقه هتك عرضه؛ لأنَّ سوء الخلق يورث الضَّغائن، والضَّغائن إذا تمكَّنت في القلوب أورثت العداوة، والعداوة إذا ظهرت من غير صاحب الدِّين، أهوت صاحبها إلى النَّار، إلا أن يتداركه المولى بتفضُّلٍ منه وعفو) [رروضة العقلاء] .
2- التَّغافل عن الزلَّات، وعدم التَّوقف عند كلِّ خطأ أو كبوة يقع فيها الرَّفيق .
قال بعض الحكماء : (وجدت أكثر أمور الدُّنيا لا تجوز إلا بالتَّغافل) [أدب الدنيا والدين] .
3- البشَاشَة وطلاقة الوجه، والتَّبسُّم في وجوه النَّاس، مما يقذف الوُدَّ في قلوب البَشَر لصاحبها .
4- الرِّفق ولين الجانب، والأخذ باليُسر والسُّهولة في معاملة النَّاس .

5 - تفريج كرب الإخوان، والوقوف إلى جانبهم في الملمَّات والأحزان، ومواساتهم والإحسان لهم .
فعن سليمان مولى عبد الصَّمد بن علي : أنَّ المنصور -أمير المؤمنين- قال لابنه المهدي : (اعلم أنَّ رضاء النَّاس غاية لا تُدرك، فتحبَّبْ إليهم بالإحسان جهدك، وتودَّد إليهم بالإفضال، واقصد بإفضالك موضع الحاجة منهم) [روضة العقلاء] .
6- الزِّيارة والتَّواصل، والسُّؤال عن الإخوان، وتجنُّب الجفاء بين المتودِّد وبين من يطلب وُدَّه .
قال أديب : (الموَدَّة روح، والزِّيارة شخصها) [البصائر والذخائر] .

نماذج من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
كان هذا الخُلَق واقعًا ملموسًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتوَدَّد إلى أصحابه، ومن هم حوله، فمن ذلك :
- ما روته عائشة رضي الله عنها، من أنَّ رجلًا استأذن على النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال : ((بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة. فلما جلس تطلَّق النَّبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرَّجل، قالت له عائشة : يا رسول الله ! حين رأيت الرَّجل، قلت له كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه، وانبسطت إليه . فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة، متى عهدتني فحاشًا ؟ إنَّ شر النَّاس عند الله منزلة يوم القيامة، من تركه النَّاس اتقاء شرِّه)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن الجوزي : (هذا إنَّما فعله رسول الله على وجه المداراة، فسَنَّ ذلك لأمَّته، فيجوز أن يُستعمل مثل هذا في حق الشِّرِّير والظَّالم) [كشف المشكل من حديث الصحيحين] .
وقال ابن بطال : (المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للنَّاس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة وسلِّ السَّخيمة) [شرح صحيح البخارى] .
- ومن ذلك توَدُّده صلى الله عليه وسلم لمن حوله، بتبسُّمه في وجوه أصحابه، ودعائه لهم، فعن جرير رضي الله عنه، قال : ((ما حجبني النَّبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي، ولقد شكوت إليه أنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال : اللهمَّ ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا)) [رواه البخارى ومسلم] .
- ومِنْ توَدُّده صلى الله عليه وسلم أنَّه ((كان يمرُّ بالصِّبيان فيسلم عليهم)) ([رواه البخارى ومسلم] .

نماذج من حياة الصَّحابة رضي الله عنهم :

- عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال : ((كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدَّرداء : ونحن عنده، وفي رواية : أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر ،فسلَّم وقال : يا رسول الله! إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه ثمَّ ندمت ، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثًا)، ثمَّ إنَّ عمر ندم على ما كان منه، فأتى منزل أبي بكر، فسأل : أثمَّ أبا بكر ؟ فقالوا : لا ، فأتى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يتمعَّر؛ حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، وقال : يا رسول الله ! والله أنا كنت أظلم (مرتين) فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم : كذبت، وقال أبو بكر : صدقت. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ (مرتين)، فما أوذي بعدها)) [رواه البخارى] .
ففي الحديث، السعي إلى استجلاب الوُدِّ من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وطلبه لإزالة الشَّحناء من قلب عمر تجاهه، رضوان الله عليهم أجمعين .

نماذج من العلماء والسَّلف :
- ابن قيِّم الجوزيَّة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر :
قال ابن كثير في ترجمته : (وكان حَسن القراءة والخُلُق، كثير التَّوَدُّد، لا يحسد أحدًا، ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد) [البداية والنهاية] .
- ابن مالك، إمام العربية، أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الطَّائي الجياني :
قيل في ترجمته : (وتقدَّم وساد في علم النَّحو والقراءات، ورَبَا على كثير ممَّن تقدَّمه في هذا الشَّأن، مع الدِّين والصِّدق، وحسن السَّمت، وكثرة النَّوافل، وكمال العقل والوقار، والـتَّوَدُّد، وانتفع به الطلبة) [مرآة الجنان وعبرة اليقظان، لليافعى] .
- القاضي علاء الدين أبو الحسن علي التَّنوخي الدمشقي الحنبلي :
قيل في ترجمته : (كان رجلًا وافر العقل، حَسن الخلق، كثير التَّوَدُّد) [العبر فى خبر من غبر، للذهبى] .
- القاضي محمد بن إبراهيم بن إسحاق السلمي المناوي، ثم القاهري :
قيل في ترجمته : (كان كثير التَّودُّد إلى النَّاس، مُعَظَّمًا عند الخاص والعام، ومُحَبَّبًا إليهم) [إنباء الغمر بأبناء العمر ،لابن حجر] .

أقوالٌ وأمثالٌ في التَّودُّد :
- قيل لعبد الملك بن مروان : (ما أفدت في ملكك هذا ؟ قال : مَوَدَّة الرِّجال) [أدب الدنيا والدين] .
- وقال بعض الحكماء : (من علامة الإقبال اصطناع الرِّجال) [أدب الدنيا والدين] .
- وقال بعض البلغاء : (من استصلح عدوه، زاد في عدده، ومن استفسد صديقه، نقص من عدده) [أدب الدنيا والدين] .
- وروي عن لُقْمان أنَّه قال لابنه : (يا بنيَّ تَوَدَّدْ إلى النَّاس، فإنَّ التَّوَدُّد إليهم أمنٌ، ومعاداتهم خوفٌ) [نثر الدر فى المحاضرات ،للآبى] .
- وقال المنصور : (إذا أحببت المحمدة من النَّاس بلا مؤونة، فالْقَهم ببِشْر حَسَن) [الموشى= الظرف والظرفاء، للوشاء] .
- وقال بعض الظُّرفاء عن الظُّرف : (التَّوَدُّد إلى الإخوان، وكفُّ الأذى عن الجيران) [الموشى= الظرف والظرفاء، للوشاء] .
- وقال أبو شروان لوزيره بزرجمهر : (ما الشيء الذي يعز به السُّلطان؟ قال الطَّاعة، قال : فما سبب الطَّاعة، قال التَّوَدُّد إلى الخاصَّة والعامَّة) [مفيد العلوم ومبيد الهموم، للخوارزمى] .
- ويقال : (الأناة حُسْنٌ، والتَّودُّد يُمْنٌ) [لباب الآداب، لأسامة بن منقذ] .


" الجُود، والكَرَم، والسَّخاء، والبَذْل "

الترغيب في الجُود والكَرَم والسَّخاء والبذل :

أولًا : في القرآن الكريم :
قال تعالى : " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ " [الذَّاريات: 24-26] .
قال الطَّبري : عن مجاهدٍ، قوله : " ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ قال: أكرمهم إبراهيم، وأمر أهله لهم بالعجل حينئذٍ " [جامع البيان فى تفسير القرآن] .
قال الزجَّاج : (جاء في التَّفسير أنَّه لما أتته الملائكة أكرمهم بالعجل،وقيل : أكرمهم بأنَّه خدمهم، صلوات الله عليه وعليهم) [مفردات القرآن وإعرابه] .

- وقال تعالى : " مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " [البقرة: 261] .
قال ابن كثير : (هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثَّواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأنَّ الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبةٍ، ودينارٌ تصدَّقت به على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك)) [رواه مسلم] .
قال النَّوويُّ : (في هذا الحديث فوائد، منها : الابتداء في النَّفقة بالمذكور على هذا التَّرتيب، ومنها : أنَّ الحقوق والفضائل إذا تزاحمت، قُدِّم الأوكد فالأوكد، ومنها : أنَّ الأفضل في صدقة التَّطوع أن ينوِّعها في جهات الخير ووجوه البرِّ بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهةٍ بعينها) [شرح النووى على مسلم] .
- وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : انتهيت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في ظلِّ الكعبة، فلمَّا رآني قال : ((هم الأخسرون وربِّ الكعبة، قال : فجئت حتى جلست ، فلم أتقارَّ (لم ألبث) أن قمت، فقلت : يا رسول الله ، فداك أبي وأمي، مَن هم ؟ قال : هم الأكثرون أموالًا ، إلَّا مَن قال هكذا وهكذا وهكذا - مِن بين يديه ومِن خلفه وعن يمينه وعن شماله - وقليلٌ ما هم، ما مِن صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنمٍ لا يؤدِّي زكاتها إلَّا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلَّما نفدت أخراها، عادت عليه أولاها، حتى يُقْضَى بين النَّاس)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّوويُّ : (فيه الحثُّ على الصَّدقة في وجوه الخير) [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج] .
وقال المباركفوريُّ : (فقوله : ((قال هكذا)) الخ، كناية عن التَّصدُّق العام في جميع جهات الخير) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] .

أقوال السَّلف والعلماء في الكَرَم والجُود والسَّخاء والبذل :
- قال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه : (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار ،للزمخشرى] .
- وعنه رضي الله عنه : (الجُود حارس الأعراض) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار ،للزمخشرى] .
- وقال عليٌّ رضي الله عنه : (السَّخاء ما كان ابتداءً، فأمَّا ما كان عن مسألة فحياء وتذمُّم) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار ،للزمخشرى] .
- ورُوِي عنه مرفوعًا : ((الكَرَم أعطف مِن الرَّحم)) ([ربيع الأبرار ونصوص الأخيار ،للزمخشرى] .
- وقيل لحكيم : أيُّ فعلٍ للبَشَر أشبه بفعل الباري تعالى، فقال : الجُود [الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهانى] .
- وقال يحيى البرمكي : (أعط مِن الدُّنْيا وهي مقبلة؛ فإنَّ ذلك لا ينقصك منها شيئًا، فكان الحسن بن سهل يتعجَّب مِن ذلك ويقول : لله درُّه ! ما أطبعه على الكَرَم وأعلمه بالدُّنْيا) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار ،للزمخشرى] .

فوائد الكَرَم والجُود والسَّخاء والبذل :
1- الكَرَم والجُود والعطاء مِن كمال الإيمان وحُسْن الإسلام .
2- دليل حُسْن الظَّن بالله تعالى .
3- الكرامة في الدُّنْيا، ورفع الذِّكر في الآخرة .
4- الكريم محبوبٌ مِن الخالق الكريم، وقريبٌ مِن الخَلْق أجمعين .
5- الكريم قليل الأعداء والخصوم؛ لأنَّ خيره منشورٌ على العموم .
6- الكريم نفعه متعدٍّ غير مقصور .
7- تثمر حُسْن ثناء النَّاس عليه .

من صور الكَرَم والجُود والسَّخاء والبذل :
1- العطاء مِن المال، ومِن كلِّ ما يمتلك الإنسان مِن أشياء ينتفع بها، كالذَّهب والفضَّة، والخيل، والأنعام، والحرث، وكلِّ مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكون، أو يؤوي إليه، وكلِّ آلة أو سبب أو وسيلة ينتفع بها، وكلِّ ما يُتَدَاوى به أو يقي ضرًّا أو يدفع بأسًا، إلى غير ذلك مِن أشياء يصعب إحصاؤها .
2- ومنها العطاء مِن العلم والمعرفة، وفي هذا المجال مَن يحبُّون العطاء، وفيه بخلاء ممسكون ضنينون، والمعطاء في هذا المجال هو الذي لا يدَّخر عنده علمًا ولا معرفة عمَّن يُحْسِن الانتفاع بذلك، والبخيل هو الذي يحتفظ بمعارفه وعلومه لنفسه، فلا ينفق منها لمستحقِّيها، ضنًّا بها ورغبةً بالاستئثار .
3- ومنها عطاء النَّصيحة، فالإنسان الجَوَاد، كريم النَّفس، لا يبخل على أخيه الإنسان بأيِّ نصيحةٍ تنفعه في دينه أو دنياه، بل يعطيه نُصْحَه الذي ينفعه مبتغيًا به وجه الله تعالى .
4- ومنها : العطاء مِن النَّفس، فالجواد يعطي مِن جاهه، ويعطي مِن عَطْفِه وحنانه، ويعطي مِن حلو كلامه وابتسامته وطلاقة وجهه، ويعطي مِن وقته وراحته، ويعطي مِن سمعه وإصغائه، ويعطي مِن حبِّه ورحمته، ويعطي مِن دعائه وشفاعته، وهكذا إلى سائر صور العطاء مِن النَّفس .

من الأسباب المعينة على الكَرَم والجُود والسَّخاء والبذل :
1- توفيق الله له بالبَذْل والنَّفقة .
2- نفسه الطيِّبة .
3- حبُّ عمل الخير .

نماذج مِن كرم الأنبياء والمرسلين عليهم السلام :
إبراهيم الخليل عليه السَّلام :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كان أوَّل مَن أضاف الضَّيف إبراهيم)) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال المناويُّ : (كان يسمَّى أبا الضِّيفان، كان يمشي الميل والميلين في طلب مَن يتغدَّى معه... وفي ((الكشَّاف)) : كان لا يتغدَّى إلَّا مع ضيف) [فيض القدير] .

نماذج مِن كرم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وجوده :
- عن موسى بن أنسٍ، عن أبيه، قال : ((ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، قال : فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال : يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة)) [رواه مسلم] .
- وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ)) [رواه البخارى] .
(إنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، يقدِّم بهذا النَّموذج المثالي للقدوة الحسنة، لاسيَّما حينما نلاحظ أنَّه كان في عطاءاته الفعليَّة، مطـبِّــقًا لهذه الصُّورة القوليَّة التي قالها، فقد كانت سعادته ومسرَّته عظيمتين حينما كان يبذل كلَّ ما عنده مِن مال .
ثمَّ إنَّه يربِّي المسلمين بقوله وعمله على خُلُق حبِّ العطاء، إذ يريهم مِن نفسه أجمل صورة للعطاء وأكملها) [الأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن الميدانى] .

- وعن جبير بن مطعمٍ، أنَّه بينا هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه النَّاس، مقبلًا مِن حنينٍ، عَلِقَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ، فَخطِفَتْ رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العِضَاهِ نَعَمًا، لقسمته بينكم، ثمَّ لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا)) [رواه البخارى] .

نماذج مِن كرم الصَّحابة وجودهم :
- عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال : سمعت عمر بن الخطَّاب، يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدَّق، فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت : اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا، قال : فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عنده، فقال : يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله، قلت : لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا)) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
- وعن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنَّه سمع أنس بن مالك، يقول : كان أبو طَلْحَة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحى ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ: فلمَّا نزلت هذه الآية : " لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ " [آل عمران: 92] قام أبو طَلْحَة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنَّ الله يقول في كتابه : " لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ " وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحى، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين))، فقسمها أبو طَلْحَة في أقاربه وبني عمِّه [رواه مسلم] .

- (وقيل : مَرِض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه، فقيل له : إنَّهم يستحيون ممَّا لك عليهم مِن الدَّيْن، فقال : أخزى الله مالًا يمنع الإخوان مِن الزِّيارة، ثمَّ أمر مناديًا فنادى : مَن كان عليه لقيس بن سعد حقٌّ فهو منه بريء، قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة مَن زاره وعاده) [إحياء علوم الدين] .

نماذج مِن السَّلف في الكَرَم والجُود :
- قال محمَّد بن صبيحٍ : (لما قدم أبو الزِّناد الكوفة على الصَّدقات، كلَّم رجلٌ حمَّاد بن أبي سليمان في رجلٍ يكلِّم له أبا الزِّناد، يستعين في بعض أعماله، فقال حمَّاد : كم يؤمِّل صاحبك مِن أبي الزِّناد أن يصيب معه ؟ قال : ألف درهمٍ، قال: فقد أمرت له بخمسة آلاف درهمٍ، ولا يبذل وجهي إليه، قال : جزاك الله خيرًا، فهذا أكثر ممَّا أمَّل ورجا. قال عثمان : وقال ابن السَّمَّاك : فكلَّمه آخر في ابنه أن يحوِّله مِن كتابٍ إلى كتاب، فقال للذي يكلِّمه : إنَّما نعطي المعلِّم ثلاثين كلَّ شهرٍ، وقد أجريناها لصاحبك مائة، دع الغلام مكانه) [الكرم والجود وسخاء النفوس ، للبرجلانى] .
- (وكان أبو مرثد أحد الكُرَماء، فمدحه بعض الشُّعراء، فقال للشَّاعر : والله ما عندي ما أعطيك، ولكن قدِّمني إلى القاضي وادَّع عليَّ بعشرة آلاف درهم حتى أقرَّ لك بها، ثمَّ احبسني، فإنَّ أهلي لا يتركوني محبوسًا. ففعل ذلك، فلم يُمْس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم، وأُخْرج أبو مرثد مِن الحبس) [إحياء علوم الدين] .
- وقال حمَّاد بن أبي حنيفة : (لم يكن بالكوفة أسخى على طعامٍ ومالٍ مِن حماَّد بن أبي سليمان، ومِن بعده خلف بن حوشبٍ) [الكرم والجود وسخاء النفوس ، للبرجلانى] .
- و(كان مورقٌ يتَّجر، فيصيب المال، فلا يأتي عليه جمعةٌ وعنده منه شيءٌ، وكان يأتي الأخ، فيعطيه الأربع مائةٍ والخمس مائةٍ ويقول : ضعها لنا عندك. ثمَّ يلقاه بعد فيقول : شأنك بها، لا حاجة لي فيها) [سير أعلام النبلاء] .

نماذج مِن العلماء المعاصرين في الكَرَم والجُود :
كرم الشَّيخ عبد العزيز بن باز :
لا يكاد يُعلم في زمان سماحة الشَّيخ أحدٌ أسخى ولا أجود ولا أَكْرَم مِن سماحة الشَّيخ عبد العزيز بن باز، وذلك في وجوه السَّخاء، وصوره المتعدِّدة، ومِن هذه الصُّور :
1- كان مجبولًا على حبِّ الضُّيوف، والرَّغبة في استضافتهم منذ صغره .
2- كان يوصي بشراء أحسن ما في السُّوق مِن الفاكهة، والتَّمر، والخضار، وسائر الأطعمة التي تقدَّم لضيوفه .
3- وكان يلحُّ إلحاحًا شديدًا إذا قَدِم عليه أحدٌ أو سلَّم عليه، فكان يلحُّ عليهم بأن يحِلُّوا ضيوفًا عنده على الغداء، والعشاء، والمبيت، ولو طالت مدَّة إقامتهم .
4- وكان يرغِّب القادمين إليه بأن يتواصلوا معه في الزِّيارة، فيذكِّرهم بفضل الزِّيارة، والمحبَّة في الله، ويسوق لهم الآثار الواردة في ذلك؛ ممَّا يبعثهم إلى مزيد مِن الزِّيارة؛ لأنَّ بعضهم لا يرغب في الإثقال على سماحة الشَّيخ وإضاعة وقته؛ فإذا سمع منه ذلك انبعث إلى مزيد مِن الزِّيارات .

أجواد أهل الإسلام :
قال ابن عبد ربِّه : (وأمَّا أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلًا في عصر واحد، لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم :
فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد : عبيد الله بن العبَّاس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص .
وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد وهم : عبد الله بن عامر بن كريز، وعبيد الله ابن أبي بكرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسلم بن زياد، وعبيد الله بن معمر القرشي ثمَّ التَّيمي، وطَلْحَة الطَّلَحَات، وهو طَلْحَة بن عبد الله بن خلف الخزاعي .
وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم : عتَّاب بن ورقاء الرِّياحي، وأسماء بن خارجة الفَزَارِي، وعكرمة بن رِبْعِي الفيَّاض) [العقد الفريد ،لابن عبد ربه] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:50 am



" حُسْـن الظَّـن "

التَّرغيب في حُسْن الظَّن :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تبارك وتعالى : " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ " [النور: 12] .
قال ابن عاشور في تفسيره : (فيه تنبيه على أنَّ حقَّ المؤمن إذا سمع قَالَةً في مؤمن، أن يبني الأمر فيها على الظَّن لا على الشَّك، ثم ينظر في قرائن الأحوال وصلاحية المقام، فإذا نسب سوء إلى من عرف بالخير، ظنَّ أن ذلك إفك وبهتان، حتى يتضح البرهان، وفيه تعريض بأنَّ ظنَّ السُّوء الذي وقع هو من خصال النِّفاق، التي سرت لبعض المؤمنين عن غرورٍ وقلة بَصارَة، فكفى بذلك تشنيعًا له) [التحرير والتنوير، لابن عاشور] .
وقال أبو حيان الأندلسي : (فيه تنبيه على أنَّ حقَّ المؤمن إذا سمع قَالَةً في أخيه، أن يبني الأمر فيه على ظنِّ الخير، وأن يقول بناء على ظنِّه : هذا إفك مبين، هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه، كما يقول المستيقن المطَّلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحَسَن) [البحر المحيط فى التفسير،لأبى حيان الأندلسى] .
وقال الخازن : (والمعنى : كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول أهل الإفك أن يكذبوه ويحسنوا الظَّن، ولا يسرعوا في التُّهمة، وقول الزُّور فيمن عرفوا عفَّته وطهارته) [لباب التأويل فى معانى التنزيل،للخازن] .
- وقال الله تبارك وتعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات: 12] .
قال ابن حجر الهيتمي : (عقَّب تعالى بأمره باجتناب الظَّن، وعلَّل ذلك بأنَّ بعض الظَّن إثم، وهو ما تخيَّلت وقوعه من غيرك من غير مستند يقيني لك عليه، وقد صمَّم عليه قلبك، أو تكلَّم به لسانك من غير مسوِّغ شرعي) [الزاجر عن اقتراف الكبائر،للهيثمى] .

ثانيًا: في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال : ((إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا)) [أخرجه أحمد، والبخارى فى الأدب المفرد] .
قال النَّووي : (المراد : النَّهي عن ظنِّ السَّوء، قال الخطَّابي: هو تحقيق الظَّن وتصديقه دون ما يهجس في النَّفس، فإنَّ ذلك لا يُمْلَك. ومراد الخطَّابي أنَّ المحَرَّم من الظَّن ما يستمر صاحبه عليه، ويستقر في قلبه، دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإنَّ هذا لا يكلَّف به) [شرح النووى على مسلم] .

- وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة وهو يقول : ((ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حُرْمَتك. والذي نفس محمَّد بيده، لحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حرْمَة منكِ، ماله ودمه، وأن نظنَّ به إلَّا خيرًا)) [أورده الألبانى فى السلسلة الصحيحة] .

أقوال السَّلف والعلماء في حُسْن الظَّن :
- قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : (لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا، وقال أيضًا : لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه) [الآداب الشرعية لابن مفلح] .
- وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعنَّ فيه مقالات الرِّجال، ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى) [ذكره ابن بطال فى شرح صحيح البخارى] .
- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ) [صحح إسناده الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة] .
- وعن سعيد بن المسيَّب قال : (كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله : أن ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنَّن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا) [الاستذكار ،لابن عبد البر] .

من فوائد حُسْن الظَّن :
إن لم يكن في هذه الصِّفة إلَّا راحة القلب، وسلامة البال لكفى، كيف لا، وبها يسلم الإنسان من الخواطر الرَّديئة التي تقلقه، وتؤذي نفسه، وتجلب عليه كَدَرَ البال، وتعب النَّفس والجسد، ومن هنا نعرف فضيلة هذه الصِّفة الرَّائعة والخُلق الفاضل، وهذه جملة من فوائد حسن الظن : 1- حُسْن الظَّن علامة على كمال الإيمان في قلب المتحلِّي به، فلا يظنُّ بالمؤمنين خيرًا إلا من كان منهم، كما قال تبارك وتعالى في سورة النُّور : " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ " [النور: 12] .
2- فيه إغلاق باب الفتنة والشَّر على الشَّيطان الرَّجيم؛ فإنَّ من أبوابه سوء الظَّن بالمسلمين، قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ " [الحجرات: 12] فمن يَحْكُم بشرٍّ على غيره بالظَّن، بعثه الشَّيطان على أن يطول فيه اللِّسان بالغيبة فيهلك، أو يقصر في القيام بحقوقه، أو يتوانى في إكرامه، وينظر إليه بعين الاحتقار، ويرى نفسه خيرًا منه، وكل ذلك من المهلكات [إحياء علوم الدين] .
3- طريق من طرق زيادة الألفة والمحبَّة بين أفراد المجتمع المسلم، وحماية له من التَّفكُّك والتَّشرذم .

أقسام الظَّن :
ينقسم الظَّن من حيث الحمد والذم إلى قسمين :
1- ظنٌّ محمود :
وهو ما عبرنا عنه هنا بحسن الظَّن، وهو المقصود هنا، قال القرطبي : (الظَّن في الشَّريعة قسمان: محمود ومذموم، فالمحمود منه : ما سلم معه دين الظَّان والمظنون به عند بلوغه، والمذموم ضدُّه) [تفسير القرطبى] .
2- ظنٌّ مذموم :
وهو ضد الأول المحمود، كما سبق في كلام القرطبي، ولزيادة توضيحه وبيانه نقول : هو ما تخيلت وقوعه من غيرك من غير مستند يقيني لك عليه، وقد صمَّم عليه قلبك، أو تكلَّم به لسانك من غير مسوِّغ شرعي [الزواجر عن اقتراف الكبائر] .
وهو سوء الظَّن المنهي عنه شرعًا، والذي حذرنا منه كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلم، وقد أجاز العلماء بعض صوره، قال أبو حاتم : سوء الظَّن على ضربين : أحدهما : منهي عنه بحكم النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلم .
والآخر : مستحب .
فأما الذي نهى عنه، فهو استعمال سوء الظَّن بالمسلمين كافةً، وأمَّا الذي يستحب من سوء الظَّن، فهو كمن بينه وبين آخر عداوة أو شحناء في دين أو دنيا، يخاف على نفسه من مَكْرِه، فحينئذ يلزمه سوء الظَّن بمكائده ومَكْرِه؛ كي لا يصادفه على غرَّة بمكره فيهلكه .

من صور حُسْن الظَّن :
1- حُسْن الظَّن بالله :
عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول : ((لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحُسْن الظَّن بالله عزَّ وجلَّ)) [رواه مسلم] .
فإحسان الظَّن بالله تبارك وتعالى واجب، وهو أُنْسٌ للعبد في حياته، ومَنْجَى له بعد مماته، قال النَّووي في شرحه على صحيح مسلم : (قال العلماء : معنى حُسْن الظَّن بالله تعالى: أن يَظُنَّ أنَّه يرحمه، ويعفو عنه، قالوا : وفي حالة الصِّحَّة يكون خائفًا، راجيًا، ويكونان سواء، وقيل : يكون الخوف أرجح. فإذا دنت أمارات الموت، غلَّب الرَّجاء، أو محَّضه؛ لأنَّ مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي، والقبائح، والحرص على الإكثار من الطَّاعات، والأعمال، وقد تعذَّر ذلك، أو معظمه في هذا الحال، واستُحِبَّ إحسان الظَّن المتضمِّن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له) [شرح النووى على مسلم] .
وقال ابن القيِّم : (كلما كان العبد حَسن الظَّن بالله، حَسن الرَّجاء له، صادق التوكُّل عليه: فإنَّ الله لا يخيِّب أمله فيه البتَّة؛ فإنَّه سبحانه لا يخيِّب أمل آملٍ، ولا يضيِّع عمل عاملٍ، وعبَّر عن الثقة وحُسْن الظَّن بالسَّعة؛ فإنَّه لا أشرح للصَّدر، ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله، ورجائه له، وحُسْن ظنِّه به) [مدارج السالكين] .

وقال أيضًا : (فعلى قدر حُسْن ظنِّك بربِّك ورجائك له، يكون توكُّلك عليه؛ ولذلك فَسَّر بعضهم التَّوكُّل بحُسْن الظَّن بالله، والتَّحقيق : أنَّ حُسْن الظَّن به يدعوه إلى التوكُّل عليه، إذ لا يُتَصَوَّر التَّوكُّل على من ساء ظنك به، ولا التَّوكُّل على من لا ترجوه) [مدارج السالكين] .

2- حُسْن الظَّن بالإخوان والأصدقاء :
على المسلم أن يُحِسَن الظَّن بإخوانه المسلمين عامَّة، وبأصدقائه المقرَّبين خاصَّة، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيَّن أنه واجب على المسلم تجاه أخيه المسلم، فيجب على المسلم أن يلتمس لإخوانه الأعذار ما استطاع، ويحمل عليها ما يبلغه عنهم من قول أو فعل. فإذا لم يجد محملًا، فليقل : لعل لهم عذرًا لم أعرفه .
فإذا لم تطق ما سمعت من قول أو فعل أو تصرف، فاذهب إلى أخيك وصارحه بالأمر، وبيِّن له، فإنْ كان أخطأ بادر بتصحيح خطئه، وإن لم يكن كذلك أزال ما في قلبك من لَبْس، وبيَّن لك حقيقة الأمر فتطيب نفسك بذلك .
(إنَّ الخطأ في حُسْن الظَّن بالمسلم، أسلم من الصَّواب بالطَّعن فيهم، فلو سكت إنسان مثلًا عن لعن إبليس، أو لعن أبي جهل، أو أبي لهب، أو من شاء من الأشرار طول عمره، لم يضرَّه السُّكوت، ولو هفا هفوة بالطَّعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرض للهلاك، بل أكثر ما يُعْلم في النَّاس لا يحل النُّطق به؛ لتعظيم الشَّرع الزَّجر عن الغيبة، مع أنَّه إخبار عما هو متحقِّق في المغتاب، فمن يلاحظ هذه الفصول، ولم يكن في طبعه ميلٌ إلى الفضول، آثر ملازمته السُّكوت وحُسْن الظَّن بكافة المسلمين، وإطلاق اللِّسان بالثَّناء على جميع السَّلف الصَّالحين. هذا حكم الصَّحابة عامَّة) [الاقتصاد فى الاعتقاد ،لأبى حامد الغزالى] .

من موانع اكتساب حُسْن الظَّن :
1- العيش في مجتمع يغلب عليه سوء الظَّن، وانتشار الشُّكوك في أفراده .
2- التَّربية منذ الصِّغر على سوء الظَّن وتغليب جانب التُّهمة على السَّلامة .
3- الجهل بأحكام الدِّين الحنيف، والابتعاد عن تعاليمه الدَّاعية إلى حُسْن الظَّن .
4- الجهل بهذه الصِّفة الطَّيبة وآثارها الجميلة في المجتمع .

من الوسائل المعينة على اكتساب حُسْن الظَّن :
1- دعاء الله سبحانه، والابتهال إليه حتى يمن عليك بقلب سليم، فالدُّعاء علاج ناجع، ووسيلة نافعة، ليس لهذه الصِّفة فحسب، بل لجميع الأمور الدينيَّة والدنيويَّة .
2- الاقتداء بالرَّسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، وسلف الأمَّة الصَّالح في حُسْن ظنِّهم ببعضهم، وتعاملهم مع الإشاعات والأكاذيب، ومحافظتهم على أواصر الحبِّ والموَدَّة بينهم .
3- التَّربية الحسنة للأبناء منذ نعومة أظفارهم، على حُسْن الظَّن، فينمو الفرد، ويترعرع في ظلِّ هذه الصِّفة الحميدة، فتتجذَّر في نفسه، وتتأصَّل في داخله، وتصبح سجيَّة له لا تنفك عنه أبدًا بإذن الله .
4- أن ينزل المرء نفسه منزلة غيره، وهو علاج ربَّاني، ودواء قرآني، أرشد الله إليه المؤمنين، وعلَّمهم إيَّاه، حيث قال : " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ " [النور: 12]، فأشعرهم تبارك وتعالى أنَّ المؤمنين كيان واحد، وضرر الفرد منهم ضرر للجماعة بأكملها .
ولو استشعر كلُّ مؤمن هذا الأمر عند صدور فعل أو قول من أخيه، فوضع نفسه مكانه، لدعاه ذلك إلى إحسان الظَّن بالآخرين .
5- محاولة زيادة الإيمان بفعل الخيرات والطَّاعات، وعلاج أمراض القلب من الحسد والغلِّ والخيانة وغيرها، فمتى ما زاد إيمان المرء وصفى قلبه من هذه الأمراض والأوبئة، حَسُن ظنُّه بإخوانه .
6- حمل الكلام على أحسن محامله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا .

نموذج من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد داخلته الرِّيبة في امرأته، وأحاطت به ظنون السُّوء فيها؛ لأنَّها ولدت غلامًا أسود، على غير لونه ولونها، فأزال النَّبي صلى الله عليه وسلم ما في قلبه من ظنٍّ وريبة، بسؤاله عن لون إبله، فقال : ألوانها حمر ، قال : هل فيها من أورق ؟ قال : نعم ، قال : فأنَّى ذلك ؟ قال : لعله نزعه عرق ، قال : فلعل ابنك هذا نزعه عرق [رواه البخارى ومسلم] .

نموذج من السَّلف :
مرض الشافعي رحمه الله، فأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي : قوَّى الله ضعفك ، فقال الشافعي : لو قوى ضعفي لقتلني، قال : والله ما أردت إلَّا الخير، فقال الشافعي : أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير [آداب الشافعى ومناقبه، لابن أبى حاتم] .
حُسْن الظَّن في واحة الأدب والأمثال :
1- وقال محمَّد بن حرب : صواب الظَّن، الباب الأكبر من الفراسة .

2- وقال الخليل بن أحمد : يجب على الصَّديق مع صديقه استعمال أربع خصال : الصَّفح قبل الاستقالة، وتقديم حُسْن الظَّن قبل التُّهمة، والبذل قبل المسألة، ومخرج العذر قبل العتب، وقال رجل لمطيع بن إياس : جئتك خاطبًا لموَدَّتك. قال : قد زوجتكها على شرط أن تجعل صداقها أن لا تسمع في مقالة النَّاس، وقالوا : السِّتر لما عاينت، أحسن من إذاعة ما ظننت [غرر الخصائص الواضحة،لأبى إسحاق الوطواط] .


" الحِكْمَـــة "

من معاني الحِكْمَة :
- الحِكْمَة بمعنى السُّنَّة، وبيان الشَّرائع :
قال تعالى : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " [البقرة: 129] .
وقال تعالى : " كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ " [البقرة: 151] .
قال ابن القيِّم : (الحِكْمَة في كتاب الله نوعان : مفردة، ومقترنة بالكتاب، فالمفردة فُسِّرت بالنُّـبُوَّة، وفُسِّرت بعلم القرآن، قال ابن عباس : هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه، ومُحْكَمه ومُتَشَابهه، ومقدَّمه ومؤخَّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله، وقال الضَّحاك : هي القرآن والفهم فيه، وقال مجاهد : هي القرآن، والعلم والفِقْه، وفي رواية أخرى عنه : هي الإصابة في القول والفعل. وقال النَّخعي: هي معاني الأشياء وفهمها .

وقال الحسن : الورع في دين الله، كأنَّه فسَّرها بثمرتها ومقتضاها. وأما الحِكْمَة المقرونة بالكتاب، فهي السُّنَّة. كذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة، وقيل : هي القضاء بالوحي، وتفسيرها بالسُّنَّة أعم وأشهر) ((تفسير القرآن الكريم)) لابن القيم (التفسير القيم)  .
2- الحِكْمَة بمعنى النُّبُوَّة :
قال تعالى : " فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ " [البقرة: 251] .
وقال تعالى : " وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ " [ص: 20] .
وقال تعالى : " وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ " [الزخرف: 63] .
3- الحِكْمَة بمعنى الفِقْه :
قال تعالى : " يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ " [البقرة: 269] .

الترغيب في الحِكْمَة :

أولًا: في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [النَّحل: 125] .
ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ أي : بالمقالة المحْكَمة الصَّحيحة ، وهو الدَّليل الموضِّح للحقِّ، المزيح للشُّبهة) [محاسن التأويل للقاسمى] .
- وقال تعالى : " يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " [البقرة: 269] .
أي : أنَّه تعالى يُعطي الحِكْمَة والعلم النَّافع المصرِّف للإرادة، لمن يشاء من عباده، فيميِّز به الحقائق من الأوهام، ويسهل عليه التَّفرقة بين الوسواس والإلهام، وآلة الحِكْمَة، العقل المستقل بالحكم في إدراك الأشياء بأدلتها، على حقيقتها، ومن أُوتي ذلك عرف الفرق بين وعد الرَّحمن ووعد الشَّيطان، وعضَّ على الأوَّل بالنَّواجذ، وطرح الثَّاني وراءه ظهريًّا، وفهم الأمور) [تفسير المراغى] .
وقال السعدي : (إنَّ من آتاه الله الحِكْمَة فقد آتاه خيرًا كثيرًا، وأيُّ خير أعظم من خير فيه سعادة الدَّارين، والنَّجاة من شقاوتهما ! وفيه التَّخصيص بهذا الفضل، وكونه من ورثة الأنبياء، فكمال العبد متوقِّف على الحِكْمَة، إذ كماله بتكميل قوَّتيه العلميَّة والعمليَّة، فتكميل قوَّته العلميَّة : بمعرفة الحقِّ، ومعرفة المقصود به، وتكميل قوَّته العمليَّة : بالعمل بالخير وترك الشَّر، وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل، وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك) [تفسير السعدى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلِّمها)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّووي : (ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها، معناه : يعمل بها ويعلِّمها احتسابًا، والحكمة : كلُّ ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح) [شرح النووى على مسلم] .

- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ضمَّني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : ((اللهمَّ علِّمه الحِكْمَة)) [رواه البخارى]
قال ابن حجر : (اختلف الشُّرَّاح في المراد بالحِكْمَة هنا، فقيل : القرآن، كما تقدم، وقيل: العمل به، وقيل : السُّنَّة، وقيل : الإصابة في القول، وقيل : الخشية، وقيل : الفهم عن الله، وقيل : العقل، وقيل : ما يشهد العقل بصحته، وقيل : نور يُفرِّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل : سرعة الجواب مع الإصابة،وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التَّفسير في تفسير قوله تعالى : " وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ " والأقرب أنَّ المراد بها في حديث ابن عباس : الفهم في القرآن) [فتح البارى] .

من أقوال السَّلف وأهل العلم في الحِكْمَة :
- قال ابن مسعود رضي الله عنه : (ينبغي لحامل القرآن، أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا) [رواه ابن أبي شيبة وأحمد في ((الزهد)) وأبو نعيم في ((الحلية)) موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه]
- وكتب سلمان إلى أبي الدَّرداء : (إنَّما العلم كالينابيع، فينفع به الله من شاء، ومَثَلُ حِكْمَة لا يُتَكلَّم بها، كجسد لا رُوح له) [رواه ابن أبي شيبة في المصنف] .
- وقال ابن عباس رضي الله عنهما : (كونوا ربَّانيِّين حُكَماء فقهاء) [فتح الباري] .
- وعن عكرمة قال : (قال عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم: لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير، فإنَّ الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئًا، ولا تعط الحِكْمَة من لا يريدها، فإنَّ الحِكْمَة خيرٌ من اللؤلؤ، ومن لم يردها شرٌّ من الخنزير) [رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرىوابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله] .

وقال عمر بن عبد العزيز : إذا رأيتم الرَّجل يطيل الصَّمت، ويهرب من النَّاس، فاقْرَبوا منه؛ فإنَّه يُلقَّى الحِكْمَة [التبصرة ،لابن الجوزى] .

من فوائد الحِكْمَة :
1- من فوائد الحِكْمَة، أنها طريق إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ، موصلة إليه، مقرِّبة منه، وحينها ينقطع العبد عمن سواه، ولا يطمع في غيره .
2- أنَّها سِمَة من سمات الأنبياء والصَّالحين، وعلامة للعلماء العاملين، ومزيَّة للدُّعاة المصلحين .
3- من أهمِّ فوائد الحِكْمَة، الإصابة في القول والسَّداد والعمل .
4- أنَّها ترفع الإنسان درجات وتشرِّفه، وتزيد من مكانته بين النَّاس، فعن مالك بن دينار قال : (قرأت في بعض كتب الله : أنَّ الحِكْمَة تزيد الشَّريف شرفًا، وترفع المملوك حتى تُجْلِسه مجالس الملوك) [الحث على طلب العلم والاجتهاد فى جمعه، لأبى هلال العسكرى] .
5- فيها دلالة على كمال عقل صاحبها وعلوِّ شأنه، وهذا يجعله قريبًا من النَّاس، حبيبًا لقلوبهم، ومَهْوَى أفئدتهم، يقول فيسمعون، ويأمر فيطيعون؛ لأنَّهم يدركون أنَّ رأيه نِعْم الرأي، ومشورته خير مشورة .
6- أنَّها تدعو صاحبها للعمل على وفق الشَّرع، فيصيب في القول والفعل والتَّفكير، ويسير على هدى وبصيرة. قال أبو القاسم الجنيد بن محمد، وقد سئل: بم تأمر الحِكْمَة ؟ قال : (تأمر الحِكْمَة بكلِّ ما يُحْمَد في الباقي أثره، ويطيب عند جملة النَّاس خبره، ويُؤْمَن في العواقب ضرره) [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبى نعيم] .

أنواع الحِكْمَة :
الحِكْمَة نوعان :
النَّوع الأوَّل : حِكْمَة علميَّة نظريَّة، وهي الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا .
النَّوع الثَّاني : حِكْمَة عمليَّة، وهي وضع الشيء في موضعه [مدارج السالكين] .

من موانع اكتساب الحِكْمَة :
1- فَقْد البصيرة الدَّالة على حقائق الأمور، فيتَّخذ قراره على ظواهرها .
2- عدم استشارة الصَّالحين، وأهل الخبرة .
3- عدم الاستفادة من خبرات السَّابقين .

من وسائل اكتساب الحِكْمَة :
الحِكْمَة من حيث الاكتساب وعدمه تنقسم إلى قسمين :
- حِكْمَة فطريَّة: يؤتيها الله عز وجل من يشاء، ويتفضَّل بها على من يريد، وهذه لا يد للعبد فيها، وهي التي عناها عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حينما كتب إلى أبي موسى الأشعري : (إنَّ الحِكْمَة ليست عن كِبَر السِّن، ولكنَّه عطاء الله يعطيه من يشاء، فإيَّاك ودناءة الأمور، ومُرَّاق الأخلاق) [الإشراف في منازل الأشراف لابن أبي الدنيا] .
- حِكْمَةٌ مكتسبةٌ : يكتسبها العبد بفعل أسبابها، وترك موانعها، فيسهل انقيادها له، وتجري على ألفاظه التي ينطق بها، وتكتسي بها أعماله التي يفعلها، ويشهدها النَّاس على حركاته وسكناته .

ومن طرق اكتسابها :
1- التَّفقه في الدِّين، وهو من الخير الكثير الذي أشارت إليه الآية : قال تعالى : " يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ " [البقرة: 269]) [هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا، لمحمود محمد الخزندار] وهي ثمرة من ثمار التَّربية القرآنية، ونتيجة من نتائجها؛ قال سيد قطب : (والحِكْمَة ثمرة التَّعليم بهذا الكتاب، وهي ملكة يتأتَّى معها وضع الأمور في مواضعها الصَّحيحة، ووزن الأمور بموازينها الصَّحيحة، وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات.. وكذلك تحقَّقت هذه الثَّمرة ناضجة لمن ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزكَّاهم بآيات الله) [في ظلال القرآن،لسيد قطب] .
2- مجالسة أهل الصَّلاح، والاختلاط بهم، والاستفادة منهم؛ لذا كان لُقْمان يقول لابنه وهو يوصيه ويدُلُّه على طريق الحِكْمَة : (يا بُنَيَّ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإنَّ الله يحيي القلوب بنور الحِكْمَة، كما يحيي الأرض الميِّتة بوابل السَّماء) [تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك] .
3- العبادة الحقَّة لله سبحانه، والارتباط الوثيق به، والبعد عن المعاصي، وطرد الهوى، كلُّ ذلك من طُرُق نَيْل الحِكْمَة؛ فعن الحسن، قال : (من أحسن عبادة الله في شبيبته، لقَّاه الله الحِكْمَة عند كِبَر سنِّه، وذلك قوله : " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " [القصص: 14]) [المجالسة وجواهر العلم، لأبي بكر الدينوري] وقال ابن الجوزي : (لكلِّ باب مفتاح، ومفتاح الحِكْمَة: طرد الهوى) [التبصرة، لابن الجوزي] .

4- تحرِّي الحلال في مأكله ومشربه وملبسه وشأنه كلِّه سبب في نَيْل الحِكْمَة، والوصول إلى مصافِّ الحكماء .
5- كثرة التَّجارب، والاستفادة من مدرسة الحياة؛ فــ(من مشارب الحِكْمَة : الاستفادة من العمر والتَّجارب، بالاعتبار، وأخذ الحَيْطة لأمر الدِّين والدُّنيا، ففي الحديث : ((لا يُلدغ المؤمن من جحر مرَّتين)) [رواه البخاري ومسلم] وكثرة التَّجارب هي التي تُكْسِب صاحبها الحلم والحِكْمَة) [هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا، لمحمود محمد الخزندار] .
6- ألَّا يعتمد المرء على رأي نفسه، بل عليه أن يستشير ذوي الخبرة والتَّجربة من إخوانه الصَّالحين؛ ليزداد بصيرة بالعواقب [الرائد = دروس في التربية والدعوة، لمازن بن عبد الكريم الفريح] .

نماذج من حياة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام :
حِكْمَة نبيِّ الله سليمان عليه السلام في القضاء :
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان، فقال : هاتوا السِّكين أشقُّه بينهما، فقالت الصُّغرى : يرحمك الله، هو ابنها، لا تشقَّه، فقضى به للصُّغرى)) [رواه البخاري ومسلم]
قال ابن الجوزي : (أما داود عليه السلام فرأى استواءهما في اليد فقدم الكبرى لأجل السن، وأما سليمان عليه السلام فرأى الأمر محتملًا، فاستنبط فأحسن، فكان أَحَدَّ فطنة من داود، وكلاهما حكم بالاجتهاد، لأنه لو كان داود حكم بالنص لم يسع سليمان أن يحكم بخلافه، ولو كان ما حكم به نصًّا لم يخف على داود .
وهذا الحديث يدل على أن الفطنة والفهم موهبة لا بمقدار السن) [كشف المشكل، لابن الجوزي] .
نماذج من حِكْمَة النَّبي صلى الله عليه وسلم في معاملة قومه :
- عن عائشة، زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم : ((هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدُّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال : يا محمد، فقال ذلك فيما شئت أن أُطْبِق عليهم الأخشبين ؛ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وفي صلح الحُدَيْبِية : دعا النَّبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((اكتب : بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، فقال سهيل : أما الرَّحمن ، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهمَّ ،فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : اكتب : باسمك اللهمَّ ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله، فقال سهيل : والله لو كنَّا نعلم أنَّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب : محمَّد بن عبد الله، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : والله إنِّي لرسول الله، وإن كذَّبتموني، اكتب : محمَّد بن عبد الله...)) [رواه البخارى] .
نماذج من حِكْمَة السلف :
أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ((إنَّ أبا بكر رضي الله عنه خرج، وعمر رضي الله عنه يكلِّم النَّاس، فقال : اجلس، فأبى، فقال : اجلس. فأبى، فتشهَّد أبو بكر رضي الله عنه، فمال إليه النَّاس، وتركوا عمر، فقال : أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمَّدًا صلى الله عليه وسلم قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، قال الله تعالى : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى الشَّاكِرِينَ " [آل عمران: 144] والله لكأنَّ النَّاس لم يكونوا يعلمون أنَّ الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه، فتلقاها منه النَّاس، فما يُسْمَع بَشَرٌ إلَّا يتلوها)) [رواه البخارى] .
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
قال عمر : ((وافقت ربِّي في ثلاث، قلت : يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصَلًّى ؟ فنزلت : " وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى " [البقرة: 125] وقلت : يا رسول الله، إنَّ نساءك يدخل عليهن البَرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن ؟ فنزلت آية الحجاب ، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغَيْرة، فقلت لهن : " عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا " [التَّحريم: 5] قال : فنزلت كذلك)) [رواه البخارى ومسلم مختصرًا واللفظ للبخارى] .

عثمان بن عفان رضي الله عنه :
فقد أمر الصحابة إذا اختلفوا في شيء عند جمع القرآن أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصُّحف في المصاحف، ردَّ عثمان الصُّحف إلى حفصة رضي الله عنها، وأرسل إلى كلِّ أُفُقٍ من الآفاق بمصحف ممَّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرق [الإتقان فى علوم القرآن ، للسيوطى] .
الحسن بن علي رضي الله عنه :
عن الأعمش قال : (ما زال الحسن يعي الحِكْمَة حتى نطق بها) [مصنف ابن أبى شيبة] .

حكم وأمثال عن الحِكْمَة :
- قيل : (لا تضعوا الحِكْمَة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوا أهلها فتظلموهم) [الأمثال ،لابن سلام] .
- وقيل : (الصَّمت حِكْمَة، وقليل فاعله) [الزهد ،لأحمد بن حنبل] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:51 am




" الحِلْــم "

التَّرغيب في الحِلْم :

أولًا : في القرآن الكريم :
وردتْ آيات قرآنيَّة كثيرة تشير إلى صفة الحِلْم، ووصف الله نفسه بالحِلْم، وسمَّى نفسه الحليم، ووردت آيات تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة، والحثِّ على الدَّفع بالتي هي أحسن، والتَّرغيب في الصَّفح عن الأذى والعفو عن الإساءة .
- قال تعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ُيفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمران: 133- 134] .
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " (أي : لا يعملون غضبهم في النَّاس، بل يكفون عنهم شرَّهم، ويحتسبون ذلك عند الله عزَّ وجلَّ .
ثمَّ قال تعالى : " وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " أي : مع كفِّ الشَّرِّ يعفون عمَّن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مَوجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال : " وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " فهذا مِن مقامات الإحسان) ( [تفسير ابن كثير] .

ثانيًا: في السُّنَّة النَّبويَّة :
- قال صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس : ((إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله : الحِلْم والأَنَاة)) [رواه مسلم] .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليس الشَّديد بالصُّرَعَة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطَّال : (مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أنَّ ما عنده خيرٌ وأبقى لهم مِن متاع الحياة الدُّنْيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس، وأخبر أنَّه يحبُّهم بإحسانهم في ذلك) [شرح صحيح البخارى] .
وقال ابن عبد البر : (في هذا الحديث مِن الفقه : فضل الحِلْم، وفيه دليلٌ على أنَّ الحِلْم : كتمان الغيظ. وأنَّ العاقل مَن مَلَك نفسه عند الغضب؛ لأنَّ العقل - في اللُّغة -: ضبط الشَّيء وحبسه منه) [التمهيد] .

أقوال السَّلف والعلماء في الحِلْم :
- قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه : (ليس الخير أن يَكْثُر مالك وولدك، ولكنَّ الخير أن يَكْثُر علمك ويَعْظُم حلمك، وأن لا تباهي النَّاس بعبادة الله، وإذا أحسنت : حمدت الله تعالى، وإذا أسأت: استغفرت الله تعالى) [رواه أبو نعيم فى الحلية] .
- (وبلغ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّ جماعة مِن رعيَّته اشتكوا مِن عمَّاله؛ فأمرهم أن يوافوه، فلمَّا أتوه، قام فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال : أيُّها النَّاس، أيَّتها الرَّعيَّة، إنَّ لنا عليكم حقًّا: النَّصيحة بالغيب والمعاونة على الخير، أيَّتها الرُّعاة إنَّ للرَّعيَّة عليكم حقًّا فاعلموا أنَّه لا شيء أحبُّ إلى الله ولا أعزُّ مِن حِلْم إمامٍ ورِفْقِه، وليس جهلٌ أبغض إلى الله ولا أغمَّ من جهل إمامٍ وخرْقه) [رواه هناد فى الزهد] .
- وقال رضي الله عنه : (تعلَّموا العلم وتعلَّموا للعلم السَّكينة والحِلْم) [رواه أحمد فى الزهد] .
- وقال ابن مسعود رضي الله عنه : (ينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا صخَّابًا ولا صيَّاحًا ولا حديدًا) [رواه أبو نعيم فى الحلية] .
- وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما : (لا يبلغ العبد مبلغ الرَّأي حتى يغلب حِلْمُه جهله، وصبرُه شهوته، ولا يبلغ ذلك إلَّا بقوَّة الحِلْم) [الحلم لابن أبى الدنيا] .

من فوائد الحلم  :
1- الحليم عظيم الشَّأن، رفيع المكان، محمود الأمر، مرضي الفعل [روضة العقلاء] .
2- (أنَّه دليل كمال العقل وسعة الصَّدر، وامتلاك النَّفس .
3- يعمل على تآلف القلوب ونشر المحبَّة بين النَّاس .
4- يزيل البغضاء بين النَّاس ويمنع الحسد) [نضرة النعيم ،بتصرف] .

من الوسائل المعينة على اكتساب الحِلْم :

- تذكُّر كثرة حلم الله على العبد، فالله سبحانه وتعالى حليم : يرى معصية العاصي ومخالفته لأمره فيمهله، قال تعالى : " وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ " [البقرة: 235] .
قال أبو حاتم : (الواجب على العاقل، إذا غضب واحتدَّ، أن يذكر كثرة حلم الله عنه، مع تواتر انتهاكه محارمه، وتعدِّيه حرماته، ثمَّ يَحْلُم، ولا يخرجه غيظه إلى الدُّخول في أسباب المعاصي) [روضة العقلاء] .
وقال محمَّد بن السعدي لابنه عروة لما وَلِي اليمن : (إذا غضبت فانظر إلى السَّماء فوقك، وإلى الأرض تحتك، ثمَّ عظِّم خالقهما) [روضة العقلاء] .
2- تذكُّر الثَّواب مِن الله للعافين عن النَّاس، قال تعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمران: 133- 134] .
3- الرَّحمة بالجاهل، ومِن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث قال : ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابيٌّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه، فقال له : إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء مِن هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجلَّ، والصَّلاة، وقراءة القرآن ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فأمر رجلًا مِن القوم فجاء بدلوٍ مِن ماء فشنَّه (صبه) عليه)) [رواه مسلم] .

نماذج مِن حلم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم :
لقد بلغ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم غاية الحِلْم والعفو، والسُّنَّة النَّبويَّة حافلة بمواقف الرَّسول الكريم في الحِلْم، ومِن ذلك :
- قصَّة الأعرابي الذي جبذ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بردائه جَبْذَةً شديدةً، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه بردائه جبْذَةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت بها حاشية البُرْد مِن شدَّة جَبْذَته، ثمَّ قال : يا محمَّد ! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء)) [رواه البخارى] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ، فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا. ثمَّ قال : أعطوه سِنًّا مِثْل سِنِّه، قالوا : يا رسول الله، لا نجد إلَّا أمثل مِن سِنِّه، فقال : أعطوه، فإنَّ مِن خيركم أحسنكم قضاءً)) [رواه البخارى] .
- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ((كأنِّي أنظر إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا مِن الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدَّم عن وجهه، ويقول : ربِّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون)) [رواه البخارى] .
قال النَّوويُّ : (فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم مِن الحِلْم والتَّصبُّر والعفو والشَّفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنَّهم لا يعلمون، وهذا النَّبيُّ المشار إليه مِن المتقدِّمين، وقد جرى لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم مثل هذا يوم أحد) [شرح النووى على مسلم] .

نماذج مِن حِلْم الصَّحابة رضي الله عنهم :
حِلْم أبي ذر رضي الله عنه :
شَتم رجلٌ أبا ذَرٍّ رضي الله عنه فقال : (يا هذا، لا تُغرق في شَتمنا ودَع للصُّلح مَوضعًا، فإنَّا لا نكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر مِن أن نُطيع الله فيه) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
حِلْم عمرو بن العاص رضي الله عنه :
قال رجل لعمرو بن العاص رضي الله عنه : والله لأتفرَّغنَّ لك، قال : هنالك وقعت في الشُّغل، قال : كأنَّك تهدِّدني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولنَّ لك عشرًا، فقال عمرو : وأنت والله لئن قلتَ لي عشرًا، لم أقلْ لك واحدة [العقد الفريد، لابن عبد ربه] .

نماذج مِن حِلْم السَّلف :
حِلْم عمر بن عبد العزيز :
وأسمع رجلٌ عمر بن عبد العزيز بعضَ ما يَكْره، فقال : (لا عليك، إنَّما أردتَ أن يَسْتفزَّني الشَّيطان بعزَّة السُّلطان، فأنال منك اليوم ما تنالُه منِّي غدًا، انصرفْ إذا شئت) [العقد الفريد، لابن عبد ربه] .
حِلْم الشَّعَبي :
شَتم رجلٌ الشَعبَيَّ ، فقال له : إن كنتَ صادقًا فغَفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك [العقد الفريد، لابن عبد ربه] .


" الحَيَـــاء "

التَّرغيب في الحَيَاء :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ " [الأعراف:26] .
فُسِّر لباس التَّقوى بأنَّه الحَيَاء كما رُوِي عن الحسن [تفسير الألوسى] ومعبد الجهني [تفسير الثعالبى] .
- قال تعالى : " فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [القصص: 25] .
قال مجاهد : (يعْني : واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ) [تفسير مجاهد] .
قال الطَّبري : (فأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) وهي تسْتَحْيِي منه) [جامع البيان] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) [رواه البخارى] .
قال الخطَّابي : (قال الشَّيخ : معنى قوله ((النُّبوَّة الأولى)) أنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها) [معالم السنن] .
قال ابن القيِّم : (خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصَّة الإنسانيَّة، فمَن لا حياء فيه، فليس معه مِن الإنسانيَّة إلَّا اللَّحم والدَّم وصورتهما الظَّاهرة، كما أنَّه ليس معه مِن الخير شيء) [مفتاح دار السعادة،بتصرف يسير] .

- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مرَّ على رجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول : إنَّك لتستحيى حتى كأنَّه يقول : قد أضرَّ بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((دعه، فإنَّ الحياء مِن الإيمان)) [رواه البخارى] .
قال ابن بطَّال : (معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله؛ وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش، ويحمل على الصَّبر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور، ويقيِّده عن المعاصي، ويحمله على الطَّاعة، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحَيَاء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، فاشتبها مِن هذه الجهة) [شرح صحيح البخارى] .

- وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطَّال : (معناه أنَّ مَن استحيا مِن النَّاس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعيةٌ له إلى أن يكون أشدَّ حياءً مِن ربِّه وخالقه، ومَن استحيا مِن ربِّه فإنَّ حياءه زاجرٌ له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه؛ لأنَّ كلَّ ذي فطرة صحيحة، يعلم أنَّ الله تعالى النَّافع له والضَّار والرَّزاق والمحيي والمميت، فإذا عَلِم ذلك فينبغي له أن يستحيي منه عزَّ وجلَّ) [شرح صحيح البخارى] .

أقوال السَّلف والعلماء في الحَيَاء :
- قال عمر رضي الله عنه : (مَن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومَن قلَّ ورعه مات قلبه) [رواه الطبرانى فى المعجم الأوسط] .
- قال ابن القيِّم في حقيقة الحَيَاء : (قال صاحب المنازل: الحَيَاء : مِن أوَّل مدارج أهل الخصوص، يتولَّد مِن تعظيمٍ منوطٍ بودٍّ ،إنَّما جَعَل الحَيَاء مِن أوَّل مدارج أهل الخصوص: لما فيه مِن ملاحظة حضور مَن يستَحيي منه، وأوَّل سلوك أهل الخصوص : أن يروا الحقَّ سبحانه حاضرًا معهم، وعليه بناء سلوكهم، وقوله : إنَّه يتولَّد مِن تعظيمٍ منوطٍ بودٍّ ، يعني : أنَّ الحَيَاء حالة حاصلة مِن امتزاج التَّعظيم بالمودَّة، فإذا اقترنا تولَّد بينهما الحَيَاء، والجنيد يقول : إنَّ تولُّده مِن مشاهدة النِّعم ورؤية التَّقصير، ومنهم مَن يقول: تولُّده مِن شعور القلب بما يستحيي منه، فيتولَّد مِن هذا الشُّعور والنُّفرة، حالةٌ تُسَمَّى : الحَيَاء، ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإنَّ للحياء عدَّة أسباب) [مدارج السالكين] .
- وقال أيضًا : (حياة القلب يكون فيه قوَّة خُلُق الحَيَاء، وقلَّة الحَيَاء مِن موت القلب والرُّوح، فكلَّما كان القلب أحيى كان الحَيَاء أتم .
- قال الجنيد : الحَيَاء : رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فيتولَّد بينهما حالة تُسمَّى الحَيَاء، وحقيقته: خُلُقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع مِن التَّفريط في حقِّ صاحب الحقِّ) .
- وقال الفضيل بن عياض : (خمسٌ مِن علامات الشَّقاوة : القسوة في القلب، وجمود العين، وقلَّة الحَيَاء، والرَّغبة في الدُّنْيا، وطول الأمل) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .

من فوائد الحَيَاء :
1- أن الحَيَاء مِن خصال الإيمان .
2- هجر المعصية خجلًا من الله سبحانه وتعالى .
3- الإقبال على الطَّاعة بوازع الحبِّ لله عزَّ وجلَّ .
4- يبعد عن فضائح الدُّنْيا والآخرة .
5- أصل كلِّ شعب الإيمان .
6- يكسو المرء الوَقَار فلا يفعل ما يخلُّ بالمروءة والتوقير ولا يؤذي مَن يستحقُّ الإكرام .

أقسام الحَيَاء :
(ينقسم الحَيَاء باعتبار محلِّه إلى قسمين :
1- القسم الأوَّل : حياء فطريٌّ : وهو الذي يُولَد مع الإنسان متزوِّدًا به، ومِن أمثلته : حياء الطِّفل عندما تنكشف عورته أمام النَّاس، وهذا النَّوع مِن الحَيَاء منحة أعطاها الله لعباده .
2- والقسم الثَّاني : حياء مكتسب : وهو الذي يكتسبه المسلم مِن دينه، فيمنعه مِن فعل ما يُذَمُّ شرعًا، مخافة أن يراه الله حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره .
وينقسم باعتبار متعلَّقه إلى قسمين :
1- القسم الأوَّل : الحَيَاء الشَّرعي : وهو الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام، وهو محمود .
2- القسم الثَّاني : الحَيَاء غير الشَّرعي : وهو ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، وهذا النَّوع مِن الحَيَاء مذموم، وهو ليس بحياء شرعي، وإنَّما هو ضعف ومهانة) [الأخلاق الإسلامية ،لحسن السعيد المرسى] .
من صور الحياء  :
من صور الحياء المحمود :
- الحَيَاء مِن الله : وذلك بالخوف منه ومراقبته، وفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه، وأن يستحي المؤمن أن يراه الله حيث نهاه، وهذا الحَيَاء يمنع صاحبه مِن ارتكاب المعاصي والآثام؛ لأنَّه مرتبطٌ بالله يراقبه في حِلِّه وترحاله .
- الحَيَاء مِن الملائكة : وذلك عندما يستشعر المؤمن بأنَّ الملائكة معه يرافقونه في كلِّ أوقاته، ولا يفارقونه إلَّا عندما يأتي الغائط، وعندما يأتي أهله .

صور الحَيَاء المذموم :
مِن صور الحَيَاء المذموم :
- الحَيَاء مِن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر:
الحَيَاء لا يمنع المسلم مِن أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، قال تعالى : " وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ " [الأحزاب:53] .
بل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر سمة مِن سمات هذه الأمَّة، كما قال عزَّ وجلَّ : " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ " [آل عمران:110] .
والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مع شدَّة حيائه، لم يثنه ذلك عن قول الحقِّ، ويتبيَّن ذلك في موقفه مع أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حينما أراد أن يشفع في حدٍّ مِن الحدود، فلم يمنعه حياؤه صلى الله عليه وسلم مِن أن يقول لأسامة في غضب : أتشفع في حدٍّ مِن حدود الله ؟! ثمَّ قام فاختطب، ثمَّ قال : إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحدَّ، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها) [رواه البخارى ومسلم] .

فعل أمر نهى عنه الشَّارع :
فمَن دفعه حياؤه إلى فعل أمرٍ نهى عنه الشَّارع، أو إلى ترك واجب مرغوب في الدِّين فليس حييًّا شرعًا، وإنَّما هذا يعتبر ضعفًا ومهانة .
فليس مِن الحَيَاء أن يترك الصَّلاة الواجبة بسبب ضيوفٍ عنده حتى تفوته الصَّلاة. وليس مِن الحَيَاء أن يمتنع الشَّخص مِن المطالبة بالحقوق التي كفلها له الشَّرع [الأخلاق الإسلامية ،لحسن السعيد المرسى] .

مِن مظاهر قلَّة الحَيَاء :
- المجاهرة بالذُّنوب والمعاصي وعدم الخوف مِن الله .
- لبس النِّساء الكاسيات العاريات الملابس التي تصف الأجسام، أو الضَّيِّقة أو المفتوحة مِن الأعلى والأسفل .
- حديث المرأة مع الرَّجل الأجنبي عند خروجها واختلاطها به .

من موانع اكتساب الحَيَاء :
- الغناء :
روى البيهقي وابن أبي الدُّنْيا عن أبي عثمان اللَّيثيِّ قال : قال يزيد بن الوليد النَّاقص : (يا بني أميَّة إيَّاكم والغناء؛ فإنَّه ينقص الحَيَاء، ويزيد في الشَّهوة، ويهدم المروءة) [روح المعانى للألوسى] .
- ارتكاب المعاصي :
بيَّن ابن القيِّم أنَّ الذُّنوب والمعاصي تُذْهِب الحَيَاء فقال : (ومِن عقوباتها ذهاب الحَيَاء الذي هو مادَّة الحياة للقلب، وهو أصل كلِّ خير وذهاب كلِّ خير بأجمعه، وفي الصَّحيح عنه أنَّه قال : ((الحَيَاء خير كلُّه)) .

من الوسائل المعينة على اكتساب الحَيَاء :
الحَيَاء موجود في فطرة الإنسان، وعلينا أن نجعله رفيقًا لنا في كلِّ أقوالنا وأفعالنا، وهناك بعض الوسائل التي تنمِّي هذه الصِّفة وتقوِّيها في نفوسنا، ومِن هذه الوسائل :
1- اتِّباع أوامر الله سبحانه والخوف منه، ومراقبته في كلِّ حين، واستشعار معيته .
2- اتِّباع سنَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في حياته القوليَّة والفعليَّة .
3- غضُّ البصر عمَّا حرَّم الله سبحانه وتعالى، وعدم تتبُّع عورات الآخرين .
4- الصَّبر عن المعصية يعين على ملازمة الحَيَاء .

نماذج مِن حَيَاء الأنبياء والمرسلين عليهم السلام :
حياء نبي الله موسى عليه السَّلام :
جاء في وصف موسى عليه السَّلام أنَّه كان حييًّا ستِّيرًا، حتى كان يستر بدنه، ويستحي أن يظهر ممَّا تحت الثِّياب شيئًا حتى ممَّا ليس بعورة. وبسبب تستُّره الزَّائد، آذاه بعض بني إسرائيل في أقوالهم، فقالوا : ما يبالغ في ستر نفسه إلَّا مِن عيب في جسمه، أو مِن أُدْرَة (نفخة فى الخصية) هو مصاب بها [الأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميدانى] .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ موسى كان رجلًا حييًّا ستِّيرًا، لا يُرَى مِن جلده شيء استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه مِن بني إسرائيل، فقالوا : ما يستتر هذا التَّستُّر إلَّا مِن عيب بجلده، إمَّا برص وإمَّا أُدْرَة وإمَّا آفة، وإنَّ الله أراد أن يبـرِّئه ممَّا قالوا لموسى فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثمَّ اغتسل، فلمَّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول : ثوبي حجر! ثوبي حجر ! حتى انتهى إلى ملإٍ مِن بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه ممَّا يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فو الله إنَّ بالحجر لندبًا (3) مِن أثر ضربه ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا، فذلك قوله : ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا " [الأحزاب:69])) [رواه البخارى] .

نماذج مِن حياء الأمم السَّابقة
حياء امرأة صالحة :
قال تعالى : " فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [القصص: 25] .
وهذه الآية تتحدَّث عن حياء الابنة، حين جاءت إلى موسى عليه السَّلام تدعوه إلى أبيها ليجزيه على صنيعه، فجاءت إليه تمشي على استحياء ([[الأخلاق الإسلامية ودورها فى بناء المجتمع،لجمال نصار] .
وقال عمر رضي الله عنه : (فأقبلت إليه ليست بسَلْفَعٍ (سليطة جريئة) مِن النِّساء، لا خرَّاجة ولا ولَّاجة، واضعة ثوبها على وجهها) [رواه ابن أبى شيبة فى المصنف] .

نماذج مِن حياء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم :
كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أشدَّ النَّاس حياءً، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً مِن العذراء في خدرها) [رواه البخارى ومسلم] وكان إذا كره شيئًا عرفه الصَّحابة في وجهه .
قال تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " [الأحزاب: 21] .
حياؤه مِن الله :
ومِن مظاهر حيائه صلى الله عليه وسلم حياؤه مِن خالقه سبحانه وتعالى؛ وذلك لما طلب موسى عليه السَّلام مِن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء أن يراجع ربَّه في تخفيف فرض الصَّلاة، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السَّلام : ((استحييت مِن ربِّي)) [رواه البخارى ومسلم] .
حياؤه مِن النَّاس :
مِن ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها ((أنَّ امرأة سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن غسلها مِن المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثمَّ قال : خذي فرصة مِن مسك فتطهَّري بها، قالت : كيف أتطهر بها ؟ قالت : فستر وجهه بطرف ثوبه، وقال : سبحان الله ! تطهَّري بها، قالت عائشة : فاجتذبت المرأة فقلت : تتبَّعي بها أثر الدم)) [رواه البخارى] .

نماذج مِن حياء الصَّحابة رضي الله عنهم :
حياء أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
خطب الصِّدِّيق النَّاس يومًا، فقال : (يا معشر المسلمين، استحيوا مِن الله، فو الذي نفسي بيده إنِّي لأظلُّ حين أذهب الغائط في الفضاء متقنِّعًا بثوبي استحياءً مِن ربِّي عزَّ وجلَّ)  [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
حياء عثمان بن عفَّان رضي الله عنه :
عُرِف عثمان رضي الله عنه بشدَّة الحَيَاء، حتى أنَّ الملائكة كانت تستحي منه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدَّث، ثمَّ استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، فتحدَّث، ثمَّ استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوَّى ثيابه - قال محمد : ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدَّث، فلمَّا خرج، قالت عائشة: دخل أبو بكر، فلم تهتش له ولم تباله، ثمَّ دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثمَّ دخل عثمان فجلست وسوَّيت ثيابك، فقال : ألا أستحي مِن رجل تستحي منه الملائكة)) [رواه مسلم] .
حياء علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
عن عليٍّ رضي الله عنه قال : ((كنت رجلًا مذَّاءً فكنت أستحي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله، فقال : يغسل ذكَرَه ويتوضَّأ)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

نماذج مِن حياء السَّلف :
- وقال الجرَّاح الحكمي : (تركت الذُّنوب حياءً أربعين سنة، ثمَّ أدركني الورع) [سير أعلام النبلاء] .
- ورُوِي أنَّ عمرو بن عتبة بن فرقد كان يصلِّي ذات ليلة، فسمعوا صوت الأسد، فهرب مَن كان حوله، وهو قائم يصلِّي فلم ينصرف فقالوا له : أما خفت الأسد؟ فقال : إنِّي لأستحي مِن الله أن أخاف شيئًا سواه [حلية الأولياء] .
- وكان الرَّبيع بن خُثَيم مِن شدَّة غضه لبصره وإطراقه يَظُنُّ بعض النَّاس أنَّه أعمى، وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة، فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود : صديقك الأعمى قد جاء، فكان يضحك ابن مسعود مِن قولها، وكان إذا دقَّ الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقًا غاضًّا بصره ( [إحياء علوم الدين] .
- ولما احتُضر الأسود بن يزيد بكى، فقيل له : ما هذا الجزع ؟ قال : ما لي لا أجزع ؟ ومَن أحقُّ منِّي بذلك ؟ والله لو أُتيت بالمغفرة مِن الله لأهمَّني الحَيَاء منه ممَّا قد صنعت، وإنَّ الرَّجل ليكون بينه وبين الرَّجل الذَّنْب الصَّغير، فيعفو عنه، ولا يزال مستحييًا منه [حلية الأولياء] .



" الرَّحْمَـــة"

الترغيب في الرَّحْمَة :

أولًا : في القرآن الكريم :
ذكر الله هذه الصفة العظيمة في غير ما آية من كتابه الكريم، إمَّا في معرض تسميه واتصافه بها، أو في معرض الامتنان على العباد بما يسبغه عليهم من آثارها، أو تذكيرهم بسعتها، أو من باب المدح والثناء للمتصفين بها المتحلِّين بمعانيها، أو غير ذلك من السياقات، ومن ذلك :
- تَسمِّيه جلَّ وعلا باسم الرَّحمن والرَّحيم، واتصافه بصفة الرَّحْمَة :
وهذا كثير جدًّا في القرآن، نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر :
قوله تعالى : " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " [الفاتحة: 3] فقد سمى الله نفسه بهذين الاسمين المشتملين على صفة الرَّحْمَة، قال ابن عباس رضي الله عنهما : (هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة) [تفسير البغوى] .
- ومن ذلك أنَّ الله جعل هذه الصفة لصفوة خلقه، وخيرة عباده، وهم الأنبياء والمرسلين، ومن سار على نهجهم من المصلحين، فقد قال الله تعالى ممتنًا على رسوله صلى الله عليه وسلم على ما ألقاه في قلبه من فيوض الرَّحْمَة، جعلته يلين للمؤمنين، ويرحمهم ويعفو عنهم، ويتجاوز عن أخطائهم : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ " [آل عمران: 159] .
أي : فبسبب رحمة من الله أودعها الله في قلبك يا محمد، كنت هيِّنًا، لين الجانب مع أصحابك، مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك [صفوة التفاسير،للصابونى] .
- ومن ذلك ثناء الله على المتَّصفين بالرَّحْمَة والمتخلِّقين بها، فقد قال تعالى واصفًا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين معه : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ " [الفتح: 29] فهم أشدَّاء على الكفار، رحماء بينهم، بحسب ما يقتضيه منهم إيمانهم، فالإيمان بالله واليوم الآخر متى تغلغل في القلب حقًّا، غرس فيه الرَّحْمَة بمقدار قوته وتغلغله [الأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن الميدانى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
أما السُّنَّة فقد استفاضت نصوصها الداعية إلى الرَّحْمَة، الحاثَّة عليها، المرغِّبة فيها إمَّا نصًّا أو مفهومًا، كيف لا وصاحبها صلى الله عليه وسلم هو نبي الرَّحْمَة كما وصف نفسه فقال : ((أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرَّحْمَة)) [رواه مسلم] .

- فعن النُّعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى)) [رواه البخارى ومسلم] .
يقول النووي معلقًا على هذا الحديث : (هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثِّهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد، في غير إثم ولا مكروه) [شرح النووى على مسلم] .

قال ابن أبي جمرة : (الذي يظهر أنَّ التَّراحم، والتوادد، والتعاطف، وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف، فأما التَّراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضًا بأخوة الإيمان، لا بسبب شيء آخر، وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة، كالتزاور والتهادي، وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضًا، كما يعطف الثوب عليه ليقويه) [فتح البارى] اهـ ملخصًا .
- وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت : ((جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة؟)) [رواه البخارى] .
قال ابن بطال : (رحمة الولد الصغير، ومعانقته، وتقبيله، والرفق به، من الأعمال التي يرضاها الله ويجازي عليها، ألا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس حين ذكر عند النَّبي صلى الله عليه وسلم أن له عشرة من الولد ما قبل منهم أحدًا : ((من لا يرحم لا يرحم)) ؟ [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السَّماء)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال شمس الدين السفيري : (فندب صلى الله عليه وسلم إلى الرَّحْمَة، والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافرًا، فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذَّليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب النَّاس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه، والرَّحْمَة على عباده، رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه، وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته) [شرح صحيح البخارى ،لشمس الدين السفيرى] .

من فوائد الرَّحْمَة :
للتحلي بخلق الرَّحْمَة فوائد عظيمة وثمار جليلة، فما أن يتحلى المؤمن بهذه الحلية، ويتجمَّل بهذه السَّجيَّة حتى تظهر آثارها وتؤتي أكلها.. ليس عليه فقط، بل عليه وعلى من حوله، وسنعرض لبعض هذه الآثار والفوائد إجمالًا، فمن ذلك :
1- أنَّها سبب للتعرض لرحمة الله، فأهلها مخصوصون برحمته جزاء لرحمتهم بخلقه .
2- محبة الله للعبد، ومن ثم محبة النَّاس له .
3- ومن أعظم فوائدها، أنَّ المتحلي بها يتحلى بخلق تحلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
4- أنها ركيزة عظيمة، ينبني عليها مجتمع مسلم متماسك يحس بعضه ببعض، ويعطف بعضه على بعض، ويرحم بعضه بعضًا .
5- أنها تشعر المرء بصدق انتمائه للمجتمع المسلم، فمن لا يرحم لا يستحق أن يكون فردًا في المجتمع أو جزءًا منه؛ لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا)) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .

6- أنه على قدر حظ الإنسان من الرَّحْمَة، تكون درجته عند الله تبارك وتعالى، وقد كان الأنبياء أشدَّ النَّاس رحمة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أوفرهم حظًّا منها .

أقسامها من حيث المدح والذم :
إن خلق الرَّحْمَة منه ما هو محمود - وهو الأصل - ومنه ما هو مذموم .
أما المحمود فهو ما ذكرناه آنفًا، واستدللنا عليه من كتاب الله، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، بما يغني عن إعادة ذكره هاهنا .
وأما المذموم : فهو ما حصل بسببه تعطيل لشرع الله، أو تهاون في تطبيق حدوده وأوامره، كمن يشفق على من ارتكب جرمًا يستحق به حدًّا، فيحاول إقالته والعفو عنه، ويحسب أنَّ ذلك من رحمة الخلق وهو ليس من الرَّحْمَة في شيء، بل الرَّحْمَة هي إقامة الحد على المذنب، والرَّأفة هي زجره عن غيِّه وردُّه عن بغيه بتطبيق حكم الله فيه، قال ابن تيمية : ((إنَّ العقوبات الشَّرعيَّة كلَّها أدوية نافعة، يصلح اللَّه بها مرض القلوب، وهي من رحمة الله بعباده ورأفته بهم، الدَّاخلة في قوله تعالى : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " [الأنبياء:107] فمن ترك هذه الرَّحمة النَّافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الَّذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلَّا الخير إذ هو في ذلك جاهل أحمق) [مجموع الفتاوى ،لابن تيمية] .
- لذا نهى الله تعالى المؤمنين عن أن تأخذهم رأفة أو رحمة في تطبيق حدود الله وإقامة شرعه فقال : " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ " [النور: 2] .
قال ابن تيمية : (إنَّ دين الله هو طاعته، وطاعة رسوله، المبني على محبَّته ومحبَّة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما؛ فإنَّ الرَّأفة والرَّحمة يحبُّهما اللَّه ما لم تكن مضيِّعةً لدين الله) [مجموع الفتاوى ،لابن تيمية] .
ومن الرَّحْمَة المذمومة، ما يكون سببًا في فساد المرحوم وهلاكه، كما يفعل كثير من الآباء من ترك تربية الأبناء وتأديبهم، وعقوبتهم رحمة بهم، وعطفًا عليهم، فيتسببون في فسادهم وهلاكهم وهم لا يشعرون.، قال ابن تيمية : (ما يفعله بعض النِّساء والرِّجال الجهَّال بمرضاهم، وبمن يربُّونه من أولادهم، وغلمانهم، وغيرهم، في ترك تأديبهم وعقوبتهم، على ما يأتونه من الشَّرِّ ويتركونه من الخير رأفةً بهم، فيكون ذلك سبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم) [مجموع الفتاوى ،لابن تيمية] .

أقسامها من حيث الغريزة والاكتساب :
قال عبد الرحمن السعدي : (والرَّحْمَة التي يتصف بها العبد نوعان :
النوع الأول : رحمة غريزيَّة، قد جبل الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرَّأفة والرَّحْمَة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرَّحْمَة، جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم، فهم محمودون، مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم .
والنوع الثاني : رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبد أنَّ هذا الوصف من أجلِّ مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك، ويعلم أنَّ الجزاء من جنس العمل، ويعلم أنَّ الأخوَّة الدينية والمحبة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمرهم أن يكونوا إخوانًا متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك من البغضاء، والعداوات، والتدابر) [بهجة قلوب الأبرار] .
من صور الرَّحْمَة :1- شفقة الإمام برعيته، وتجنب ما من شأنه أن يجلب المشقة عليهم : - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا صلى أحدكم للنَّاس فليخفِّف، فإنَّ في النَّاس الضَّعيف والسَّقيم وذا الحاجة)) [رواه البخارى ومسلم] .
2- التوسط في العبادات وترك ما يشق على النفس :
عن عائشة رضي الله عنها : ((أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال : من هذه؟ قالت : فلانة، تذكر من صلاتها، قال : مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا، وكان أحب الدِّين إليه ما داوم عليه صاحبه)) [رواه البخارى ومسلم] .
3- البر بالوالدين.. وخفض جناح الذُّل من الرَّحْمَة لهما :
- عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : ((سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم : أيُّ العمل أحبُّ إلى اللّه عزَّ وجلَّ ؟ قال : الصَّلاة على وقتها ، قال : ثُمَّ أي ؟ قال : برُّ الوالدين. قال : ثُمَّ أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله)) [رواه البخارى ومسلم] .
- الأمر بإحسان القِتلة والذبحة :
عن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه أنَّه قال : ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : ((إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) [رواه مسلم] .

من الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرَّحْمَة :
قال السعدي : (فلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل، ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرَّحْمَة، والحنان على الخلق. ويا حبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل، وهذه الرَّحْمَة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر، والخير، والمنافع إلى النَّاس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم) [بهجة قلوب الأبرار] .
وهاك أخي الكريم بعض الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم والسجيَّة العظيمة :
1- القراءة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتدبر في معالمها، والتأسِّي به في مواقف رحمته صلى الله عليه وسلم .
2- مجالسة الرحماء ومخالطتهم، والابتعاد عن ذوي الغلظة والفظاظة، فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم .
3- تربية الأبناء على هذا الخلق العظيم، ومحاولة غرسه في قلوبهم، ومتى نشأ الناشئ على الرَّحْمَة ثبتت في قلبه وأصبحت سجيَّة له بإذن الله .
4- معرفة جزاء الرحماء وثوابهم، وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم، ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية؛ فإنَّ هذا مما يدفع للتخلق بصفة الرحمة، ويردع عن القسوة .

نماذج من رحمة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
قال تعالى واصفًا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : " لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [التوبة: 128] .
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم النَّاس بالنَّاس وأرأفهم بهم؛ المؤمنين ومن لم يكن يدين بدين الإسلام أصلًا، بل إنَّ رحمته صلى الله عليه وسلم تعدت ذلك إلى الحيوان، والجماد، وسنعرض هنا بعض النماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم :
رحمته صلى الله عليه وسلم بالكفَّار :
- (عن عائشة رضي اللّه عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد ؟ قال : ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال : إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال : يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا)) [رواه البخاري] .
قال ابن حجر : (في هذا الحديث بيان شفقة النَّبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ " [آل عمران: 159] وقوله : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " [الأنبياء: 107]) [فتح الباري] .

نماذج من رحمة الصحابة رضوان الله عليهم :
سار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهجه، واقتدوا به في التمسك بهذا الخلق الكريم، حتى صار الرجل المعروف بشدته، وصرامته، هيِّنًا ليِّنًا، رحيمًا رؤوفًا .
رحمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
- فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي عرف بشدَّته، وقوَّته، تغير الرَّحْمَة من طباعه، فيصبح رقيقًا يمتلأ قلبه رحمةً، ويفيض فؤاده شفقةً، ومما يدل على ذلك قوله لعبد الرحمن بن عوف حينما أتاه يكلمه في أن يلين لهم لأنَّه أخاف النَّاس حتى خاف الأبكار في خدورهن، فقال : (إني لا أجد لهم إلَّا ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي، من الرَّأفة، والرَّحْمَة، والشفقة، لأخذوا ثوبي عن عاتقي) [المجالسة وجواهر العلم، لأبي بكر الدينوري] .
- ورآه عيينة بن حصن يومًا يقبل أحد أبنائه، وقد وضعه في حجره وهو يحنو عليه، فقال عيينة : أتُقبِّل وأنت أمير المؤمنين ؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولدًا، فقال عمر : الله، الله حتى استحلفه ثلاثًا، فقال عمر : فما أصنع إن كان الله نزع الرَّحْمَة من قلبك ؟ إنَّ الله إنَّما يرحم من عباده الرُّحماء ((جامع معمر بن راشد)) .

نماذج من رحمة السلف :
رحمة عمر بن عبد العزيز رحمه الله :
(كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى حيَّان بمصر : إنَّه بلغني أنَّ بمصر إبلًا نقالات، يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفنَّ أنَّه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل، وكتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدًا بلجام ثقيل من هذه الرستنية، ولا ينخس (1) بمقرعة (2) في أسفلها حديدة) [سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه،لأبى محمد المصرى] .
نماذج من رحمة العلماء المتقدمين :
رحمة ابن تيمية رحمه الله :
قال عمر بن علي البزار : (وحدَّثني من أثق به أنَّ الشيخ رضي الله عنه كان مارًّا يومًا في بعض الأزقَّة فدعا له بعض الفقراء، وعرف الشيخ حاجته، ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه، فنزع ثوبًا على جلده ودفعه إليه، وقال : بعه بما تيسر وأنفقه، واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة) [الأعلام العلية فى مناقب ابن تيمية،لسراج الدين] .
قالوا عن الرَّحْمَة :
- قال السعدي عن عَلَامة وجود الرَّحْمَة في قلب العبد : (وعلامة الرَّحْمَة الموجودة في قلب العبد، أن يكون محبًّا لوصول الخير لكافة الخلق عمومًا، وللمؤمنين خصوصًا، كارهًا حصول الشر والضرر عليهم، فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته) [بهجة قلوب الأبرار،للسعدى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:53 am




" الرِّفــق "

الترغيب في الرِّفق :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " [آل عمران: 159] .
(يقول تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ " أي : أي شيء جعلك لهم لينًا لولا رحمة الله بك وبهم) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .

- وقال سبحانه مخاطبًا الرسول : " وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " [الشعراء: 215] (أي : ارفق بهم وألن جانبك لهم) [معالم التنزيل ،للبغوى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن يهود أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : السام عليكم، فقالت عائشة : عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم، قال : مهلًا يا عائشة، عليك بالرِّفق وإياك والعنف والفحش، قالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : أو لم تسمعي ما قلت ؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في)) [رواه البخارى] .
- وعن جرير رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : (من يحرم الرِّفق يحرم الخير) [رواه مسلم] .
(يعني أنَّ الإنسان إذا حرم الرِّفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنَّه يحرم الخير كله، أي : فيما تصرَّف فيه، فإذا تصرَّف الإنسان بالعنف والشدة، فإنَّه يحرم الخير فيما فعل، وهذا شيء مجرَّبٌ ومشاهد، أنَّ الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشِّدَّة؛ فإنَّه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرِّفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير) [شرح رياض الصالحين ،لابن عثيمين] .

أقوال السلف والعلماء في الرِّفق :
- وعن الشعبي قال : (غُشي على مسروق في يوم صائف، وكانت عائشة قد تبنته فسمَّى بنته عائشة، وكان لا يعصي ابنته شيئًا، قال : فنزلت إليه فقالت : يا أبتاه، أفطر واشرب، قال : ما أردت لي يا بُنية ؟ قالت : الرِّفق، قال، يا بنية، إنَّما طلبت الرِّفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) وفي رواية : (إنَّما طلبت الرِّفق لتعبي) .

- وقال سفيان لأصحابه : (تدرون ما الرِّفق ؟ قالوا : قل يا أبا محمد، قال : أن تضع الأمور في مواضعها؛ الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه) [إحياء علوم الدين] .

- وعن قيس بن أبي حازم قال كان يقال : (الرِّفق يمن، والخرق شؤم) [الزهد ،لهناد بن السرى] .
- وعن حبيب بن حجر القيسيِّ قال : (كان يقال : ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرِّفق) [عيون الأخبار ،لابن قتيبة] .
- وقال ابن القيم : (من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه) [الوابل الصيب] .

- وعن عروة بن الزبير قال : (كان يقال : الرِّفق رأس الحكمة) [رواه أحمد فى الزهد] .

من فوائد الرِّفق [نضرة النعيم،بتصرف يسير] :
1- طريق موصل إلى الجنة .
2- دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام .
3- يثمر محبة الله ومحبة النَّاس .
4- ينمِّي روح المحبة والتعاون بين النَّاس .
5- دليل على صلاح العبد وحسن خلقه .
6- بالرِّفق ينشأ المجتمع سالـمًا من الغل والعنف .
7- عنوان سعادة العبد في الدارين .

من صور الرِّفق :
1- الرِّفق بالنفس في أداء ما فرض عليه :
المسلم لا يُحَمِّل نفسه من العبادة مالا تطيقه، فالإسلام دين يسر وسهولة، فالمتبع له يوغل فيه برفق، قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة ، وشيء من الدُّلْجة)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
وعن عائشة رضي الله عنها : ((أنَّ الحولاء بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد ابن عبد العزَّى مرت بها، وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فقلت : هذه الحولاء بنت تويتٍ. وزعموا أنَّها لا تنام بالليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنام بالليل، خذوا من العمل ما تطيقون، فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا)) [رواه مسلم] .
قال ابن القيم : (نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين بالزيادة على المشروع، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ تشديد العبد، على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع. فالتشديد بالشرع : كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفة لازمة لهم) [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان] .
2- الرِّفق مع النَّاس عامة :
ويكون بلين الجانب وعدم الغلظة والجفاء، والتعامل مع النَّاس بالسَّمَاحَة، قال صلى الله عليه وسلم : ((المؤمنون هيِّنون ليِّنون، كالجمل الأنِفِ إن قِيد انقاد، وإذا أُنيخ على صخرة استناخ) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] وقال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الله رفيق يحب الرِّفق في الأمر كلِّه)) [رواه البخارى ومسلم] .
3- الرِّفق بالرعية :
الراعي، سواء كان حاكمًا، أو رئيسًا، أو مسؤولًا، عليه أن يرفق برعيته، فيقضي حاجتهم، ويؤدِّي مصالحهم برفق، قال صلى الله عليه وسلم : ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به)) [رواه مسلم] .
(وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثلًا لكل راع عنيف، قاس شديد لا رحمة في قلبه على رعيته من النَّاس، سواء أكان ولي أسرة، أو صاحب سلطان، صغرت دائرة رعيته أو كبرت، فشرُّ الرعاة من النَّاس على النَّاس هو الحطمة، الذي لا رفق عنده، ولا رحمة في قلبه تليِّن سياسته وقيادته، فهو يقسو ويشتد على رعيته، ويوسعهم عسفًا وتحطيمًا، ويدفعهم دائمًا إلى المآزق والمحرجات، ولا يعاملهم بالرِّفق والحكمة في الإدارة والسياسة) ( [الأخلاق الإسلامية ، لعبد الرحمن الميدانى] .
قال ابن عثيمين : (أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرِّفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتولية من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم، وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنَّهم مسئولون عنهم أمام الله عز وجل) [شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] .

نماذج من رفق النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- كان النَّبي صلى الله عليه وسلم رفيقًا هيِّنًا ليِّنًا سهلًا، في تعامله، وفي أقواله وأفعاله، وكان يحب الرِّفق، ويحث النَّاس على الرِّفق، ويرغِّبهم فيه، فعن عبادة بن شرحبيل قال : ((أصابنا عام مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا من حيطانها، فأخذت سنبلًا ففركته فأكلته، وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط، فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال للرجل : ما أطعمته إذ كان جائعًا، أو ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلًا، فأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم، فردَّ إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق)) [صححه الألبانى فى صحيح ابن ماجه] .

كان النبى صلى الله عليه وسلم يُبيِّن للناس الأمور بالرِّفق، ومن ذلك الشاب الذي طلب منه أن يأذن له بالزنى، فعن أبي أمامة قال ((إن فتى شابًّا أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا : مه مه، فقال : ادْنُه، فدنا منه قريبًا، قال : فجلس، قال : أتحبُّه لأمِّك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا النَّاس يحبونه لأمهاتهم، قال : أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال : ولا النَّاس يحبونه لبناتهم، قال : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك، قال : ولا النَّاس يحبونه لأخواتهم ؟ قال : أفتحبه لعمتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك، قال : ولا النَّاس يحبونه لعماتهم، قال : أفتحبه لخالتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك، قال : ولا النَّاس يحبونه لخالاتهم، قال : فوضع يده عليه، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) [صحح إسناده الألبانى فى السلسلة الصحيحة] .

- كما أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يرفق بأبناء المسلمين، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما، ثم يقول : اللهم ارحمهما، فإنِّي أرحمهما)) [رواه البخارى] .

نماذج من رفق الصحابة رضي الله عنهم :
رفق عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال : (خرجت مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابَّة فقالت: يا أمير المؤمنين هلك زوجي، وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع، ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خُفاف بن إِيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فوقف معها عمر ولم يمض، ثُمَّ قال : مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثُمَّ قال : اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل : يا أمير المؤمنين، أكثرت لها، قال عمر : ثكلتك أمُّك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه) [رواه البخارى] .

- وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد عبدًا في عمل لا يطيقه وضع عنه [رواه مالك] .


" السَّتْـــر "

التَّرغيب في السَّتْر :

أولًا : في القرآن الكريم :
لقد حثَّ الإسلام على السَّتْر، ورغَّب فيه، واتَّخذ وسائل من أجل ذلك، فشرع حدَّ القذف، حتَّى لا يُطْلِق كلُّ أحد لسانه، وكذا أمر في إثبات حدِّ الزِّنى بأربعة شهود، ونهى عن أن يتجسَّس المسلم على أخيه، كما توعَّد بالعذاب لكلِّ من يشيع الفاحشة في المؤمنين :
- قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ " [النُّور: 19] .
قال ابن كثير : (أي : يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، " لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا " أي : بالحدِّ، وفي الآخرة بالعذاب) [تفسير ابن كثير] .
- وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات: 12] .
عن مجاهد في قوله تعالى : " وَلا تَجَسَّسُوا " قال : (خذوا ما ظهر لكم، ودعوا ما سَتَر الله) [تفسير الطبرى] .
وقال الطَّبري : (وقوله : " وَلا تَجَسَّسُوا " يقول : ولا يتتبَّع بعضكم عَوْرة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظُّهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره، وبه فاحمدوا أو ذمُّوا، لا على ما لا تعلمونه من سرائره) [تفسير الطبرى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويِّة :

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين، وإنَّ من المجَاهرة : أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملًا، ثمَّ يصبح وقد سَتَره الله عليه، فيقول : يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يَسْتُره ربُّه، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
قال ابن الجوزي : (المجَاهرون : الذين يجاهرون بالفواحش، ويتحدَّثون بما قد فعلوه منها سرًّا، والنَّاس في عافية من جهة الهمِّ مستورون، وهؤلاء مُفْتَضحون) [كشف المشكل] .
قال العيني : (أنَّ ستْر الله مستلزم لستْر المؤمن على نفسه، فمن قصد إظهار المعصية والمجَاهرة، فقد أغضب الله تعالى فلم يَسْتُره ومن قصد التَّسَتُّر بها حياءً من ربِّه ومن النَّاس مَنَّ الله عليه بِسِتره إيَّاه) [عمدة القارى] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة، ومن سَتَر على مسلم، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه)) [رواه مسلم] .
قال المباركفوري : (من سَتَر مسلمًا، أي : بَدَنه أو عيبه بعدم الغيبة له، والذَّبِّ عن معائبه، وهذا بالنِّسبة إلى من ليس معروفًا بالفساد، وإلَّا فيُستحب أن تُــرْفع قصَّته إلى الوالي، فإذا رآه في معصية، فينكرها بحسب القدرة، وإن عَجز، يرفعها إلى الحاكم إذا لم يترتَّب عليه مفسدة) [تحفة الأحوذى] .

أقوال السَّلف والعلماء في الحثِّ على السَّتْر :
- وعن أبي الشَّعثاء قال : (كان شُرَحْبِيل بن السِّمْط على جيشٍ، فقال لجيشه: إنَّكم نزلتم أرضًا كثيرة النِّساء والشَّراب - يعني الخمر- فمن أصاب منكم حدًّا فليأتنا، فنطهِّره، فأتاه ناس، فبلغ ذلك عمر بن الخطَّاب، فكتب إليه : أنت- لا أمَّ لك - الذي يأمر النَّاس أن يهتكوا سِتْر الله الذي سَتَرَهم به) [مصنف عبد الرزاق الصنعانى] .
- وعن المعْرُور بن سُوَيْد قال : (أُتي عمر بامرأة راعية زنت، فقال عمر : ويح المرِّيَّة، أفسدت حَسَبَها، اذهبا بالمرِّيَّة فاجلداها، ولا تخرقا عليها جلدها، إنَّما جعل الله أربعة شهداء سترًا ستركم به دون فواحشكم، ولو شاء لجعله رجلًا صادقًا أو كاذبًا، فلا يطَّلعنَّ سِتْر الله منكم أحد) [مصنف عبد الرزاق الصنعانى] .
- وعن الشَّعبي : أنَّ رجلًا أتى عمر بن الخطَّاب، قال : (إنَّ ابنة لي أصابت حدًّا، فعَمَدت إلى الشَّفْرة، فذبَحَت نفسها، فأدركتُها، وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها فبرأت، ثم أنَّها نَسَكت، فأقبلت على القرآن، فهي تُخْطب إليَّ، فأخبر من شأنها بالذي كان، فقال له عمر : تعمد إلى سِتْر سَتَره الله فتكشفه ؟ لئن بلغني أنَّك ذكرت شيئًا من أمرها، لأجعلنَّك نَكالًا لأهل الأمصار، بل أنكِحها نكاح العفيفة المسلمة) [هناد فى الزهد] .
- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : (ثلاث أحلف عليهنَّ، والرَّابعة لو حلفت لبَررْت : لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولَّى اللهَ عبدٌ في الدُّنيا فولَّاه غيره يوم القيامة، ولا يحبُّ رجل قومًا، إلا جاء معهم يوم القيامة، والرَّابعة التي لو حلفت عليها لبَررْت : لا يَسْتُر الله على عبد في الدُّنيا، إلَّا سَتَر عليه في الآخرة) [صحح إسناده الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة] .

من فوائد السَّتْرِ :
1- نشر الحبِّ والألفة بين المؤمنين .
2- أنه يعين العاصي على أن يتدارك نفسه، ويتوب إلى الله توبةً نصوحًا، وبالعكس فلو فُضِح وشُهِّر به، لكان في هذا إعانة للشَّيطان عليه، حيث يدفعه إلى مزيد من المعاصي والآثام .
3- أنَّ فَضْح النَّاس -وخاصة أهل الفضل منهم إن بدت منهم زلَّة أو هفوة- قد يجرِّئ كثيرًا من عوام النَّاس على المعاصي .
4- أنَّ نفس السَّاتر تزكو، ويرضى عنه الله، ويَسْتُره في الدُّنيا والآخرة .
متى ينبغي السَّتْر على المسلم ؟
ينبغي على المسلم أن يَسْتر إخوانه المسلمين، وخاصَّةً إذا كانوا من ذوي الهيئات، وممَّن ليسوا معروفين بالأذى والفساد، أمَّا إذا كانوا معروفين بالفساد، ويجاهرون به، فلا يَسْتُر عليهم ،يقول ابن تيمية : (فمن أظهر المنكر، وجب عليه الإنكار، وأن يُهْجَر ويُذَمَّ على ذلك. فهذا معنى قولهم : من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له، بخلاف من كان مُسْتَتِرًا بذنبه، مُسْتَخْفيًا، فإنَّ هذا يُسْتَر عليه؛ لكن يُنْصَح سِرًّا، ويَهْجُره من عرف حاله، حتَّى يتوب، ويَذْكر أمره على وجه النَّصيحة) [مجموع الفتاوى] .
وقال النَّووي : (وأمَّا السَّتر المندوب إليه هنا، فالمراد به : السَّتر على ذوي الهيئات ونحوهم، ممَّن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأمَّا المعروف بذلك، فيُسْتَحبُّ أن لا يُسْتَر عليه، بل تُرْفَع قضيته إلى وليِّ الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأنَّ السِّتر على هذا يُطْمِعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله. هذا كلُّه في سِتْر معصية وقعت وانقضت، أمَّا معصية رآه عليها، وهو بعد متلبِّسٌ بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قَدر على ذلك، ولا يحلُّ تأخيرها، فإن عجز، لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتَّب على ذلك مفسدة، وأمَّا جَرْح الرُّواة والشُّهود والأُمناء على الصَّدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب جَرْحُهم عند الحاجة، ولا يحلُّ السِّتر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرَّمة، بل من النَّصيحة الواجبة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، قال العلماء في القسم الأوَّل - الذي يُسْتَر فيه - : هذا السِّتر مندوب، فلو رفعه إلى السُّلطان ونحوه،لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلاف الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه، والله أعلم) [شرح النووى على مسلم] .

من صور السَّتْرِ :
1- ستر المسلم نفسه :
(المسلم عليه أن يستر نفسه، فلا يُشْهر خطاياه أمام الخَلْق، ولا يذكر زلَّاته أمام النَّاس، ولو كانوا أصدقاءه، إلَّا على وجه السُّؤال والفتيا، دون تحديد أنَّه الفاعل، سيَّما عند من يعرفه) [خلق المؤمن، لمصطفى مراد] .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين، وإنَّ من المجَاهرة أن يعمل الرَّجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول : يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يَسْتُره ربُّه، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .

من الوسائل المعينة على اكتساب صفة السَّتْر :
1- أن تعلم فضل السَّتْر، وأنَّ من سَتَر أخاه المسلم، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة .
2- أن تستشعر معنى أخوة الإيمان، فقد قال الله عزَّ وجلَّ : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " [الحجرات: 10] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل المؤمنين في تَوَادِّهِم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عُضْو، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
3- أن تضع نفسك مكان أخيك الذي أخطأ وزلَّ، فهل تحبُّ أن تُفْضَح أم تُسْتَر ؟ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لا يؤمن أحدكم، حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)) وعن عكرمة أنَّ ابن عبَّاس، وعمَّارًا، والزُّبير -رضي الله عنهم جميعًا - أخذوا سارقًا، فخلوا سبيله، فقلت لابن عبَّاس : (بئسما صنعتم حين خلَّيتم سبيله، قال : لا أمَّ لك، أما لو كنت أنت، لسرَّك أن يُخَلَّى سبيلك) [رواه ابن أبى شيبة فى المصنف] .


" السَّكِينَـة "

التَّرغيب في السَّكِينَة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قوله تعالى : " ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ " [التَّوبة: 26] .
أي : أنزل عليهم ما يُسكِّنهم ويُذهب خوفهم، حتَّى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن ولَّوا [تفسير القرطبى] .
- قوله تعالى : إِ" ذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا " [التَّوبة: 40].
قال أبو جعفر : (يقول تعالى ذكره : فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله، وقد قيل: على أبي بكر، " وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا " يقول : وقوَّاه بجنود من عنده من الملائكة، لم تروها أنتم " وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ " وهي كلمة الشِّرك السُّفْلَى، لأنَّها قُهِرت وأُذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى، " وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا " يقول : ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلَّا الله، وهي كلمته (العُليا) على الشِّرك وأهله، الغالبة) [جامع البيان ،للطبرى] .
- قوله تعالى : " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " [الفتح: 4] .
يقول تعالى : " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ " أي : جعل الطُّمَأنِينة، قاله ابن عبَّاس، وعنه : الرَّحمة، وقال قتادة : الوَقَار في قلوب المؤمنين. وهم الصَّحابة يوم الحُدَيبِية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلمَّا اطمأنَّت قلوبهم لذلك، واستقرَّت، زادهم إيمانًا مع إيمانهم [تفسير ابن كثير] .

- قوله تعالى : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا " [الفتح: 18] .
وقوله : " فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ " أي : من الصِّدق والوفاء، والسَّمع والطَّاعة، " فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ " : وهي الطُّمَأنِينة، " وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا " وهو ما أجْرَى الله على أيديهم من الصُّلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتَّصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العزِّ والنَّصر والرِّفعة في الدُّنيا والآخرة؛ ولهذا قال : " وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا " [الفتح: 18] [تفسير ابن كثير] .

ثانيًا : في السُّنَّة النبوية :
- عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا أُقِيمت الصَّلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السَّكِينَة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا)) [رواه البخارى ومسلم] .
(فيه : النَّدب الأكيد إلى إتيان الصَّلاة بسَكِينة ووَقَار، والنَّهي عن إتيانها سعيًا، سواءً فيه صلاة الجمعة وغيرها، سواءً خاف فَوْت تكبيرة الإحرام أم لا. والمراد بقول الله تعالى : " فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " [الجمعة: 9] الذَّهاب، يقال : سَعَيْت في كذا أو إلى كذا، إذا ذهبت إليه، وعملت فيه) ( [شرح النووى على مسلم] .
- وعن ابن عبَّاس أنَّهُ دفعَ معَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ عرَفَةَ ، فسمعَ النبيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ وراءَهُ زَجْرًا شديدًا، وضربًا وصوتًا للإبِلِ، فأشَارَ بسَوطِهِ إليهمْ، وقالَ : أيُّها الناسُ، عليكم بالسَّكِينَةِ)[رواه البخارى] .
(علَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ) أي : لازموا الطُّمَأنِينة والرِّفق، وعدم المزَاحمة في السَّير .

أقوال السَّلف والعلماء في السَّكِينَة :
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (كنَّا نتحدَّث أنَّ السَّكِينَة تنطق على لسان عمر وقلبه) [رواه ابن عساكر، فى تاريخ دمشق] .

- وقال ابن القيِّم : (السَّكِينَة إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوَقَار، وأنطقت اللِّسان بالصَّواب والحِكْمة، وحالت بينه وبين قول الخَنَا والفحش، واللَّغو والهجر وكلِّ باطلٍ. وفي صفة رسول الله في الكتب المتقدِّمة : إنِّي باعث نبيًّا أمِّيًّا، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا متزيِّنٍ بالفحش، ولا قوَّالٍ للخَنَا، أسدِّده لكلِّ جميلٍ، وأَهَب له كلَّ خُلق كريم، ثمَّ أجعل السَّكِينَة لِبَاسه، والبرَّ شعاره، والتَّقوى ضميره، والحِكْمَة معقوله، والصِّدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خُلُقه، والعدل سيرته، والحقَّ شريعته، والهدي إمامه، والإسلام ملَّته، وأحمد اسمه) [مدارج السالكين] .

من فوائد السَّكِينَة :
1- السَّكِينَة رداء ينزل فيثبِّت القلوب الطَّائرة، ويهدِّئ الانفعالات الثَّائرة .

2- متى نزلت على العبد السَّكِينَة : استقام، وصَلحت أحواله، وصَلح بالُه، وإذا ترحَّلت عنه السَّكِينَة، ترحَّل عنه السُّرور والأمن والدَّعة والرَّاحة وطيب العيش، فمِنْ أعظم نعم الله على عبده: تَـنَـزُّل السَّكِينَة عليه، ومن أعظم أسبابها : الرِّضا عنه [مدارج السالكين] .
3- المتَحلِّي بالسَّكِينَة يخشع في صلاته .
4- إنَّ من صفة النَّاسك السَّكِينَة؛ لغلبة التَّواضع وإتيان القناعة، ورفض الشَّهوات [الأمل والمأمول للجاحظ] .
5- السَّكِينَة علامة من علامات رضا الله عزَّ وجلَّ .

أقسام السَّكِينَة :
1- عامَّة : وهى التى تخصُّ عامَّة الخَلْق، وهى التي يجدها العبد عند القيام بوظائف العبوديَّة، وهي التي تورث الخشوع والخضوع، وجمعيَّة القلب على الله، بحيث يؤدِّي عبوديَّته بقلبه وبدنه قانتًا لله عزَّ وجلَّ (1) .
2- خاصَّة : وهى التي تخصُّ أتباع الرُّسل بحسب متابعتهم، وهي سَكِينة الإيمان، وهي سَكِينةٌ تُسَكِّن القلوب عن الرَّيب والشَّك، ولهذا أنزلها الله على المؤمنين في أصعب المواطن، أحوج ما كانوا إليها " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " [الفتح: 4] فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم، والجنود الدَّاخلة فيهم، وهي السَّكِينَة عند القلق والاضطراب [إعلام الموقعين،لابن القيم] .

قال صاحب ((المنازل)) : (السَّكِينَة : اسم لثلاثة أشياء :
أوَّلها : سَكِينة بني إسرائيل التي أعطوها في التَّابوت .
السَّكِينَة الثَّانية : هي التي تَنْطِق على لسان المحدَّثين، ليست هي شيئًا يُملك، إنَّما هي شيء من لطائف صنع الحقِّ، تُلقى على لسان المحدَّث الحِكْمة، كما يُلقي الملَك الوحي على قلوب الأنبياء، وتنطق بنُكَت الحقائق مع ترويح الأسرار، وكشف الشُّبه .
السَّكِينَة الثَّالثة هي التي نزلت على قلب النَّبي، وقلوب المؤمنين، وهي شيء يجمع قوَّةً وروحًا، يَسْكن إليه الخائف، ويتسلَّى به الحزين والضَّجِر، ويَسْكن إليه العَصِيُّ والجريء والأَبِيُّ .
وأمَّا سَكِينة الوَقَار التي نزَّلها نعتًا لأربابها: فإنَّها ضياء .
تلك السَّكِينَة الثَّالثة التي ذكرناها، وهي على ثلاث درجات :
الدَّرجة الأولى : سكينة الخشوع عند القيام للخدمة : رعاية وتعظيمًا وحضورًا .
الدَّرجة الثَّانية : السَّكِينَة عند المعاملة بمحاسبة النفوس، وملاطفة الخلق، ومراقبة الحق .
الدَّرجة الثَّالثة: السَّكِينَة التي تثبِّت الرِّضَى بالقَسْم، وتمنع من الشَّطْح الفاحش، وتوقِّف صاحبها على حدِّ الرُّتبة، والسَّكِينَة لا تَنْزل إلَّا في قلب نبيٍّ أو وليٍّ) [منازل السائرين، للهروى] .

من الوسائل المعينة على التَّخلُّق بخُلق السَّكِينَة :
1- الامتثال لقول الرَّسول صلى الله عليه وسلم ((عليكم بالسَّكِينَة)) [جزء من حديث رواه البخارى ومسلم] .
2-القراءة في كتب السِّيرة النَّبويِّة .
3- معرفة فوائد وآثار السَّكِينَة .
4- التَّحلِّي بالصَّبر :
فالصَّبر من الفضائل الخُلقية، التي تُعَوِّد الإنسان السَّكِينَة والاطمئنان، وتكون بلسَمًا لجراحه، ودواءً لمرضه وبلائه، فالصَّابر يتلقَّى المكاره بالقبول، فيحبس نَفْسه عن السَّخط، فيتحلَّى بالسَّكِينَة والوَقَار [صيد الأفكار ،لحسين المهدى] .

المواطن التي تطلب عندها السكينة :
(والمقصود أنَّ العبد محتاج إلى السَّكِينَة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان؛ ليثبت قلبه ولا يزيغ، وعند الوساوس والخطرات القادحة في أعمال الإيمان؛ لئلَّا تقوى وتصير همومًا، وغمومًا، وإرادات ينقص بها إيمانه، وعند أسباب المخاوف على اختلافها، ليثبت قلبه، ويسكن جَأْشه، وعند أسباب الفرح؛ لئلَّا يطمح به مركبه، فيجاوز الحدَّ الذي لا يُعْبَر، فينقلب ترحًا وحزنًا، وكم ممَّن أنعم الله عليه بما يُفْرِحه، فجمح به مركب الفرح، وتجاوز الحدَّ، فانقلب ترحًا عاجلًا .
ولو أُعِين بسَكِينة تعدل فرحه، لأُرِيد به الخير، وبالله التوفيق .
وعند هجوم الأسباب المؤلمة، على اختلافها : الظَّاهرة والباطنة، فما أحوجه إلى السَّكِينَة حينئذ، وما أنفعها له وأجْدَاها عليه، وأحْسَن عاقبتها .
والسَّكِينَة في هذه المواطن، علامة على الظَّفَر، وحصول المحبوب، واندِّفاع المكروه، وفقدها علامة على ضدِّ ذلك، لا يخطئ هذا ولا هذا ، والله المستعان) [إعلام الموقعين،لابن القيم] .
نماذج في السَّكِينَة :
الرَّسول صلى الله عليه وسلم :
كان صلى الله عليه وسلم من خُلُقِه السَّكِينَة الباعثة على الهيبة والتَّعظيم، الدَّاعية إلى التَّقديم والتَّسليم، وكان من أعظم مَهِيب في النُّفوس، حتَّى ارْتَاعت رُسُل كسرى من هيبته حين أتوه، مع ارتياضهم بصَوْلة الأكَاسِرة، ومكاثرة الملوك الجبابرة، فكان في نفوسهم أهيب، وفي أعينهم أعظم، وإن لم يتعاظم بأهبة، ولم يتطاول بسطوة، بل كان بالتَّواضع موصوفًا، وبالوِطاء معروفًا [انظر أعلام النبوة للماوردى ،بتصرف] .
نماذج من العلماء :
أحمد بن حنبل :
عن المروذي، قال : لم أرَ الفقير في مجلس أعزَّ منه في مجلس أحمد، كان مائلًا إليهم، مُقْصرًا عن أهل الدُّنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعَجُول، وكان كثير التَّواضع، تعلوه السَّكِينَة والوَقَار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفُتيا، لا يتكلَّم حتَّى يُسْأل، وإذا خرج إلى مسجده، لم يتصدَّر [سير أعرم النبلاء،للذهبى] .


" سلامة الصَّدر "

التَّرغيب في سلامة الصَّدر :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله - تبارك وتعالى - : " وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [الحشر: 10] .
قال ابن رجب : (أفضل الأعمال سَلَامة الصَّدر من أنواع الشَّحْناء كلِّها، وأفضلها السَّلَامة من شحناء أهل الأهواء والبدع، التي تقتضي الطَّعن على سلف الأمَّة، وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم، ثمَّ يلي ذلك سَلَامة القلب من الشَّحْناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه، وقد وصف الله تعالى المؤمنين عمومًا بأنَّهم يقولون : " وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [الحشر: 10] [لطائف المعارف] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويِّة :
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم)) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
قال المناوي : (... ((المؤمن غِرٌّ)) أي : يغُرُّه كلُّ أحد، و يغُرُّه كلُّ شيء، ولا يعرف الشَّرَّ، وليس بذي مَكْر ولا فطنة للشَّرِّ، فهو يَنْخَدع لسَلَامة صَدْره، وحسن ظنِّه، وينخَدع لانقياده ولينه ((كريم)) أي : شريف الأخلاق ((والفاجر)) أي : الفاسق ((خبٌّ لئيم)) أي : جريء، فيسعى في الأرض بالفساد، فالمؤمن المحمود : من كان طبعه الغَرَارة، وقلَّة الفِطْنة للشَّرِّ، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلًا، والفاجر من عادته الخُبث والدَّهاء والتَّوغل في معرفة الشَّرِّ، وليس ذا منه عقلًا) [فيض القدير] .
- وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أي النَّاس أفضل؟ قال: كلُّ مَخْموم القلب، صدوق اللِّسان، قالوا : صدوق اللِّسان نعرفه، فما مَخْموم القلب ؟ قال : هو النَّقيُّ التَّقيُّ، لا إثم عليه، ولا بَغْي ولا غلٌّ ولا حسد)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .
قال علي القاري : (أي : سليم القلب، لقوله تعالى : " إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " [الشُّعراء: 89] من خَمَمْت البيت، إذا كنسته، على ما في ((القاموس)) وغيره، فالمعنى : أن يكون قلبه مكنوسًا من غبار الأغيار، ومُنَظَّفًا من أخلاق الأقذار) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .

من أقوال السَّلف والعلماء في سلامة الصَّدر :
- قال ابن العربي : (لا يكون القلب سليمًا إذا كان حقودًا حسودًا معجبًا متكبرًا، وقد شرط النَّبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان، أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه) [أحكام القرآن ،لابن العربى] .
- وسئل ابن سيرين - رحمه الله تعالى - ما القلب السَّليم ؟ فقال : النَّاصح لله في خلقه [الهداية إلى بلوغ النهاية،لمكى بن أبى طالب] .
- وقيل : القلب السَّليم الذي يحبُّ للنَّاس ما يحبُّه لنفسه، قد سَلِم جميع النَّاس من غشِّه وظلمه، وأسْلَم لله بقلبه ولسانه، ولا يعدل به غيره [أحكام القرآن ،لابن العربى] .
- وقال ابن تيمية : (فالقلب السَّليم المحمود، هو الذي يريد الخير لا الشَّر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشَّر، فأمَّا من لا يعرف الشَّر، فذاك نقص فيه لا يُمدح به) [الفتاوى الكبرى] .
- وقال الأكفاني وعبد الكريم : (وأصل العبادة مكابدة اللَّيل، وأقصر طرق الجنَّة سَلَامة الصَّدر) [تاريخ دمشق،لابن عساكر] .
- ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، جمع ولده، وفيهم مَسْلمة، وكان سيِّدهم، فقال : أوصيكم بتقوى الله، فإنَّها عِصْمة باقية، وجُنَّة واقية، وهي أحصن كهف، وأزْيَن حِلْية، ليعطف الكبير منكم على الصَّغير، وليعرف الصَّغير منكم حقَّ الكبير، مع سَلَامة الصَّدر، والأخذ بجميل الأمور.. [تاريخ دمشق،لابن عساكر] .
- وقال سفيان بن دينار : قلت لأبي بشير - وكان من أصحاب علي - : أخبرني عن أعمال من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا، قلت : ولم ذاك ؟ قال : لسَلَامة صدورهم [الزهد ،لهناد بن السرى] .

من فوائد سلامة الصَّدر :

1- من أعظم فوائد سَلَامة الصَّدر : أنَّها سبيل لدخول الجنَّة، فهي صفة من صفات أهلها، ونعت من نعوتهم، قال تعالى : " يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " [الشُّعراء 88-89] .
2- أنَّها تزيل العيوب، وتقطع أسباب الذُّنوب، فمن سَلِم صدره، وطَهُر قلبه عن الإرادات الفاسدة، والظُّنون السَّيئة، عفَّ لسانه وجوارحه عن كلِّ قبيح .
3- أنَّها تجمع القلب على الخير والبِرِّ والطَّاعة والصَّلاح، فلا يجد القلب راحة إلا فيها، ولا تقرُّ عين المؤمن إلا بها .

من صور سلامة الصَّدر :
1- سَلَامة الصَّدر مع عامَّة النَّاس، فلا يحمل لهم في قلبه غلًّا ولا حسدًا، ولا غيرها من الأمراض والأَدْواء القلبيَّة، التي تقضي على أواصر المحبَّة، وتقطع صلات المودَّة .
2- سَلَامة الصَّدر مع خاصَّة إخوانه ومقرَّبيه .
3- سَلَامة الصَّدر مع وُلاة الأمر، فلا يحمل عليهم الحقد، ولا يثير عليهم العامَّة، ولا يذكر مثالبهم عند النَّاس، ويكون نصوحًا لهم، مُشْفِقًا عليهم، غاضًّا الطرف عن أخطائهم التي يُتَجَاوز عنها، وينشر الخير عنهم، ويذكرهم بخير أعمالهم وصفاتهم .
4- سَلَامة صدور الوُلاة للرَّعيَّة، فلا يُكثر من الشُّكوك فيهم، ولا يتربَّص بهم أو يتجسَّس عليهم، أو يؤذيهم في أموالهم أو ممتلكاتهم، ويكون مُشْفِقًا عليهم، ساعيًا وراء راحتهم .

من موانع اكتساب سَلَامة الصَّدر :
1- نزغات الشَّيطان، ووساوسه، فالشَّيطان حريص على إيغار الصُّدور، وإفساد القلوب، لذا حذَّر الله - تبارك وتعالى - منه، وأمر عباده بانتقاء القول الحسن، قال - تبارك وتعالى - : " وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا " [الإسراء: 53] وقال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الشَّيطان قد أَيِس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التَّحريش بينهم)) [رواه مسلم] .
2- إصابة القلب ببعض الأمراض الخُلُقيَّة، والتي تُفسد القلب، كالحسد والغلِّ والحقد، وإذا اشتمل القلب على هذه الأدواء لم يُعْتبر سليمًا، فهي تضادُّ سَلَامة القلب .
3- التَّنافس على الدُّنيا فعن عمرو بن عوف رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) [رواه البخارى ومسلم] .

من الوسائل المعينة على اكتساب سَلَامة الصَّدر :

1- الإخلاص لله - تبارك وتعالى - وهذا تصديقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال : ((ثلاث لا يَغِلُّ عليهنَّ قلب مسلم : إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمَّة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإنَّ الدَّعوة تحيط من ورائهم)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] قال ابن الأثير : (إنَّ هذه الخِلال الثَّلاث تُسْتَصلح بها القلوب، فمن تمسَّك بها طَهُر قلبه من الخيانة والدَّخل والشَّر) [النهاية فى غريب الحديث والأثر،لابن الأثير] .

2- الإقبال على كتاب الله تعالى قراءةً وتعلُّمًا وتعليمًا، فهو شفاء لما في الصُّدور، كما قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " [يونس: 57] .
3- الدُّعاء، فهو العلاج النَّاجع والدَّواء النَّافع، فيدعو العبد مولاه أن يجعل قلبه سليمًا من الضغائن والأحقاد على إخوانه المؤمنين، قال الله تعالى : " وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [الحشر: 10] .

نماذج من الصَّحابة :

- وعن زيد بن أسلم، أنَّه دخل على ابن أبي دُجانة، وهو مريض، وكان وجهه يتهلَّل، فقال له : ما لك يتهلَّل وجهك ؟ قال : ما من عملِ شيءٍ أوثق عندي من اثنين : أمَّا أحدهما، فكنت لا أتكلَّم بما لا يعنيني، وأما الأُخْرى : فكان قلبي للمسلمين سليمًا [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .
- وأُثِر عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه أنَّه كان يدعو لسبعين من أصحابه، يسمِّيهم بأسمائهم، وهذا العمل علامة على سَلَامة الصَّدر [ذكره ابن بطال فى شرح صحيح البخارى] .
- وقد كان أبو موسى الأشعري صوَّامًا قوَّامًا، ربَّانيًّا، زاهدًا، عابدًا، ممَّن جمع العلم والعمل والجهاد وسَلَامة الصَّدر، لم تغيره الإمارة، ولا اغترَّ بالدُّنيا [سير أعلام النبلاء ،للذهبى] .

نماذج من السَّلف :

- (دخل رجل على عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر : إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا، فأنت من أهل هذه الآية : " إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا " [الحجرات: 6] وإن كنت صادقًا، فأنت من أهل هذه الآية : " هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ " [القلم: 11]، وإن شئت عفونا عنك.، فقال : العفو، يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا) [إحياء علوم الدين] .
- وعن الفضل بن أبي عيَّاش، قال : (كنت جالسًا مع وهب بن منبِّه، فأتاه رجل، فقال : إنِّي مررت بفلان وهو يشتُمك. فغضب، فقال : ما وجد الشَّيطان رسولًا غيرك ؟ فما بَرِحْت من عنده حتَّى جاءه ذلك الرَّجل الشَّاتم، فسلَّم على وهب، فردَّ عليه، ومدَّ يده، وصافحه، وأجلسه إلى جنبه) [صفة الصفوة،لابن الجوزى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:55 am




" السَّمَاحَة "

الترغيب في السَّمَاحَة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " [الأعراف: 199] .
قال السعدي : (هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع النَّاس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به النَّاس، أن يأخذ العفو، أي : ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق... ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم) [تيسير الكريم الرحمن] .
- وقال سبحانه : " وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [البقرة: 237] .
قال ابن عاشور : (ومعنى كون العفو أقرب للتقوى، أنَّ العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى، لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السَّمَاحَة والرَّحْمَة أقرب إلى التقوى، من القلب الصلب الشديد؛ لأنَّ التقوى تقرب بمقدار قوَّة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرَّأفة والسَّمَاحَة، لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه؛ لكثرة أسبابها فيه) [التحرير ولاتنوير] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) [البخارى] .
قال ابن بطال : (فيه الحضُّ على السَّمَاحَة، وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه؛ لأن النَّبي عليه السلام لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم، في الدنيا والآخرة) [شرح صحيح البخارى] .
وقال المناوي : (... ((رحم الله عبدًا)). دعاء أو خبر، وقرينة الاستقبال المستفاد من ((إذا)) تجعله دعاء ((سَمْحًا)) بفتح فسكون، جوادًا أو متساهلًا، غير مضايق في الأمور، وهذا صفة مشبَّهة تدل على الثبوت؛ ولذا كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، حيث قال : ((إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى)) أي : وفى ما عليه بسهولة ((سمحًا إذا اقتضى)) أي : طلب قضاء حقه، وهذا مسوق للحث على المسامحة في المعاملة، وترك المشاححة والتضييق في الطلب، والتَّخلُّق بمكارم الأخلاق، وقال القاضي: رتَّب الدعاء على ذلك؛ ليدل على أنَّ السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء، ويكون أهلًا للرحمة والاقتضاء والتقاضي، وهو طلب قضاء الحق) [فيض القدير] .
- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار ؟ على كل قريب هيِّن سهل)) [صححه لغيره الألبانى فى صحيح الترغيب] .
قال القاري : (أي : تحرم على كل سهل طلق حليم، ليِّن الجانب، قيل : هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف. ((قريب)) أي : من النَّاس بمجالستهم في محافل الطاعة، وملاطفتهم قدر الطاعة ((سهل)) أي : في قضاء حوائجهم، أو معناه أنَّه سمح القضاء، سمح الاقتضاء، سمح البيع، سمح الشراء) [مرقاة المفاتيح] .

من فوائد سماحة النَّفس :
1- (يستطيع سمح النفس الهين اللين، أن يغنم في حياته أكبر قسط من السعادة وهناءة العيش؛ لأنه بخلقه هذا يتكيَّف مع الأوضاع الطبيعية والاجتماعية بسرعة، مهما كانت غير ملائمة لما يحب .
2- ويستطيع أن يستقبل المقادير بالرضى والتسليم، مهما كانت مكروهة للنفوس .
3- ويستطيع سمح النفس الهين اللين، أن يظفر بأكبر قسط من محبة النَّاس له، وثقة النَّاس به؛ لأنه يعاملهم بالسَّمَاحَة والبشر ولين الجانب، والتغاضي عن السيئات والنقائص، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح، كان في نصحه رفيقًا لـيِّنًا، سمحًا هيِّنًا، يسر بالنصيحة، ولا يريد الفضيحة، يسد الثغرات، ولا ينشر الزلَّات والعثرات .

من صور السَّمَاحَة :
النَّاس على اختلاف مستوياتهم، واختلاف نماذجهم الخلقية، يوجد فيهم من يتمتعون بخلق سماحة النفس، فهم هيِّنون ليِّنون سمحاء، ويوجد فيهم آخرون نكدون، متشددون، يتذمرون من كل شيء لا يوافق هواهم [الأخلاق الإسلامية ،لعبد الرحمن الميدانى] وصور سماحة النفس كثيرة فمنها :
1- السَّمَاحَة في التعامل مع الآخرين :
ويكون ذلك بعدم التشديد، وعدم الغلظة في التعامل مع الآخرين، حتى ولو كان خادمًا، فعن أنس رضي الله عنه قال : ((خدمتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي : أف، ولا : لم صنعت ؟ ولا : ألا صنعت ؟)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
2- السَّمَاحَة في البيع والشراء :
وتكون السَّمَاحَة في البيع والشراء، بأن لا يكون البائع مغاليًا في الربح، ومكثرًا في المساومة، بل عليه أن يكون كريم النفس. وبالمقابل على المشتري أيضًا أن يتساهل، وأن لا يدقق في الفروق القليلة، وأن يكون كريمًا مع البائع وخاصة إذا كان فقيرًا .
3- السَّمَاحَة في قضاء الحوائج :
فإن الذي يقضي حوائج النَّاس، فينفس كربتهم وييسر على معسرهم، ييسر الله عنه في الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : ((من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))[رواه مسلم] .

من وسائل اكتساب خلق سماحة النفس :
هناك عدة وسائل لاكتساب خلق سماحة النفس، منها :
1- (التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها الذين يتحلون بخلق السَّمَاحَة، والفوائد التي يجنونها في العاجلة والآجلة، والسعادة التي يظفرون بها في الحياة الدنيا والآخرة .
2- التأمل في المحاذير التي حذَّر الله منها النكدين المتشدِّدين العسيرين، وما يجلبه لهم خلقهم وظواهره السلوكية، من مضار عاجلة وآجلة، ومتاعب وآلام كثيرة، وخسارة مادية ومعنوية) [الأخلاق الإسلامية، لعبد الرحمن الميدانى] .
نماذج من سماحة النَّبي صلى الله عليه وسلم : - من سماحته صلى الله عليه وسلم قضاء حوائج النَّاس، فعن أنس رضي الله عنه قال : (إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت) [رواه البخارى] .
- ومن سماحته صلى الله عليه وسلم، عفوه عمن أراد قتله، فعن جابر رضي الله عنه أنَّه غزا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معهم فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق النَّاس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة، فعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال : ((إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا قال : من يمنعك مني ؟ قلت : الله ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس)) [رواه البخارى] .

نماذج من سماحة السلف مع غير المسلمين :
- في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق - وكانوا من النصارى - : (وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله) [كتاب الخراج،لأبى يوسف] .
- وأوصى عمر رضي الله عنه الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم [رواه البخارى] .

من علامات سمح النفس :
هناك علامات للمتصف بخلق السَّمَاحَة منها [الأخلاق الإسلامية، لعبد الرحمن الميدانى] .
1- طلاقة الوجه، واستقبال النَّاس بالبشر، ومشاركتهم بالسمع والفكر والقلب .
وطلق الوجه حسن البشر بالنَّاس، محبب إليهم، مألوف في نفوسهم، قريب إلى قلوبهم .
وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه الظاهرة بقوله وعمله، فمن ذلك ما جاء عن جابر رضي الله عنه، إذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كل معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك)) [صححه الألبانى فى صحيح الترغيب] .
وهكذا يكون سمح النفس طلق الوجه باسمًا مشرق المحيَّا، بخلاف النكد الصعب، حتى يبدو كأنه قَرِف من كل شيء، فإذا واجه النَّاس واجههم بسحنة منقبضة، لا انبساط فيها ولا بشر، وإذا اجتمع معهم، لم يشاركهم بمشاعره ولا بحواسِّه، وكان بينهم كأنه غريب عنهم، وكأنهم غرباء عنه... وهذا الوضع يجعله ممقوتًا مكروهًا بعيدًا عن قلوب النَّاس؛ لأنَّه وضع يلازمه في معظم أحواله بسبب نكد نفسه الملازم له...
2- مبادرة النَّاس بالتحية والسلام والمصافحة وحسن المحادثة :
فمن كان سمح النفس بادر إلى هذه المحاسن، ووجودها في الإنسان طبيعية غير متكلَّفة، يدل على أنَّه سمح هيِّن ليِّن رقيق حاشية النفس، ألوف ودود لا فظ ولا غليظ .

سماحة الإسلام :
كما دعا الإسلام المسلمين إلى التحلي بخلق السَّمَاحَة، فإنَّ السَّمَاحَة من خلق الإسلام نفسه، فمن السَّمَاحَة عفو الله ومغفرته للمذنبين من عباده، وحلمه تبارك وتعالى على عباده، وتيسير الشريعة عليهم، وتخفيف التكاليف عنهم، ونهيهم عن الغلو في الدين، ونهيهم عن التشديد في الدين على عباد الله [الأخلاق الإسلامية، لعبد الرحمن الميدانى] .
- قال تعالى : " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " [البقرة: 185] .
- وقال : " مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " [المائدة: 6] .
- وقال سبحانه : " يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا " [النساء: 28] .
- قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
- ونهى النَّبي عن التنطع والتَّشدد في الدين، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثًا [رواه مسلم] .
- ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم على من يشق على المسلمين فقال : ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به)) [رواه مسلم] .


" الشَّجَاعَة "

الترغيب في الشَّجَاعَة : أولًا : في القرآن الكريم :
- أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالقتال في سبيله، والثبات عليه، والإقدام في الحروب، وعدم الجبن، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ " [الأنفال: 16] .
- وقال سبحانه : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ " [الأنفال: 65] .
قال السعدي : (يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشِّط هممهم، من الترغيب في الجهاد، ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشَّجَاعَة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأنَّ الشَّجَاعَة بالمؤمنين أولى من غيرهم) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عمرو بن ميمون الأودي قال : كان سعد يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول : ((إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر، فحدثت به مصعبًا فصدقه)) [رواه البخارى] .
قال المهلب : (أما استعاذته صلى الله عليه وسلم من الجبن، فإنَّه يؤدي إلى عذاب الآخرة؛ لأنَّه يفر من قرنه في الزحف فيدخل تحت وعيد الله لقوله : " وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ " [الأنفال: 16] الآية، وربما يفتن في دينه، فيرتد لجبن أدركه) [شرح البخارى ، لابن بطال] .
- وعن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال : ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)) [رواه البخارى ومسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الشَّجَاعَة :
- قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لخالد بن الوليد : (احرص على الموت، توهب لك الحياة) [العقد الفريد، لابن عبد ربه] .
- وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (الجبن والشَّجَاعَة غرائز في النَّاس، تلقى الرجل يقاتل عمن لا يعرف، وتلقى الرجل يفر عن أبيه) [مكارم الأخلاق، لابن أبى الدنيا] .
- وخطب عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، النَّاس لما بلغه قتل أخيه مصعب، فقال : (إن يقتل فقد قتل أبوه، وأخوه، وعمه، إنا والله لا نموت حتفًا، ولكن نموت قعصًا بأطراف الرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف، وإن يقتل مصعب فإنَّ في آل الزبير خلفًا منه) [العقد الفريد، لابن عبد ربه] .
- وكتب زياد إلى ابن عباس رضي الله عنه : (أن صف لي الشَّجَاعَة، والجبن، والجود، والبخل، فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائع، رُكِّبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أنَّ الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عرسه، وأن الجواد يعطي من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه) [نهاية الأرب فى فنون الأدب، للنويرى] .
- وقالوا : (حد الشَّجَاعَة سعة الصدر، بالإقدام على الأمور المتلفة) [نهاية الأرب فى فنون الأدب، للنويرى] .

من فوائد الشَّجَاعَة :
الشَّجَاعَة لها فوائد تعود على الفرد والمجتمع، منها :
1- أنها سبب لانشراح الصدر :
قال ابن القيم : (فإنَّ الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق النَّاس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها، ونعيمها، وابتهاجها، فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى كل معرض عن الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه، متعلق القلب بغيره) [زاد المعاد، لابن القيم] .
2- الشَّجَاعَة أصل الفضائل :
فمن يتصف بالشَّجَاعَة يتحلى أيضًا بالنجدة، وعظم الهمة، والثبات، والصبر، والحلم، وعدم الطيش، والشهامة، واحتمال الكد .
3- الشَّجَاعَة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم :
قال ابن القيم : (والشَّجَاعَة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس، وقوتها، على إخراج المحبوب، ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ، والحلم، فإنَّه بقوة نفسه، وشجاعتها، يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزغ، والبطش، كما قال : ((ليس الشديد بالصرعة، إنَّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) وهو حقيقة الشَّجَاعَة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه) [الفروسية ، لابن القيم] .
4- الرجل الشجاع يحسن الظن بالله :
قال ابن القيم : (والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق، وأهل الجبن: هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشَّجَاعَة والجود : هم أهل حسن الظن بالله، كما قال بعض الحكماء في وصيته : عليكم بأهل السخاء، والشَّجَاعَة، فإنَّهم أهل حسن الظن بالله، والشَّجَاعَة جُنَّة للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه، فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه به، وقد قالت العرب: الشَّجَاعَة وقاية، والجبن مقتلة، وقد أكذب الله سبحانه أطماع الجبناء في ظنِّهم أنَّ جبنهم ينجيهم من القتل والموت، فقال الله تعالى : " قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً " [الأحزاب: 16] .

أقسام الشَّجَاعَة :
ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) خمسة أنواع للشجاعة وهي :
- (سبعيَّة : كمن أقدم لثوران غضب وتطلُّب غَلَبة .
- وبهيميَّة : كمن حارب توصلًا إلى مأكل أو منكح .
- وتجريبيَّة : كمن حارب مرارًا فظفر. فجعل ذلك أصلًا يبني عليه .
- وجهاديَّة : كمن يحارب ذبًّا عن الدين .
- وحكميَّة : وهي ما تكون في كل ذلك عن فكر، وتمييز، وهيئة محمودة، بقدر ما يجب وعلى ما يجب، ألا ترى أنَّه يحمد من أقدم على كافر؛ غضبًا لدين الله، أو طمعًا في ثوابه، أو خوفًا من عقابه، أو اعتمادًا على ما رأى من إنجاز وعد الله في نصرة أوليائه، فإن كل ذلك محمود، وإن كان محض الشَّجَاعَة هو أن لا يقصد بالإقدام حوز ثواب، أو دفع عقاب...
ومن الشَّجَاعَة المحمودة مجاهدة الإنسان نفسه، أو غيره، وكل واحد منهما ضربان :
- مجاهدة النفس بالقول : وذلك بالتعلم، وبالفعل : وذلك بقمع الشهوة، وتهذيب الحمية .
- ومجاهدة الغير بالقول : وذلك تزيين الحق وتعليمه، وبالفعل : وذلك مدافعة الباطل ومتعاطيه بالحرب) [الذريعة إلى مكارم الشريعة] .
صور الشَّجَاعَة :
1- الإقدام في ساحات الوغى في الجهاد في سبيل الله، والاستهانة بالموت .

2 - الشَّجَاعَة في الأعمال التي تحتاج إلى تحمل المخاطر ورباطة الجأش : كرجال الشرطة، ورجال الإطفاء، وعمال المناجم، وغيرهم .
3- حضور الذهن عند الشدائد : من أكبر مظاهر الشَّجَاعَة، حضور الذهن عند الشدائد، فشجاعٌ من إذا عراه خطبٌ، لم يذهب برشده، بل يقابله برزانة وثبات، ويتصرف فيه بذهن حاضر، وعقل غير مشتت [الأخلاق الإسلامية، لجمال نصار. بتصرف] .

4- الشَّجَاعَة الأدبية :
والمراد بها أن يبدي الإنسان رأيه، وما يعتقد أنَّه الحق، مهما ظنَّ النَّاس به، أو تقوَّلوا عليه، فيقول الحق بأدب، وإن تألَّم منه النَّاس، ويعترف بالخطأ، وإن نالته عقوبة، ويرفض العمل بما لا يراه صوابًا [الأخلاق الإسلامية، لجمال نصار. بتصرف] .

من وسائل اكتساب خلق الشَّجَاعَة :
1- اللجوء إلى الله بالدعاء والإكثار من الذكر :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ " [الأنفال:45] .
(للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال :
الأول : اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد .
الثاني : اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم، فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت : " وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " [البقرة: 250]، وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشَّجَاعَة المحمودة في النَّاس .
الثالث : اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم) [الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبى] .
2- (ترسيخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الإنسان لن يصيبه إلا ما كتب الله له .
3- ترسيخ عقيدة الإيمان باليوم الآخر .
4- غرس اليقين بما أعده الله من النعيم في الجنة، للذين يقاتلون في سبيل الله .

من ضوابط استعمال الشَّجَاعَة :
1- الاستعانة بها في طاعة الله، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله :
فيجب استعمال الشَّجَاعَة فيما يقربِّ إلى الله سبحانه وتعالى، من مقارعة الأعداء، والإقدام في ساحات الوغى في الجهاد في سبيل الله .
قال ابن تيمية : (ومما ينبغي أن يعلم أن الشَّجَاعَة، إنَّما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله، وإلا فالشَّجَاعَة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله كانت إمَّا وبالًا عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإمَّا غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله تعالى، فشجاعة علي، والزبير، وخالد، وأبي دجانة، والبراء بن مالك، وأبي طلحة، وغيرهم من شجعان الصحابة إنَّما صارت من فضائلهم؛ لاستعانتهم بها على الجهاد في سبيل الله، فإنَّهم بذلك استحقوا ما حمد الله به المجاهدين، وإذا كان كذلك فمعلومٌ أنَّ الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة، قال الله تعالى : " وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا " [الفرقان:51-52] فأمره الله سبحانه وتعالى أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادًا كبيرًا، وهذه السورة مكيَّة نزلت بمكة قبل أن يهاجر النَّبي، وقبل أن يؤمر بالقتال، ولم يؤذن له، وإنَّما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب، والبيان والدعوة لا بالقتال، وأما القتال فيحتاج إلى التدبير، والرأي، ويحتاج إلى شجاعة القلب، وإلى القتال باليد، وهو إلى الرأي والشَّجَاعَة في القلب، في الرأس المطاع، أحوج منه إلى قوة البدن) [منهاج السنة النبوية] .
2- أن تكون في موضعها :
فـيُقْدِمُ الشجاع في موضع الإقدام، ويثبت في موضع الثبات، ويحجم في موضع الإحجام .
وقال ابن القيم : (ولما كانت الشَّجَاعَة خلقًا كريمًا من أخلاق النفس ترتب عليها أربعة أمور : وهي مظهرها وثمرتها، الإقدام في موضع الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام، والثبات في موضع الثبات، والزوال في موضع الزوال. وضد ذلك مخلٌّ بالشَّجَاعَة، وهو إمَّا جبن، وإمَّا تهور، وأما خفة وطيش) [الفروسية] .

نماذج من شجاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- عن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : ((شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبَلَ الكفار، قال عباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها؛ إرادةَ أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيْ عباس، ناد أصحاب السمرة ، فقال عباس : - وكان رجلًا صيِّتًا - فقلت بأعلى صوتي : أين أصحاب السمرة، قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها، فقالوا : يا لبيك يا لبيك، قال : فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون : يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، قال : ثُمَّ قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا : يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حين حمي الوطيس)) [رواه مسلم] .

شجاعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه :

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ((لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : كيف تقاتل النَّاس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عزَّ وجلَّ قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنَّه الحق)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن عروة بن الزبير قال : سألت ابن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، قال : ((بينا النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الآية [غافر: 28])) [رواه البخارى] .

شجاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

- عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه قال : (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) [رواه البخارى] .

- وعن محمد بن إسحاق قال : (فلما قدم عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو ابن العاص، على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهم النجاشي بما يكرهون، أسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلًا ذا شكيمة، لا يرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة بن عبد المطلب، حتى غزا قريشًا، فكان عبد الله بن مسعود يقول : ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر بن الخطاب، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلَّى عند الكعبة وصلَّينا معه، وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة) [رواه ابن هشام فى السيرة] .

شجاعة الزبير رضي الله عنه :
- عن عمرو بن دينار قال كان يقال : (أشجع النَّاس الزبير، وأبسلهم علي رضي الله عنهما، والباسل فوق الشجاع) [مكارم الأخلاق ،لابن أبى الدنيا] .
- وعن هشام بن عروة، عن أبيه، (أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للزبير يوم اليرموك، ألا تشد فنشد معك ؟ فقال : إنِّي إن شددت كذبتم، فقالوا لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلًا فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة : كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير) [رواه البخارى] .


" الشَّفَقَة "

التَّرغيب في الشَّفَقَة من السنة النبوية :
- عن ابن عمر رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربةً مِن كربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة)) [رواه البخارى ومسلم] .
ورواه التِّرمذي بلفظ آخر وقال في تبويبه له : (ما جاء في شَفَقَة المسلم على المسلم) [سنن الترمذى] .
- وعن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تَدَاعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
قال ابن حبان : (وفيه مَثَّل النَّبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بما يجب أن يكونوا عليه من الشَّفَقَة والرَّأفة) [صحيح ابن حبان] .

أقوال السَّلف والعلماء في الشَّفَقَة :
- عن أسلم (أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه استعمل مولى له - يُدْعى هُنَيًّا - على الحِمَى، فقال : يا هُني، اضْمُم جناحك عن المسلمين، واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّ دعوة المظلوم مستجابة) [رواه البخارى] .
قال العيني : (قوله : اضْمُم جناحك، ضَمُّ الجَناح : كناية عن الرَّحمة والشَّفَقَة، وحاصل المعنى : كُفَّ يدك عن ظلم المسلمين) [عمدة القارى] .
- وعن عبد الملك بن حميد، قال : كنَّا مع عبد الملك بن صالح بدمشق، فأصاب كتابًا في ديوان دمشق : (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، من عبد الله بن عبَّاس، إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإنِّي أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، عصمنا الله وإيَّاك بالتَّقوى... أمَّا بعد، فإنَّك من ذوي النُّهى من قريش، وأهل الحلم والخُلُق الجميل منها، فليَصْدر رأيك بما فيه النَّظر لنفسك، والتَّقيَّة على دينك، والشَّفَقَة على الإسلام وأهله، فإنَّه خير لك، وأوفر لحظِّك في دنياك وآخرتك) [رواه ابن عساكر فى تاريخ دمشق] .
- وقال الجنيد - عندما سُئل عن الشَّفَقَة على الخَلْق ما هي ؟- : (تعطيهم من نفسك ما يطلبون، ولا تحمِّلهم ما لا يطيقون، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .

من فوائد الشَّفَقَة :
1- أنَّ المتَحَلِّي بها يتحلَّى بخُلُق تحلَّى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2- أنَّ أهلها مخصوصون برحمة الله، جزاءً لشَفَقَتهم ورحمتهم بخَلْقه .
3- أنَّ من ثمارها: محبَّة الله للعبد، ومن ثمَّ محبَّة النَّاس له .
4- أنَّها ركيزة عظيمة ينبني عليها مجتمع مسلم متماسك، يعطف بعضه على بعض، ويُشفق بعضه على بعض .

الشفقة المذمومة :
الشَّفَقَة المذمومة : وهو ما يحصل بسببها تعطيل لشرع الله، أو تهاون في تطبيق حدوده وأوامره، كمن يُشْفِق على من ارتكب جُرمًا يستحق به حدًّا، فيحاول إقالته والعفو عنه، ويحسب أنَّ ذلك من الشَّفَقَة على الخَلق، وهو ليس منها في شيء .
- وكمن يُشْفِق على الطُّلَّاب فيتركهم يغشُّون في الامتحان شَفَقَة منه عليهم أن يرسبوا .
أو كمن يَقتل من الأطباء -بدافع الشَّفَقَة- مرضاهم الذين لا يُرجى شفاؤهم، ويتألَّمون من مرضهم.. فكلُّ هذا ممَّا لا تجوز فيه الشَّفَقَة .

من درجات الشَّفَقَة :
للشَّفَقَة ثلاث درجات، كما ذكر الإمام الهروي في كتابه ((منازل السائرين)) :
(الدَّرجة الأولى : إشْفَاق على النَّفس أن تَجْمَح إلى العِناد، وإشْفَاق على العمل أن يصير إلى الضَّياع، وإشْفَاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها) [منازل السائرين] .

من صور الشَّفَقَة :
أ- شَفَقَة الإمام على المأمومين، وتجنُّب ما يشق عليهم :
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أَعْتم النَّبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، حتى ذهب عامَّة اللَّيل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلَّى، فقال : إنَّه لوقتها لولا أن أشقَّ على أمَّتي)) (2)[رواه مسلم] . 2- عن أبي هريرة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إذا أمَّ أحدكم النَّاس فليُخفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف والمريض، فإذا صلَّى وحده فليصل كيف شاء)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
ب- الشَّفَقَة على الأبناء، والعطف عليهم، والحُزن إذا أصابهم مكروه :
1- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : ((قَدِم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أتقبِّلون صبيانكم ؟ فقالوا : نعم، فقالوا : لكنَّا - والله - ما نُقبِّل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأملك إن كان الله نزع منكم الرَّحمة)) وقال ابن نمير : ((من قلبك الرَّحمة)) (4)[رواه البخارى ومسلم واللفظ له] قال ابن عثيمين : (وفي هذا دليلٌ على تقبيل الصِّبيان شَفَقَة عليهم ورقَّة لهم ورحمة بهم) [شرح رياض الصالحين] .

2- وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : ((أرْسَلت ابنة النَّبي صلى الله عليه وسلم إليه : إنَّ ابنًا لي قُبِض فائتنا، فأرسل يقرئ السَّلام، ويقول : إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجل مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب . فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام، ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، فرُفِع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّبي ونَفْسُه تتقَعْقَع - قال : حسبته أنَّه قال كأنَّها شَنٌّ - ففاضت عيناه ، فقال سعد : يا رسول الله، ما هذا ؟ فقال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنَّما يرحم الله من عباده الرُّحماء)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : ((كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذِّئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها : إنَّما ذهب بابنك ، وقالت الأخرى : إنَّما ذهب بابنك ، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكُبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال : ائتوني بالسِّكين، أشقُّه بينهما، فقالت الصُّغرى : لا تفعل - يرحمك الله -، هو ابنها ، فقضى به للصُّغرى)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
قال ابن القيِّم : (ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفس الكبرى بذلك، استرواحًا منها إلى راحة التَّسلِّي، والتَّأسِّي بذهاب ابن الأخرى. كما ذهب ابنها، ولم تطِبْ نفس الصُّغرى بذلك، بل أدركتها شَفَقَة الأمِّ، ورحمتها، فناشدته أن لا يفعل، استرواحًا إلى بقاء الولد، ومشاهدته حيًّا، وإن اتَّصل إلى الأخرى) [إغاثة اللهفان] . من من الوسائل المعينة على اكتساب الشَّفَقَة
1- عدم الشِّبَع :
قال أبو سليمان الدَّاراني : (من شَبِع دخل عليه ستُّ آفات: فَقَد حلاوة المنَاجاة، وتعذَّر حفظ الحِكْمة، وحرمان الشَّفَقَة على الخَلْق؛ لأنَّه إذا شَبِع، ظنَّ أنَّ الخَلْق كلَّهم شِبَاعٌ، وثُقْل العبادة، وزيادة الشَّهوات، وأنَّ سائر المؤمنين يدورون حول المساجد، والشِّباع يدورون حول المزابل) [إحياء علوم الدين] .

2- دم الحسد :
قال أبو عبد الرَّحمن السُّلمي (الحسد عدوُّ نعمة الله، وإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لا تحاسدوا)) [رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة] وحسد المسلمين من قلَّة الشَّفَقَة عليهم . 3- الاختلاط بالضُّعفاء والمساكين وذوي الحاجة :
فإنَّه ممَّا يُــرَقِّق القلب، ويدعو إلى الرَّحمة والشَّفَقَة بهؤلاء وغيرهم .

نماذج من الأنبياء والمرسلين :
كان الأنبياء - صلوات الله عليهم - يحرصون في التعامل مع أقوامهم على الرَّحمة بهم والشَّفَقَة عليهم، فكانوا يُشْفِقون عليهم بالرَّغم من إيذاء قومهم لهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : (كأنِّي أنظر إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء، ضربه قومه فأَدْمَوه، فهو يمسح الدَّم عن وجهه، ويقول : ربِّ اغفر لقومي، فإنَّهم لا يعلمون) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّووي : (فيه ما كانوا عليه - صلوات الله وسلامه عليهم - من الحلم والتَّصبُّر والعفو والشَّفَقَة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغُفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم : بأنَّهم لا يعلمون، وهذا النَّبي المشار إليه من المتقدِّمين، وقد جرى لنبينا صلى الله عليه وسلم مثل هذا يوم أحد) [شرح النووى على مسلم] .
نوح عليه السَّلام :
قال تعالى : " وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ " [هود:45-46] .
قال السعدي : (لعلَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - حملته الشَّفَقَة، وأنَّ الله وعده بنجاة أهله، ظنَّ أنَّ الوعد لعمومهم : مَنْ آمن، ومَنْ لم يؤمن فلذلك دعا ربَّه بذلك الدُّعاء ومع هذا ففوَّض الأمر لحكمة الله البالغة) [تفسير السعدى] .
إبراهيم عليه السَّلام :
كان نبيُّ الله إبراهيم - عليه السَّلام- شَفِيقًا على النَّاس، وكان يجادل عن قوم لوط، حتى لا يأتيهم العذاب، وذلك لغلبة الشَّفَقَة عليه، قال تعالى : " فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ " [هود:74-76].
قال ابن عجيبة : (ظاهر قوله تعالى : " يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ " أنَّ مجادلته كانت عن قومه فقط، لغلبة الشَّفَقَة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ " حتى قال له تعالى : " يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا " لـمَّا تَحَتَّمَ عليهم العذاب) [البحر المديد ، لابن عجيبة] .
وقال أيضًا : (والحاصل أنَّ إبراهيم - عليه السَّلام - حملته الشَّفَقَة والرَّحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خُلَّته واصطفائيَّته، فالشَّفَقَة والرَّحمة من شأن الصَّالحين والعارفين المقرَّبين، غير أنَّ العارفين بالله - مع مراد مولاهم - يُشْفِقون على عباد الله، ما لم يتعيَّن مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لـمَّا تعيَّن قضاؤه: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) [البحر المديد ، لابن عجيبة] .

نماذج من شَفَقَة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
1- شَفَقَة النَّبي صلى الله عليه وسلم على أمَّته :
كان صلى الله عليه وسلم شَفِيقًا على أمَّته، رحيمًا بهم، وشَفَقَته ورحمته لم تكن خاصَّة بالمؤمنين، بل كان يُشْفِق على الكافرين ممَّن لا يدين بدين الإسلام. ونشير هنا إلى بعض النَّماذج التي هي من أقواله وسيرته، فصلوات ربِّي وسلامه عليه :
- عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشَّفاعة : ((أمَّتي أمَّتي)) [رواه البخارى ومسلم] . قال الفارسي أبو الحسين : (انظر هل وصف الله عزَّ وجلَّ أحدًا من عباده بهذا الوصف من الشَّفَقَة والرَّحمة التي وَصَف بها حبيبَه صلى الله عليه وسلم ، ألا تراه في القيامة إذا اشتغل النَّاس بأنفسهم كيف يَدَع حَدَث نفسه، ويقول : (أمَّتي أمَّتي)، يرجع إلى الشَّفَقَة عليهم، ويقول : إنِّي أسلمت نفسي إليك، فافعل بي ما شئت، ولا تردَّني في شفاعتي في عبادك) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .
2- شَفَقَة النَّبي صلى الله عليه وسلم على الكفَّار :
عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم : ((هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العَقَبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَالِيلَ بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أَسْتَفق إلَّا وأنا بِقَرْن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال : إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَكَ الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني مَلَك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال : يا محمَّد، فقال : ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن حجر : (وفي هذا الحديث بيان شَفَقَة النَّبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ " [آل عمران: 159]، وقوله : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " [الأنبياء: 107]) [فتح البارى،لابن حجر] .

نماذج من شَفَقَة الصَّحابة :
أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
- عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال : ((كنت جالسًا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر، فسلَّم، وقال : إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه ثمَّ ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ، فأقبلت إليك، فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثًا، ثمَّ إنَّ عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل : أثمَّ أبو بكر ؟ فقالوا : لا، فأتى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فسلَّم، فجعل وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يتمعَّر،حتى أشْفَق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال : يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم. مـرَّتين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كَذَبْت. وقال أبو بكر : صَدَق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ مـرَّتين، فما أُوذي بعدها)) [رواه البخارى] .
قال العيني : ((حتى أشْفَق أبو بكر)) أي : حتى خاف أبو بكر أن يكون من رسول الله إلى عمر ما يكره) [عمدة القارى] .
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
- عن الأصمعي، قال : (كلَّم النَّاس عبد الرَّحمن بن عوف أن يكلِّم عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في أن يلين لهم؛ فإنَّه قد أخاف الأبكار في خدورهنَّ (5) ؛ فكلَّمه عبد الرَّحمن، فالتفت عمر إلى عبد الرَّحمن - رضي الله عنهما - فقال له : يا عبد الرَّحمن ! إنِّي لا أجد لهم إلَّا ذلك، والله لو أنَّهم يعلمون ما لهم عندي من الرَّأفة والرَّحمة والشَّفَقَة؛ لأخذوا ثوبي عن عاتقي) [رواه ابن قتيبة فى المجالسة وجواهر العلم] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:56 am




" الشهامة "

الترغيب في الشهامة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى " : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ " [القصص: 23- 24] .
قال ابن عطية : (استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر فأخبرتاه بخبرهما) [المحرر الوجيز] .
قال الحجازي : (فثار موسى، وتحركت فيه عوامل الشهامة والرجولة، وسقى لهما، وأدلى بدلوه بين دلاء الرجال حتى شربت ماشيتهما) [التفسير الواضح، للحجازى محمد محمود] .

ثانيًا في السنة النبوية :
- عن أنس رضي الله عنه قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، قال : وقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتًا، قال : فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ وهو متقلِّد سيفه، فقال : لم تراعوا ، لم تراعوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وجدته بحرًا ، يعني الفرس)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
قال القرطبي : (في هذا الحديث ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشَّجَاعَة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه : إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال الباس، ولذلك قالوا : إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولَّى قطُّ منهزمًا، ولا تحدث أحد عنه قط بفرار) [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم] .

من فوائد الشهامة :
1- الشهامة من مكارم الأخلاق الفاضلة .
2- إنها من صفات الرجال العظماء .
3- تشيع المحبة في النفوس .
4- تزيل العداوة بين الناس .

من موانع اكتساب صفة الشهامة :
1- قسوة القلب .
2- الأنانية، وخذلان المسلمين، واللامبالاة بمعاناتهم :
إنَّ خذلان المسلم لأخيه المسلم أمر تنكره الشريعة، وإن من حق المسلم على المسلم أن لا يخذله(وهو إن حدث ذريعة لخذلان المسلمين جميعًا حيث تنتشر عدوى الأنانية وحب الذات، وإيثار الراحة والمصلحة الخاصة على مشاركة الغير آلامهم وآمالهم، فيكثر التَّنصل من المسؤولية بين المسلمين، حتى يقضي عليهم أعداؤهم واحدًا تلو الآخر، فتموت فيهم خلال الآباء، والشهامة، ونجدة الملهوف، وإغاثة المنكوب، وسوف يجنح المظلوم والضعيف إلى الأعداء طوعًا أو كرهًا، لما يقع به من ضيم وما يصيبه من خذلان من إخوانه ثم ينزوي بعيدًا عنهم، وتنقطع عرى الأخوة بينه وبين من خذلوه وأسلموه للأعداء) [الموالاة والمعاداة فى الشريعة الإسلامية،لمحماس الجلعود] .
3- الجبن والبخل :
فالشهامة إنما تقوم على الشَّجَاعَة لنجدة المحتاج، والكرم لإعانة أصحاب الحاجات، فمن فقدهما ضعفت شهامته، وماتت مروءته .

من الوسائل المعينة على اكتساب صفة الشهامة :
1- الصبر .
2- الشَّجَاعَة .
3- علو الهمة وشرف النفس .
4- العدل والإنصاف .

نماذج من حياة النبي صلى الله عليه وسلم :
عن أبي إسحاق قال سأل رجل البراء رضي الله عنه، فقال يا أبا عمارة أَوَلَّيتم يوم حنين ؟ قال البراء وأنا أسمع : ((أما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُوَلِّ يومئذ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذًا بعنان بغلته، فلما غشيه المشركون نزل، فجعل يقول : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)) [رواه البخارى] .

نماذج من الصحابة رضي الله عنهم في الشهامة :
- عن عبد الرحمن بن عوف قال: (إنِّي لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه : يا عم أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي، وما تصنع به ؟ قال : عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله، فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء) [رواه البخارى] .
قال ابن حجر : (قوله الصقرين.. شبههما به لما اشتهر عنه من الشَّجَاعَة، والشهامة، والإقدام على الصيد، ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه) [فنح البارى شرح صحيح البخارى] .
- وعن أسلم، مولى عمر قال : (خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم. فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال : مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا، وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثم قال : اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها ؟ قال عمر : ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها، قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه) [رواه البخارى] .


" الصبـــر "

الترغيب في الصبر :

أولًا : في القرآن الكريم :

الصبر من أكثر الأخلاق التي اعتنى بها دين الإسلام؛ لذا تكرر ذكره في القرآن في مواضع كثيرة .
قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل : (ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعًا) [عدة الصابرين] .
وقد سيق الصبر في القرآن في عدة أنواع ذكرها ابن القيم في كتابه (عدة الصابرين) ونحن نذكر بعضها:
- أحدها : الأمر به، كقوله : " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ " [النحل: 127] وقال : " وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ " [الطور: 48] .
- الثاني : النهي عما يضاده، كقوله تعالى : " وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ " [الأحقاف: 35] وقوله : " وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ " [القلم: 48] .
- الثالث : تعليق الفلاح به، كقوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " [آل عمران: 200] فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور .
- الرابع : الإخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيره، كقوله : " أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا " [القصص: 54] وقوله : " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ " [الزمر:10] .
- الخامس : تعليق الإمامة في الدين، به وباليقين، قال الله تعالى : " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ " [السجدة:24] [عدة الصابرين،بتصرف يسير] .

ثانيًا : في السنة النبوية :

- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : ((أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر)) [رواه البخارى] .
(قوله صلى الله عليه وسلم : ((ومن يتصبر)) : أي يطلب توفيق الصبر من الله؛ لأنه قال تعالى : " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ " [النحل: 127] أي يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية، أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه ((يصبِّره الله)) : بالتشديد أي : يسهل عليه الصبر، فتكون الجمل مؤكدات. ويؤيد إرادة معنى العموم قوله : ((وما أعطي أحد من عطاء)) : أي معطى أو شيئًا، ((أوسع)) : أي أشرح للصدر، ((من الصبر)) : وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات) [عون المعبود شرح سنن أبى داود ،لشمس الحق العظيم أبادى] .
- وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ الصبر عند الصدمة الأولى، فعن أنس رضي الله عنه قال : ((مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال : اتقي الله واصبري، قالت : إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوَّابين ، فقالت : لم أعرفك، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) [رواه البخارى] .
قال ابن القيم : (فإنَّ مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب، وتزعجه بصدمها، فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر، وأيضًا فإنَّ المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه، وهى الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطَّن لها، وعلم أنَّه لا بد له منها فيصير صبره شبيه الاضطرار، وهذه المرأة لما علمت أنَّ جزعها لا يجدي عليها شيئًا؛ جاءت تعتذر إلى النبي كأنها تقول له قد صبرت، فأخبرها أنَّ الصبر إنما هو عند الصدمة الأُولى) [عدة الصابرين] .

- وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ((أنه قال لعطاء : ألا أُريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى، قال : هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت : إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال : إن شئت صبرت؛ ولك الجنة،وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت : أصبر، قالت : فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها)) [رواه البخارى ومسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الصبر :

- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (إنَّ أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أنَّ الصبر كان من الرجال كان كريمًا) [الصبر والثواب عليه، لابن أبى الدنيا] .
- وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (ألا إنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس باد الجسد، ثم رفع صوته فقال : ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) [الصبر والثواب عليه، لابن أبى الدنيا] .
وقال : (الصبر مطية لا تكبو ، والقناعة سيف لا ينبو [أدب الدنيا والدين للماوردى] .
- وقال عمر بن عبد العزيز وهو على المنبر : (ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر، إلا كان ما عوَّضه خيرًا مما انتزع منه، ثم قرأ : " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ " [الزمر :10]) [الصبر والثواب عليه، لابن أبى الدنيا] .
- (وجاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقًا من حاله ومعاشه، واغتمامًا بذلك، فقال : (أيسرك ببصرك مئة ألف ؟ قال : لا، قال : فبسمعك ؟ قال : لا، قال : فبلسانك ؟ قال : لا، قال : فبعقلك ؟ قال : لا... في خلال، وذكَّره نعم الله عليه، ثم قال يونس : أرى لك مئين ألوفًا وأنت تشكو الحاجة ؟!) [سير أعلام النبلاء] .

- وقال عمر بن ذر : (من أجمع على الصبر في الأمور فقد حوى الخير، والتمس معاقل البر وكمال الأجور) [الصبر والثواب عليه، لابن أبى الدنيا] .

- وعن إبراهيم التيمي، قال : (ما من عبد وهب الله له صبرًا على الأذى، وصبرًا على البلاء، وصبرًا على المصائب، إلا وقد أُوتي أفضل ما أوتيه أحد، بعد الإيمان بالله) [الصبر والثواب عليه، لابن أبى الدنيا] .

من فوائد الصبر أنه [نضرة النعيم] :
1- دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام .
2- يورث الهداية في القلب .
3- يثمر محبة الله ومحبة الناس .
4- سبب للتمكين في الأرض .
5- الفوز بالجنة والنجاة من النار .

أقسام الصبر : (واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح) .
فالصبر الواجب ثلاثة أنواع :
أحدها : الصبر عن المحرمات .
والثاني : الصبر على أداء الواجبات .
والثالث : الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها، كالأمراض والفقر وغيرها .
وأما الصبر المندوب : فهو الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله.
وأما المحظور فأنواع : أحدها الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت، وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام، إذا خاف بتركه الموت، قال طاوس وبعده أحمد: من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار...
ومن الصبر المحظور: صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبع أو حيات أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب كما دلت عليه النصوص الكثيرة .
وأما الصبر المكروه فله أمثلة :
أحدها : أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه .
الثاني : صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به .
الثالث : صبره على المكروه .
الرابع : صبره عن فعل المستحب .
وأما الصبر المباح : فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين، خُيِّر بين فعله وتركه والصبر عليه .
وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه، والصبر عن المباح مباح) [عدة الصابرين ،بتصرف] .

مراتب الصبر :

ذكر ابن القيم أربعة مراتب للصبر :
(إحداها : مرتبة الكمال، وهي مرتبة أولي العزائم، وهي الصبر لله وبالله .
فيكون في صبره مبتغيًا وجه الله صابرًا به، متبرئًا من حوله وقوته، فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها .
الثانية : أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا، فهو أخس المراتب وأردأ الخلق، وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان .
الثالثة : مرتبة من فيه صبر بالله، وهو مستعين متوكل على حوله وقوته، متبرئ من حوله هو وقوته، ولكن صبره ليس لله؛ إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه، فهذا ينال مطلوبه ويظفر به، ولكن لا عاقبة له، وربما كانت عاقبته شرَّ العواقب، وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية، فإنَّ صبرهم بالله لا لله ولا في الله...
الرابع : من فيه صبر لله، لكنه ضعيف النصيب من الصبر به والتوكل عليه والثقة به والاعتماد عليه، فهذا له عاقبة حميدة، ولكنه ضعيف عاجز مخذول في كثير من مطالبه؛ لضعف نصيبه من " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " [الفاتحة: 5] فنصيبه من الله أقوى من نصيبه بالله، فهذا حال المؤمن الضعيف .
وصابر بالله لا لله : حال الفاجر القوي، وصابر لله وبالله : حال المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .
فصابر لله وبالله : عزيز حميد، ومن ليس لله ولا بالله : مذموم مخذول، ومن هو بالله لا لله : قادر مذموم، ومن هو لله لا بالله : عاجز محمود) [مدارج السالكين] .

صور الصبر :

إن صور الصبر ومجالاته كثيرة في حياة الإنسان، فلا يستغني عنه أحد بحال من الأحوال، يقول ابن القيم: (إن الإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال، فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه اتفاقًا، ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات، وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين : أحدهما : يوافق هواه ومراده، والآخر : يخالفه، وهو محتاج إلى الصبر في كلٍّ منهما) [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين] .
ومن المجالات التي ينبغي للإنسان أن يضبط نفسه عندها ويصبر عليها :
1- ضبط النفس عن الضجر والجزع عند حلول المصائب ومس المكاره .
2- ضبط النفس عن السأم والملل لدى القيام بأعمال تتطلب الدأب والمثابرة خلال مدة مناسبة .
3- ضبط النفس عن العجلة والرعونة لدى تحقيق مطلب من المطالب المادية أو المعنوية .
4- ضبط النفس عن الغضب والطيش لدى مثيرات عوامل الغضب في النفس .

من موانع التحلي بالصبر :

على المسلم الذي يريد أن يتحلى بالصبر أن يحذر من الموانع التي تعترض طريقه حتى لا تكون سدًّا منيعًا أمامه، ومن هذه الموانع الصبر فى القرآن الكريم ، ليوسف القرضاوى] :
1- الاستعجال : فالنفس مولعة بحب العاجل؛ والإنسان عجول بطبعه، حتى جعل القرآن العجل كأنه المادة التي خلق الإنسان منها : " خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ " [الأنبياء: 37] فإذا أبطأ على الإنسان ما يريده نفد صبره، وضاق صدره، ناسيًا أنَّ لله في خلقه سننًا لا تتبدل: وأنَّ لكل شيء أجلًا مسمًّى، وأنَّ الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس، ولكل ثمرة أوان تنضج فيه، فيحسن عندئذ قطافها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك، وهي لا تملكه، ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للقوانين الكونية التي تحكمها، وتجري عليها بحساب ومقدار...
2- الغضب : فقد يستفزُّ الغضب صاحب الدعوة، إذا ما رأى إعراض المدعوين عنه، ونفورهم من دعوته، فيدفعه الغضب إلى ما يليق به من اليأس منهم، أو النأي عنهم، مع أن الواجب على الداعية أن يصبر على من يدعوهم، ويعاود عرض دعوته عليهم مرة بعد مرة، وعسى أن يتفتح له قلب واحد يومًا، تشرق عليه أنوار الهداية، فيكون خيرًا له مما طلعت عليه الشمس وغربت .
وفي هذا يقول الله لرسوله : " فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ " [القلم: 48-50] .

من الوسائل المعينة على الصبر :

أ- الوسائل المعينة على الصبر عن المعصية والصبر على الطاعة [ملخص من كتاب طريق الهجرتين] :
1- مما يعين على الصبر عن المعصية علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره .
2- الحياء من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع وكان حييًّا - استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه بترك طاعته أو ارتكاب معاصيه .
3- مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد، فما أذنب عبد ذنبا إلا زالت عنه نعمه من الله بحسب ذلك الذنب، ومن أطاعه وشكره زاده من نعمه وآلائه .
4- خوف الله وخشية عقابه، ورجاء ثوابه ومغفرته، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله .
5- محبة الله وهي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي داعي المحبة في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه .

ب – من الوسائل المعينة على الصبر على البلاء :
1- أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه .
2- أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع، ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلا .
3- أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم مالم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الداء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره قال تعالى : " وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " [البقرة: 216] وقال الله تعالى : " فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا " [النساء: 19] .

4- أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء فيستخرج من عبوديته في جميع الأحوال، فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية، فالابتلاء كِير العبد ومحك إيمانه .

نماذج من صبر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم :

صَبرُ أولي العزم من الرسل على مشاق الدعوة إلى الله :
صَبَر أولو العزم من الرسل على مشاقِّ الدعوة إلى الله، فأبلوا بلاءً حسنا، صبر نوح عليه السلام وقضى ألف سنة إلا خمسين عامًا كلها دعوة، وصبر إبراهيم عليه السلام على كل ما نزل به فجُمع له الحطب الكثير، وأوقدت فيه النار العظيمة، فألقي فيها، فكانت بردًا وسلامًا، وموسى عليه السلام يصبر على أذى فرعون وجبروته وطغيانه. ويصبر عيسى عليه السلام على تكذيب بني إسرائيل له، ورفض دعوته، ويصبر على كيدهم ومكرهم حتى أرادوا أن يقتلوه ويصلبوه، إلا أن الله سبحانه وتعالى نجاه من شرهم، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فما أكثر ما لاقاه في سبيل نشر هذا الدين، فصبر صلوات ربي وسلامه عليه .
قال تعالى آمرًا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر : " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " [الأحقاف:35] .
قال السعدي : (أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعيًا لهم إلى الله، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية، الذين عظم صبرهم، وتمَّ يقينهم، فهم أحقُّ الخلق بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء بمنارهم) [تيسير الكريم الرحمن] .
أيوب عليه السلام وصبره على البلاء :
كان نبي الله أيوب عليه السلام، غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك، قال تعالى : " وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ " [الأنبياء: 32-84] .
(يذكر تعالى عن أيوب، عليه السلام، ما كان أصابه من البلاء، في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثير، ومنازل مرضية. فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده -يقال بالجذام في سائر بدنه- ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت تقوم بأمره) [تفسير القرآن العظيم] .

نماذج من صبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم :

لقد صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغ صبره مبلغًا عظيمًا، وهذه نماذج متنوعة من صبره صلى الله عليه وسلم :
صبره صلى الله عليه وسلم على المشركين حينما آذوه، ورموه بالكذب، والكهانة، والسحر :
- قال ابن مسعود رضي الله عنه : ((بينا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره، ودعت على من صنع)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ((يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال : فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئًا)) [رواه البخاري ومسلم] .

صبره صلى الله عليه وسلم على مشاق الحياة وشدتها :
فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة : ((ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت : ما كان يُعيِّشكم ؟ قالت الأسودان : التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه)) [رواه البخارى] .

نماذج من صبر الصحابة رضوان الله عليهم :

صَبرُ آل ياسر رضي الله عنهم :
وآل ياسر رضي الله عنهم - عمار، وأبوه ياسر، وأمه سمية - يعذبهم المشركون بسبب إيمانهم فيصمدون، وروى الحاكم في المستدرك عن ابن إسحاق قال : ((كان عمار بن ياسر وأبوه وأمه أهل بيت إسلام، وكان بنو مخزوم يعذبونهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : صبرًا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)) .
بلال رضي الله عنه يُعَذَّب فيصبر :
فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه يعذب من أجل إيمانه فيصبر، (فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك : أحد أحد) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
وقال ابن مسعود : (أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وبلال، وصهيب، والمقداد .
فأما النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر: فمنعهما الله بقومهما .
وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول : أحد أحد) [سيرأعلام النبلاء] .

نماذج من صبر السلف رحمهم الله :

عروة بن الزبير وصبره على الابتلاء :
(وقعت الأكلة في رجل عروة بن الزبير، فصعدت في ساقه، فبعث إليه الوليد، فحُمل إليه ودعا الأطباء فقالوا : ليس له دواء إلا القطع، وقالوا له : اشرب المرقِد(شىء يشرب فينوم من شربه ويرقده) فقال عروة للطبيب : امض لشأنك، ما كنت أظن أن خلقًا يشرب ما يزيل عقله حتى يعرف به، فوضع المنشار على ركبته اليسرى، فما سُمع له حسٌّ، فلما قطعها جعل يقول : لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. وما ترك جزءه من القرآن تلك الليلة . قال الوليد : ما رأيت شيخًا قط أصبر من هذا، ثم إنه أصيب بابنه محمد في ذلك السفر، ركضته بغلة في إصطبل، فلم يُسمع من عروة في ذلك كلمة. فلما كان بوادي القرى قال : " لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " [الكهف:63] اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت واحدًا وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت) [سير أعلام النبلاء] .

نماذج من صبر العلماء المتقدمين :

صبر الإمام أحمد بن حنبل على محنة خلق القرآن :
(أخذ أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن أيام المأمون، ليحمل إلى المأمون ببلاد الروم، وأخذ معه أيضًا محمد بن نوح مقيَّدين، ومات المأمون قبل أن يلقاه أحمد، فَرُدَّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح في أقيادهما، فمات محمد بن نوح في الطريق، وردَّ أحمد إلى بغداد مقيدًا .
ودخل على الإمام أحمد بعض حفاظ أهل الحديث بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يروى في التقيَّة من الأحاديث، فقال أحمد : وكيف تصنعون بحديث خباب : ((إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار، ثم لا يصده ذلك عن دينه)) [رواه البخارى] ؟! فيئسوا منه .

ما هو الباعث على الصبر ؟ :

يجب أن يكون الباعث على الصبر ابتغاء وجه الله عز وجل، والتقرب إليه ورجاء ثوابه، لا لإظهار الشَّجَاعَة وقوة النفس وغير ذلك من الأغراض، قال تعالى : " وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ " [الرعد:22] .
قال السعدي في تفسيره للآية : " ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ " (لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبًا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة) [تيسير الكريم الرحمن] .
وقال سبحانه : " وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ " (أي : اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل) [تفسير القرآن العظيم] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 9:58 am




" الصــــدق "

أهمية الصدق في المجتمع :
(تبدو لنا حاجة المجتمع الإنساني إلى خلق الصدق، حينما نلاحظ أن شطرًا كبيرًا من العلاقات الاجتماعية، والمعاملات الإنسانية، تعتمد على شرف الكلمة، فإذا لم تكن الكلمة معبرة تعبيرًا صادقًا عما في نفس قائلها، لم نجد وسيلة أخرى كافية نعرف فيها إرادات الناس، ونعرف فيها حاجاتهم ونعرف فيها حقيقة أخبارهم .
لولا الثقة بشرف الكلمة وصدقها لتفككت معظم الروابط الاجتماعية بين الناس، ويكفي أن نتصور مجتمعًا قائمًا على الكذب؛ لندرك مبلغ تفككه وانعدام صور التعاون بين أفراده .
كيف يكون لمجتمع ما كيان متماسك، وأفراده لا يتعاملون فيما بينهم بالصدق ؟! وكيف يكون لمثل هذا المجتمع رصيد من ثقافة، أو تاريخ، أو حضارة ؟!
كيف يوثق بنقل المعارف والعلوم إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني ؟!
كيف يوثق بنقل الأخبار والتواريخ إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع ؟!
كيف يوثق بالوعود والعهود ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس ؟!
كيف يوثق بالدعاوى والشهادات ودلائل الإثبات القولية ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟!) [الأخلاق الإسلامية، لعبد الرحمن الميدانى] .
يقول ابن القيم في الصدق إنه : (منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميَّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه، الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم تردَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة، التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين، وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان : أن يكونوا مع الصادقين، وخصَّ المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " [التوبة: 119]) [مدارج السالكين] .

الترغيب في الصدق :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " [التوبة: 119] .
(أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا) [تفسير القرآن العظيم] .
وعن عبد الله بن عمر : " اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " (مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقال الضحاك : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما .
وقال الحسن البصري : إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا، والكفِّ عن أهل الملة)[تفسير القرآن العظيم] .
- ووصف الله به نفسه فقال : " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا " [النساء: 87] وقال : " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا " [النساء: 122] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : ((إنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكون صِدِّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النووي في شرحه لهذا الحديث : (قال العلماء : هذا فيه حث على تحرِّي الصدق، وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنَّه إذا تساهل فيه كثر منه، فعرف به، وكتبه الله لمبالغته صِدِّيقًا إن اعتاده، أو كذَّابًا إن اعتاده، ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما بأن يكتبه في ذلك؛ ليشتهر بحظِّه من الصفتين في الملأ الأعلى، وإما بأن يلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وكما يوضع له القبول والبغضاء، وإلا فقدر الله تعالى وكتابه السابق بكلِّ ذلك) [شرح صحيح مسلم] .
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك في الدنيا : حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة)) [صححه الألبانى فى صحيح الترغيب] .

- وعن أبي سفيان في حديثه الطويل في قصة هرقل عظيم الروم قال هرقل : فماذا يأمركم – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – قال أبو سفيان قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والصدقة، والعفاف، والصلة [رواه البخارى ومسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الصدق :
- قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما بويع للخلافة : (أيها الناس، إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة) [رواه الطبرى فى التاريخ] .
- وقال عمر : (لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محقٌّ، ويدع الكذب في المزاح، وهو يرى أنَّه لو شاء لغلب) [روضة العقلاء] .
- وعن عبد الله بن عمرو قال : (ذر ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن دراهمك) [روضة العقلاء] .- وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ " [البقرة: 42] : (أي لا تخلطوا الصدق بالكذب) [رواه الطبرى فى تفسيره] .

- وقال ميمون بن ميمون : (من عُرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه) [عيون الأخبار] .
- وقال الفضيل بن عياض : (ما من مضغة أحب إلى الله من لسان صدوق، وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب) [روضة العقلاء] .
- وقالوا : (من شرف الصدق أن صاحبه يصدق على عدوه) [عيون الأخبار] .

فوائد الصدق :
إذا تمكن الصدق من القلب سطع عليه نوره، وظهرت على الصادق آثاره، في عقيدته وعباداته، وأخلاقه وسلوكياته، ومن هذه الآثار :
1- سلامة المعتقد :
فمن أبرز آثار الصدق على صاحبه : سلامة معتقده من لوثات الشرك ما خفي منه وما ظهر .
2- البذل والتضحية لنصرة الدين :
فالصادق قد باع نفسه وماله وعمره لله، ولنصرة دين الله؛ إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، همه رضا مولاه .
3- الهمة العالية :
الصادقون أصحاب همة عالية، وعزيمة قوية ماضية، همهم رضا ربهم، يسيرون معها أين توجهت ركائبها، ويستقلون معها أين استقلت مضاربها؛ ترى الصادق قد عمَّر وقته بالطاعات، وشغله بالقربات، (فبينما هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو، ثم في حجٍّ، ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع، ثم في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو في قيام بسبب فيه عمارة الدين والدنيا، ثم في عيادة مريض، أو تشييع جنازة، أو نصر مظلوم – إن أمكن – إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع .
4- تلافي التقصير واستدراك التفريط :
الصادق قد تمر به فترة ولكنها إلى سنة، وقد يعتريه تقصير ولكنه سرعان ما يتلاقاه بتكميل، وقد يلم بذنب ولكنه سريع التيقظ والتذكر، فيقلع ويندم ويرجع : " إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ " [الأعراف: 201] وقد يحصل منه تفريط فيستدرك، فبالصدق يتلاقى كل تفريط، فيصلح من قلبه ما مزقته يد الغفلة والشهوة، ويعمر منه ما خربته يد البطالة، ويلم منه ما شعثته يد التفريط والإضاعة .

5- الوفاء بالعهود :
قال أبو إسماعيل الهروي : (وعلامة الصادق: ألا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد)) .

صور الصدق :
الصدق يستعمل في ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صدِّيق.
1- صدق اللسان :
وهو أشهر أنواع الصدق وأظهرها. وصدق اللسان لا يكون إلا في الإخبار، أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه، وحقٌّ على كلِّ عبد أن يحفظ ألفاظه، فلا يتكلم إلا بالصدق .
فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق، ولهذا الصدق كمالان، فالأول في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضًا، إلا عند الضرورة، والكمال الثاني أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه .
2- صدق النية والإرادة :
ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى، فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يسمى كاذبًا .
3- صدق العزم :
فإنَّ الإنسان قد يقدم العزم على العمل؛ فيقول في نفسه: إن رزقني الله مالًا تصدقت بجميعه أو بشطره، أو إن لقيت عدوًّا في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال، وإن قتلت، وإن أعطاني الله تعالى ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق، فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة، فكان الصدق هاهنا عبارة عن التمام والقوة .

- الصدق في مقامات الدين:
وهو أعلى الدرجات وأعزها، ومن أمثلته: الصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل وغيرها من الأمور .

دواعي الصدق :
هناك دوافع تجعل الإنسان حريصًا على الصدق، متحريًا له، وقد ذكر الماوردي منها : (العقل؛ لأنه موجب لقبح الكذب، لا سيما إذا لم يجلب نفعًا ولم يدفع ضررًا . والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنًا، ويمنع من إتيان ما كان مستقبحًا .
ومنها : الدين الوارد باتباع الصدق وحظر الكذب؛ لأنَّ الشرع لا يجوز أن يرد بإرخاص ما حظره العقل، بل قد جاء الشرع زائدًا على ما اقتضاه العقل من حظر الكذب؛ لأن الشرع ورد بحظر الكذب، وإن جرَّ نفعًا، أو دفع ضررًا. والعقل إنما حظر ما لا يجلب نفعًا، ولا يدفع ضررًا .
ومنها: المروءة؛ فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق؛ لأنها قد تمنع من فعل ما كان مستكرهًا، فأولى من فعل ما كان مستقبحًا .
ومنها : حب الثناء والاشتهار بالصدق، حتى لا يُردَّ عليه قول، ولا يلحقه ندم) [أدب الدنيا والدين] .
الأمور التي تخلُّ بالصدق :
هذه بعض الآفات التي تخل بصدق المسلم، وتوهن أركان الصدق في شخصيته؛ ولذا يجب الحذر منها، ومجاهدة النفس على الابتعاد عنها، والتخلص منها، ومن هذه الأمور :
1- الكذب الخفي :
الرياء وهو الشرك الخفي، الذي تختلف فيه سريرة المرء عن علانيته، وظاهره عن باطنه، قال صلى الله عليه وسلم : ((أيها الناس، اتقوا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، قالوا : وكيف نتقيه يا رسول الله ؟ قال : قولوا : اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه)) [حسنه لغيره الألبانى فى صحيح الترغيب].
2- الابتداع :
إنَّ من كمال الصدق حسن الاتباع، وبقدر استمساك المرء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم يكون صدقه مع ربه : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " [آل عمران: 31] أي : إن كنتم صادقين في محبتكم لربكم اتبعوا سنة رسولكم صلى الله عليه وسلم، فعلامة صدق المحبة كمال الاتباع؛ ولهذا (كانت الصديقيَّة : كمال الإخلاص والانقياد، والمتابعة للخبر والأمر، ظاهرًا وباطنًا) .
3- كثرة الكلام :
من كثر كلامه كثر سقطه؛ إذ لا يخلو – في كثير من الأحيان – من التزيد واللغو أو الهذر الذي إذا لم يضرَّ فإنَّه لا ينفع، وقد قال الله تعالى : " لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " [النساء: 114] .
ومن الكذب أن يحدث الإنسان بكلِّ ما يسمع من أحاديث وأخبار دون تحرير لها ولا تنقيح؛ لأنه بتهاونه وإهماله وعدم تحريه الصدق في الأخبار يساهم في نشر الأكاذيب وإشاعتها؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمع)) [رواه مسلم] .

الوسائل المعينة على الصدق :
1- مراقبة الله تعالى :
إن إيمان المرء بأن الله عز وجل معه، يبصره ويسمعه؛ يدفعه للخشية والتحفظ، قال الله تعالى : " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [المجادلة: 7] وعندما يستحضر أن كلماته وخطراته، وحركاته وسكناته كلها محصية مكتوبة : " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " [ق: 18]، " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ " [الانفطار: 10-11]، فإن ذلك يقوده إلى رياض الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال .
2- الحياء :
الحياء يحجب صاحبه عن كل ما هو مستقبح شرعًا وعرفًا وذوقًا، والمرء يستحيي أن يعرف بين الناس أنه كذاب، وهذا هو الذي حمل أبا سفيان -وهو يومئذ مشرك- أن يصدق هرقل وهو يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبو سفيان : (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عنه) [رواه البخارى] أي : ينقلوا عليَّ الكذب لكذبت عليه . قال ابن حجر : (وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب، إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف.. وقد ترك الكذب استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابًا) [فتح البارى ،بتصرف يسير] قلت : فالمسلم أولى بالحياء من ربه أن يسمعه يقول كذبًا، أو يطلع على عمل، أو حال هو فيه كاذب.
3- صحبة الصادقين :
فقد أمر الله - عز وجل - المؤمنين أن يكونوا مع أهل الصدق، فقال – عز وجل - : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " [التوبة: 119]، أي : اقتدوا بهم واسلكوا سبيلهم، وهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، ووفوا بعهودهم وصدقوا في أقوالهم وأعمالهم .

نماذج من حياة الأنبياء عليهم السلام مع الصدق :
الأنبياء عليهم السلام كلهم موصوفون بالصدق، وقد ذكر الله أنبياءه بالصدق فقال : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا " [مريم: 41] وقال سبحانه : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا " [مريم: 56].
وأثنى الله على إسماعيل، فقال : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا " [مريم: 54] .
وَوُصِفَ يوسف عليه السلام بالصدق حينما جاءه الرجل يستفتيه فقال : " يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ " [يوسف: 46] .
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق : " وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا " [الإسراء: 80] وقال تعالى : " وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ " [الزمر: 33] قال السعدي في تفسير قوله : " وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ " (أي : في قوله وعمله، فدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم، ممن صدق فيما قاله عن خبر الله وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق وَصَدَّقَ بِهِ أي : بالصدق؛ لأنه قد يجيء الإنسان بالصدق، ولكن قد لا يصدق به، بسبب استكباره، أو احتقاره لمن قاله وأتى به، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق، فصدقه يدل على علمه وعدله، وتصديقه يدل على تواضعه وعدم استكباره) [تفسير الكريم الرحمن] .
صدق إمام الصادقين النبي صلى الله عليه وسلم :
(الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علمًا وعملًا وإيمانًا وإيقانًا، معروفًا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم، بحيث لا يُدْعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان فيما قال له : أوَ كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا ، فقال هرقل : فما كان ليَدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل [رواه البخارى ومسلم] ، [تفسير القرآن العظيم] .

وقد روى البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما نزلت " وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " [الشعراء: 214] صعِد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي : يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا؛ لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مُصدقيَّ ؟ قالوا : نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب : تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ " [المسد: 1- 2])) [رواه البخارى] .

نماذج من صدق الصحابة رضي الله عنهم :
أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الغار، وقد سُمِّي صديقًا لتصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى؛ أصبح يتحدث الناس بذلك؛ فارتدَّ ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس ؟ قال : أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم قال : لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا : أو تصدقه أنَّه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح ؟ فقال : نعم، إني لأصدقه ما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سُمِّي أبا بكر الصديق رضي الله عنه [قال الألبانى فى السلسلة الصحيحة متواتر] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقِّه : ((إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم : كذبت ، في أول الأمر، وقال أبو بكر : صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟! فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟! فما أوذي بعدها)) [رواه البخارى] .
أبو ذر رضي الله عنه صادق اللهجة :
كان أبو ذر رضي الله عنه صادق اللهجة (3) ، فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء -لا الأرض ولا السماء- من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، وهو شبيه عيسى ابن مريم)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .

معنى الصِّدِّيقية :
الصِّدِّيقية : هي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل [مدارج السالكين] .
وقال القرطبي : (الصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه) [تفسير القرطبى] .
وقال ابن تيمية : (فالصِّدِّيق قد يراد به الكامل في الصدق، وقد يُراد به الكامل في التصديق) [منهاج السنة] .
وقال ابن العربي : (وأما الصِّدِّيق فهو من أسماء الكمال، ومعناه الذي صدَّق علمه بعمله) [قانون التأويل] .


" الصمــــت "

الترغيب في الصمت :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قوله تعالى : " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " [ق: 18] .
قال ابن كثير : (مَا يَلْفِظُ أي : ابن آدممِنْ قَوْلٍ أي : ما يتكلم بكلمة " إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " أي : إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى : " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ " [الانفطار: 10-12]) [تفسير القرآن العظيم] .
وقال الشوكاني : (أي : ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي : على ذلك اللافظ رقيب، أي : ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب : الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال ، والعتيد : الحاضر المهيأ، قال الجوهري : العتيد : الحاضر المهيأ،... والمراد هنا أنه معد للكتابة مهيأ لها) [فتح القديب ،بتصرف] .
وقال الشنقيطي : (قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ " أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام " إِلَّا لَدَيْهِ " أي إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها شاهدًا عليها لا يفوته منها شيء" عَتِيدٌ " : أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر ) [أضواء البيان] .
وقال السمعاني : (أي : رقيب حاضر، قال الحسن : يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته : اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال : يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء) [تفسير القرآن] .
ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن عبد البر : (وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة) [النمهيد ،لابن عبد البر] .
وقال النووي : (وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ((فليقل خيرًا أو ليصمت)) فمعناه : أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا) [شرح النووى على مسلم] .

- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من صمت نجا)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال القاري : (... ((من صمت)) : أي : سكت عن الشرِّ ((نجا)) : أي : فاز وظفر بكل خير، أو نجا من آفات الدارين) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح،للقارى] .
قال الغزالي : (من تأمل جميع... آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم، وعند ذلك يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم : ((من صمت نجا)) لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب، وهي على طريق المتكلم، فإن سكت سلم من الكل، وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه، إلا أن يوافقه لسان فصيح، وعلم غزير، وورع حافظ، ومراقبة لازمة، ويقلل من الكلام؛ فعساه يسلم عند ذلك، وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر، فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم، فكن ممن سكت فسلم، فالسلامة إحدى الغنيمتين) [إحياء علوم الدين، بتصرف] .

أقوال السلف والعلماء في الصمت :
- أخذ أبو بكر الصديق، رضي الله عنه بطرف لسانه وقال : (هذا الذي أوردني الموارد) [رواه مالك ،والنسائى فى السنن الكبرى] .
- وعن علي رضي الله عنه قال : (بكثرة الصمت تكون الهيبة) [ربيع الأبرار، للزمخشرى] .
- و(عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : تعلموا الصمت كما تعلمون الكلام، فإنَّ الصمت حلم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكًا من غير عجب، ولا مشَّاءً إلى غير أرب) [رواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق] .
- (عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال : أربعٌ لا يصبن إلا بعجب : الصمت وهو أول العبادة، والتواضع، وذكر الله، وقلة الشيء) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- (وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج) [البيان والتبيين ،للجاحظ] .
- (عن وهيب بن الورد رحمه الله، قال: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس) [الصمت ،لابن أبى الدنيا] .
- و(قال : أبو عمر الضرير : سمعت رياحًا القيسي، يقول : قال لي عتبة : يا رياح، إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر أنا، يا رياح، إنَّ لها موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول) [حلية الأولياء] .

فوائد الصمت :
1- للصمت المحمود فوائد عديدة يعود نفعها على الفرد المتحلي به ومنها:
2- دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلام .
3- السلامة من العطب في المال، والنفس، والعرض .
4- دليل حسن الخلق، وطهارة النفس .
5- يثمر محبة الله، ثم محبة الناس .
6- سبب للفوز بالجنة، والنجاة من النار .
7- من أقوى أسباب التوقير .
8- دليل على الحكمة .
9- داعية للسلامة من اللغط .
10- يجمع للإنسان لبَّه .
11- الفراغ للفكر والذكر والعبادة .

المفاضلة بين الصمت والكلام :
(الصمت في موضعه ربما كان أنفع من الإبلاغ بالمنطق في موضعه، وعند إصابة فرصته، وذاك صمتك عند من يعلم أنك لم تصمت عنه عيًّا ولا رهبة. فليزدك في الصمت رغبة ما ترى من كثرة فضائح المتكلمين في غير الفرص، وهذر من أطلق لسانه بغير حاجة) [الرسائل السياسية للجاحظ] .
قال النووي : (وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله قال : الصمت بسلامة وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال، قال : وسمعت أبا علي الدقاق يقول : من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس، قال : فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت؛ فلما علموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظِّ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات) [شرح النووى على مسلم] .
(فليس الكلام مأمورًا به على الإطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لابد من الكلام بالخير، والسكوت عن الشرِّ، وكان السلف كثيرًا يمدحون الصمت عن الشر، وعما لا يعني؛ لشدته على النفس، وذلك يقع فيه الناس كثيرًا، فكانوا يعالجون أنفسهم، ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم) [جامع العلوم والحكم] .

وقال علي بن أبي طالب : (لا خير في الصمت عن العلم، كما لا خير في الكلام عن الجهل) [ذكره الرازى فى تفسيره] .

أقسام الصمت :
الصمت ينقسم إلى قسمين :
1- صمت محمود :
أي أن تصمت عن كلِّ ما حرَّم الله ونهى عنه، مثل الغيبة والنَّمِيمَة والبذاءة وغيرها، وكذلك الصمت عن الكلام المباح الذي يؤدِّي بك إلى الكلام الباطل .
قال ابن عبد البر : (وإنما الصمت المحمود الصمت عن الباطل) [التمهيد] .
وقال العيني : (الصمت المباح المرغوب فيه ترك الكلام الباطل، وكذا المباح الذي يجرُّ إلى شيء من ذلك) [عمدة القارى شرح صحيح البخارى] .
2- صمت مذموم :
كالصمت في المواطن التي يتطلَّب منك أن تتكلم فيها، مثل الأماكن التي ترى فيها المنكرات، وكذلك الصمت عن نشر الخير، وكتم العلم .
(وقد اختلف الفقهاء في الصمت هل هو حرام أو مكروه؟ والتحقيق أنه إذا طال، وتضمن ترك الواجب صار حرامًا، كما قال الصديق رضي الله عنه) [مختصر الفتاوى المصرية ، للبعلى] .
وقال ابن تيمية : (والصمت عما يجب من الكلام حرام، سواء اتخذه دينًا أو لم يتخذه) [مجموع الفتاوى] .
وقال أيضًا : (فقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير من السكوت عنه) [مجموع الفتاوى] .
وقال الباجي : (وأما الصمت عن الخير وذكر الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس بمأمور به، بل هو منهي عنه نهي تحريم، أو نهي كراهة) [النتقى شرح الموطأ] .
وقال العيني (والصمت المنهي عنه ترك الكلام عن الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح الذي يستوي طرفاه) [عمدة القارى شرح صحيح البخارى] .
الوسائل المعينة على اكتساب الصمت :
الوسائل المعينة على اكتساب صفة الصمت كثيرة نذكر منها ما يلي :
1- النظر في سيرة السلف الصالح، والاقتداء بهم في صمتهم .
2- التأمل في العواقب الوخيمة والسيئة للكلام الذي لا فائدة فيه، والذي يفضي إلى الكلام الباطل .
3- العزلة والابتعاد عن المجالس التي يكثر فيها اللغط والفحش والكلام البذيء .
قال الغزالي : (وأما الصمت فإنه تسهله العزلة، ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه وشرابه وتدبير أمره، فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة، فإنَّ الكلام يشغل القلب، وشَرَهُ القلوب إلى الكلام عظيم، فإنَّه يستروح إليه، ويستثقل التجرد للذكر والفكر، فيستريح إليه، فالصمت يلقِّح العقل، ويجلب الورع، ويعلم التقوى) [إحياء علوم الدين] .
صمت النبي صلى الله عليه وسلم :

كان النبي صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، كثير الذكر، قليل الضحك، فـعن سماك بن حرب، قال : ((قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه ربما تناشدوا عنده الشعر والشيء من أمورهم، فيضحكون، وربما يتبسم)) [حسنه ابن حجر فى نتائج الأفكار ،والألبانى فى صحيح الجامع] .
نماذج من صمت الصحابة :
- (وقال ابن بريدة : رأيت ابن عباس آخذًا بلسانه، وهو يقول: ويحك قل خيرًا تغنم، أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنَّك ستندم، قال : فقيل له : يا ابن عباس، لم تقول هذا ؟ قال : إنه بلغني أنَّ الإنسان - أراه قال - ليس على شيء من جسده أشدُّ حنقًا أو غيظًا يوم القيامة منه على لسانه إلا ما قال به خيرًا، أو أملى به خيرًا) [رواه أحمد فى فضائل الصحابة] .
- (عن خالد بن سمير قال : كان عمار بن ياسر طويل الصمت) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
- و(دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل، فسألوه عن سبب تهلل وجهه، فقال : ما من عمل أوثق عندي من خصلتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين) [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .

نماذج من صمت السلف :
- (قال عمرو بن قيس الملائي : مرَّ رجل بلقمان والناس عنده، فقال له : ألست عبد بني فلان ؟ قال بلى، قال : الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا ؟ قال : بلى، فقال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قال صدق الحديث، وطول السكوت عما لا يعنيني) [جامع العلوم والحكم] .
- وقال الفضيل بن عياض : كان بعض أصحابنا يحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة) [صلاح الأمة فى علو الهمة،لسيد العفانى] .
- (وكان أعرابي يجالس الشعبي ويطيل الصمت، فقال له الشعبي يومًا : ألا تتكلم فقال : أسكت فأسلم وأسمع فأعلم؛ إنَّ حظَّ المرء في أذنه له، وفي لسانه لغيره) [وفيات الأعيان،لابن خلكان] .

نماذج من صمت العلماء :

- عن أبي إسحاق الفزاري قال : (كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يطيل السكوت؛ فإذا تكلم ربما انبسط قال : فأطال ذات يوم السكوت فقلت : لو تكلمت ؟ فقال : الكلام على أربعة وجوه فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته، والفضل في هذا السلامة منه، ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته، فأقلُّ ما لك في تركه خفة المؤنة على بدنك ولسانك، ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته، فهذا الذي يجب عليك نشره، قال خلف : فقلت لأبي إسحاق : أراه قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام ؟ قال : نعم) [الصمت ،لابن أبى الدنيا] .
- و(قال إبراهيم التيمي : أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة، فلم يتكلم بكلام لا يصعد) [صلاح الأمة فى علو الهمة،لسيد العفانى] .
- (وقيل : ما تكلم الربيع بن خثيم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسًا وقلمًا، فكلُّ ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء) [إحياء علوم الدين] .
- (قال إسماعيل بن أمية : كان عطاء : يطيل الصمت، فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يؤيد) [حلية الأولياء] .

- (قال رجل لسلمان رضي الله عنه : أوصني، قال : لا تتكلم، قال : وكيف يصبر رجل على أن لا يتكلم ؟ قال : فإن كنت لا تصبر عن الكلام، فلا تتكلم إلا بخير أو اصمت) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:00 am




" العَـــــدْل "

أهمية العدل :
أرسل الله رسله وأنزل معهم ميزان العدل؛ ليقوم الناس بالقسط، وما ذلك إلا لأهميته، قال تعالى : " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ " [الحديد:25] .
ووردت نصوص قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة تأمر بالعدل وترغب فيه، وتمدح من يقوم به .
يقول ابن القيم : (... إن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان؛ فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخصَّ طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بيَّن سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له) [الطرق الحكمية] .
الترغيب في العدل :
أولًا : في القرآن الكريم :
أمر الله بإقامة العدل وحثَّ عليه، ومدح من قام به، وذلك في آيات كثيرة منها :
1- آيات فيها الأمر بالعدل :
- قال الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " [النحل:90] .
قال السعدي : (فالعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقِّه، وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة؛ بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقِّه وحقِّ عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كلُّ والٍ ما عليه تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الخليفة، ونواب القاضي .
والعدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك، فلا تبخس لهم حقًّا، ولا تغشهم ولا تخدعهم وتظلمهم، فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحب) [تفسير الكريم الرحمن] .
- وقال عزَّ مِن قائل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " [النساء:135] .
يقول ابن كثير : (يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوَّامين بالقسط، أي : بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه .
وقوله : " شُهَدَاءَ لِلَّهِ " كما قال : " وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ " [الطلاق: 2] أي : ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًّا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان؛ ولهذا قال : " وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ " أي : اشهد الحقَّ، ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئِلتَ عن الأمر فقل الحقَّ فيه، وإن كان مضرة عليك، فإنَّ الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كلِّ أمر يضيق عليه) [تفسير القرآن العظيم] .
ثانيًا : في السنة النبوية :
لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم العدل، ورغَّب فيه، وقد وردت الأحاديث تدلُّ على تطبيقه قواعد العدل، وإرسائه لمعالمه منها :
- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكارهنا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالعدل أين كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم)) [صححه الألبانى فى صحيح النسائى] .
- وقال صلى الله عليه وسلم : إنَّ المقسطين يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا [رواه مسلم] .
قال ابن عثيمين : (فالعدل واجب في كلِّ شيء، لكنه في حق ولاة الأمور آكد وأولى وأعظم؛ لأنَّ الظلم إذا وقع من ولاة الأمور حصلت الفوضى والكراهة لهم، حيث لم يعدلوا) [شرح رياض الصالحين] .

أقوال السلف والعلماء في العدل :
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (إنَّ الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول؛ لتحيا القلوب، فإنَّ القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئًا فلينفع به، إنَّ للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، ويسَّر لكلِّ باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت ،والاستعداد بتقديم الأموال، والزهد أخذ الحقِّ من كلِّ أحد قِبَله حقٌّ، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء...) [رواه الطبرى فى تاريخ الرسل والملوك] .

- وقال رِبعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس لما سأله : ما جاء بكم ؟ فقال : (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه حتى نفيء إلى موعود الله...) [رواه الطبرى فى تاريخ الرسل والملوك] .
- وقال عمرو بن العاص : (لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل) [العقد الفريد] .
- وقال ميمون بن مهران : (سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : لو أقمت فيكم خمسين عامًا ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعًا من الدنيا؛ فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا) [رواه ابن عساكر فى تاريخ دمشق] .

- وقال ابن القيم : (ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنَّه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أنَّ السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأنَّ من أحاط علمًا بمقاصدها، ووضعها موضعها، وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة .
فإنَّ السياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحقَّ من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة علمها من علمها، وجهلها من جهلها) [الطرق الحكمية] .

فوائد العدل :
1- بالعدل يستتب الأمن في البلاد، وتحصل الطمأنينة في النفوس، ويشعر الناس بالاستقرار، وبذلك يُقضى على المشكلات الاجتماعية والاضطرابات التي تحدث في الدول، بسبب الظلم .
2- بالعدل يعم الخير في البلاد :
فالعدل سبب في حصول الخير والبركة إذا كان منتشرًا بين الولاة، وبين أفراد المجتمع، يقول ابن الأزرق : (إنَّ نية الظلم كافية في نقص بركات العمارة فعن وهب بن منبه قال : إذا هم الولي بالعدل أدخل الله البركات في أهل مملكته حتى في الأسواق والأرزاق وإذا هم بالجور أدخل الله النقص في مملكته حتى في الأسواق والأرزاق) [بدائع السلك ،لابن الأزرق] .
فقيام العدل في الأرض كالمطر الوابل، بل هو خير من خصب الزمان كما قيل، فمن كلامهم: (سلطان عادل خير من مطر وابل، وقالوا عدل السلطان خير من خصب الزمان، وفي بعض الحكم: ما أمحلت أرض سال عدل السلطان فيها ولا محيت بقعة فاء ظله عليها) [بدائع السلك ،لابن الأزرق] .
3- ظهور رجحان العقل به :
قيل لبعضهم : مَن أرجح الملوك عقلًا، وأكملهم أدبًا وفضلًا ؟ قال : من صحب أيامه بالعدل، وتحرَّز جهده من الجور، ولقي الناس بالمجاملة، وعاملهم بالمسألة، ولم يفارق السياسة، مع لين في الحكم، وصلابة في الحقِّ، فلا يأمن الجريء بطشه، ولا يخاف البريء سطوته [بدائع السلك ،لابن الأزرق] .

4- العدل أساس الدول والملك وبه دوامهما :
فبالعدل يدوم الملك، ويستقر الحاكم في حكمه و(في بعض الحِكم: أحقُّ الناس بدوام الملك وباتصال الولاية، أقسطهم بالعدل في الرعية، وأخفهم عنها كلًّا ومؤونة، ومن أمثالهم : من جعل العدل عُدَّة طالت به المدة) [بدائع السلك ،لابن الأزرق] .

أقسام العدل :
(والعدل ضربان :
1- مطلق : يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخًا، ولا يوصف بالاعتداء بوجه، نحو: الإحسان إلى من أحسن إليك، وكفِّ الأذية عمن كفَّ أذاه عنك.
2- وعدل يعرف كونه عدلًا بالشرع، ويمكن أن يكون منسوخًا في بعض الأزمنة، كالقصاص وأروش الجنايات، وأصل مال المرتد ، ولذلك قال : " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ " [البقرة:194] وقال : " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " [الشورى:40] فسمي اعتداء وسيئة، وهذا النحو هو المعني بقوله : " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ " [النحل:90] فإنَّ العدل هو المساواة في المكافأة، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه، والشرَّ بأقلَّ منه) [مفردات ألفاظ القرآن،للراغب الأصفهانى] .
صور العدل :
العدل له صور كثيرة، تدخل في جميع مناحي الحياة، نقتصر على ذكر أهمها، فمنها :
1- عدل الوالي :
والوالي سواء كانت ولايته ولاية خاصة أو عامة يجب عليه أن يعدل بين الرعية، وأن يستعين بأهل العدل .
قال ابن تيمية، بعد أن ذكر عموم الولايات وخصوصها، كولاية القضاء، وولاية الحرب، والحسبة، وولاية المال قال : (وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية، فأيُّ مَن عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان- فهو من الأبرار الصالحين، وأيُّ مَن ظلم وعمل فيها بجهل، فهو من الفجار الظالمين) [مجموع الفتاوى] .
وقال أيضًا : (يجب على كلِّ ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذَّر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل) [مجموع الفتاوى] .
2- العدل في الحكم بين الناس :
سواء كان قاضيًا، أو صاحب منصب، أو كان مصلحًا بين الناس، وذلك بإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، قال تعالى : " وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ " [النساء:58] .
3- العدل مع الزوجة أو بين الزوجات :
بأن يعامل الزوج زوجته بالعدل سواء في النفقة والسكنى والمبيت وإن كن أكثر من واحدة فيعطي كلًّا منهنَّ بالسوية .
قال تعالى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا " [النساء:3] .
أما إذا كان له ميل قلبيٌّ فقط إلى إحداهن، فهذا لا يدخل في عدم العدل، قال تعالى : " وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " [النساء:129] .
قال ابن بطال : (قوله : " وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ " أي : لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم في حبهنَّ بقلوبكم حتى تعدلوا بينهنَّ في ذلك؛ لأنَّ ذلك مما لا تملكونه وَلَوْ حَرَصْتُمْ يعنى ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك، قال ابن عباس : لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهنَّ ولو حرصت ، قال ابن المنذر : ودلت هذه الآية أن التسوية بينهنَّ في المحبة غير واجبة) [شرح صحيح البخارى] .
نماذج من عدل الرسول صلى الله عليه وسلم :
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ((أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا : من يكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود الله ؟! فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله ، فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني - والذي نفسي بيده - لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) [رواه البخارى ومسلم] ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها .

نماذج من عدل الصحابة رضي الله عنهم

عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
- عن عطاء : قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال : (أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام، فقال : يا أمير المؤمنين، إنَّ عاملك فلانا ضربني مائة سوط. قال : فيم ضربته ؟ قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال : أنا لا أُقيد وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه، قال : فدعنا فلنرضه، قال : دونكم فأرضوه، فافتدى منه بمائتي دينار، كل سوط بدينارين) [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .
- ولما أُتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتاج كسرى وسواريه، قال: (إنَّ الذي أدَّى هذا لأمين! قال له رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدون إليك ما أديت إلى الله تعالى، فإذا رتعت رتعوا) [رواه البيهقى فى السنن الكبرى] .

من أقوال الحكماء في العدل :
- قال ابن عبد ربه : (قالت الحكماء : مما يجب على السلطان العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه؛ فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان. ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف، لا يقوم سلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما ولا يدور إلا عليهما، مع ترتيب الأمور مراتبها وإنزالها منازلها) [العقد الفريد] .
- وقيل : (من عمل بالعدل فيمن دونه، رزق العدل ممن فوقه) [نثر الدر فى المحاضرات،لأبى سعيد الآبى] .
- وقالوا أيضًا : (يوم العدل على الظالم، أشد من يوم الظلم على المظلوم) [ديوان المعانى،لأبى هلال العسكرى] .
- وقيل : (الملك لا تصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل) [نثر الدر فى المحاضرات،لأبى سعيد الآبى] .
- (وقال عبد الملك بن مروان لبنيه : كلكم يترشح لهذا الأمر، ولا يصلح له منكم إلا من كان له سيف مسلول، ومال مبذول، وعدل تطمئن إليه القلوب) [العقد الفريد] .


" العِـــــزَّة "

أهمية العِزَّة :
العِزَّة والإيمان صِنْوَان لا يفترقان، فمتى وَقَرَ الإيمان في قلب الرَّجل، وتشبَّع به كيَانُه، واختلط بشِغَاف قلبه، تشرَّب العِزَّة مباشرةً، فانبثقت منه أقوال وأفعال صادرة عن شعور عظيم بالفَخْر والاستعْلاء، لا فخرًا واستعلاءً على المؤمنين، بل هو على الكافرين ، بل يَنْتُج - أيضًا - عن هذا الخُلُق الكريم، صِدْقُ الانتماء لهذا الدِّين، وقُوَّةُ الرَّابط مع أهله، والتَّواضُع لهم، والرَّحمة بهم .
قال الله تعالى : " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ " [المنافقون: 8] (فجعل العِزَّة صِنْو الإيمان في القلب المؤمن؛ العِزَّة المستمدَّة من عِزَّته تعالى، العِزَّة التي لا تَهُون ولا تَهُن، ولا تنحني ولا تلين، ولا تُــزَايل القلب المؤمن في أحرج اللَّحظات، إلَّا أن يتضَعْضَع فيه الإيمان، فإذا استقرَّ الإيمان ورسخ، فالعِزَّة معه مستقِرَّة راسخة " وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ " وكيف يعلمون وهم لا يتذوَّقون هذه العِزَّة، ولا يتَّصِلون بمصدرها الأصيل؟!) [فى ظلال القرآن، لسيد قطب] .
والعِزَّة تَنْتُج عن معرفة الإنسان لنفسه، وتقديره لها، وترفُّعه بها عن أن تصيب الدَّنايا، أو تُصَاب بها، أو أن تَخْنَع لغير الله عزَّ وجلَّ أو أن تركع لسواه، أو أن تُدَاهن، وتحابي في دين الله عزَّ وجلَّ ، أو أن ترضى بالدَّنيَّة فيه، فهي نتيجة طبيعيَّة لهذه المعرفة، كما أنَّ الكِبْر نتيجة طبيعيَّة للجهل بقيمة هذه النَّفس وبمقدارها، يقول الراغب الأصفهاني : (العِزَّة : منزلة شريفة، وهي نتيجة معرفة الإنسان بقدر نفسه، وإكرامها عن الضَّراعة للأعراض الدُّنيويَّة، كما أنَّ الكِبْر نتيجة جهل الإنسان بقدر نفسه، وإنزالها فوق منزلتها) [الذريعة إلى مكارم الشريعة،للراغب الأصفهانى] .

الترغيب في العِزَّة :

أولًا : في القرآن الكريم :
لم يفتأ كتاب الله عزَّ وجلَّ يبثُّ في قلب المؤمن وروحه هذا الشُّعور العظيم، الشُّعور بالعِزَّة المستمدَّة من عِزَّة هذا الدِّين وقُـوَّته، والمسْتَلْهَمة من آيات كتابه وتعاليمه، عِزَّةٌ تجعله يترفَّع عن كلِّ ما من شأنه أن يَحُطَّ من قدره، أو يُرْغِمه على إعطاء الدَّنيَّة في دينه .
ففي العديد من آيات الكتاب الكريم، ينبِّه المولى -تبارك وتعالى- على هذه القضيَّة، والتي ينبغي على المؤمن أن يجعلها نُصْب عينيه، فلا يغفل عنها، ولا يتساهل بها؛ لأنَّ الإسلام إنَّما جاء بالعِزَّة لأتباعه والرِّفعة لأوليائه .
وقبل أن نشْرَع في ذكر الآيات التي تحثُّ على صفة العزة وتدعو إليها، نذكر قول ابن الجوزي وهو يتحدَّث عن العِزَّة في القرآن، فيقول :
(ذكر بعض المفسِّرين أنَّ العِزَّة في القرآن على ثلاثة أوجه :
أحدها : العَظَمَة، ومنه قوله تعالى في سورة الشُّعراء : " وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ " [الشُّعراء:44] وفي سورة ص : " قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " [ص: 82] .
والثَّاني : المنْعَة، ومنه قوله تعالى في سورة النِّساء : " أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا " [النِّساء: 139] .
والثَّالث : الحَمِيَّة، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة : " وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ " [البقرة: 206] وفي سورة ص : " بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ " [ص: 2]) ( [نزهة الأعين النواظر فى علم الوجوه والنظائر،لابن الجوزى] .
- قال الله تبارك وتعالى : " مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا " [فاطر: 10] .
(أي : من كان يَوَدُّ أن يكون عزيزًا في الدُّنْيا والآخرة، فليلزم طاعة الله تعالى، فإنَّ بها تُنَال العِزَّة؛ إذْ لله العِزَّة فيهما جميعًا) [تفسير المراغى ، لأحمد مصطفى المراغى] .
ويقول الشِّنقيطي : (بيَّن -جلَّ وعلا- في هذه الآية الكريمة : أنَّ من كان يريد العِزَّة، فإنَّها جميعها لله وحده، فليطلبها منه، وليتسبَّب لنيلها بطاعته -جلَّ وعلا- فإنَّ مَنْ أطاعه، أعطاه العِزَّة في الدُّنْيا والآخرة) [أضواء البيان ،للشنقيطى] و(هذه الحقيقة كفيلة -حين تستقرُّ في القلوب- أن تبدِّل المعايير كلَّها، وتبدِّل الوسائل والخطط أيضًا! إنَّ العِزَّة كلَّها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، فمن كان يريد العِزَّة، فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، ليطلبها عند الله، فهو واجدها هناك، وليس بواجدها عند أحد، ولا في أي كَنَف، ولا بأي سبب فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [أضواء البيان ،للشنقيطى] .
- وقال الله تبارك وتعالى : " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ " [المنافقون: 8]، وهنا ( يضمُّ الله -سبحانه- رسوله والمؤمنين إلى جانبه، ويُضْفِي عليهم من عِزَّته، وهو تكريم هائل، لا يكرِّمه إلا الله ! وأي تكريم بعد أن يُوقِف الله - سبحانه- رسوله والمؤمنين معه إلى جواره، ويقول : ها نحن أُولاء ! هذا لواء الأعزَّاء) [فى ظلال القرآن ،لسيد قطب] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبَويَّة :

((أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عُيينة بن حصن بن حذيفة، والحارث بن عوف بن أبى حارثة، رئيسي غَطَفَان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، وجرت المراوَضةَ في ذلك، ولم يتمَّ الأمر، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا : يا رسول الله، أشيء أمرك الله به فلا بدَّ لنا منه ؟ أم شيء تحبُّه فنصنعه، أم شيء تصنعه لنا ؟ قال : بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أنِّى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله، قد كنَّا نحن وهؤلاء القوم على الشِّرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطيقون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرَى أو بَيْعًا، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بك وبه- نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلَّا السَّيف، فصوَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، وتمادوا على حالهم)) [ذكره ابن حزم فى جوامع السيرة] .
وهكذا كأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يربِّيهم على معاني العِزَّة، ويغرسها في قلوبهم غرسًا .

قوال السَّلف والعلماء في العِزَّة :
- قال عبد الله بن عمرو : (إيَّاك وعزَّة الغضب، فيضيرك إلى ذُلِّ الاعتذار. وإذا ما عَرَتك في الغضب العِزَّة فاذكر مَذَلَّة الاعتذار) [الشكوى والعتاب،للثعالبى] .
- وقيل للحسن بن علي رضي الله عنهما : فيك عَظَمَة، قال : لا، بل فيَّ عِزَّة الله تعالى، قال الله تعالى : " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " [المنافقون: 8] [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، للزمخشرى] .
- وقال ابن أبي لبابة : (من طلب عِزًّا بباطل أورثه الله ذُلًّا بحقٍّ) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار،للزمخشرى] .
- قال رجل للحسن : (إنِّي أريد السِّند فأوصني، قال : أَعِزَّ أَمْرَ الله حيث ما كنت، يُعِزَّك الله ، قال : فلقد كنت بالسِّند، وما بها أحدٌ أعزَّ منِّي) [الشكوى والعتاب،للثعالبى] .
- وقال ابن عطاء : (العِزُّ في التَّواضع، فمن طلبه في الكِبْر، فهو كتطلُّب الماء من النَّار) .
- وقال بعض السَّلف : (النَّاس يطلبون العِزَّ بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلَّا في طاعة الله) [إغاثة اللهفان لابن القيم] .
- وقال إبراهيم بن شيبان : (الشَّرَف في التَّواضع. والعِزُّ في التَّقوى. والحرِّية في القناعة) .

أقسام العِزَّة :
العِزَّة الشَّرعيَّة :

إنَّها العِزَّة الحقيقيَّة.. العِزَّة في الحقِّ، وبالحقِّ، والتي يكون صاحبها عزيزًا ولو كان ضعيفًا مَظْلومًا، شامخًا ولو كان طريدًا مُستضَامًا، فتجده لا يركع إلا لله، ولا يتنازل عن شيء ممَّا أَمَره به، فهو يَعْتَزُّ بعِزَّة الله - تبارك وتعالى - الذي يُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، فهذه هي العِزَّة بالحقِّ؛ لأنَّها اعْتِزَاز بمن يملكها، وإذعان له، وانتساب لشرعه وهديه .
وهي التي ترتبط بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، يقول تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: 8]، ووجه ذلك: أنَّ العِزَّة - التي لله ولرسوله وللمؤمنين - هي الدَّائمة الباقية، التي هي العِزَّة الحقيقيَّة، والعِزَّة التي هي للكافرين : هي التَّعزُّز، وهو -في الحقيقة- ذُلٌّ .
إنَّ (العِزَّة والإِباء والكرامة من أبرز الخِلَال التي نادى بها الإسلام، وغرسها في أنحاء المجتمع، وتعهَّد نماءها بما شرع من عقائد، وسنَّ من تعاليم، وإليها يشير عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بقوله : أُحِبُّ الرَّجل -إذا سِيمَ خطَّة خَسْف - أن يقول - بملء فيه - : لا) [خلق المسلم،لمحمد الغزالى] .

صور العِزَّة الشَّرعيَّة :
1- الاعْتِزَاز بالله تبارك وتعالى :
فهو يعرف أنَّ الله عزيز، يَهَب العِزَّة من يشاء، كما أنَّه ينزعها ممَّن يشاء، كما أنَّه يوقن أنَّ الاعْتِزَاز بالعزيز عزَّة ، والاعتماد عليه قوَّة، والالتزام بنَهْجِه شموخ فتراه قويًّا بإيمانه به عزيزًا بتوكُّله عليه شامخًا بيقينه به .
وهو يعلم أنَّ الاعْتِزَاز بغيره ذلٌّ وهَوَان، والاستقواء بغيره ضعف، مُعْتَبِرًا بحال كلِّ من اعتزَّ بغير الله تعالى كيف هَوَى إلى مدارك الذِّلة، وهبط إلى حضيض المهَانة، وكيف تخلَّى عنه من اعتزَّ بهم، ليتَدَحْرج من ذُرَى العلياء والمجد - المزعوم الكاذب - إلى أسفل دركات الذُّلِّ؛ قال عبيدة بن أبي لبابة : (من طلب عزًّا بباطل وجور، أورثه الله ذُلًّا بإنصاف وعدل) [غرر الخصائص الواضحة،للوطواط] .
2- الاعْتِزَاز بالانتساب للإسلام، والاعْتِزَاز بهديه وشرائعه :
فهو يعلم أنَّ هذا الدِّين دين العِزَّة والقوَّة، الذي يستمدُّ المسلمون عزَّهم من عِزِّه، وقوَّتهم من قوَّته، ومتى طلبوا العِزَّة في سواه -من مناهج الأرض الشَّرقيَّة أو الغربيَّة- أذلَّهم الله .
كما أنَّه لا يعتزُّ بقبيلة أو قوميَّة أو نسب أو عِرْق ممَّا ينتسب إليه أهل الجاهليَّة في القديم والحديث، بل عزَّته بدينه فقط، وعلى هذا ربَّى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أصحابه، فلمَّا سمعهم -بأبي هو وأمي، صلَّى الله عليه وسلَّم- ينادي بعضهم : يا للأنصار، وآخرون ينادون : يا للمهاجرين، قال صلى الله عليه وسلم : ((أبِدَعْوَى الجاهليَّة وأنا بين أظهركم)) [ذكرها ابن هشام فى السيرة]وقال: ((دعوها فإنَّها منتنة)) [رواه البخارى ومسلم] .
حال المسلم - في اعْتِزَازه بدينه - كحال أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حين قال : (نحن أمَّة أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العِزَّة بغيره، أذلَّنا الله) [صححه الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة على شرط الشيخين] .
فلا اعْتِزَاز إلَّا بالإسلام، ولا انتماء إلَّا إلى الإسلام .

أبي الإسلام لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

3- الاعْتِزَاز برسول الله صلى الله عليه وسلم :
فهو يعتَــزُّ بكونه فَرْدًا في أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ينتسب إليه إذا انتسبت الأمم، ويُفَاخر به إذا ذُكِر القادة والمصلحون العظماء، يرجو شفاعته، ويتمنَّى لقائه، ويسأل الله أن يوفِّقه للسِّير على نهجه وإحياء سنَّته، والقيام بحقوقه .

العِزَّة غير الشَّرعيَّة :
كاعْتِزَاز الكفَّار بكفرهم، وهو -في الحقيقة- ذُلٌّ، يقول -سبحانه- : " بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ " [ص: 2] أو الاعْتِزَاز بالنَّسب على جهة الفَخْر، أو الاعْتِزَاز بالوطن والمال ونحوها، كلُّ هذه مذمومة .
من صور العِزَّة غير الشَّرعيَّة :
1- الاعْتِزَاز بالكفَّار من يهود ونصارى ومنافقين وغيرهم :
قال تعالى : " بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا " [النِّساء: 138-139] .
(واللهُ - جلَّ جلاله - يسأل في استنكار : لِمَ يتَّخذون الكافرين أولياء، وهم يزعمون الإيمان ؟ لِمَ يضعون أنفسهم هذا الموضع، ويتَّخذون لأنفسهم هذا الموقف ؟ أهم يطلبون العِزَّة والقوَّة عند الكافرين ؟ لقد استأثر الله عزَّ وجلَّ بالعِزَّة، فلا يجدها إلَّا من يتولَّاه، ويطلبها عنده، ويَرْتَكِن إلى حِمَاه)[فى ظلال القرآن ،لسيد قطب] .

2- الاعْتِزَاز بالآباء والأجداد :
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ((لينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنَّما هم فَحْم جهنَّم، أو ليكوننَّ أهْوَن على الله من الجُعَلِ الذي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بأنفه، إنَّ الله أذهب عنكم عُبِّـيَّةَ الجاهليَّة وفخرها بالآباء، إنَّما هو مؤمن تقيٌّ، وفاجر شقيٌّ، النَّاس كلُّهم بنو آدم، وآدم خُلِق من تراب)) [حسنه الألبانى ،صحيح سنن الترمذى] .

3- الاعْتِزَاز بالكثرة، سواءً كان بالمال أو العدد :
قال تعالى في قصَّة صاحب الجنَّة، في سورة الكهف : " وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا " [الكهف: 34] .
قال ابن كثير : " أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا " (أي : أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا) .
قال قتادة : تلك -والله- أمنيَّة الفاجر : كثرة المال وعزَّة النَّفر [تفسير ابن كثير] .

أسباب العِزَّة الشَّرعيَّة :

1- الاعتقاد الجازم والإيمان اليقينيُّ بأنَّ الله تعالى هو العزيز الذي لا يَغْلِبه شيء، وأنَّه هو مصدر العِزَّة وواهبها، قال تعالى : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " [آل عمران: 26] فلا نصر إلَّا به، ولا استئناس إلَّا معه، ولا نجاح إلَّا بتوفيقه .
قال ابن القيِّم : (العِزَّة والعُلُوُّ إنَّما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو عِلمٌ وعملٌ وحالٌ، قال تعالى : " وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " [آل عمران: 139] فللعبد من العُلُوِّ بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى : " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ " [المنافقون: 8] فله من العِزَّة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظٌّ من العُلُوِّ والعِزَّة، ففي مُقَابَلة ما فاته من حقائق الإيمان، علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا) [إغاثة اللهفان ،لابن القيم] .
وهنا يُقْبِل مُريد العِزَّة على طاعة الله -تبارك وتعالى- فبمقدار طاعته له، تكون العِزَّة والشَّرَف والسُّؤدد، والعكس.. قال تعالى : " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا " [فاطر: 10] قال طنطاوي : (والمعنى : من كان من النَّاس يريد العِزَّة التي لا ذِلَّة معها. فليطع الله، وليعتمد عليه وحده، فللَّه - تعالى - العِزَّة كلُّها في الدُّنْيا والآخرة، وليس لغيره منها شيء... قال القرطبي ما ملخَّصه : يريد -سبحانه- في هذه الآية، أن ينبِّه ذوي الأقدار والهمم، من أين تُنَال العِزَّة، ومن أين تُسْتَحق، فمَنْ طلب العِزَّة من الله- تعالى- وجدها عنده - إن شاء الله-، غير ممنوعة ولا محجوبة عنه.. ومن طلبها من غيره، وَكَلَه إلى من طلبها عنده... ولقد أحسن القائل .

وإذا تذلَّــلَتِ الــرِّقاب تواضعًا منَّا إليك فعزُّها في ذلِّها [التفسير الوسيط للطنطاوى] .
وقال قتادة : (من كان يريد العِزَّة، فليتعزَّز بطاعة الله تعالى) [السراج المنير ، للخطيب الشربينى] .
وكما أنَّ الطَّاعة تكسو الإنسان ثوب العِزَّة، وتَخْلَع عليه ثياب الكرامة، فإنَّ المعصية تكسوه ثياب الذُّلِّ، وتَخْلَع عليه المهَانة والانكسار، (والمعاصي تَسْلُب صاحبها أسماء المدح والشَّرَف والعِزَّة، وتكسوه أسماء الذُّل والذَّمِّ والصَّغار، وشتَّان ما بين الأمرينر: " أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ " [السجدة: 18] [موسوعة فقه القلوب، للتويجرى] .

2- متابعة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في هديه، وطاعته في أمره، ولزوم سنَّته، فإنَّه بقدر ذلك تكون عِزَّة العبد في الدُّنْيا، وفلاحه في الآخرة، ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله ابن عمرو أنَّه قال : ((بُعِثْت بالسَّيف بين يدي السَّاعة، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجُعل الذُّل والصَّغار على من خالف أمري)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .

يقول ابن القيِّم : (والمقصود أن بحسب متابعة الرَّسول تكون العِزَّة والكِفَاية والنُّصْرَة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنَّجاة، فالله - سبحانه - علَّق سعادة الدَّارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدَّارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعِزَّة والكِفَاية والنُّصْرَة والولاية والتَّأييد وطيب العيش في الدُّنْيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلَّة والصَّغار والخوف والضَّلال والخذلان والشَّقاء في الدُّنْيا والآخرة) [زاد المعاد] .

3 - اليقين بأنَّ دين الله قد كُتِب له العُلُوُّ والتَّمكين في الأرض، وأنَّ دولة الكافرين وعزَّتهم سائرة إلى زوال؛ لأنَّها بُنيت على باطل وسراب، فبهذا الاعتقاد يتولَّد عند المؤمن شعور بالعِزَّة، وإحساس بالشَّرَف والعُلُوِّ .

نماذج في العِزَّة عند الصَّحابة رضي الله عنهم :
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال : (ما زلنا أعزَّة منذ أسلم عمر) [أخرجه البخارى] .
- عن طارق بن شهاب، قال : خرج عمر بن الخطَّاب إلى الشَّام، ومعنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأتوا على مَخَاضَة، وعمر على ناقة له، فنزل عنها، وخلع خُفَّيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخَاضَة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا، تخلع خُفَّيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخَاضَة؟ ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك. فقال عمر : (أَوَّه ، لم يقل ذا غيرك -أبا عبيدة- جعلته نكالًا لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العِزَّة بغير ما أعزَّنا الله به أذلَّنا الله) [صحح الألبانى فى سلسلة الحاديث الصحيحة على شرط الشيخين] .
- قال الشَّعبي : كانت دِرَّة عمر رضي الله عنه أهيب من سيف الحجَّاج. ولما جيء بالهرمزان -ملك خوزستان- أسيرًا إلى عمر، لم يزل الموكَّل به يقتفي أثر عمر، حتى عَثر عليه في المسجد نائمًا متوسِّدًا دِرَّته، فلمَّا رآه الهرمزان، قال: هذا هو الملك ؟! والله إنِّي خدمت أربعة من الملوك الأكاسرة أصحاب التيجان، فما هِبْت أحدًا منهم كهيبتي لصاحب هذه الدِّرَّة [ربيع الأبرار ،للزمخشرى] .

نماذج في العِزَّة عند التَّابعين :
طاووس :
قدم هشام بن عبد الملك حاجًّا إلى مكَّة، فلما دخلها، قال : ائتوني برجل من الصَّحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين، قد تفانوا، قال : فمن التَّابعين، فأتوه بطاووس اليماني، فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلِّم بإمرة أمير المؤمنين، ولكن قال : السَّلام عليك، ولم يُكَنِّه، ولكن جلس بإزائه، قال : كيف أنت يا هشام ؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا، حتى همَّ بقتله، فقيل له : أنت في حرم الله ورسوله، فلا يمكن ذلك، فقيل له : يا طاووس، ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : وما الذي صنعت ؟! فازداد هشام غضبًا، وقال : لقد خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبِّل يدي، ولم تسلِّم بإمرة أمير المؤمنين، ولم تكنِّني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت : كيف أنت يا هشام ؟ فقال : أمَّا ما خلعت نعلي بحاشية بساطك، فإنِّي أخلعهما بين يدي رب العِزَّة كلَّ يوم خمس مرَّات، فلا يعاتبني، ولا يغضب علي، وأما قولك : لم تقبِّل يدي، فإنِّي سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : (لا يحلُّ لرجل أن يقبِّل يد أحد، إلَّا امرأته من شهوة أو ولده برحمة) وأما قولك : لم تسلِّم بإمرة أمير المؤمنين. فليس كلُّ النَّاس راضين بإمرتك، فكرهت أن أَكْذب، وأما قولك : جلست بإزائي؛ فإنِّي سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول : (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النَّار، فانظر إلى رجل جالس وحوله ناس قيام) وأما قولك : لم تكنِّني، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ سمَّى أولياءه، وقال يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنَّى أعداءه فقال : " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ "[المسد: 1] فقال هشام : عِظْني، فقال : سمعت أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه يقول : (إنَّ في جهنَّم حيَّات كأمثال القِلَال، وعقارب كالبغال، تلدغ كلَّ أمير لا يعدل في رعيَّته) ثمَّ قام وذهب [ذكره ابن خلكان فى وفيات الأعيان] .

نماذج في العِزَّة عند العلماء المعاصرين
عبد الحميد الجزائري :
استدعى المندوب السَّامي الفرنسي في سورية الشَّيخ عبد الحميد الجزائري، وقال له : إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار، وإلَّا أرسلت جنودًا لإغلاق المسجد الذي تنفث فيه هذه السُّموم ضدَّنا، وإخماد أصواتك المنكرة ، فأجاب الشَّيخ عبد الحميد : أيُّها الحاكم، إنَّك لا تستطيع ذلك ؟! واستشاط الحاكم غضبًا، وقال : كيف لا أستطيع ؟ قال الشَّيخ : إذا كنتُ في عُرْسٍ علَّمتُ المحتفلين، وإذا كنتُ في مأتم وعظتُ المعزِّين، وإن جلستُ في قطار علَّمتُ المسافرين، وإن دخلتُ السِّجن أرشدت المسجونين، وإن قتلتموني ألهبت مشاعر المواطنين، وخير لك أيُّها الحاكم ألا تتعرَّض للأمَّة في دينها ولغتها [أقباس روحانية،نقلا من صلاح الأمة،بتصرف] .
قالوا عن العِزَّة :
- قيل في الحِكَم : (إذا أردت أن يكون لك عزٌّ لا يفنى، فلا تستعزَّ بعزٍّ يفنى، العطاء من الخَلْق حرمان، والمنع من الله إحسان، جلَّ ربُّنا أن يعامل العبد نقدًا فيجازيه نسيئة، إنَّ الله حَكَم بحكم قبل خَلْق السَّماوات والأرض : أن لا يطيعه أحد إلَّا أعزَّه، ولا يعصيه أحد إلَّا أذلَّه، فرَبَط مع الطَّاعة العزَّ، ومع المعصية الذُّلَّ، كما رَبَط مع الإحراق النَّار، فمن لا طاعة له لا عزَّ له) [فيض القدير ، للمناوى] .
- وقال الحكيم : (الاعْتِزَاز بالعبيد منشؤه من حبِّ العزِّ وطلبه له، فإذا طلب العزَّ للدُّنْيا، وطلبه من العبيد، تَرَك العمل بالحقِّ والقولَ به، لينال ذلك العزَّ، فيعزُّوه ويعظِّموه، وعاقبة أمره الذِّلَّة، وأنَّه سبحانه يُمْهِل المخْذول، وينتهي به إلى أن يستخفَّ لباس الذُّلِّ، فعندها يَلْبسه، إمَّا في الدُّنْيا، أو يوم خروجه فيها، فيخرجه من أذلِّ ذلَّة وأعنف عُنْف) [فيض القدير ، للمناوى] .
- قيل في بعض الصُّحف الأولى : (العِزَّة والقوَّة يعظمان القلب، وأفضل منهما خوف الله تعالى؛ لأنَّ من لزم خشية الله، لم يخف الوَضِيعة، ولم يحتج إلى ناصر) [نهاية الرب ،للنويرى] .
- ذكر الماوردي قول بعض الأدباء ، فقال Sadإيَّاك وعزَّة الغضب فإنَّها تُفْضِي إلى ذُلِّ العذر) [أدب الدنيا والدين] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:03 am



" العَزْم والعَزِيمَة "

الترغيب في العزم والعزيمة على فعل الخير :

أولًا : في القرآن الكريم :

العزم على فعل الخير وعدم التردد والمسارعة لفعل الخيرات من شيم الصالحين، والعزيمة هي الدافع لفعل الخير، ولهذا حثَّ الله عليها في كتابه في غير آية ومن ذلك :
- قال تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " [آل عمران: 159] .
وقال ابن جرير الطبري : (أما قوله : فإذا عزمت فتوكل على الله، فإنه يعني : فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك، أو خالفها، وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع وتحاول أو تزاول على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم، فإنَّ الله يحبُّ المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه) [تفسير الطبرى] .
وقال الجصاص : (في ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة، وأنه لم يكن فيها نص قبلها) [أحكام القرآن] .
وقال البخاري: فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله[صحيح البخارى] .
- وقال تعالى : " لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " [آل عمران: 186] .
قال الشوكاني في قوله : " فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " أي : (مما يجب عليكم أن تعزموا عليه؛ لكونه عزمة من عزمات الله التي أوجب عليهم القيام بها) [فتح القدير] .
وقال الرازي : (من صواب التدبير الذي لا شكَّ في ظهور الرشد فيه، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه، فتأخذ نفسه لا محالة به... ولا يجوز ذلك الترخص في تركه، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفًا بالرشد والصواب، فهو من عزم الأمور؛ لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه) [تفسير الرازى] .
وقال ابن عاشور : (وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم؛ فإن ذلك من عزم الأمور) [التحرير والتنوير] .
- وقوله تعالى :"  يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " [لقمان: 17] .
قال أبو حيان الأندلسي : (العزم مصدر، فاحتمل أن يراد به المفعول، أي من معزوم الأمور، واحتمل أن يراد به الفاعل، أي عازم الأمور) [البحر المحيط] .
قال القرطبي : (إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور، أي مما عزمه الله وأمر به قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، وقول ابن جريج أصوب) [تفسير القرطبى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :

- عن أبى هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لا يقولنَّ أحدكم : اللهمَّ اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء؛ فإنَّ الله صانع ما شاء لا مكره له)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النووي : (عزم المسألة : الشدة في طلبها، والحزم من غير ضعف في الطلب، ولا تعليق على مشيئة ونحوها) [شرح النووى على مسلم] .
وقال ابن حجر : (قوله : ((فليعزم المسألة)) في رواية أحمد عن إسماعيل المذكور الدعاء، ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم : أن يحسن الظن بالله في الإجابة... وقال الداودي : معنى قوله ليعزم المسألة أن يجتهد ويلح، ولا يقل إن شئت كالمستثنى، ولكن دعاء البائس الفقير) [فتح البارى شرح صحيح البخارى] .
قال بدر الدين العيني : (قوله : فليعزم المسألة، أي : فليقطع بالسؤال، ولا يعلق بالمشيئة؛ إذ في التعليق صورة الاستغناء عن المطلوب منه والمطلوب) [عمدة القارى] .
وقال السيوطي : (ليعزم المسألة أي يعري دعاءه وسؤاله من لفظ المشيئة) [تنوير الحوالك] .
- و(عن ابن مسعود، قال : لقد سألني رجل عن أمر ما دريت ما أردُّ عليه، فقال : أرأيت رجلًا مؤديًا نشيطًا يخرج مع أمرائنا في المغازي، فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها؟ فقلت له : والله ما أدري ما أقول لك، إلا أنا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله، وإنَّ أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه، والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب شرب صفوه، وبقي كدره) [رواه البخارى] .
قال بدر الدين العيني : (قوله : فيعزم علينا، أي : الأمير يشدد علينا في أشياء لا نطيقها، وقال الكرماني : فيعزم إن كان بلفظ المجهول فهو ظاهر يعني لا يحتاج إلى تقدير الفاعل ظاهرًا، هذا إن كان جاءت به رواية، قوله : حتى نفعله غايةً لقوله : لا يعزم، أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى) [عمدة القارى] .

من أقوال العلماء في العزم والعزيمة :

- قال ابن منظور : (لا خير في عزم بغير حزم، فإنَّ القوة إذا لم يكن معها حذر أورطت صاحبها) [لسان العرب] .
- وقال فخر الدين الرازي : (منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين؛ لأنَّه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم، والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه، ولا تأخذه في الدين لومة لائم، وسطوة جبار) [تفسير الرازى] .
- وقال الغزالي : (التقوى في قول شيوخنا : تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق منك مثله، حتى يحصل للعبد من قوة العزم على تركه وقاية بينه وبين المعاصي) [بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز،للفيروز آبادى] .
- وقال ابن الجوزي : (ليس في سياط التأديب أجود من سوط العزم) [صيد الخاطر] .

فوائد العزم والعزيمة :

1- مظنة قبول الدعاء :
فقوة العزم والجزم في الدعاء، وعدم تعليقه بالمشيئة من آداب الدعاء وأرجى للقبول .
2- قوة العزم والعزيمة من وسائل تهذيب النفس، وتحصيل الأخلاق الفاضلة :
قال ابن قدامة : (وأشدُّ حاجة الرائض لنفسه، قوة العزم، فمتى كان مترددًا بعد فلاحه، ومتى أحس من نفسه ضعف العزم تصبر، فإذا انقضت عزيمتها عاقبها لئلا تعاود، كما قال رجل لنفسه : تتكلمين فيما لا يعنيك ؟! لأعاقبنك بصوم سنة) [مختصر منهاج القاصدين،لابن قدامة المقدسى] ومن صفات المؤمن القوي قوة العزم على الأمر .
3- قوة العزم والعزيمة تعين على تحقيق التقوى :
وذلك بحمل النفس على فعل المأمورات وترك المنهيات وهذه هي حقيقة التقوى قال تعالى : " لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " [آل عمران: 186] .
4- قوة العزم والعزيمة تعين على ترك المعاصي .
5- العزم والعزيمة من وسائل التخلص من تلبيس الشيطان ووسوسته :
لأنه إذا كانت مهمة الشيطان هي الوسوسة، ومقصده منها (التشكيك والذبذبة والتردد، فإن عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد، كما في قوله : " فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " [آل عمران: 159] وامتدح بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " [الأحقاف: 35]... فمن هذا كله كانت دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف، مما يقضي على نوازع الشك والتردد، ولم يبق في قلب المؤمن مجال لشك ولا محل لوسوسة) [أضواء البيان ،للشنقيطى،تكملة عطية سالم] .
6- العزم على ترك الذنب من شروط قبول التوبة :
فالتوبة واجبة من كل ذنب ولها ثلاثة شروط:ومنها العزم على عدم العودة للذنب أبدًا [انظر رياض الصالحين للنووى] .
قال أبو حازم: (عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر وإذا عزم العبد على ترك الآثام أمَّه الفتوح) [حلية الأولياء] .

موانع اكتساب صفة العزم والعزيمة :

1- مرض القلب وضعف النفس وانهزامها :
إذا فقد القلب عزمه خارت قوى الجسد مهما كان قويًّا، قال تعالى : " فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " [الحج: 46] .
وقال تعالى : " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ " [ق: 37] فإنَّ ضعف العزيمة من ضعف حياة القلب، وهي دليل على حياته، وعلى مرضه أو موته .
2- العجز والكسل :
فالعجز والكسل (هما العائقان اللذان أكثر الرسول من التعوذ بالله سبحانه منهما، وقد يعذر العاجز لعدم قدرته، بخلاف الكسول الذي يتثاقل ويتراخى مما ينبغي مع القدرة، قال تعالى : " وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ " [التوبة: 46] [علو الهمة،لمحمد إسماعيل المقدم] .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ)) [رواه مسلم] .
4- التسويف والتمني وترك الأخذ بالأسباب :
(وهما صفة بليد الحس عديم المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخير- وعزمت عليه- إما يعيقها بـ(سوف) حتى يفجأه الموت " فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ " [المنافقون: 10] وإما يركب بها بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، يدمن ركوبه مفاليس العالم ...وما أحسن ما قال أبو تمام :

من كان مرعى عزمه وهمومه       روض الأماني لم يزل مهزولا [علو الهمة،لمحمد إسماعيل المقدم] .

5- الفتور والغفلة :
الفتور والغفلة هما رأس البلاء، ومكمن الداء، وإن كان (لابد من سنة الغفلة ورقاد الغفلة ولكن كن خفيف النوم) (9) فلا يعني ذلك ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إِن لكل عمل شِرَّة ، ولكل شِرَّة فَتْرَة فمن كانت شِرَّتُهُ إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك)) [صححه اللبانى فى صحيح الجامع] .
ومن مظاهر ذلك :
- (تضييع الوقت وعدم الإفادة منه، وتزجيته بما لا يعود بالنفع، وتقديم غير المهم على المهم، والشعور بالفراغ الروحي والوقتي وعدم البركة في الأوقات، وعدم إنجاز شيء من العمل مع طول الزمن .
- عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدي .
- الفوضوية في العمل: فلا هدف محدد، ولا عمل متقن، الأعمال ارتجالية، التنقل بين الأعمال بغير داع .
- خداع النفس؛ بالانشغال مع الفراغ، وبالعمل وهي عاطلة، الانشغال بجزئيات لا قيمة لها ولا أثر يذكر، ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، وإنما هي أعمال تافهة ومشاريع وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع .
- النقد لكل عمل إيجابي؛ تنصلًا من المشاركة والعمل، وتضخيم الأخطاء والسلبيات؛ تبريرًا لعجزه وفتوره، تراه يبحث عن المعاذير، ويصطنع الأسباب؛ للتخلص والفرار " وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ " [التوبة: 81]) [انظر الفتور،لناصر العمر] .

الوسائل المعينة على تقوية العزم والعزيمة :

1- التوكل على الله وحسن الظن به سبحانه في الوصول للهدف :
أرشدنا الله سبحانه لهذا بقوله سبحانه : " فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " [آل عمران: 159] وإن من آثار عقيدة التوحيد في نفس المؤمن قوة العزم والصبر والثبات لعلمه أن الله معه وأنه مؤيده وناصره، فهو يردد قول الله تعالى : " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " [آل عمران: 173] التي قالها إبراهيم عندما أُريد إلقاؤه في النار، ومحمد صلى الله عليه وسلم عندما خوِّف بصناديد المشركين، وقول هود عليه السلام لقومه : " فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ " [هود: 55-56] [انظر مجلة الجامعة الإسلاميةبالمدينة المنورة]  .
2- الدعاء :
فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد)) .
3- الاقتداء بأصحاب العزائم من أهل الصلاح والدين :
قال تعالى : " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " [الأحقاف: 35] .
وقال تعالى في الاقتداء بالصالحين " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " [الممتحنة: 4] .
4- مصاحبة أهل العزائم القوية، والهمم العالية :
فالمرء على دين خليله، قال ابن تيمية : (الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض) [مجموع الفتاوى] وقال لقمان الحكيم لابنه : (من يقارن قرين السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه يندم، يا بني كن عبدًا للأخيار، ولا تكن خليلًا للأشرار) [بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز،لفيروز آبادى] .

        أحبُّ الصالحين ولست منهم      لعلي أن أنال بهم شفاعة

        وأكره من تجارته المعاصي       وإن كنا سواء في البضاعة [ديوان الإمام الشافعى]

5- المسارعة في التنفيذ، وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل :
قال تعالى : " فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ " [محمد: 21] .

نماذج من عزم الأنبياء والمرسلين :

لقد نال الأنبياء والمرسلين من قومهم الأذى الشديد، ولكنهم صبروا مما لقوه من المكاره وواصلوا مهمتهم بالعزم والإصرار، وقد أشاد القرآن بعزمهم الصادق في قوله : " فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: 35] وأولو العزم من الرسل هم الذين صبروا وجدوا في سبيل دعوتهم [المعجم الوسيط] .
نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام والعزم على طلب العلم :
قال تعالى : " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف: 60] .
(يخبر تعالى عن نبيه موسى عليه السلام، وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال لخادمه لا أزال مسافرًا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدًا من عباد الله العالـِمِين، عنده من العلم ما ليس عندك " أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا " أي : مسافة طويلة، وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه) [انظر: تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] ولم يمنعه من الاستمرار في رحلته قوله " لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " أي تعبًا، وكذلك لم يثنِ عزمه صلى الله عليه وسلم أنهم أخطؤوا الطريق " قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا "[الكهف: 64-66] .
وسبب رحلة نبي الله موسى لطلب العلم أنه (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل؛ جاءه رجل فقال : هل تعلم أحدًا أعلم منك ؟ قال موسى : لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى : بلى، عبدنا خضر ، فسأل موسى السبيل إليه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له : إذا فقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه) [رواه البخارى] .

نماذج من عزم النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة :

لقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل تبليغه للرسالة أشد الأذى والمحن، فصبر، مع عزم لا يلين، ممتثلًا لأمر الله عز وجل له : " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " [الأحقاف: 35] وقد تجلت عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم في مثابرته وجهاده ودعوته إلى الله عز وجل .
قال ابن جرير الطبري : (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مثبته على المضي لما قلده من عبء الرسالة، وثقل أحمال النبوة صلى الله عليه وسلم، وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لقوا فيه من قومهم من المكاره، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد) [تفسير الطبرى] .
وقال ابن عجيبة : (فإنك من جملتهم، بل من أكملهم وأفضلهم) [تفسير البحر المديد ،لابن عجيبة] .
والنماذج في تحمل النبي صلى الله عليه وسلم مشاق الدعوة وقوة عزيمته كثيرة، ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ((يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال : فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئًا)) [رواه البخارى ومسلم] .

نماذج من عزم الصحابة رضي الله عنهم :

- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كان أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبى طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالًا فإنَّه قد هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه؛ فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول : أحد أحد) [حسنه الألبانى فى صحيح ابن ماجه] .
قال السيوطي : (قد وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية، والتقية في مثل هذه الحال جائزة، لقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل: 106]، والصبر على أذاهم مستحب، وقد علموا على الرخصة، وعمل بلال على العزيمة) [شرح سنن ابن ماجه] .
قال ابن الجوزي : (ولولا جدُّ أنس بن النضر في ترك هواه، وقد سمعت من أثر عزمته : لئن أشهدني الله مشهدًا ليرينَّ الله ما أصنع. فأقبل يوم أحد يقاتل حتى قتل، فلم يعرف إلا ببنانه، فلولا هذا العزم ما كان انبساط وجهه يوم حلف، والله لا تكسر سنُّ الربيع) [صيد الخاطر] .
- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كتاب يهود قال : ((إني والله ما آمن يهود على كتاب)) قال : فما مرَّ بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال : فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم) [قال الترمذى حسن صحيح] .


" العفـــــة "

الترغيب في العفة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ " [النور:30-31] .
- وقال سبحانه : " وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " [النور: 33] .
(أي : ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي : يوسع عليهم من رزقه) [معالم التنزيل، للبغوى] .
- وقال سبحانه : " وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ " [النور: 60] .
(وقوله : " وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ " أي : وترك وضعهنَّ لثيابهنَّ وإن كان جائزًا خير وأفضل لهن، والله سميع عليم) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًأ : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ثلاثة حقٌّ على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)) [حسنه الترمذى] .
(أي العفة من الزنا ، قال الطِّيبي : إنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره، لولا أنَّ الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛ لأنَّه قمع الشهوة الجبلِّية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعفَّ وتداركه عون الله تعالى ترقَّى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين) [تحفة الأحوذى،للمباركفورى] .

- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : ((إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده، قال : ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يصبر يصبره الله. وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن عبد البر : (فيه الحض على التعفف والاستغناء بالله عن عباده، والتصبر، وأنَّ ذلك أفضل ما أعطيه الإنسان، وفي هذا كلِّه نهي عن السؤال، وأمر بالقناعة والصبر) [التمهيد،لابن عبد البر] .

- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) [رواه مسلم] .
قال النووي : (أما العفاف والعفة؛ فهو التنزه عما لا يباح، والكف عنه، والغنى هنا غنى النفس، والاستغناء عن الناس، وعما في أيديهم) [شرح صحيح مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في العفة :

- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (المروءة مروءتان : مروءة ظاهرة، ومروءة باطنة، فالمروءة الظاهرة الرياش، والمروءة الباطنة العفاف) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : (نحن معشر قريش نعدُّ الحلم والجود السؤدد، ونعدُّ العفاف وإصلاح المال المروءة) [الآداب الشرعية،لابن مفلح] .
- وقدم وفد على معاوية فقال لهم : (ما تعدون المروءة ؟ قالوا : العفاف وإصلاح المعيشة، قال : اسمع يا يزيد) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وقال محمد بن الحنفية (الكمال في ثلاثة : العفة في الدين، والصبر على النوائب، وحسن التدبير في المعيشة) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- وقال الحسن البصري : (لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخفوا به، وكرهوا حديثه وأبغضوه) .
- وقال الشافعي : (الفضائل أربع : إحداها : الحكمة، وقوامها الفكرة، والثانية : العفَّة، وقوامها الشهوة .
والثالثة : القوة، وقوامها الغضب، والرابعة : العدل، وقوامه في اعتدال قوى النفس) .

- وعن المديني قال : (كان يقال : مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف، والغنى أكثر من مروءة الإعطاء) [روضة العقلاء] .

فوائد العفة :
1- سلامة المجتمع من الفواحش :
فالمجتمع الذي يتصف بالعفة يكون بعيدًا من الفواحش والرذائل .
2- أن العفيف من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
(ورجلٌ طلَبَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجمالٍ، فقال إني أخافُ اللهَ) [رواه البخارى ومسلم] .
3- العفة سبب للنجاة من الابتلاءات والمضائق :
فقد جاء في قصة أصحاب الغار، الذين انطبقت عليهم الصخرة، أن أحدهم توسل إلى الله بقوله : ((اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار؛ فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت : اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا)) [رواه البخارى] .

أقسام العفة :
(العفة نوعان : أحدهما العفة عن المحارم، والثاني العفة عن المآثم .
فأما العفة عن المحارم فنوعان :
أحدهما : ضبط الفرج عن الحرام .
والثاني : كف اللسان عن الأعراض .
فأما ضبط الفرج عن الحرام؛ فلأنه مع وعيد الشرع، وزاجر العقل معرة فاضحة، وهتكة واضحة) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
(وأما العفة عن المآثم فنوعان : أحدهما : الكف عن المجاهرة بالظلم، والثاني : زجر النفس عن الإسرار بخيانة)  [أدب الدنيا والدين،للماوردى،بتصرف] .
شروط العفة :
ذكر الراغب الأصفهاني شروطًا للعفة في كتابه (الذريعة) وهى :
1- أن لا يكون تعففه عن الشيء انتظارًا لأكثر منه .
2- أو لأنه لا يوافقه .
3- أو لجمود شهوته .
4- أو لاستشعار خوف من عاقبته .
صور العفة :
1- العفة عما في أيدي الناس :
وهي أن يعفَّ عما في أيدي الناس، ويترك مسألتهم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة)) فقال ثوبان : أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا [صححه الألبانى فى صحيح أبى داود] .
2- العفة عما حرم الله :
وهي أن يعفَّ عن المحرمات والفواحش. ونذكر هنا عفة نبي الله يوسف عليه السلام؛ حيث وجدت دواعي الفتنة، ولم يستسلم أمام التهديدات والإغراءات .
3- كف اللسان عن الأعراض :
يجب على المسلم كف لسانه عن أعراض الناس، وأن لا يقول إلا طيبًا، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) [رواه البخارى] .
موانع العفة :
المعوقات التي تقف في طريق العفة في هذا الزمن كثيرة جدًّا، وقد أُعلنت الحرب على العفة، وتضاعفت جهود أهل الباطل، حتى تنتشر الرذيلة، وتشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، واتخذوا الوسائل العديدة فمنها :
1- وسائل الإعلام :
فإنَّ الناظر إلى أغلب وسائل الإعلام الموجودة في البلاد الإسلامية فضلًا عن غيرها، يجد فيها الكثير من الفساد، سواء كان في القنوات الفضائية، أو الشبكة العنكبوتية، أو الإذاعات والمجلات والصحف، فتجدها تبث السموم وتنشر الرذيلة، وتدعو إلى خلاف العفة .

2- تبرج النساء :
فتبرج النساء من الأسباب التي تعوق العفة؛ لذا أُمرت المرأة بالقرار في البيت، قال تعالى : " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى " [الأحزاب: 33] فإذا خرجت التزمت بالضوابط الشرعية للخروج، ومنها ما جاء في قوله تعالى : " وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ " [النور: 31] قال السعدي في تفسيره لهذه الآية : (أي : لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة ،ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأنَّ الأمر إذا كان مباحًا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه) [تيسير الكريم الرحمن] .

الوسائل المعينة على العفة :
1- أن يتقي الله في سره وعلانيته :
قال الله تعالى : " وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ " [الأنعام:3] ويقول تعالى : " يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ " [غافر: 19] قال ابن عباس في قوله تعالى : " يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ " قال : (هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غضَّ بصره) [تفسير القرآن ،لأبى المظفر السمعانى] .
2- أن يدعو الله بأن يصرف عنه السوء والفحشاء :
قال سبحانه وتعالى عن نبيه يوسف عليه السلام " وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [يوسف: 33-34] قال ابن تيمية : (فلا بد من التقوى بفعل المأمور، والصبر على المقدور، كما فعل يوسف عليه السلام اتقى الله بالعفة عن الفاحشة، وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس، واستعان الله ودعاه حتى يثبته على العفة، فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن، وصبر على الحبس) [مجموع الفتاوى] .
3- تنشئة الأبناء على التربية الإسلامية:
التربية الإسلامية من أهم الوسائل المعينة على العفة، والتي ينبغي فيها مراعاة غرس الفضيلة والعفة في الأبناء، والتربية على الالتزام بالأحكام الشرعية منذ نعومة أظفارهم .
4- الزواج :
الزواج المبكر من أقوى الوسائل المعينة للعفاف، قال صلى الله عليه وسلم : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ؛ فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

5- إقامة الحدود :
فإقامة الحدود تردع لمن تسول له نفسه أن يقوم بأمر حذر منه الشارع .

عفة يوسف عليه السلام :
فقد أخبر الله سبحانه (عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله، فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي هاهنا في غاية القوة .
وذلك من وجوه :
أحدها : ما ركَّبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة .
الثاني : أنَّ يوسف عليه السلام كان شابًّا، وشهوة الشباب وحدَّته أقوى .
الثالث : أنَّه كان عزبًا، ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة .
الرابع : أنَّه كان في بلاد غربة، يتأتَّى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه وبين أهله ومعارفه .
الخامس : أنَّ المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث إنَّ كلَّ واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها .
السادس : أنها غير ممتنعة ولا آبية .
السابع : أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب، وذلَّ الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه .
الثامن : أنَّه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة .
التاسع : أنَّه لا يخشى أن تنمَّ عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة الراغبة، وقد غلَّقت الأبواب، وغيَّبت الرقباء .
العاشر : أنَّه كان في الظاهر مملوكًا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها، ولا ينكر عليه، وكان الأنس سابقًا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي [الجواب الكافى ،لابن القيم] .

عفة جريج العابد :
- نموذج آخر في العفة عما حرم الله، وهو جريج العابد؛ تتعرض له بغي من بغايا بني إسرائيل، فيعفُّ نفسه ولا يلتفت إليها، فتحاول أن تنتقم منه لامتناعه :
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه ((... تذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت : إن شئتم لأفتننه لكم - قال - فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت : هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي فولدت منك، فقال : أين الصبي ؟ فجاءوا به فقال : دعوني حتى أصلي، فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال يا غلام من أبوك ؟ قال : فلان الراعي - قال - فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب، قال : لا أعيدوها من طين كما كانت)) [رواه مسلم] .
نماذج من عفة النبي صلى الله عليه وسلم :
- كان النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات العفة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كخ كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعنه أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إني لأنقلب إلى أهلي؛ فأجد التمرة ساقطة على فراشي، ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال : ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) [رواه البخارى] .
نماذج من عفة الصحابة رضي الله عنهم :
عفة حكيم بن حزام رضي الله عنه :
- عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل، ولا يشبع اليد العليا خير من اليد السفلى، قال حكيم : فقلت : يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر : إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
نماذج من عفة السلف :
عفة سالم بن عبد الله بن عمر :
- قال ابن عيينة : (دخل هشام الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال : سلني حاجة، قال : إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره. فلما خرجا، قال: الآن فسلني حاجة. فقال له سالم : من حوائج الدنيا، أم من حوائج الآخرة ؟ فقال: من حوائج الدنيا، قال : والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها ؟) [رواه الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .
عفة الربيع بن خُثيم :
- عن سعدان قال : (أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خُثيم فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيَّبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع : كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيَّرت ما أرى من لونك وبهجتك ؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين ؟ أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير ؟ فصرخت صرخة فسقطت مغشيًّا عليها، فوالله لقد أفاقت، وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق) [صفة الصفوة،لابن الجوزى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:04 am




" العفو والصفح "

الترغيب في العفو والصفح :

أولًا : في القرآن الكريم :
وردت آيات كثيرة في ذكر العفو والصفح والترغيب فيهما، ومن هذه الآيات :
- قوله تعالى : " وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " [النور: 22] .
قال ابن كثير : (هذه الآية نزلت في الصدِّيق، حين حلف ألا ينفع مِسْطَح ابن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال،... فلما أنزل الله براءةَ أمِّ المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على مَن كان تكلَّم من المؤمنين في ذلك، وأُقيم الحدُّ على مَن أُقيم عليه، شَرَع تبارك وتعالى، وله الفضل والمنة، يُعطِّفُ الصدِّيق على قريبه ونسيبه، وهو مِسْطَح بن أثاثة، فإنَّه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر، رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد وَلَق وَلْقَة تاب الله عليه منها، وضُرب الحدَّ عليها، وكان الصديق رضي الله عنه معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب. فلما نزلت هذه الآية إلى قوله : " أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي : فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك، فعند ذلك قال الصديق : بلى، والله إنَّا نحبُّ - يا ربنا - أن تغفر لنا، ثم رَجَع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال : والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان قال : والله لا أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن بنته) [تفسير القرآن العظيم] .
- وقال تعالى : " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمران: 133] .
(قوله تعالى... " وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كلِّ من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأنَّ العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلَّى بالأخلاق الجميلة، وتخلَّى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وكراهة لحصول الشرِّ عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى : " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " [الشورى: 40]) [تيسير الكريم الرحمن] .
- وقال سبحانه : " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى:40] .
(قال ابن عباس رضي الله عنه : من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي إن الله يأجره على ذلك، قال مقاتل : فكان العفو من الأعمال الصالحة) [الجامع لأحكام القرآن ،للقرطبى] .
قال السعدي : (ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب : عدل، وفضل، وظلم .
فمرتبة العدل : جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله .
ومرتبة الفضل : العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال : " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " [الشورى: 40] يجزيه أجرًا عظيمًا، وثوابًا كثيرًا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه؛ ليدلَّ ذلك على أنَّه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورًا به .
وفي جعل أجر العافي على الله ما يُهيِّج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل .
وأما مرتبة الظلم : فقد ذكرها بقوله : " إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى:40] الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) [رواه مسلم] .
قال القاضي عياض : (وقوله : ((ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا)) فيه وجهان :
أحدهما : ظاهره أنَّ من عُرف بالصفح والعفو ساد وعظم في القلوب وزاد عزه .
الثاني : أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك) [إكمال المعلم] .

- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ((ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم)) [صححه الألبانى فى صحيح الترغيب والترهيب] .

قال المناوي في قوله : (واغفروا يغفر لكم) : (لأنَّه سبحانه وتعالى يحب أسمائه وصفاته التي منها : الرحمة، والعفو، ويحب من خلقه من تخلق بها) [فيض القدير] .

أقوال السلف والعلماء في العفو والصفح :
- عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه (أنه قام يوم مات المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه وقال : عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة، حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال : استعفوا لأميركم، فإنه كان يحب العفو، ثم قال : أما بعد، فإني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، قلت : أبايعك على الإسلام، فشرط علي (والنصح لكل مسلم) فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل) [رواه البخارى] .
- (وجلس ابن مسعود في السوق يبتاع طعامًا فابتاع، ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلت، فقال : لقد جلست وإنها لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون : اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا، فقال عبد الله : اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه) [إحياء علوم الدين] .
- وقيل لأبي الدرداء : مَن أعزُّ الناس ؟ فقال : (الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى) [نهاية الأرب فى فنون الأدب،للنويرى] .
- وقال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما : (لو أنَّ رجلًا شتَمني في أذني هذه، واعتذر في أُذني الأخرَى، لقبِلتُ عذرَه) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .
- وقال معاوية رضي الله عنه: (عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال)  [إحياء علوم الدين] .

- وعن أيوب قال : (لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان : العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم) [روضة العقلاء] .

فوائد العفو والصفح :
1- في العفو رحمة بالمسيء، وتقدير لجانب ضعفه البشري، وامتثال لأمر الله، وطلب لعفوه وغفرانه .
2- في العفو توثيق للروابط الاجتماعية التي تتعرض إلى الوهن والانفصام بسبب إساءة بعضهم إلى بعض، وجناية بعضهم على بعض [الأخلاق الإسلامية ،لعبد الرحمن الميدانى] .
3- العفو والصفح عن الآخرين سبب لنيل مرضات الله سبحانه وتعالى .
4- العفو والصفح سبب للتقوى قال تعالى :" وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم " [البقرة: 237].
5- العفو والصفح من صفات المتقين، قال تعالى : " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمران: 133، 134] .
6- من يعفو ويصفح عن الناس يشعر بالراحة النفسية .

نماذج من عفوه صلى الله عليه وسلم :
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ القمة، والدرجة العالية في العفو والصفح، كما هو شأنه في كلِّ خلُقٍ من الأخلاق الكريمة، فكان عفوه يشمل الأعداء فضلًا عن الأصدقاء .
(وكان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس صفحًا، يتلقى من قومه الأذى المؤلم فيعرض عن تلويمهم، أو تعنيفهم، أو مقابلتهم بمثل عملهم، ثم يعود إلى دعوتهم ونصحهم كأنما لم يلقَ منهم شيئًا .
وفي تأديب الله لرسوله بهذا الأدب أنزل الله عليه في المرحلة المكية قوله : " فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ " [الحجر:85-86] ثم أنزل عليه قوله : " فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " [الزخرف:89] فكان يقابل أذى أهل الشرك بالصفح الجميل، وهو الصفح الذي لا يكون مقرونًا بغضب أو كبر أو تذمر من المواقف المؤلمة، وكان كما أدَّبه الله تعالى. ثم كان يقابل أذاهم بالصفح الجميل، ويعرض قائلًا : سلام .
وفي العهد المدني لقي الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة أنواعًا من الخيانة فأنزل الله عليه قوله : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [المائدة: 13]، فصبر الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وعفا وصفح، حتى جاء الإذن الرباني بإجلائهم، ومعاقبة ناقضي العهد منهم) [الأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميدانى] .
- فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى .
قال الله - تعالى - : " وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ " [آل عمران: 186] وقال : " وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " الآية [البقرة: 109] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمر الله به...)) [رواه البخارى] .
- وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضي اللهُ عنهما واصفًا النبي صلى الله عليه وسلم : ((...ولا يَدفَعُ السيئةَ بالسيئةِ ، ولكن يعفو ويَصفَحُ)) [رواه البخارى] .

موقفه صلى الله عليه وسلم مع أهل ثقيف :
فعن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال : ((لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَالِيلَ بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال : إنَّ الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم، قال : فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال : يا محمد، إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت ؟ إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)) [رواه مسلم] .

نماذج من عفو الصحابة رضي الله عنهم :
عفو أبي بكر رضي الله عنه :
- عفوه عن مسطح بن أثاثة : و((كان مسطح بن أثاثة ممن تكلم في الإفك، فلما أنزل الله براءة عائشة، قال أبو بكر الصديق : - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله : " وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ " [النور: 22] إلى قوله " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " قال أبو بكر الصديق : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال : والله لا أنزعها منه أبدًا)) [رواه البخاري] .

عفو عمر رضي الله عنه :
- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ((قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا، أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال : سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس : فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب، فوالله، ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ : يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " [الأعراف: 199]. وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله)) [رواه البخاري] .

نماذج من عفو السلف :
عفو مصعب بن الزبير :
- حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق، جلس يوما لعطاء الجند، وأمر مناديه فنادى، أين عمرو بن جرموز ؟ وهو الذي قتل أباه الزبير، فقيل له : (أيها الأمير، إنه قد تباعد في الأرض، فقال : أوَ يظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد الله ؟ فليظهر آمنًا ليأخذ عطاءه موفرًا) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
نماذج من عفو الملوك :
عفو سليمان بن عبد الملك :
- (غضب سليمان بن عبد الملك على خالد القسري، فلما أدخل عليه قال : يا أمير المؤمنين، إنَّ القدرة تذهب الحفيظة ، وإنك تجلُّ عن العقوبة، فإن تعفُ فأهلٌ لذلك أنت، وإن تعاقب فأهل لذلك أنا، فعفا عنه) [وفيات الأعيان،لابن خلكان] .
- (واحتال يزيد بن راشد في الدخول على سليمان متنكرًا بعد أن ولي الخلافة، فقعد في السماط وكان سليمان قد نذر أنه إن أفضت إليه الخلافة قطع لسانه؛ لأنَّه كان ممن دعا إلى خلع سليمان، والبيعة لعبد العزيز، فقال : يا أمير المؤمنين، كن كنبي الله أيوب عليه السلام، ابتُلي فصبر، وأُعطي فشكر، وقدر فغفر. قال : ومن أنت ؟ قال : يزيد بن راشد، فعفا عنه) [وفيات الأعيان،لابن خلكان] .
عفو المأمون :
- (أُتي المأمون برجل يريد أن يقتله، وعلي بن موسى الرضا جالس فقال: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : أقول : إنَّ الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزًّا، فعفا عنه ، وكان المأمون مؤثرًا للعفو كأنه غريزة له؛ وهو الذي يقول: لقد حُبِّب إليَّ العفو حتى إني أظنُّ أني لا أثاب عليه .
- وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب، فقال له المأمون : أنت الذي فعلت كذا وكذا ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين، أنا الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك؛ فعفا عنه .
قالوا عن العفو :
- قال الأحنف : (إيَّاك وحمية الأوغاد، قيل : وما هي ؟ قال : يرون العفو مغرمًا، والتحمل مغنمًا .
- وقيل لبعضهم : هل لك في الإنصاف، أو ما هو خير من الإنصاف؟ فقال: وما هو خير من الإنصاف ؟ فقال : العفو .
- وقيل : العفو زكاة النفس، وقيل : لذة العفو أطيب من لذة التشفي؛ لأنَّ لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم .
- وقيل للإسكندر : أي شيء أنت أسرُّ به مما ملكت ؟ فقال : مكافأة من أحسن إلي بأكثر من إحسانه، وعفوي عمن أساء بعد قدرتي عليه .
- وقالوا : العفو يزين حالات من قدر، كما يزين الحلي قبيحات الصور) [نهاية الأرب فى فنون الأدب،للنويرى] .


" علو الهمة "

الترغيب في علو الهمة :

أولًا : في القرآن الكريم :
(علو الهمة خلق رفيع وغاية نبيلة، تتعشقه النفوس الكريمة، وتهفو إليه الفطر القويمة، وعلو الهمة من الأسس الأخلاقية الفاضلة، وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية، كالجد في الأمور، والترفع عن الصغائر والدنايا، وكالطموح إلى المعالي) [الهمة العالية معوقاها ومقوماتها،لمحمد الحمد] والإسلام يحثُّ على هذا الخلق النبيل، وقد وردت آيات من القرآن الكريم، تدل على ذلك، ومنها :
- قوله تعالى : " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " [آل عمران: 133] .
ففي هذه الآية (ندب الله عباده إلى المبادرة إلى فعْل الخيرات، والمسارعة إلى نَيْل القُرُبات) [تقسير القرآن العظيم] وهو أمر من الله بالهمة العالية .
- وقال تعالى : " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " [الأحقاف: 35] .
فهذه الآية فيها ثناء (على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم... وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم، وجهادهم، ودعوتهم إلى الله عزَّ وجلَّ، كما أوضحه الله عزَّ وجلَّ في قصص الأنبياء : كنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) [علو الهمة ،لمحمد إسماعيل المقدم] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)) [رواه البخارى ومسلم،واللفظ للبخارى] .
قال ابن بطال : (فيه ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور، وترك دنيئها، والله يحب معالي الأمور) [شرح صحيح البخارى] .
- وقال صلى الله عليه وسلم : ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)) [رواه مسلم] .
(وعامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين؛ إنما ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها واستحثاثها للتنافس في الخيرات، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر) [تيسير الكريم الرحمن] ومن ذلك :
- قوله صلى الله عليه وسلم : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا)) [رواه البخارى ومسلم] .

أقوال السلف والعلماء في علو الهمة :
- روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : (لا تصغرنَّ همتكم؛ فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمم) [أدب الدنيا والدين] .
- وقال مالك : (عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتقِ رذائلها وما سفَّ منها؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ معالي الأمور، ويكره سفسافها) [ترتيب المدارك ، للقاضى عياض] .
- وعن دكين الراجز قال : (أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استُخلف أستنجز منه وعدًا كان وعدنيه، وهو والي المدينة، فقال لي : يا دكين، إن لي نفسًا توَّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلمَّا نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة) [عيون الأخبار ،لابن قتيبة] .
- وقال ابن الجوزي : (من علامة كمال العقل علوُّ الهمة، والراضي بالدون دني) [صيد الخاطر] .
- وقال ابن القيم : (فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل) [الفوائد] .

صور علو الهمة :
مظاهر وصور علو الهمة كثيرة جدًّا؛ فالأعمال الجادة كلها تحتاج إلى علو الهمة، وسنتحدث عن بعض مظاهر علو الهمة وهي كالتالي :
1- علو الهمة في طلب العلم :
من مظاهر علو الهمة : الاجتهاد في طلب العلم؛ والجد والمثابرة في تحصيله وإن من أعظم ما يعين على علو الهمة في طلب العلم مطالعة ما أعده الله عزَّ وجلَّ لطالب العلم والعلماء .
قال الشوكاني في الحثِّ على علو الهمة في طلب العلم : (فإنَّ الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال : " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ " [آل عمران:18] .
وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم فقال : " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " [فاطر:28] .
وأخبر عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال : " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ " [المجادلة:11] وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن العلماء ورثة الأنبياء .
وناهيك بهذه المزية الجليلة، والمنقبة النبيلة، فأكرم بنفس تطلب غاية المطالب في أشرف المكاسب، وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة، ولا تساميه منقبة، ولا تقاربه مكرمة) [أدب الطلب ومنتهى الأدب] .
كذلك مطالعة أحوال السلف، وعلو همتهم في التعلم والتعليم، والقراءة والإقراء والتصنيف، والرحلة في طلب العلم، والسهر في المذاكرة، والتعرض للأخطار، ومعاناة الجوع والمرض في سبيله، والضن بالوقت أن يضيع في غير تحصيل فائدة، أو الوقوف على نكتة علمية، إلى غير ذلك من صور علو همتهم في طلب العلم .
2- علو الهمة في الدعوة إلى الله :
من مظاهر علو الهمة : الدعوة إلى الله؛ فالمسلم يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بما علم، قال صلى الله عليه وسلم : ((بلغوا عني ولو آية)) [رواه البخارى] والداعية إلى الله سبحانه وتعالى همه هداية الناس، ودعوتهم إلى الحق، فيقوم ببذل نفسه في سبيل الدعوة إلى الله، قال ابن حزم: (لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل في دعاء إلى حقٍّ، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم، وباذل نفسه في عرض دنيا، كبائع الياقوت بالحصى) [مداواة النفوس،لابن حزم] ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته وسلف الأمة القدوة الحسنة فقد بذلوا كل غال ونفيس في سبيل الدعوة إلى الله .

من أسباب دنو الهمة :
1- المعاصي :
إن المعاصي أحد أسباب انحطاط الهمم، إذ كيف ينطلق الإنسان إلى المعالي وهو مكبل بالشهوات، مثقل بالذنوب، منهك القوى بالمعاصي، يقول ابن قيم الجوزية : (فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي ستسيره، فإذا زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعًا يبعد تداركه، فالله المستعان) [الجواب الكافى] .
2- الخوف والهم والحزن :
وهذه الثلاثة من الآفات التي توهن الهمة، وتضعف العزيمة، وتدفع إلى الفتور؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يستعيذ بالله منها، فيقول : (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال))[رواه البخارى] [انظر: الرائد..الدروس فى التربية والدعوة،لمازن الفريح].
(فاستعاذ من ثمانية أشياء، كلُّ اثنين منها قرينان، فالهم والحزن قرينان وهما من آلام الروح ومعذباتها، والفرق بينهما أن الهم توقع الشر في المستقبل، والحزن التألم على حصول المكروه في الماضي أو فوات المحبوب، وكلاهما تألم وعذاب يرد على الروح فإن تعلق بالماضي سمي حزنًا، وإن تعلق بالمستقبل سمي همًّا) [بدائع الفوائد] .

إن علو الهمة يحتاج إلى جهد ومجاهدة وصبر ومصابرة، وتلمس الأسباب التي توصل إليه، وسلوك الطرق التي تؤدي إليه، وفيما يلي بعض أسباب علو الهمة :
1- العلم :
العلم أحد أسباب علو الهمة، فهو يرشد من طلبه إلى مصالحه، ويدفعه إلى العمل، ويعرفه بآفات الطريق ومخاطره، ويورث صاحبه فقها بالأولويات ويعرفه بمراتب الأعمال. وكلما ازداد الإنسان من العلم النافع علت همته، وازداد عمله؛ ونماذج العلماء الصادقين الذين علت هممهم أكبر برهان على ذلك .
2- الدعاء :
وهو سلاح المؤمن الذي يلجأ إليه إذا فترت الهمة وضعفت العزيمة، فعلى المسلم ألا يغفل هذا الباب فهو من أعظم الأسباب لتحصيل الهمة العالية، والعاجز من عجز عن الدعاء .
3- تذكر اليوم الآخر :
فلا شك أن تذكر الموت، وفتنة القبر، وأهوال القيامة، يبعث في القلب الهمة ويوقظه من غفلته، وتبعثه من رقدته؛ وتدبر قوله عز وجل " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " [آل عمران: 133]، وكان صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بالجنة والنار، فالحث على العمل وبعث الهمم يكون بالتذكير باليوم الآخر والجنة والنار .

4- النشأة في مجتمع مليء بالقمم :
فمن بواعث الهمة، أن ينشأ الصغير في مجتمع تكثر فيه النماذج المشرقة من الأبطال المجاهدين، والعلماء العاملين؛ والتي تمثل القدوة، فهذا مما يحرك همته؛ كي يقتدي بهم، ويسير على طريقهم، ومن لم يتهيأ له ذلك فليتحول عن البيئة المثبطة، الداعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون .
75- وجود المربين الأفذاذ، والمعلمين القدوات :
الذين يستحضرون عظم المسؤولية، ويستشعرون ضخامة الأمانة، والذين يتسمون ببعد النظرة، وعلو الهمة، وسعة الأفق وحسن الخلق، والذين يتحلون بالحلم والعلم، والصبر والشَّجَاعَة، وكرم النفس والسماحة .

نماذج من علو همة النبي صلى الله عليه وسلم :
- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل)) [رواه البخارى] فأية همة عالية أعلى من هذه الهمة النبوية) [الأخلاق الإسلامية،لعبد الرحمن الميدانى] .
- وكان صلى الله عليه وسلم القدوة في الهمة العالية في العبادة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له : لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : ((أفلا أكون عبدًا شكورًا)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .

نماذج للصحابة في علو الهمة :
علو الهمة في طلب العلم :
1- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال : ((يا غلام، هل من لبن ؟ قال : قلت : نعم، ولكني مؤتمن، قال : فهل من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبه في إناء، فشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع : اقلص فقلص، قال : ثم أتيته بعد هذا، فقلت : يا رسول الله، علمني من هذا القول، قال : فمسح رأسي، وقال : يرحمك الله، فإنك غليم معلم)) [رواه أحمد] .

2- أبو هريرة رضي الله عنه :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : يقولون : إن أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه ؟ وإنَّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينًا، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يومًا : ((لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا،فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها، حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدَّثتكم شيئًا أبدًا : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى " [البقرة: 159] إلى قوله الرَّحِيمُ [البقرة: 160])) [رواه البخارى] .

علو الهمة في الجهاد :
1- أنس بن النضر رضي الله عنه :
- عن أنس رضي الله عنه قال : ((غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين؛ لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : يا سعد بن معاذ، الجنة وربِّ النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس : فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظنُّ أنَّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ " [الأحزاب: 23] إلى آخر الآية [رواه البخارى] .
2- سعد بن خيثمة رضي الله عنهما :
- عن سليمان بن بلال رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعًا الخروج معه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما، فقال خيثمة ابن الحارث لابنه سعد رضي الله عنهما : إنه لابد لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد : لو كان غير الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ودٍّ ... الحديث [رواه الحاكم] .
3- عمير بن أبي وقاص رضي الله عنه :
- عن سعد رضي الله عنه قال : رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت : ما لك يا أخي ؟ قال : إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني فيردني، وأنا أحبُّ الخروج لعلَّ الله أن يرزقني الشهادة، قال : فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فردَّه، فبكى فأجازه، فكان سعد رضي الله عنه يقول : فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره، فقتل وهو ابن ست عشرة سنة [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .

نماذج للسلف في علو الهمة :
علو الهمة في طلب العلم :

القاضي شريك بن عبد الله النخعي :
- عن يزيد بن يحيى قال : (مرَّ شريك القاضي بالمستنير بن عمرو النخعي، فجلس إليه فقال : يا أبا عبد الله، من أدَّبك ؟ قال : أدَّبتني نفسي والله، ولدت ببخارى من أرض خراسان، فحملني ابن عمٍّ لنا حتى طرحني عند بني عم لي بنهر صرصر، فكنت أجلس إِلى معلم لهم تعلَّق بقلبي يعلِّم القرآن؛ فجئت إِلى شيخهم فقلت : يا عماه، الذي كنت تجري عليَّ ها هنا أجره علي بالكوفة أعرف بها السنة والجماعة وقومي، ففعل؛ قال : فكنت بالكوفة أضرب اللبن وأبيعه؛ فأشتري دفاتر وطروسًا، فأكتب فيها العلم والحديث، ثم طلب الفقه فقلت: ما نرى ؟ فقال المستنير بن عمرو لولده : قد سمعتم قول ابن عمكم وقد أكثرت عليكم، فلا أراكم تفلحون فيه، فليؤدِّب كلُّ رجل نفسه، ثم من أحسن فلها، ومن أساء فعليها) [أخبار القضاة ،لوكيع] .
- وعن عمر بن الهياج بن سعيد : قال : (كنت من صحابة شريك، فأتيته يومًا وهو في منزله باكرًا، فخرج إلي في فرو ليس تحته قميص، عليه كساء. فقلت له : قد أضحت عن مجلس الحكم، فقال : غسلت ثيابي أمس فلم تجف، فأنا أنتظر جفوفها، اجلس. فجلست فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مواليه، فقال : ما عندك فيه ؟ ما تقول فيه ؟...) [تاريخ بغداد، للخطيب البغدادى] .

نماذج للعلماء المتقدمين في علو الهمة :

يحيى بن شرف النووي :
كان النووي عالي الهمة في طلب العلم منذ صغره، فقد ذكر ابن داود العطار عن ياسين بن يوسف المراكشي قال : (رأيت الشيخ محيي الدين، وهو ابن عشر سنين بنوى، والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي، لإكراههم، ويقرأ القرآن في هذه الحالة، فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال : فأتيت الذي يقرئه القرآن، فوصيته به، وقلت له : هذا الصبي يُرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي : أمنجم أنت ؟ فقلت : لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه، إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام) [طبقات الشافعية الكبرى،للسبكى] .

نماذج للعلماء المعاصرين في علو الهمة :
محمد ناصر الدين الألباني :
كان الألباني همته عالية، وشغفه بالعلم ليس له حدود في عصر وصف بــ(عصر الفتن والغوايا وخساسة الهمم، عصر الزهد في العلم، والقصور في طلبه) فقيض الله لهذه الأمة عالما (بكَّر في طلبه للعلم ودوَّنه، وصبر على تلقيه صبرًا طويلًا، وحرَّض شباب الأمة على طلبه، ودلَّهم على مصادره ومظانه) فاهتم بعلم الحديث وأصبح شغله الشاغل (حتى كان يغلق محله ويذهب إلى المكتبة الظاهرية، ويبقى فيها اثنتي عشرة ساعة، لا يفتر عن المطالعة والتعليق والتحقيق، إلا أثناء فترات الصلاة، وكان يتناول طعامه البسيط في المكتبة في كثير من الأحيان فيها... ولهذا قدرته إدارة المكتبة، فخصصت له غرفة خاصة به؛ ليقوم فيها مع بعض أمهات المصادر بأبحاثه العلمية المفيدة، فكان يدخل قبل الموظفين صباحًا، وفي بعض الأحيان كان من عادة الموظفين الانصراف إلى بيوتهم ظهرًا ثم لا يعودون؛ ولكن الشيخ يبقى في المكتبة ما شاء الله له البقاء فربما يصلي العشاء ثم ينصرف، وإنَّ كلَّ من رآه في المكتبة يعرف مدى اجتهاده وحرصه على الاستفادة من وقته... وكان يجيب عن بعض الأسئلة التي توجه إليه، وهو ينظر في الكتاب، دون أن يرفع بصره إلى محدثه، بأوجز عبارة تؤدي إلى الغرض...) [حياة الألبانى وآثاره وثناء العلماء عليه، لمحمد الشيبانى] .
(ويقول محمد بن إبراهيم الشيباني : الشيخ لم تسنح له الفرصة ليكتب قصة حياته بنفسه؛ لانشغاله بطلب العلم والتنقل في فنونه، وإلا لأصبحت قصته مؤثرة حزينة مبكية، وقد قال لي يومًا : لو كان عندي فسحة من الوقت، لكتبت ما لم تسمع به من القصص .
ومن شدة العنت والفقر الذي عاشه الشيخ، أنه كان لا يملك قيمة ورقة يشتريها ليسودها بما مَنَّ الله تعالى عليه من علم فيها، فكان يطوف في الشوارع والأزقة يبحث عن الأوراق الساقطة فيها من هنا وهناك؛ ليكتب على ظهرها) [صلاح الأمة فى علو الهمة، لسيد العفانى] .

من علامات عالي الهمة :
1- الزهد في الدنيا .
2- المسارعة في الخيرات والتنافس في الصالحات .
3- التطلع إلى الكمال والترفع عن النقص .
4- الترفع عن محقرات الأمور وصغائرها ونشدان معالي الأمور وكمالاتها .
5- الأخذ بالعزائم .
6- الاستدراك على ما فات [الأخلاق الإسلامية،لعبد الرحمن الميدانى] .

يا عالي الهمة، انتبه !! [الهمة طريق إلى القمة، لمحمد حسن الشريف]
1- صاحب الهمّة تحلِّق به همته دائمًا، فتأمره بإنجاز كثير من الأعمال المتداخلة في وقت واحد، فليطعها بقدر، ولا يستبعد ما تأمره به، وفي الوقت نفسه لا يقوم به كلَّه، بل يأخذ منه بقدر ما يعرف من إسعاف همته له بالقيام به.
2- صاحب الهمَّة العالية معرض لنصائح تُثْنيه عن همته، وتحاول أن تذكره دائمًا بأنه " مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ " [الأحزاب: 4] وأن صاحب الصنعتين كاذب والثالثة سارق، وهكذا، فالحصيف لا يلتفت لهذه النصائح إلا بقدر محدود .
3- صاحب الهمَّة معرض لسهام العين والحسد، فعليه بالأذكار المأثورة؛ ليدرأ عن نفسه ما قد يصيبه من سهام القدر على يد الحساد .

54- أهل الهمَّة العالية قد يكونون مفرِّطين في بعض الأمور التي قد لا يرون فيها تعلقًا مباشرًا بموضوع هممهم، وذلك مثل بعض حقوق الأهل والأقارب، فينبغي على من وقع في هذا المحذور أن يلتفت إلى إصلاحه، ولو بالقدر الذي يُبعد عنه سهام اللائمين .
5- قد تؤدي الهمَّة العالية بصاحبها إلى أن يتحمَّس تحمسًا اندفاعيًّا، فيستعجل ويرتكب من الأخطاء ما كان يمكن تلافيه بقليل من التعقل، وحساب العواقب، وعلى من وقع في مثل هذا أن يعرف السنن الكونية، وأنَّ الأمر لا يحسم بين عشية وضحاها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:06 am




" الغيـــرة "

الترغيب في الغيرة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه))[رواه البخارى] .

(معناه : أن الله يغار إذا انتهكت محارمه، وليس انتهاك المحارم هو غيرة الله؛ لأن انتهاك المحارم فعل العبد، ووقوع ذلك من المؤمن أعظم من وقوعه من غيره. وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته، مثل الغضب، والرضا، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها) [شرح كتاب التوحيح من صحيح البخارى،لعبد الله الغنيمان] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((المؤمن يغار، والله أشد غيرًا)) [رواه مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الغَيْرة :
- كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : (لا تكثر الغَيْرة على أهلك فتُرمى بالسوء من أجلك) [ذكره الغزالى فى إحياء علوم الدين] .
- وقال إسماعيل بن خارجة الفزاري وهو يوصي ابنته : (... وإياك والغيرة؛ فإنها مفتاح الطلاق) [أدب النساء الموسوم بكتاب العناية والنهاية] .
- وقال أبو الأسود لابنته : (إياك والغَيْرة فإنها مفتاح الطلاق، وعليك بالزينة، وأزين الزينة الكحل؛ وعليك بالطيب، وأطيب الطيب إسباغ الوضوء) [عيون الأخبار ،لابن قتيبة] .
- وقال ابن القيم : (إن أصل الدين الغَيْرة، ومن لا غيرة له لا دين له، فالغَيْرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغَيْرة تميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة، ومثل الغَيْرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلًا، ولم يجد دافعًا، فتمكَّن، فكان الهلاك، ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وولده، فإذا تكسرت طمع فيها عدوه) [الجواب الكافى] .

من فوائد الغَيْرة :
1- الغَيْرة دليل على قوة الإيمان بالله .
2- خصلة يحبها الله سبحانه وتعالى .
3- هي السياج المعنوي لحماية الحجاب، ودفع التبرج والسفور والاختلاط [حراسة الفضيلة،لأبى بكر زيد] .
4- الغَيْرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغَيْرة تميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة [الجواب الكافى] .
5- هي من الأسباب الدافعة لإنكار المنكر .

أقسام الغَيْرة :
أولًا : أقسام الغيرة من حيث كونها غيرة للمحبوب أو عليه :
قسَّم ابن القيم الغَيْرة إلى نوعين: (غيرة للمحبوب، وغيرة عليه .
1- فأما الغَيْرة له : فهي الحمية له، والغضب له، إذا استهين بحقه وانتقصت حرمته، وناله مكروه من عدوه؛ فيغضب له المحب ويحمى، وتأخذه الغَيْرة له بالمبادرة إلى التغيير، ومحاربة من آذاه، فهذه غيرة المحبين حقًّا، وهي من غيرة الرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به، واستحلَّ محارمه، وعصى أمره، وهذه الغَيْرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب وماله وعرضه لمحبوبه؛ حتى يزول ما يكرهه، فهو يغار لمحبوبه أن تكون فيه صفة يكرهها محبوبه ويمقته عليها، أو يفعل ما يبغضه عليه، ثم يغار له بعد ذلك أن يكون في غيره صفة يكرهها ويبغضها، والدين كله في هذه الغَيْرة، بل هي الدين، وما جاهد مؤمن نفسه وعدوه، ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكر إلا بهذه الغَيْرة، ومتى خلت من القلب خلا من الدين؛ فالمؤمن يغار لربه من نفسه ومن غيره إذا لم يكن له كما يحبُّ، والغَيْرة تصفي القلب، وتخرج خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد .
2- وأما الغَيْرة على المحبوب فهي : أنفة المحب وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره. وهذه أيضًا نوعان: غيرة المحب أن يشاركه غيره في محبوبه، وغيرة المحبوب على محبه أن يحب معه غيره) [روضة المحبين ونزهة المشتاقين] .
ثانيًا : أقسام الغيرة من حيث كونها محمودة أو مذمومة :
قال ابن القيم : (وغيرة العبد على محبوبه نوعان :
1- غيرة ممدوحة يحبها الله .
2- وغيرة مذمومة يكرهها الله .
فالتي يحبها الله : أن يغار عند قيام الريبة .
والتي يكرهها : أن يغار من غير ريبة، بل من مجرد سوء الظن، وهذه الغَيْرة تفسد المحبة، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه. وفي المسند وغيره عنه قال: ((الغَيْرة غيرتان: فغيرة يحبها الله، وأخرى يكرهها الله، قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الغَيْرة التي يحب الله ؟ قال : أن تؤتى معاصيه، أو تنتهك محارمه، قلنا : فما الغَيْرة التي يكره الله ؟ قال : غيرة أحدكم في غير كنهه)) [رواه الخرائطى فى اعتلال القلوب] [روضة المحبين] .
(وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته وعرضه؛ فإنه يطلب منه الاعتدال في الغَيْرة، فلا يبالغ فيها حتى يسيء الظن بزوجته، ولا يسرف في تقصي حركاتها وسكناتها؛ لئلا ينقلب البيت نارًا، وإنما يصح ذلك إن بدت أسباب حقيقية تستدعي الريبة) [خلق المؤمن ،لمصطفى مراد] قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ من الغَيْرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يكره الله؛ فالغَيْرة التي يحبُّها الله الغَيْرة في الريبة، والغَيْرة التي يكرهها الله الغَيْرة في غير ريبة)) [حسنه ابن حجر فى تخريج مشكاة المصابيح،واللبانى فى صحيح سنن النسائى] .
وقد نهى النبي صلي الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم، ويطلب عثراتهم [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
ويمكن إجمال أسباب الغَيْرة المذمومة في ضعف الإيمان، ووسوسة الشيطان، وما يعتري القلب من أمراض إلى غير ذلك .

ويترتب على هذه الغيرة المذمومة أمور منها : الوقوع في الغيبة والتلبس بالسخرية، وترك بذل الخير للآخرين، السعي في الإضرار بالغير، ومعاداة أقارب الزوج وهضم حقوقهم، والحسد، والحقد، والسحر، والتجسس، والآلام النفسية، والأمراض البدنية، والاحتيال والكيد، والقتل، وقد تصل الغيرة المذمومة بصاحبها إلى الكفر والعياذ بالله.
وتتلخص معالجة الغيرة المذمومة في تقوى الله تعالى، ومطالعة الأجر العظيم للصابرين، وإحسان الظن، والقناعة، والبعد عن مجالس السوء، وذكر الموت وتقوية الإيمان باليوم الآخر، والدعاء، وفي الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمِّ سلمة لما ذكرت من غيرتها : ((وأدعو الله أن يذهب بالغَيْرة)) [رواه مسلم] .

من أسباب ضعف الغَيْرة :
1- ضعف الإيمان :
يشير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن الغيرة لا تكون إلا من مؤمن بقوله : ((إن الله يغار وإن المؤمن يغار)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] فحياة القلب بالإيمان تجعل الإنسان غيورًا، وبقدر إيمانه تكون غيرته، وإذا ضعف الإيمان ضعفت الغيرة .
2- كثرة الذنوب :
قال ابن القيم : (ومن عقوبات الذنوب : أنها تطفئ من القلب نار الغَيْرة، التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن؛ فالغَيْرة حرارته وناره التي تُخرج ما فيه من الخبث، والصفات المذمومة) [الجواب الكافى] .
3- الجهل :
فمن أسباب ضعف الغيرة الجهل بأهمية الغيرة، وخطورة غيابها، فضدُّ الغيرة الدياثة، وضد الغيور الديوث، كذلك الجهل بعظم المسؤولية تجاه الأهل؛ فالرجل محاسب ومسؤول يوم القيامة عن رعيته ومن تحت رعايته .

4- وسائل الإعلام الفاسدة :
إن لوسائل الإعلام دورًا كبيرًا في إفساد الناس: كالإذاعة، والتلفاز، والصحف، والشبكة العنكبوتية، وغيرها، فالكثير من هذه الوسائل مليء بالأغاني الفاحشة، والصور الخليعة، والمسلسلات الماجنة التي اعتاد الناس مشاهدتها، وغرس قيم وأخلاق لا تمت للإسلام ولا للمسلمين بصلة، فأخذ خلق الغَيْرة يضعف شيئًا فشيئًا .

الوسائل المعينة على اكتساب الغَيْرة [انظر :الغيرة على المرأة، لعبد الله المانع]
يمكن أن تنمَّى الغَيْرة بأمور كثيرة ومنها :
1- تربية الأولاد على الغَيْرة، وغرس هذا الخلق في نفوسهم .
2- الابتعاد عن أسباب ضعف الغيرة، كالقنوات الفضائية الماجنة، والمجلات الهابطة، وغيرها من وسائل الهدم .
3- الرجوع إلى قيم الدين وغرسها في نفوس الناس .
4- التأكيد على دور الرجل .
5- توعية المجتمع توعية شاملة بجميع وسائل الإعلام، والخطب والمحاضرات .
6- تعظيم قدر الأعراض، وبيان خطورة ضياعها .
نماذج من غيرة الأنبياء عليهم السلام :
غيرة موسى عليه السلام :
- قال الله تعالى : " وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى " [طه: 9-10] .
قال ابن عباس وغيره : (هذا حين قضى الأجل وسار بأهله، وهو مقبل من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى عليه السلام رجلًا غيورًا: يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته فأخطأ الرفقة لما سبق في علم الله تعالى، وكانت ليلة مظلمة) [ذكره القرطبى فى الجامع أحكام القرآن] .

نماذج من غيرة النبي صلى الله عليه وسلم :
- غيرته على حرمات الله : النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس غيرة لله، فكان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ((ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله، فينتقم لله)) [رواه البخارى] والنماذج والصور على غيرته على محارم الله كثيرة جدًّا .
- غيرته على نسائه : كان أعدل البشر غيرة على نسائه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ((دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، قالت : فقلت : يا رسول الله، إنَّه أخي من الرضاعة، قالت : فقال : انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال الحافظ بن حجر : (والمعنى : تأملن ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ومقدار الارتضاع ؟ فإنَّ الحكم الذي ينشأ من الرضاع؛ إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلب : معناه انظرن ما سبب هذه الأخوة؛ فإنَّ حرمة الرضاع، إنما هي في الصغر، حتى تسد الرضاعة المجاعة) [فتح البارى] .

نماذج من غيرة الصحابة :
- غيرة عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم :
- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ((بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم - فقال : يا رسول الله، اعدل، فقال : ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل ؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر : يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال : دعه؛ فإنَّ له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم : رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس)) [رواه البخارى ومسلم] .

- غيرة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم :
عن عائشة رضي الله عنها، قالت : استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم. فقالت عائشة : بل عليكم السام واللعنة،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة، إنَّ الله يحبُّ الرِّفق في الأمر كلِّه،قالت : ألم تسمع ما قالوا ؟ قال : قد قلت : وعليكم)) [رواه البخارى ومسلم] .
غيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه :
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص : ((أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : لم أرَ إلا خيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ الله قد برأها من ذلك، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : لا يدخلنَّ رجل، بعد يومي هذا، على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان)) [رواه مسلم] .
غيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
- كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أعظم الصحابة غيرة على النساء، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم غيرته في الرؤيا التي رأى فيها قصر عمر بن الخطاب في الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرًا ، فبكى عمر، وقال : أعليك أغار يا رسول الله؟!)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .

غيرة عائشة رضي الله عنها :
- فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدَّثت، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلا، قالت : فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال : ((ما لك ؟ يا عائشة ! أغرت ؟ فقلت : ومالي لا يغار مثلي على مثلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقد جاءك شيطانك؟. قالت: يا رسول الله ! أو معي شيطان ؟ قال : نعم، قلت : ومع كل إنسان ؟ قال : نعم، قلت : ومعك؟ يا رسول الله! قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم)) [رواه مسلم] .


" الفِرَاسَة "

الفراسة في القرآن الكريم :
- قال الله تبارك وتعالى : " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ " [الحجر: 75] .
قال النَّسفي : (للمتفَرِّسين المتأمِّلين، كأنَّهم يعرفون باطن الشَّيء بِسمَةٍ ظاهرة) [مدارك التنزيل،للنسفى] .
وقال ابن زيد في نفس الآية : (المتفكِّرون والمعتبرون، الذين يتوسَّمون الأشياء، ويتفكَّرون فيها ويعتبرون) [جامع البيان للطبرى] .
وقال أبو المظفَّر السَّمعاني : (أي : للنَّاظرين المعتبرين، وقيل : للمتفَرِّسين، وهم الذين يعلمون النَّاس بسِيمَاهم على ما يُرِيهم الله منها) [تفسير السمعانى] .
أقوال السَّلف والعلماء في الفِرَاسَة :
- قال الشَّافعي : (خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفِراسة، حتى كتبتها وجمعتها) [آداب الشافعى ومناقبه،لابن لأبى حاتم الرازى] .
- وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي : (إذا جالستم أهل الصِّدق، فجالسوهم بالصِّدق؛ فإنَّهم جواسيس القلوب، يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تُحسُّون) [آداب الشافعى ومناقبه،لابن لأبى حاتم الرازى] .
- وقال الهروي عن الفراسة : (هو استئناس حكم غيبٍ من غير اسْتِدْلَال بشَاهِد، ولا اختبار بتجربة) [منازل السائرين،للهروى] .
- وقال ابن القيِّم : (الفِراسة الإيمانيَّة... سببها نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والصَّادق والكاذب، وهذه الفِرَاسَة على حسب قوَّة الإيمان، وكان أبو بكر الصِّدِّيق أعظم الأمَّة فِرَاسَة) [مدارج السالكين] .
أقسام الفِرَاسَة :
قسمها ابن القيِّم إلى ثلاثة أقسام :
إيمانيَّة : وسببها : نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والحالي والعاطل، والصَّادق والكاذب .
وحقيقتها : أنَّها خاطر يهجم على القلب، ينفي ما يضادُّه، يَثِب على القلب كوُثُوب الأسد على الفريسة...
وهذه الفِرَاسَة على حسب قوَّة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا، فهو أحدُّ فِرَاسَةً... وأصل هذا النَّوع من الفِرَاسَة : من الحياة والنُّور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطئ، قال الله تعالى : " أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا " [الأنعام: 122] كان ميِّتًا بالكفر والجهل، فأحياه الله بالإيمان والعلم. وجعل له -بالقرآن والإيمان- نورًا يستضيء به في النَّاس على قَصْد السَّبيل. ويمشي به في الظُّلَم .
- فِرَاسَة الرِّياضة والجوع، والسَّهر والتَّخلِّي؛ فإنَّ النَّفس إذا تجرَّدت عن العوائق، صار لها من الفِرَاسَة والكشف بحسب تجرُّدها، وهذه فِرَاسَة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدلُّ على إيمان ولا على ولاية، وكثير من الجهَّال يغترُّ بها. وللرُّهبان فيها وقائع معلومة، وهي فِرَاسَة لا تكشف عن حقٍّ نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي من جنس فِرَاسَة الولاة، وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم .
وللأطباء فِرَاسَة معروفة من حِذْقهم في صناعتهم، ومن أحبَّ الوقوف عليها فليطالع تاريخهم وأخبارهم، وقريب من نصف الطِّبِّ فِرَاسَةٌ صادقةٌ، يقترن بها تجربة، والله سبحانه أعلم .
- الفِرَاسَة الخَلْقية : وهي التي صنَّف فيها الأطبَّاء وغيرهم، واستدلُّوا بالخَلْق على الخُلُق؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصِغر الرَّأس -الخارج عن العادة- على صِغَر العقل، وبكبره، وبسعة الصَّدر، وبُعْد ما بين جانبيه : على سعة خُلُق صاحبه، واحتماله وبسْطته. وبضيقه على ضيقه. وبخمود العين وكَلَال نظرها على بَلَادة صاحبها، وضعف حرارة قلبه. وبشدَّة بياضها مع إِشْرَابه بحُمْرة - وهو الشَّكل - على شجاعته وإقدامه وفِطْنته . وبتدويرها مع حُمْرتها وكثرة تقلُّبها، على خيانته ومكره وخداعه .
ومعظم تعلُّق الفِرَاسَة بالعين. فإنَّها مرآة القلب، وعنوان ما فيه. ثمَّ باللِّسان، فإنَّه رسوله وترجمانه... وأصل هذه الفِرَاسَة : أنَّ اعتدال الخِلْقة والصُّورة، هو من اعتدال الِمَزاج والرُّوح. وعن اعتدالها يكون اعتدال الأَخْلَاق والأفعال، وبحسب انحراف الخِلْقة والصُّورة عن الاعتدال، يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال) [انظر:مدارج السالكين،بتصرف يسير] .
نماذج من الصَّحابة :
فِرَاسَة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
رُوِي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : أنَّه دخل عليه قوم من مَذْحِج فيهم الأشتر، فصعَّد عمر فيه النَّظر وصوَّبه، وقال : أيُّهم هذا؟ فقالوا : مالك ابن الحارث، فقال : ما له - قاتله الله - إنِّي لأرى للمسلمين منه يومًا عصيبًا، فكان منه في الفتنة ما كان [ذكره القرطبى فى تفسيره] .
فِرَاسَة عثمان بن عفَّان رضي الله عنه :
وهذا عثمان بن عفَّان، دخل عليه رجل من الصَّحابة، وقد رأى امرأة في الطَّريق، فتأمَّل محاسنها، فقال له عثمان : يدخل عليَّ أحدكم، وأثر الزِّنا ظاهر على عينيه، فقلت : أوحيٌّ بعد رسول الله ؟! فقال : لا، ولكن تَبْصِرة وبرهان، وفِرَاسَة صادقة [انظر: الروح لابن القيم] .
فِرَاسَة علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
أكْثَرَ رجلٌ الثَّناء على عليٍّ رضي الله عنه بلسان لا يوافقه القلب، فقال له: (أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
نماذج من السَّلف والعلماء المتقدِّمين :
فِرَاسَة الشَّافعي :
- قال محمَّد بن إدريس الشَّافعي : (خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفِرَاسَة، حتى كتبتها وجمعتها، ثمَّ لما حان انصرافي، مررت على رجل في طريقي وهو مُحْتَبٍ بفناء داره، أزرق العينين، ناتئ الجبهة سِنَاط، فقلت له : هل من منزل ؟ فقال : نعم. قال الشَّافعي : وهذا النَّعت أخبث ما يكون في الفِرَاسَة، فأنزلني، فرأيت أَكْرَم رجل، بَعَث إليَّ بعشاء وطِيب، وعلفٍ لدابَّتي، وفِرَاش ولِحَاف، فجعلت أتقلَّب اللَّيل، أجمع ما أصنع بهذه الكتب ؟ إذ رأيت هذا النَّعت في هذا الرَّجل، فرأيت أكرم رجل، فقلت : أرمي بهذه الكتب، فلمَّا أصبحت، قلت للغلام: أَسْرِج ، فأَسْرَج، فركبت ومررت عليه، وقلت له : إذا قدمت مكة، ومررت بذي طوى، فسل عن منزل محمَّد بن إدريس الشَّافعي. فقال لي الرَّجل : أمولى لأبيك أنا؟! قلت : لا، قال: فهل كانت لك عندي نعمة ؟! فقلت : لا، فقال : أين ما تكلَّفت لك البارحة ؟ قلت : وما هو ؟ قال : اشتريت لك طعامًا بدرهمين، وإدامًا بكذا، وعِطْرًا بثلاثة دراهم، وعَلَفًا لدابَّتك بدرهمين، وكِرَاء الفِراش، واللِّحاف درهمان، قال : قلت : يا غلام أعطه، فهل بقي من شيء ؟ قال : كِرَاء المنزل؛ فإنِّي وسَّعت عليك، وضيَّقت على نفسي، قال الشَّافعي : فغَبِطت نفسي بتلك الكتب، فقلت له بعد ذلك : هل بقي من شيء؟ قال : امض، أخزاك الله، فما رأيت قطُّ شرًّا منك) [آداب الشافعى ومناقبه،لابن أبى حاتم الرازى] .
- و(كان الشَّافعي ومحمد بن الحسن - رحمهما الله تعالى- في المسجد الحرام، فدخل رجل، فقال محمَّد بن الحسن : أتفَرَّس أنَّه نجَّار، وقال الشَّافعي : أتفَرَّس أنه حدَّاد. فسألاه، فقال: كنت قبل هذا حدَّادًا، والساعة أُنَجِّر) [الرسالة القشيرية،للقشيرى] .

نماذج من العلماء المعاصرين :
فِرَاسَة الشَّيخ عبد العزيز بن باز :
- كان الشَّيخ عبد العزيز صاحب بصيرة نافذة، وفِرَاسَة حادَّة، يعرف ذلك جيِّدًا من عاشره وخالطه، وأخذ العلم على يديه. وممَّا يؤكِّد على فِرَاسَته، أنَّه يعرف الرِّجال وينزلهم منازلهم، فيعرف الجادَّ منهم في هدفه ومقصده من الدُّعاة وطلبة العلم، فيكرمهم أشدَّ الإكرام، ويقدِّمهم على من سواهم، ويخصُّهم بمزيد من التَّقدير، ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائمًا، وله فِرَاسَة في معرفة رؤساء القبائل، والتَّفريق بين صالحهم وطالحهم، وله فِرَاسَة - أيضًا - في ما يعرض عليه من المسائل العويصة، والمشكلات العلميَّة؛ فتجده فيها متأمِّلًا متمعِّنًا لها، تُـقْرأ عليه عدَّة مرَّات، حتى يفكَّ عقدتها، ويحلَّ مشكِلَها، وله فِرَاسَة - أيضًا - في ما يتعلق بالإجابة عن أسئلة المستفتين، فهو دائمًا يرى الإيجاز ووضوح العبارة، ووصول المقصد، إن كان المستفتي عامِّيًّا من أهل البادية، وإن كان المستفتي طالب علم حريص على التَّرْجيح في المسألة، أطال النَّفَس في جوابه مع التَّعليلات وذِكْر أقوال أهل العلم، وتقديم الأرجح منها، وبيان الصَّواب بعبارات جامعة مانعة [موقع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرسمى] .


" الفَصَــاحة "

الفَصَاحة في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تبارك وتعالى : " الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ " [الرَّحمن: 1-4] .
قال الزَّمخشري : (ثمَّ ذكر ما تميَّز به من سائر الحيوان من الـبَيَان، وهو المنطق الفَصِيح المعِرب عمَّا في الضمير) [الكشاف ،للزمخشرى] .

وقال ابن عطية : (البَيان النُّطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول، قاله ابن زيد والجمهور، وذلك هو الذي فضَّل الإنسان من سائر الحيوان) [المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز،لابن عطية] .
وقال السمرقندي : (عَلَّمَهُ الـبَيَان يعني : الكلام، ويقال : يعني: الفَصَاحة، ويقال : الفهم) [تفسير بحر العلوم ،للسمرقندى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبَويَّة :
- عن عبد الله بن عمر، قال : قدم رجلان من المشْرق فخطبا فعجب النَّاس لبَيَانِهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنَّ من الـبَيَان لسِحْرًا، أو : إنَّ بعْضَ الـبَيَان لسِحْرٌ) [رواه البخارى] .
والمراد بالبيان (اجتماع الفَصَاحة والبَلَاغة وذكاء القلب مع اللِّسان، وإنَّما شُبِّه بالسِّحر لحِدَّة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب له، يُضْرب في استحسان المنطق، وإيراد الحجَّة البالغة) [عون المعبود ،للعظيم آبادى] .
ونقل أبو هلال العسكري عن عسل بن ذكوان، أنَّه قال : (قال أبو عبد الرَّحمن: أَذَمَّ الـبَيَان أمْ مَدَحه ؟ فما أبان أحد بشيء، فقال : ذمَّه؛ لأن السِّحر تمويه، فقال : إنَّ من الـبَيَان ما يُمَوِّه الباطل، حتى يُشَبِّهه بالحقِّ، وقال غيره : بل مَدَحه؛ لأنَّ الـبَيَان من الفهم والذَّكاء .
قال أبو هلال : الصَّحيح أنَّه مَدَحه، وتسميته إياه سِحْرًا، إنَّما هو على جهة التَّعجب منه، لأنَّه لما ذمَّ عمرو الزبرقان، ومدحه في حالة واحدة، وصدق في مدحه وذمِّه فيما ذَكَر، عجب النَّبي صلى الله عليه وسلم كما يعجب من السِّحر، فسمَّاه سحرًا من هذا الوجه) [جمهرة الأمثال،لأبى هلال العسكرى] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أعطيت جوامع الكلم)) [رواه مسلم] .

فوائد الفَصَاحة المحمودة :
1- الفصاحة من وسائل تبليغ الدين :
الفصاحة وسيلة مهمة من وسائل تبليغ دين الله تبارك وتعالى، لذا طلب موسى عليه السَّلام من ربِّه أن يمدَّه بأخيه هارون عليه السَّلام وعلَّل ذلك بكونه أفصح منه لسانًا. فصاحب اللِّسان الفَصِيح يقدر على إبلاغ حجَّته للنَّاس، وإيصال الحقِّ لهم .
2- القدرة على الدِّفاع عن الحقوق :
الفَصِيح أقدر وأجدر في الدِّفاع عن حقِّه، وانتزاعه من المعتدين، وذلك إذا كان الميدان ميدان حِجَاج وكلام، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذمَّ من كانت بلاغته وبيانه سببًا في أن يقضى له بما ليس له بحق، فلا شك أنَّ هذه الفصاحة والبلاغة إذا أدت إلى الوصول للحق تكون حينئذ محمودة، وإلا كانت مذمومة .
قال المناوي في شرح حديث : ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)) [رواه البخارى ومسلم] قال : (أَلْحَن - بفتح الحاء - : الفَطانَة، أي : أبْلغ وأفْصح، وأعلم في تقرير مقصوده، وأفْطن ببيان دليله، وأقدر على البَرْهنة على دفع دعوى خصمه، بحيث يُظنُّ أنَّ الحقَّ معه) [فيض القدير] .

3- الفصاحة وسيلة لمعرفة إعجاز القرآن :
يقول أبو هلال العسكري : (أنَّ أحقَّ العلوم بالتعلُّم، وأولاها بالتحفُّظ- بعد المعرفة بالله جلَّ ثناؤه- علم البَلَاغة، ومعرفة الفَصَاحة، الذي به يُعرف إعجاز كتاب الله تعالى، النَّاطق بالحقِّ، الهادي إلى سبيل الرَّشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحَّة النُّبوَّة، التي رفعت أعلام الحقِّ، وأقامت منار الدِّين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حُجُب الشكِّ بيقينها، وقد علمنا أنَّ الإنسان إذا أغفل علم البَلَاغة، وأخلَّ بمعرفة الفَصَاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصَّه الله به من حُسْن التأليف، وبراعة التَّركيب، وما شَحَنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللَّطيف؛ وضمَّنَه من الحلاوة، وجلَّله من رَوْنَق الطَّلاوة، مع سهولة كَلِمِه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها، وتحيَّرت عقولهم فيها... [الصناعتين :الكتابة والشعر] .

أقسام الفَصَاحة :
الفَصَاحة قسمان :
1- (راجعٌ على المعنى، وهو خُلُوص الكلام عن التَّعقيد... وهو أن يُعَثِّر صاحبه فكرَك في مُتَصَرَّفه، ويَشِيك طريقك على المعنى، ويُوعِر مذهبك نحوه، حتى يُقَسِّم فكرك، ويشعِّب ظنَّك على أن لا تدري من أين تتوصَّل، وبأيِّ طريق معناه يتحصَّل .
2- وراجعٌ على اللَّفظ، وهو أن تكون الكلمة عربيَّة أصليَّة، وعلامة ذلك :
أن تكون على أَلْسِنة الفُصَحاء من العرب -الموثوق بعربيَّتهم- أَدْور، واستعمالهم لها أكثر، لا ممَّا أحدثها المولدون، ولا ممَّا أخطأت فيه العامَّة، وأن تكون أَجْرَى على قوانين اللُّغة، وأن تكون سليمة عن التَّنافر) [مفتاح العلوم للسكاكى] .
الوسائل المعينة على اكتساب الفَصَاحة : 1- الإكثار من قراءة القرآن وحفظه، فهو أفصح كلام وأكمله، ومِنْ أكثر من قراءة القرآن انطلق لسانه فَصَاحةً، واكتسى كلامه عذوبة، وتزيَّنت عباراته بالبَلَاغة . 2- حِفْظ أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم والإكثار من قراءتها، فهو أفصح النَّاطقين بالضَّاد قاطبة .
3- تعلُّم النَّحو وقواعد العربيَّة، والبعد عن اللَّحن في الكلام .
4- تعلُّم علم البَلَاغة وقواعده من معان وبيان وبَدِيع، ومحاولة استخدامه أثناء الكتابة أو الكلام .
5- مُجَالسة الفُصَحَاء ومُعَاشرتهم، وهذا من أفضل طرق اكتساب الفَصاحة والبَيان، فإنَّ الجليس يأخذ من أخلاق وطِبَاع جليسه حتى في كلامه .
نماذج من فصاحة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
قال السيوطي : (أفصحُ الخَلْق على الإطلاق سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيب ربِّ العالمين جلَّ وعلا) .
و(قال الخطابي : ... ومن فَصَاحَته أنَّه تكلَّم بألفاظ اقتضبها، لم تُسْمع من العرب قبله، ولم توجد في متقَدِّمِ كلامها، كقوله : مات حَتْفَ أنفه ، وحَمِي الوَطِيس، ولا يُلدغ المؤمن من جُحر مرتين) [المزهر فى علوم اللغة وأنواعها ،للسيوطى] .
نماذج من فصاحة الصَّحابة رضي الله عنهم :
فَصَاحة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
عن هشام بن عروة، قال عبيد الله، أظنُّه عن أبيه، قال : (لما وَلِيَ أبو بكر، خطب النَّاس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال : أمَّا بعد، أيُّها النَّاس، قد وُلِّيت أمركم، ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن، وسنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم السُّنن فعَلَّمنا فعَلِمنا،اعلموا أنَّ أَكْيَس الكَيْس: التَّقوى، وأنَّ أَحْمَق الحُمْق : الفجور، وأنَّ أقواكم عندي الضَّعيف، حتى آخذ له بحقِّه، وأنَّ أضعفكم عندي القويُّ، حتى آخذ منه الحقَّ. أيُّها النَّاس، إنَّما أنا متَّبع ولست بمبتدع، فإنْ أحسنت فأعينوني، وإنْ زِغْتُ فقوِّموني) [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .
فَصَاحة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
خطب عمر رضي الله عنه فقال بعد ما حمد الله، وأثنى عليه، وصلَّى على النَّبي صلى الله عليه وسلم : (أيها النَّاس، إنَّ بعض الطَّمع فَقْر، وإنَّ بعض اليأس غِنى، وإنَّكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجَّلون في دار غرور، كنتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تُؤْخَذون بالوحي، فمن أَسَرَّ شيئًا، أُخِذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا، أُخِذ بعلانيته، فأَظْهِروا لنا أَحْسَن أخلاقكم، والله أعلم بالسَّرائر، فإنَّه مَنْ أَظْهَر شيئًا، وزعم أنَّ سريرته حسنة، لم نصدِّقه، ومن أَظْهَر لنا علانية حسنة، ظننَّا به حسنًا، واعلموا أنَّ بعض الشُّح شُعبة من النِّفاق، فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يُوق شحَّ نفسه، فأولئك هم المفلحون. أيُّها النَّاس، أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم، واتَّقوا الله ربَّكم، ولا تلبسوا نساءكم القَبَاطي، فإنَّه إن لم يَشِفَّ فإنَّه يَصِف. أيُّها النَّاس، إنِّي لوددت أن أنجو كفافًا ، لا لي ولا عليَّ، وإنِّي لأرجو إنْ عُمِّرت فيكم يسيرًا أو كثيرًا، أنْ أعمل بالحقِّ فيكم -إن شاء الله-، وألَّا يبقى أحد من المسلمين - وإن كان في بيته - إلَّا أتاه حقُّه ونصيبه من مال الله، ولا يعمل إليه نفسه، ولم ينصب إليه يومًا، وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولَقَليل في رِفْق، خيرٌ من كثير في عُنْف، والقتل حَتْف من الحُتُوف، يصيب البرَّ والفاجر، والشَّهيد من احتسب نفسه، وإذا أراد أحدكم بعيرًا فليعمد إلى الطَّويل العظيم فليضربه بعصاه، فإنْ وجده حديد الفؤاد فليشتره) [ذكر بعضه الوراق فى أنساب الأشراف] .
أقوالٌ وأمثالٌ وحِكَمٌ في الفَصَاحة :
- قال العاص بن عدي : (الشَّجَاعَة قلب رَكِين، والفَصَاحة لسان رَزِين) [الصناعتين :الكتابة والشعر،لأبى هلال العسكرى] .
- وقال يحيى بن خالد : (ما رأيت رجلًا قطُّ إلا هبته حتى يتكلَّم، فإنْ كان فَصِيحًا، عَظُم في صدري، وإنْ قصَّر سقط من عيني) [الصناعتين :الكتابة والشعر،لأبى هلال العسكرى] .
- وقيل : (من عُرف بفَصَاحة اللِّسان، لحظته العيون بالوَقَار) [المستطرف،للأبشيهى] .
- وقال محمَّد بن سيرين : (ما رأيت على رجل أجمل من فَصَاحة) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:16 am



" الفِطْنَة والذَّكاء "

الفِطْنَة في الكتاب والسُّنَّة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله - تعالي - : " وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ " [الأنبياء: 78-81] .
- عن ابن مسعود في قوله : " وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ " قال : كَرْمٌ قد أنبتت عَنَاقيده، فأفسدته، قال : فقضى داود بالغنم لصاحب الكَرْم، فقال سليمان : غير هذا يا نبي الله ! قال : وما ذاك ؟ قال : تَدْفَع الكَرْم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكَرْم، فيصيب منها، حتى إذا كان الكَرْم كما كان، دفعت الكَرْم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله : " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ " [تفسير ابن كثير] .
- قَرَأَ الحسن : (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا فحَمَد سليمان، ولم يَلُم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين، لرأيت أنَّ القضاة هلكوا، فإنَّه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده) [رواه البخارى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ((خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس، وقال : إنَّ الله خيَّر عبدًا بين الدُّنْيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخَيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ أمنَّ النَّاس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا - غير ربِّي - لاتَّخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودَّته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
قال ابن الجوزي : (هذا الحديث قد دلَّ على فِطْنَة أبي بكر، إذْ عَلِم أنَّ المخَيَّر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم) [كشف المشكل من حديث الصحيحين،لابن الجوزى] .
- عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ من الشَّجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنَّها مَثَل المسلم، فحدِّثوني ما هي ؟ فوقع النَّاس في شجر البوادي، قال عبد الله : ووقع في نفسي أنَّها النَّخلة، فاستحييت، ثم قالوا : حدِّثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال : فقال : هي النَّخلة، قال : فذكرت ذلك لعمر، قال : لأن تكون قلت : هي النَّخلة، أحبُّ إليَّ من كذا وكذا)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

من فوائد الفِطْنَة :
1- أنَّها تدلُّ العبد على حكم الله وسننه الشَّرعية والكونيَّة، فتبصِّره بها، كما أنَّها تدعوه إلى التَّفكر في آلاء الله، فيزداد خشوعًا لله وتعظيمًا له، وإيمانًا ويقينًا به .
قال علي رضي الله عنه : (اليقين على أربع شعب: تبصرة الفِطْنَة، وتأويل الحِكْمة، ومعرفة العبرة، وسنَّة الأولين، فمن تبصَّر الفِطْنَة، تأوَّل الحِكْمة، ومن تأوَّل الحِكْمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنَّما كان في الأوَّلين) [موضح أوهام الجمع والتفريق،للخطيب البغدادى] .
2- الفطنة من أسباب السلامة والخروج من المآزق .

3- الفطن ينتفع بفطنته، وينتفع بها غيره، ويفيدون منها .
4- ومن فوائدها وفضائلها - في نفس الوقت - : أنَّها ميَّزت هذه الأمَّة عن سواها، قال ابن الجوزي : (اعلم أنَّ فضيلة هذه الأمَّة على الأمم المتقدِّمة، وإنْ كان ذلك باختيار الحقِّ لها وتقديمه إيَّاها، إلَّا أنَّه جعل لذلك سببًا، كما جعل سبب سجود الملائكة لآدم علمه بما جهلوا، فكذلك جعل لتقديم هذه الأمَّة سببًا هو الفِطْنَة والفهم واليقين وتسليم النُّفوس) [التبصرة ،لابن الجوزى] .
ولا يعني هذا أنَّ هذه الأمَّة اختصت بالفِطْنَة دون غيرها من الأمم، وإنَّما المقصود هو : أنَّ الله حباهم من الفِطْنَة ما يميِّزون به بين الحقِّ والباطل، والخير والشَّرِّ، والهداية والضَّلال .

أقسام الفِطْنَة :
تنقسم الفِطْنَة إلى قسمين :
1- فِطْنَة موهوبة من الله - تبارك وتعالى - يهبها الله من يشاء من عباده، فينير بصيرته، ويُفَهِّمه ما لا يفهم غيره، فتراه قويَّ الملاحظة، سريع الفهم، نافذ البصيرة، ذكيَّ القلب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم .
2- فِطْنَة مكتسبة تجريبيَّة تتحصَّل للمرء باجتهاده، وكثرة تجاربه، ومعاشرته لأهل العلم والذَّكاء والفِطْنَة والاستفادة منهم ومن تجاربهم، فيتولَّد عنده من الذَّكاء والفِطْنَة ومعرفة الأمور ما لم يكن لديه. ولعلَّنا نستشهد بقول الإبشيهي عن العقل الغريزيِّ والعقل المكتسب، باعتبار أنَّ العقل هو مصدر الفِطْنَة ومحلُّ الذَّكاء، قال الإبشيهي : (العقل : ينقسم إلى قسمين : قسم لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، وقسم يقبلهما، فأمَّا الأوَّل : فهو العقل الغريزيُّ المشترك بين العقلاء، وأما الثَّاني : فهو العقل التجريبيُّ، وهو مكتسب، وتحصل زيادته بكثرة التَّجارب والوقائع، وباعتبار هذه الحالة، يقال : أنَّ الشَّيخ أكمل عقلًا، وأتمُّ دِرَاية، وإنَّ صاحب التَّجارب، أكثر فهمًا وأرجح معرفة) [المستطرف
،للأبشيهى] .
من الوسائل المعينة على اكتساب الفِطْنَة :
1- الإيمان :
الإيمان طريق عظيم من طرق اكتساب الفِطْنَة، يقول الطَّاهر بن عاشور : (الإيمان يزيد الفِطْنَة؛ لأنَّ أصول اعتقاده مبنيَّة على نَبْذ كلِّ ما من شأنه تضليل الرَّأي، وطمس البصيرة) [التحرير والتنوير لابن عاشور] .
ومن وسائل اكتسابها - أيضًا - : التَّفقُّه في الدِّين، وطلب العلم الذي ينير البصيرة، ويُعْمِل الفِكَر، وينمِّي الفِطْنَة .
2- إعمال الفكر ومحاولة الفهم :
ومن الوسائل - أيضًا - : محاولة التَّفكر في الأشياء وفهمها، وإعمال الفِكْرة فيها، فإنَّ ذلك ينمِّي الفِطْنَة، يقول ابن القيِّم : (الفِكْر هو الذي ينقل من موت الفِطْنَة إلى حياة اليَقَظَة) [مفتاح دار السعادة] .
3- ترك فضول الطعام والشراب والنوم :
فإنَّ فضول هذه الأشياء تجعل الفِكْر راكدًا خاملًا، لا يكاد يَتَفَطَّن للأشياء، إلَّا بصعوبة بالغة، ومشقَّة شديدة .
قال الشَّافعي : (ما شبعت منذ ست عشرة سنة، إلا شبعة اطَّرحتها، يعني فطرحتها؛ لأنَّ الشِّبَع يثقل البدن، ويقسِّي القلب، ويزيل الفِطْنَة، ويجلب النَّوم، ويُضعف صاحبه عن العبادة) [آداب الشافعى ومناقبه،للرازى] .
وعن مكحول : (خصال ثلاث يحبُّها الله عزَّ وجلَّ وثلاث يبغضها الله عزَّ وجلَّ، فأما اللاتي يحبُّها: فقلَّة الأكل، وقلَّة النَّوم، وقلَّة الكلام، وأمَّا اللاتي يبغض: فكثرة الأكل، وكثرة الكلام، وكثرة النَّوم، فأمَّا النَّوم، فإنَّ في مداومته طول الغفلة، وقلَّة العقل، ونقصان الفِطْنَة، وسهوة القلب) [قوت القلوب ،لأبى طالب المكى] .
نماذج في فِطْنَة الأنبياء والمرسلين :
- قال ابن عبَّاس : (لما شبَّ إسماعيل، تزوَّج امرأة من جُرْهم، فجاء إبراهيم فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته، فقالت : خرج يبتغي لنا، ثمَّ سألها عن عَيْشهم، فقالت: نحن بِشَرٍّ، في ضيق وشدَّ، وشكت إليه. فقال : فإذا جاء زوجك فاقرئي - عليه السَّلام - وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء فأخبرته، قال : ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك) [رواه البخارى بنحوه] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذِّئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها : إنَّما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى : إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السَّلام فأخبرتاه، فقال : ائتوني بالسِّكِّين أشقُّه بينكما، فقالت الصُّغرى : لا، يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصُّغرى)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن الجوزي : (أمَّا داود عليه السَّلام فرأى استواءهما في اليد، فقدم الكبرى لأجل السِّنِّ، وأما سليمان عليه السَّلام فرأى الأمر محتملًا، فاستنبط، فأَحْسَن، فكان أَحَدَّ فِطْنَةً من داود، وكلاهما حَكَم بالاجتهاد، لأنَّه لو كان داود حكم بالنَّص، لم يسع سليمان أن يحكم بخلافه، ولو كان ما حَكَم به نصًّا، لم يَخْفَ على داود .
وهذا الحديث يدل على أنَّ الفِطْنَة والفهم موهبة لا بمقدار السِّنِّ) [كشف المشكل من حديث الصحيحين،لابن الجوزى] .
نماذج في فِطْنَة النَّبي صلى الله عليه وسلم الفِطْرِيَّة :
- أنَّ علقمة بن وائل حدَّثه؛ أنَّ أباه حدَّثه، قال : (إنِّي لقاعد مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل يقود آخر بِنِسْعَةٍ، فقال : يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ فقال : إنَّه لو لم يعترف أقمت عليه البيِّنة،قال : نعم، قتلته،قال : كيف قتلته ؟ قال : كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبَّني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم : هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك ؟ قال : ما لي مال إلا كسائي وفأسي، قال : فترى قومك يشترونك ؟ قال : أنا أهون على قومي من ذاك ، فرمى إليه بِنِسْعَةٍ، وقال : دونك صاحبك، فانطلق به الرَّجل، فلما ولَّى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنْ قتله فهو مثله، فرجع فقال : يا رسول الله، إنَّه بلغني أنَّك قلت : إنْ قتله فهو مثله، وأخذته بأمرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك، قال : يا نبي الله، - لعلَّه قال - بلى. قال : فإنَّ ذاك كذاك. قال: فرمى بنِسْعَته، وخلَّى سبيله) [رواه مسلم] .
قال ابن قتيبة: (لم يُرِد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه مثله في المأثم، واستيجاب النَّار إن قتله، وكيف يريد هذا وقد أباح الله عزَّ وجلَّ قتله بالقصاص، ولكن كَرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتصَّ، وأحبَّ له العفو، فعرَّض تعريضًا أوهمه به أنَّه إن قتله كان مثله في الإثم، ليعفو عنه، وكان مراده : أنَّه يقتل نفسًا كما قتل الأوَّل نفسًا، فهذا قاتل وهذا قاتل، فقد استويا في قاتل وقاتل، إلَّا أنَّ الأوَّل ظالم، والآخر مُقْتَصٌّ) [الأذكياء ،لابن الجوزى] .

نماذج في فِطْنَة الصَّحابة رضي الله عنهم :
فِطْنَة أبي بكر رضي الله عنه :  

- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس، وقال Sad(إنَّ الله خيَّر عبدًا بين الدُّنْيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله)) قال : فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخَيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا لأرواه البخارى] .
قال ابن الجوزي : (هذا الحديث قد دلَّ على فِطْنَة أبي بكر، إذْ عَلِم أنَّ المخَيَّر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم) [كشف المشكل من حديث الصحيحين،لابن الجوزى] .
فِطْنَة عمر رضي الله عنه :
- عن أسلم عن أبيه قال : (قَدِمَت على عمر بن الخطَّاب حُلَلٌ من اليمن، فقسَّمها بين النَّاس، فرأى فيها حُلَّة رديئة، فقال كيف أصنع بهذه، إذا أعطيتها أحدًا، لم يقبلها إذا رأى هذا العيب فيها، قال: فأخذها فطواها، فجعلها تحت مجلسه، وأخرج طرفها، ووضع الحُلَل بين يديه، فجعل يقسم بين النَّاس، قال فدخل الزُّبير بن العوَّام، وهو على تلك الحال، قال : فجعل ينظر إلى تلك الحلَّة، فقال له : ما هذه الحلَّة ؟ قال عمر : دع هذه عنك، قال : ما هيه ؟ ما هيه ؟ ما شأنها ؟ قال : دعها عنك. قال : فأعطنيها، قال : إنَّك لا ترضاها، قال : بلى، قد رضيتها. فلمَّا توثَّق منه، واشترط عليه أن يقبلها ولا يردَّها، رمى بها إليه، فلمُّا أخذها الزُّبير ونظر إليها، إذا هي رديئة، فقال : لا أريدها، فقال عمر : هيهات، قد فرغت منها، فأجازها عليه، وأبى أن يقبلها منه) [الأذكياء ،لابن الجوزى] .
- وعن جرير (عن عمر قال له - لجرير - والنَّاس يتحامون العراق وقتال الأعاجم - : سِر بقومك، فما قد غلبت عليه فلك ربعه، فلمَّا جُمِعت الغنائم - غنائم جلولا - ادعى جرير أنَّ له ربع ذلك كلِّه، فكتب سعد إلى عمر بذلك، فكتب عمر : صدق جرير قد قلت ذلك له، فإن شاء أن يكون قَاتَل هو وقومه على جُعْلٍ فأَعْطُوه جُعْلَه، وإن يكن إنَّما قاتل لله ولدينه ولحبيبه، فهو رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، فلمَّا قَدِم الكتاب على سعد، أخبر جرير بذلك، فقال جرير: صدق أمير المؤمنين، لا حاجة لي به، بل أنا رجل من المسلمين) [الأذكياء ،لابن الجوزى] .

نماذج في فِطْنَة العلماء :
جاء رجل إلى أبي حازم، فقال له : (إنَّ الشَّيطان يأتيني، فيقول : إنَّك قد طلَّقت زوجتك، فيشكِّكُني، فقال له : أو ليس قد طلَّقتها ؟ قال : لا.، قال : ألم تأتني أمس، فطلَّقتها عندي، فقال : والله، ما جئتك إلَّا اليوم، ولا طلَّقتها بوجه من الوجوه، قال : فاحلف للشَّيطان إذا جاءك، كما حلفت لي، وأنت في عافية) [الأذكياء ،لابن الجوزى] .


"  القناعـة "

الترغيب في القناعة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [النحل: 97] .
عن محمد بن كعبٍ في قوله تعالى : " وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " قال : القناعة [القناعة والتعفف ،لابن أبى الدنيا] .

وفسَّرها علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضًا بالقناعة [انظر :تفسير القرآن العظيم] .
و(عن الحسن البصري، قال : الحياة الطيبة : القناعة) [جامع البيان،للطبرى] .
- وقال تعالى : " إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " [النور: 32] .
قال البغوي : (قيل : الغنى : هاهنا القناعة) [معالم التأويل] وذهب إلى ذلك أيضًا الخازن [لباب التأويل] .
- وقال سبحانه : " وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ " [الحج: 36] .
قال الطبري : (وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي؛ فإنه من قنعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعًا وقنعانًا) [جامع البيان،للطبرى] .
وقال مجاهد : (القانع : جارك الذي يقنع بما أعطيته) [جامع البيان،للطبرى] .
وقال أبو إسحاق الثعلبي : (القانع من القناعة، وهي الرضا والتعفف وترك السؤال) [الكشف والبيان للثعلبى] .
وقال الرازي : (قال الفراء : والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة، يقال : قنع يقنع قناعةً إذا رضي بما قسم له وترك السؤال) [مفاتيح الغيب،للرازى] .

ثانيًا: في السنة النبوية :
- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قا ل: ((قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله)) [رواه مسلم] .
قال ابن حجر : (ومعنى الحديث : أن من اتصف بتلك الصفات حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة) [فتح البارى] . .
وقال المناوي : (رُزق كفافًا، وقنَّعه الله بالكفاف، فلم يطلب الزيادة) [فيض القدير] .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يومًا يحدث - وعنده رجلٌ من أهل البادية - أنَّ رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بلى، ولكني أحبُّ أن أزرع، قال : فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله عزَّ وجلَّ : دونك يا ابن آدم، فإنَّه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابي : والله لا نجده إلا قرشيًّا، أو أنصاريًّا، فإنهم أصحاب زرعٍ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ ،فضحك النبي صلى الله عليه وسلم)) [رواه البخارى] .
قال ابن بطال : (وقوله : دونك يا ابن آدم، لا يشبعك شيء،يدلُّ على فضل القناعة، والاقتصار على البلغة، وذمِّ الشَّرَهِ والرغبة) [شرح البخارى] .
وقال ابن حجر : (وفيه إشارةٌ إلى فضل القناعة، وذمِّ الشَّرَهِ) [فتح البارى] .

- وقال صلى الله عليه وسلم : ((اللهمَّ اجعل رزق آل محمدٍ قُوتًا )) [رواه مسلم] .
قال ابن حجر : (أي : اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذلِّ المسألة، ولا يكون فيه فضولٌ تبعث على الترفُّه والتبسُّط في الدنيا، وفيه حجةٌ لمن فضَّل الكفاف؛ لأنَّه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال) [فتح البارى] .
وقال النووي : (قال أهل اللغة العربية : القُوت ما يسدُّ الرَّمَق، وفيه فضيلة التقلل من الدنيا، والاقتصار على القوت منها، والدعاء بذلك) [شرح النووى على صحيح مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في القناعة :
- (قال عبد الله بن عباس : القناعة مال لا نفاد له) [ذكره ابن عبد ربه فى العقد الفريد] .
- (وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الرزق رزقان : فرزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك) [ذكره ابن عبد ربه فى العقد الفريد] .
- (وقال سعد بن أبي وقاص لابنه : يا بني : إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد؛ وإياك والطمع فإنه فقر حاضر؛ وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من شيء قطُّ إلا أغناك الله عنه) [رواه ابن عساكر فى تاريخ دمشق] .
- و(قال عمر بن عبد العزيز : الفقه الأكبر القناعة، وكفُّ اللسان) [أدب المجالسة وحمد اللسان،لابن عبد البر] .

- و(عن أبي سليمان أنه قال: سمعت أختي تقول: الفقراء كلهم أموات إلا من أحياه الله تعالى بعزِّ القناعة، والرضا بفقره) [صفة الصفوة،لابن الجوزى] .

- (وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول : من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد) [إحياء علوم الدين] .

من فوائد القناعة :
1- سبب لنيل محبة الله .
2- علامة كمال الإيمان .
3- تجعل الإنسان يعيش حياة هنيئة طيبة .
4- تشيع المودة، وتنشر المحبة بين الناس .
5- تكسب الإنسان قوة الإيمان، والثقة به، والرضا بما قسم .
6- سبيل لراحة النفس، والبعد عن الهموم .
7- وقاية من الغيبة ،والنَّمِيمَة، والحسد .
8- طريق موصل إلى الجنة .
9- سبب للبركة .
10- عز للنفس .

من مراتب القناعة :
قال الماوردي : (والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجهٍ :
فالوجه الأول : أن يقنع بالبلغة من دنياه، ويصرف نفسه عن التعرُّض لما سواه،وهذا أعلى منازل القناعة .
والوجه الثاني : أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية، ويحذف الفضول والزيادة. وهذه أوسط حال المقتنع .
والوجه الثالث : أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح، فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيرًا، ولا يطلب ما تعذَّر وإن كان يسيرًا، وهذه الحال أدنى منازل أهل القناعة؛ لأنها مشتركةٌ بين رغبةٍ ورهبةٍ، أما الرغبة؛ فلأنه لا يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت، وأما الرهبة؛ فلأنه لا يطلب المتعذر عن نقصان المادة إذا تعذرت) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
من موانع اكتساب القناعة :
1- الإكثار من مجالسة ذوي الأموال والمترفين .
2- طلب الزيادة عن الكفاية، والتوسع في جمع الأموال .
3- ترك قراءة القرآن الكريم وتدبُّر آياته .
4- قلة تذكر الموت والدار الآخرة .
الأسباب المعينة على اكتساب القناعة :
1- اكتفاء الإنسان بما رُزق .
2- الاطلاع على سيرة السلف الصالح، وزهدهم وقناعتهم، والاقتداء بهم .
3- الاقتصاد في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير .
4- الإلحاح في الدعاء بأنَّ يرزقه الله القناعة، كما فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم .
5- الإيمان الجازم بأنَّ الأرزاق مقدرة مقسومة .
6- تعويد النفس على القناعة، والبعد عن الحرص والطمع .
7- تقوية الإيمان بالله تعالى .

8- تذكر الموت وزيارة القبور .

نماذج من قناعة النبي صلى الله عليه وسلم :
كان النبي صلى الله عليه وسلم قنوعًا زاهدًا، فكان من أبعد الناس عن ملذات الدنيا، وأرغبهم إلى الآخرة، وقد خيره ربه جلَّ وعلا بين الدنيا، وأن يعيش فيها ما شاء، وبين الآخرة، فاختار الآخرة وما عند الله، وخيَّره أن يكون ملكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا .
- قال عمر رضي الله عنه : ((دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجعٌ على حصيرٍ، فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيقٌ معلقٌ، قال : فابتدرت عيناي، قال : ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟ قلت : يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصفوته، وهذه خزانتك، فقال : يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟ قلت : بلى...)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اللهم ارزق آل محمد قوتًا)) [رواه مسلم] .

- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ((كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدم وحشوه ليف)) [رواه الخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .

نماذج من قناعة الصحابة رضي الله عنهم :
- عن أبي العالية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((من يكفل لي أن لا يسأل أحدًا شيئًا، وأتكفل له بالجنة ؟ فقال ثوبان : أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
- وعن أبي هريرة، قال : (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجلٌ عليه رداءٌ، إما إزارٌ وإما كساءٌ، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن تُرى عورته) [رواه البخارى] .
قال الحافظ ابن حجر : (قوله : لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، يُشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضًا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة) [فتح البارى] .

نماذج في القناعة عند السلف :
- (ورث داود الطائي من أبيه دارًا ودنانير، فكان كلما خرب في الدار بيت انتقل إلى غيره ولم يعمره، ولم يزل يتقوت بالدنانير حتى كفن في آخرها) [ربيع الأبرار،للزمخشرى] .
- (وقال زمعة بن صالحٍ : كتب إلى أبي حازمٍ بعض بني أمية يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه، فكتب إليه : أما بعد، فقد جاءني كتابك تعزم علي أن أرفع إليك حوائجي، وهيهات، قد رفعت حوائجي إلى ربي، ما أعطاني منها قبلت، وما أمسك علي منها قنعت) [القناعة،لابن السنى] .
مواعظ حول القناعة :
موعظة عمر بن عبد العزيز في القناعة :
(قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : من وعظ أخاه بنصيحةٍ له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله، فإنها نصيحةٌ لكم في دينكم فاقبلوها، وموعظةٌ منجيةٌ من العواقب فالزموها، فالرزق مقسومٌ، ولن يعدو المرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإنَّ في القنوع سعةً وبلغةً، وكفًّا عن كَلَفةٍ، لا يحل الموت في أعناقكم، وجهته أيامكم، وما ترون ذاهبٌ، وما مضى كأن لم يكن، وكل ما هو آتٍ قريبٌ، أما رأيتم حالات المنيب وهو يشرف ويعد فراغه، وقد ذاق الموت وعائلهم تعجيل إخراج أهله إياه من داره إلى قبره، وسرعة انصرافهم إلى مسكنه، وجهه مفقودٌ، وذكره منسي، وبابه عن قليلٍ مهجورٌ، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا يومًا لا تخفى فيه مثقال حبةٍ في الموازين) [القناعة والتعفف،لابن أبى الدنيا] .

أقوال الأدباء والحكماء في القناعة :
- قال أكثم بن صيفي : من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة .

- وقال بعض الحكماء : ما فوق الكفاف إسرافٌ .

- وقال بعض البلغاء : من رضي بالمقدور قنع بالميسور) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- (وقال بعض الحكماء: الرضى بالكفاف يؤدي إلى العفاف) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .


" كتمان السِّر "

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى حكايةً عن كتمان يوسف عليه السلام للرؤيا التي رآها بأمر من أبيه : " قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " [يوسف: 5] .
قال ابن كثير : (يقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قصَّ عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيمًا زائدًا، بحيث يخرُّون له ساجدين إجلالًا، وإكرامًا، واحترامًا، فخشي يعقوب عليه السلام، أن يحدِّث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدوه على ذلك، فيبغوا له الغوائل، حسدًا منهم له؛ ولهذا قال له : " يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا " [يوسف: 5] أي : يحتالوا لك حيلة يردونك فيها... ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر) [تفسير القرآن العظيم] .
وقال سبحانه في مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه : " وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ " [غافر: 28] .
ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنَّ من أشرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها)) [رواه مسلم] .
قال ابن الجوزي : (المراد بالسرِّ ها هنا : ما يكون من عيوب البدن الباطنة، وذاك كالأمانة فلزم كتمانه) [كشف المشكل من حديث الصحيحين] .

أقوال السلف والعلماء في كتمان السر :
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (سرُّك أسيرك، فإن تكلمت به، صرت أسيره) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- وقال عمرو بن العاص : (عجبت من الرجل يفرُّ من القدر، وهو مواقعه! ويرى القذاة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه ! ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه ! وما وضعت سرِّي عند أحد فلمته على إفشاءه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذراعا ؟) [صحح إسناده اللبانى فى صحيح الأدب المفرد] .
- وقال أيضًا : (ما وضعت سرِّي عند أحد أفشاه عليَّ فلمته، أنا كنت أضيق به حيث استودعته إياه) [رواه ابن ابى الدنيا فى الصمت] .
- وأسرَّ معاوية رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة حديثًا، فقال لأبيه : (يا أبت، إن أمير المؤمنين أسرَّ إليَّ حديثًا، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به؛ فإنَّ من كتم سرَّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، قال : قلت : يا أبت، وإنَّ هذا ليدخل بين الرجل وبين أبيه ؟ قال : لا والله يا بني، ولكن أحبُّ أن لا تذلل لسانك بأحاديث السرِّ، فأتيت معاوية رضي الله عنه فحدثته، فقال : يا وليد، أعتقك أخي من رقِّ الخطأ) [رواه ابن ابى الدنيا فى الصمت] .

- وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : (القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلُّ امرئ مفتاح سرِّه) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .

فوائد كتمان السر :
1- حفظ الأسرار من علامات المروءَة والنبل .
2- من أعظم أسباب النصر على الأعداء .
3- درء مفسدة الحقد والحسد .
4- تُقَوِّي الصِّلة بين الإخوة .

صور كتمان السر :
لا شك أن الأصل في السِّر كتمانه وعدم إفشائه ويستثنى من هذا الأصل بعض المجالس التي لا حرمة لأسرارها .
1- كتمان قضاء الحاجات :
من يريد أن يقوم بعمل ما، عليه أن يكتمه وأن لا يحدث به كل أحد حتى يقوم بإكماله .

2- كتمان الأسرار الزوجية :
كتمان الأسرار الزوجية من الأمور (التي يجب حفظها وعدم إفشائها... فهو أولًا : حق المرأة في عدم إفشاء ما يكون منها لزوجها، وهو ثانيًا : حق الآداب الإسلامية العامة التي توصي بستر مثل هذه الأمور، فالمرء مستأمن عليها من جهتين، جهة الآداب الإسلامية، وجهة صاحب الحق الخاص) [الأخلاق الإسلامية ،لعبد الرحمن الميدانى] .
فعن أبي سعيد الخدرى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) [رواه مسلم] .
3- كتمان أسرار الدولة :
لا شك أن الدول تكون لها أسرارها التي لا ينبغي كشفها أو اطلاع أحد عليها، وخاصة الأسرار الحربية، وقد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يكتم الأسرار، ومنها ما يتعلق بالأسرار الحربية والعسكرية، فكان من هديه إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .

وأرسل سرية بقيادة عبد الرحمن بن جحش ((وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به صلى الله عليه وسلم، ولا يستكره من أصحابه أحدًا فلما سار بهم يومين فتح الكتاب، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، وترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر في الكتاب قال : سمعًا وطاعةً، وأخبر أصحابه بما في الكتاب وقال : قد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد) [رواه ابن هشام فى السيرة النبوية] .

نماذج من كتمان السِّر في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- في غزوة فتح مكة المكرمة بلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق عامل الكتمان حد الرَّوعة، حتى ليمكن اعتبار هذه الغزوة مثالًا من أعظم أمثلة التاريخ العسكري في تطبيق الكتمان إلى أبعد الحدود .
وأمر أهله أن يجهزوه، ولكنه لم يخبر أحدًا من المسلمين في الداخل أو الخارج بنياته، وأهدافه من حركته واتجاهها، بل أخفى نياته وأهدافه واتجاه حركته حتى عن أقرب المقربين إليه، ولما اقترب موعد الحركة صرَّح الرسول صلى الله عليه وسلم بأنَّه سائر إلى مكة المكرمة، ولكنه بث عيونه وأرصاده؛ ليحول دون وصول أخبار اتجاه حركته إلى قريش، وبعث حاطب بن أبي بلتعة رسالة أعطاها امرأة متوجهة إلى مكة المكرمة، أخبرهم في تلك الرسالة بنيات المسلمين في التوجه إلى فتح مكة المكرمة[دروس فى الكتمان من الرسول القائد،لحمود شيت] فعن عبيد الله بن أبي رافع، قال : سمعت عليًّا رضي الله عنه، يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير، والمقداد بن الأسود، قال : ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا : أخرجي الكتاب. فقالت : ما معي من كتاب، فقلنا : لتخرجنَّ الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها ،فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا حاطب ما هذا ؟ قال : يا رسول الله، لا تعجل عليَّ إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد صدقكم، قال عمر : يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال : إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطَّلع على أهل بدر، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) [رواه البخارى ومسلم] .

نماذج للصحابة في كتمان السِّرِّ :
- روى البخاري عن عبد الله بن عمر، أنَّ عمر رضي الله عنه حين تأيمت بنته حفصة من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرًا، توفي بالمدينة، قال عمر : ((فلقيت عثمان ابن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال : سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال : قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر : فلقيت أبا بكر، فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت عليَّ حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك ؟ قلت : نعم، قال : فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها)) [رواه البخارى] .
- وعن عائشة قالت : ((كنَّ أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فلما رآها رحَّب بها فقال : مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديدًا، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت، فقلت لها : خصَّك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها، ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرَّه. قالت : فلما تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت عزمت عليك بما لي عليك من الحقِّ لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني : أن جبريل كان يعارضه القرآن في كلِّ سنة مرة أو مرتين، وإنَّه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية، فقال : يا فاطمة، أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ؟ قالت : فضحكت ضحكي الذي رأيت)) [رواه البخارى ومسلم] .

صفات أمين السرِّ :
ذكر الماوردي بعض الصفات التي يلزم أن تتوفر في الشخص الذي يُؤتمن على السرِّ، فقال :
1- (أن يكون ذا عقل صاد .
2- ودين حاجز .
3- ونصح مبذول .
4- وود موفور .
5- وكتومًا بالطبع .
فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة، وتوجب حفظ الأمانة) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:18 am



" كَظْـم الغَيْــظ "

الترغيب في كَظْم الغَيْظ :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ " [آل عمران: 133-134] .
قال ابن عاشور : (الكاظمين الغَيْظ ، وكَظْم الغَيْظ : إمسَاكه، وإخفاؤه حتى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كَظْم القِرْبة إذا مَلَأَها وأمسك فَمَها، قال المبرِّد : فهو تمثيلٌ للإمْسَاك مع الامتلاء، ولا شكَّ أنَّ أقوى القُوَى تأثيرًا على النَّفس القُوَّة الغَاضِبة، فتشتهي إظهار آثار الغَضَب، فإذا استطاع إمْسَاك مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلَّ ذلك على عزيمةٍ راسخةٍ في النَّفس، وقهر الإرادة للشَّهوة، وهذا من أكبر قُوى الأخلاق الفاضلة) [التحرير والتنوير] .
قال الطِّيبي : (وإنَّما حُمِد الكَظْم؛ لأنَّه قَهْر للنَّفس الأمَّارة بالسُّوء، ولذلك مدحهم الله- تعالى- بقوله : " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " [آل عمران: 134] ومن نهى النَّفس عن هواه، فإنَّ الجنَّة مأواه، والحور العين جزاءه . قلت : وهذا الثَّناء الجميل، والجزاء الجزيل إذا ترتَّب على مجرَّد كَظْم الغَيْظ، فكيف إذا انضَمَّ العَفو إليه، أو زاد بالإحسان عليه) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح،للقارى] .
- قال الله تعالى : " وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " [فصِّلت: 34-35] .
قال الزَّجَّاج : (وما يُلَقَّى هذه الفِعلة وهذه الحالة -وهي دفع السَّيئة بالحسنة- إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا على كَظْم الغَيْظ، واحتمال المكروه) [التفسير الوسيط،للواحدى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((ليس الشَّديد بالصُّرَعَة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغَضَب)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّوويُّ : (فيه كَظْم الغَيْظ، وإمْسَاك النَّفس عند الغَضَب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة) [شرح النووى على مسلم] .
قال المناوي : (... ((ليس الشَّديد بالصُّرَعَة)). بضمٍّ، فَفَتْح، مَن يَصْرَع النَّاس كثيرًا، أي : ليس القَوِيُّ من يقدر على صَرْع الأبطال مِن الرِّجال ((إنَّما الشَّديد)). على الحقيقة، الذي يملك نفسه عند الغَضَب .
أي : إنَّما القوىُّ - حقيقةً - الذي كَظَم غَيْظَه عند ثَوَرَان الغَضَب، وقاوَم نفسه، وغَلَب عليها، فحوَّل المعنى فيه من القُوَّة الظَّاهرة إلى الباطنة) [التيسير بشرح الجنع الصغير،للمناوى] .
- عن ابن عمر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما من جَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله، مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كظمها عبد ابتغاء وجه الله)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .
والمعنى : (ما مِن جَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله تعالى مِن جَرْعَة غَيْظٍ، كَظَمَها عبدٌ، مع القُدْرَة على التَّنفيذ، شبَّه جَرْع غَيْظِه وردَّه إلى باطنه بتجرُّع الماء، وهي أحبُّ جَرْعةٍ يتجرَّعها العبد، وأعظمها ثوابًا، وأرفعها درجةً لحَبْس نفسه عن التَّشَفِّي، ولا يحصل هذا العِظَم إلَّا عند القُدْرة على الانتقام، وبكفِّ غضبه لله تعالى، ابتغاء وجه الله تعالى)[فيض القدير ،للمناوى] .

أقوال السَّلف والعلماء في كَظْم الغَيْظ :
- قال عمر بن الخطَّاب : (مَنْ خاف الله لم يَشْفِ غَيْظه، ومَنْ اتَّقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون) [أحكام القرآن للجصاص] .
- وقال ابن عبد البر : (مَن كَظَم غَيْظَه وردَّ غَضَبه، أخزى شيطانه، وسَلِمت مروءته ودينه) [التمهيد ،لابن عبد البر] .
قال الرَّاغب : (الكَظْم يدفع محذور النَّدم، كالماء يُطفئ حرَّ الضَّرم ، كَظْمٌ يتردَّد في حلقي، أحبُّ إليَّ من نقص أجده في خُلُقي) [محاضرات الأدباء] .
- وقيل : (اصبر على كَظْم الغَيْظ، فإنَّه يُورث الرَّاحة، ويؤمِّن السَّاحة) [صبح الأعشى،للقلقشندى] .
- وقال علي رضي الله عنه : (دُمْ على كَظْم الغَيْظ تُحْمد عواقبك) [روض الأخيار،للأماسى] .

من فوائد كَظْم الغَيْظ  :
1- اعتداد الجنَّة له بجعل صاحبه معدًّا ومهيئًا للجنَّة :
قال الله تعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ " [آل عمران: 133-134] .

2- خضوع العدو وتعظيمه للذي يكظم غيظه :
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [المؤمنون: 96] قال : الصَّبر عند الغَضَب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عظَّمهم عدوُّهم، وخضع لهم .

3- سببٌ في دفع الإساءة بالإحسان، والمكروه بالمعروف، والقهر باللُّطف :
قال الله تعالى : " وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " [فصِّلت: 34-35] .

من الوسائل المعينة على كَظْم الغَيْظ :
1- أن يعرف المرء الأجر المترتِّب على كَظْم الغَيْظ والعفو عن المخطئين، ويستشعر أنَّه بذلك يطلب الأجر والثَّواب من عند الله تبارك وتعالى .
2- إنَّ رحمة المخطئ والشَّفقة عليه داعيةٌ لكَظْم الغَيْظ، وإخماد نار الغَضَب، وهذا السَّبب قد بيَّنه القرآن الكريم، حيث قال الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " [آل عمران: 159] .
3- من الأسباب كذلك أن يربِّي المؤمن نفسه على سعة الصَّدر، فإنَّ سعة الصَّدر تحمل الإنسان على الصَّبر في حال الغَضَب، والعفو عند المقدرة، لذا قيل - قديمًا - : (أحسن المكارم؛ عفو المقْتدر، وجود المفْتقر) [صيد الأفكار،لحسين بن محمد المهدى] وقبل ذلك قول الله تبارك وتعالى : " وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " [الشُّورى: 43] .

4- ومن ذلك أيضًا : تعويد النَّفس وتدريبها على خُلُق الصَّبر، فهو خير معين في مواقف الغَضَب .
5- ومن الأسباب أيضًا: أن يقطع المرء الملاحاة والجدل في مواقف الخصومة، وأن لا يتمادى في السُّباب والشَّتائم، فقد حُكي أنَّ رجلًا قال لضرار بن القعقاع : (والله لو قلت واحدة؛ لسمعت عشرًا ! فقال له ضرار : والله لو قلت عشرًا؛ لم تسمع واحدة) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .
6- أن يقدِّم المرء مصلحة الاجتماع والأُلفة على الانتقام للنَّفس؛ فإنَّ ذلك يحمِله على كَظم غَيْظه، والتَّنازل عن حقِّه، ولهذا أثنى النَّبي صلى الله عليه وسلم على الحسن رضي الله عنه بقوله : ((ابني هذا سيِّدٌ، ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))  [رواه البخارى] .

نماذج في كَظْم الغَيْظ من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال : ((كنت أمشي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجذبه جذبةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النَّبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت به حاشية الرِّداء من شدَّة جذبته، ثمَّ قال : مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثمَّ أمر له بعطاء)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّوويُّ : (فيه احتمال الجاهلين، والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السَّيئة بالحسنة، وإعطاء من يُتألَّف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرةٍ -لا حدَّ فيها- بجهله، وإباحة الضَّحك عند الأمور التي يُتعجَّب منها في العادة، وفيه كمال خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحِلمه وصفحه الجميل) [شرح النووى على مسلم] .
- عن عائشة رضي الله عنها، زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم : ((هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدُّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال : إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني مَلَك الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال : يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطْبِق عليهم الأَخْشَبَين ؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
قال ابن حجر : (وفي هذا الحديث: بيان شفقة النَّبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافقٌ لقوله تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ " [آل عمران: 159] وقوله : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " [الأنبياء: 107]) [فتح البارى] .

نماذج في كَظْم الغَيْظ من حياة الصَّحابة رضي الله عنهم :
أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
- عن أبي برزة قال : (كنت عند أبي بكر رضي الله عنه، فتغيَّظ على رجلٍ، فاشتدَّ عليه، فقلت : تأذن لي يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرب عنقه ؟ قال : فأذهبت كلمتي غضبه، فقام، فدخل، فأرسل إليَّ، فقال : ما الذي قلت آنفًا ؟ قلت : ائذن لي أضرب عنقه، قال : أكنت فاعلًا لو أمرتك ؟ قلت : نعم، قال : لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم ) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] قال أحمد بن حنبل : (أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلَّا بإحدى الثَّلاث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفرٌ بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، وكان للنَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل .
قلت : وفيه دليل على أن التعزير ليس بواجب، وللإمام أن يعزِّر فيما يستحق به التأديب، وله أن يعفو فلا يفعل ذلك) [معالم للخطابى] .

عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
- عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال : (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النَّفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القُرَّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير ؟ فاستأذن لي عليه، قال : سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس : فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلمَّا دخل عليه قال : هِيْ يا ابن الخطَّاب ! فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل ،فغَضِب عمر، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ : يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " [الأعراف: 199] وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله) [رواه البخارى] .

- نماذج من كَظْم الغَيْظ من حياة الأمم السَّابقة :
حبيب النَّجَّار [انظر تفسير ابن كثير] :
- قال تعالى : " قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ " [يس: 26-27] .
قال القرطبي : (وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كَظْم الغَيْظ، والحِلم عن أهل الجهل، والتَّرؤف على من أدخل نفسه في غِمار الأشرار وأهل البغي، والتَّشمُّر في تخليصه، والتَّلطُّف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشَّماتة به والدُّعاء عليه. ألَا ترى كيف تمنَّى الخير لقَتَلته، والباغين له الغوائل، وهم كفرةٌ عَبَدة أصنام) [تفسير القرطبى] .
- نماذج في كَظْم الغَيْظ من حياة السَّلف :
الفضيل بن بَزْوَان :
- عن أبي رزين قال : جاء رجل إلى الفضيل بن بَزْوَان، فقال : إنَّ فلانًا يقع فيك، فقال : لأغيظنَّ مَن أمره، يغفر الله لي وله، قيل : من أمره ؟ قال : الشَّيطان [الزهد والرقائق،لابن المبارك] .
وهب بن مُنَبِّه :
- عن جبير بن عبد الله قال : شهدت وهب بن مُنَبِّه وجاءه رجلٌ، فقال : إنَّ فلانًا يقع فيك، فقال وهب : أما وجد الشَّيطان أحدًا يستخفَّ به غيرك، قال : فما كان بأسرع من أن جاء الرَّجل، فرفع مجلسه وأكرمه [الورع،لأحمد] .

أمثالٌ وحِكمٌ في كَظْم الغَيْظ :
- كان سَلَم بن نوفل سيِّد بني كِنَانة، فوثب رجلٌ على ابنه وابن أخيه فجرحهما، فأُتي به، فقال له : ما أمَّنك من انتقامي ؟ قال : فلِمَ سوَّدناك إذًا ؟! إلَّا أن تكَظْم الغَيْظ، وتحلُم عن الجاهل، وتحتمل المكروه، فخلَّى سبيله [العقد الفريد] .

- وقال الأحنف : (قوَّة الحِلم على الغَضَب أفضل من قوَّة الانتقام) [ربيع الأبرار،للزمخشرى] .
- وقال : (كنَّا نعدُّ المروءة: الصَّبر على كَظْم الغَيْظ، ومن لم يصبر على كلمة، سمع كلمات) [ربيع الأبرار،للزمخشرى] .



" المحبَّــــة "

أهمية المحبَّة :

قال الرَّاغب : (لو تحابَّ النَّاس، وتعاملوا بالمحبَّة لاستغنوا بها عن العدل، فقد قيل : العدل خليفة المحبَّة يُستعمل حيث لا توجد المحبَّة، ولذلك عظَّم الله تعالى المنَّة بإيقاع المحبَّة بين أهل الملَّة، فقال عزَّ مِن قائل : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا " [مريم: 96] أي : محبَّة في القلوب، تنبيها على أنَّ ذلك أجلب للعقائد، وهي أفضل من المهابة؛ لأنَّ المهابة تنفِّر، والمحبَّة تؤلِّف، وقد قيل : طاعة المحبَّة أفضل من طاعة الرَّهبة، لأنَّ طاعة المحبَّة من داخل، وطاعة الرَّهبة من خارج، وهي تزول بزوال سببها، وكلُّ قوم إذا تحابُّوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عملوا، وإذا عملوا عمَّروا، وإذا عمَّروا عمَّروا وبورك لهم) [الذريعة إلى مكارم الشريعة] .

المحبة في الكتاب والسنة :

أولًا : المحبة في القرآن الكريم :

- قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا " [مريم: 96] .
(قال قتادة : ذكر لنا أنَّ كعبًا كان يقول : إنَّما تأتي المحبَّة من السَّماء .
قال : إنَّ اللَّه تبارك وتعالى إذا أحبَّ عبدًا قذف حبَّه في قلوب الملائكة، وقذفته الملائكة في قلوب النَّاس، وإذا أبغض عبدًا فمثل ذلك، لا يملكه بعضهم لبعض) [رواه يحيى بن سلام فى تفسيره] .

(وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله : " الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا " قال : حُبًّا [رواه الطبرى فى تفسيره] .

- وقال جلَّ في علاه : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي " [طه: 39] .
قال الطبري : (عن عكرمة قال : حسنًا وملاحةً، قال أبو جعفر : والذي هو أولى بالصَّواب من القول في ذلك أن يقال : إنَّ اللَّه ألقى محبَّته على موسى، كما قال جلَّ ثناؤه : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي " فحبَّبه إلى آسية امرأة فرعون، حتَّى تبنَّته وغذَّته وربَّته، وإلى فرعون، حتَّى كفَّ عنه عاديته وشرَّه. وقد قيل : إنَّما قيل : وألقيت عليك محبّةً منِّي، لأنَّه حبَّبه إلى كلِّ من رآه) [جامع البيان] .
وقال أيضًا : (قال ابن عبَّاس : حبَّبتك إلى عبادي، وقال الصِّدائي : حبَّبتك إلى خلقي، وقال آخرون : بل معنى ذلك : أي حسَّنت خلقك) [جامع البيان] .

ثانيًا : المحبة في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ((جاء رجل إلى النَّبي عليه السلام فقال : يا رسول اللَّه، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا، ولم يلحق بهم ؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : المرء مع من أحبَّ)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطال : (فدلَّ هذا أنَّ من أحبَّ عبدًا في الله، فإنَّ الله جامع بينه وبينه في جنته ومُدخِله مُدخَله، وإن قصر عن عمله، وهذا معنى قوله : (ولم يلحق بهم) يعني في العمل والمنزلة، وبيان هذا المعنى - والله أعلم - أنه لما كان المحبُّ للصالحين وإنما أحبهم من أجل طاعتهم لله، وكانت المحبَّة عملًا من أعمال القلوب واعتقادًا لها، أثاب الله معتقد ذلك ثواب الصالحين؛ إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .
وقال النووي : (فيه فضل حبِّ اللَّه ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم والصَّالحين وأهل الخير الأحياء والأموات) [شرح النووى على صحيح مسلم] .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ((أنَّ رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته، ملكًا فلمَّا أتى عليه، قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخًا لي في هذه القرية، قال : هل لك عليه من نعمة تربَّها ؟ قال : لا، غير أنِّي أحببته في الله عزَّ وجلَّ، قال : فإنِّي رسول الله إليك، بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببته فيه)) [رواه مسلم] .
قال النووي : (في هذا الحديث فضل المحبَّة في اللَّه تعالى وأنَّها سبب لحبِّ اللَّه تعالى العبد) [شرح النووى على صحيح مسلم] .
وأيضًا فيه : (دليل على عظم فضل الحب في الله والتزاور فيه) [تطريز رياض الصالحين،لفيصل المبارك] .

أقوال السلف والعلماء في المحبَّة :
- عن أبي حيَّان التيمي قال : (رؤي على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثوب كأنه كان يكثر لبسه، فقيل له فيه. فقال : هذا كسانيه خليلي وصفيِّي عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، إنَّ عمر ناصح الله فنصحه) [المصنف لابن أبى شيبة] .
- وعن مجاهد قال : (مرَّ على عبد الله بن عباس رجل فقال : إنَّ هذا يحبني، فقيل : أنَّى علمت ذلك ؟ قال : إني أحبُّه) [الإخوان لابن أبى الدنيا] .
- وعن سفيان بن عيينة، قال : (سمعت مساور الورَّاق يحلف بالله عزَّ وجلَّ ما كنت أقول لرجل إني أحبك في الله عزَّ وجلَّ فأمنعه شيئًا من الدنيا) [مكارم الأخلاق لابن أبى الدنيا] .
- وقال ابن تيمية : (إنَّك إذا أحببت الشخص لله، كان الله هو المحبوب لذاته، فكلَّما تصورته في قلبك، تصوَّرت محبوب الحق فأحببته، فازداد حبُّك لله، كما إذا ذكرت النَّبي صلى الله عليه وسلم، والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين، وتصورتهم في قلبك، فإنَّ ذلك يجذب قلبك إلى محبة الله، المنعم عليهم، وبهم، إذا كنت تحبهم لله، فالمحبوب لله يجذب إلى محبة الله، والمحبُّ لله إذا أحبَّ شخصًا لله، فإن الله هو محبوبه، فهو يحبُّ أن يجذبه إلى الله تعالى، وكلٌّ من المحبِّ لله والمحبوب لله يجذب إلى الله) [مجموع الفتاوى] .

فوائد المحبَّة [نضرة النعيم] :
1- دلالة على كمال الإيمان وحسن الإسلام .
2- المحبَّة تغذِّي الأرواح والقلوب وبها تقرُّ العيون، بل إنَّها هي الحياة الَّتي يعدُّ من حرم منها من جملة الأموات .
3- تظهر آثار المحبَّة عند الشَّدائد والكربات .
4- من ثمار المحبَّة النَّعيم والسُّرور في الدُّنيا، الموصِّل إلى نعيم وسرور الآخرة .
5- محبَّة النَّاس مع التَّودُّد إليهم تحقَّق الكمال الإنسانيِّ لمن يسعى إليه .
6- محبَّة الإخوان في الله من محبَّة الله ورسوله .

أقسام المحبَّة :
قسم بعض أهل العلم المحبَّة إلى أنواع، كابن حزم، وابن القيم، وغيرهم من العلماء، فابن حزم قسمها إلى تسعة أنواع، قال : (المحبَّة ضروب :
1- فأفضلها : محبة المتحابين في الله عزَّ وجلَّ، إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب، وإما لفضل علم بمنحه الإنسان .
2- ومحبة القرابة .
3- ومحبة الألفة في الاشتراك في المطالب .
4- ومحبة التصاحب والمعرفة .
5- ومحبة البر؛ يضعه المرء عند أخيه .
6- ومحبة الطمع في جاه المحبوب .
7- ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره .
8-  ومحبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر .
9- ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس .
فكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها، وزائدة بزيادتها، وناقصة بنقصانها، متأكدة بدنوها، فاترة ببعدها) [طوق الحمامة ،لابن حزم بتصرف يسير] .
وقسمها ابن القيم إلى أربعة أنواع وهي محبة الله، ومحبة ما يحب الله، والمحبة مع الله وهي المحبة الشركية، والحب لله وفي الله، وهي من لوازم محبة ما يحب، ثم ذكر نوعًا خامسًا، وهي المحبَّة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة والولد، فتلك لا تُذمُّ إلا إذا ألهت عن ذكر الله، وشغلت عن محبته [الجواب الكافى] .

الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها :
للمحبة أسباب جالبة لها، توجب لك المحبَّة في قلوب الآخرين؛ نذكر منها ما يلي :
1- خدمة الآخرين والسعي لمنفعتهم .
2- تقديم الهدية للآخرين .
3- التواضع للآخرين .
4- الإحسان إلى الآخرين .
5- التحلِّي بصفة الصمت .
6- البشاشة والابتسامة .

7- البدء بالسلام .
8- الجود والكرم .
9- الابتعاد عن الحسد .
10- التعامل بصدق وأمانة .

نماذج في المحبَّة :
نماذج تطبيقية من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال : ((يا معاذ، والله إنِّي لأحبُّك، والله إنِّي لأحبُّك، فقال : أوصيك يا معاذ، لا تدعنَّ في دبر كلِّ صلاة تقول : اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
- وعن أنس رضي الله عنه قال : رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم النِّساء والصِّبيان مقبلين - قال : حسبت أنَّه قال : من عرس- فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم مُمْثِلًا فقال : ((اللهمَّ أنتم من أحبِّ النَّاس إليَّ. قالها ثلاث مرار)) [رواه البخارى ومسلم] .

- وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((يا أبا ذرٍّ، إنِّي أراك ضعيفًا، وإنِّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مال يتيم)) [رواه مسلم] .




المداراة في الكتاب والسنة :

أولًا : المداراة في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا  قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " [مريم: 41-47] .
قال السعدي : (وفي هذا من لطف الخطاب ولينه، ما لا يخفى، فإنه لم يقل : يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل، أو : ليس عندك من العلم شيء، وإنما أتى بصيغة تقتضي أنَّ عندي وعندك علمًا، وأنَّ الذي وصل إليَّ لم يصل إليك ولم يأتك، فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها) [تيسير الكريم الرحمن] .
- وقوله تعالى : " وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " [لقمان: 14-15] .
قال القرطبي : (قوله تعالى : " وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا " نعت لمصدر محذوف، أي مصاحبًا معروفًا، يقال : صاحبته مصاحبة ومصاحبًا، ومَعْرُوفًا أي : ما يحسن، والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق) [الجامع لأحكام القرآن] .

ثانيًا : المدَاراة في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عروة بن الزبير، أنَّ عائشة أخبرته أنَّه استأذن على النَّبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال صلى الله عليه وسلم : ((ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له : يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول. فقال : أي عائشة، إنَّ شرَّ الناس منزلةً عند الله من تركه - أو ودعه - الناس اتقاء فحشه)) [رواه البخارى ومسلم] (أي لأجل قبح فعله وقوله، أو لأجل اتقاء فحشه، أي : مجاوزة الحدِّ الشرعي قولًا أو فعلًا، وهذا أصل في ندب المدَاراة إذا ترتب عليها دفع ضرٍّ، أو جلب نفع، بخلاف المداهنة فحرامٌ مطلقًا، إذ هي بذل الدين لصلاح الدنيا، والمدَاراة بذل الدنيا لصلاح دين أو دنيا، بنحو رفقٍ بجاهلٍ في تعليم، وبفاسقٍ في نهيٍ عن منكر، وترك إغلاظ وتألُّف، ونحوها مطلوبةٌ محبوبةٌ إن ترتب عليها نفع، فإن لم يترتب عليها نفع، بأن لم يتقِ شرَّه بها كما هو معروف في بعض الأنام فلا تشرع) [فيض القدير ،للمناوى] .
- وقال صلى الله عليه وسلم : ((استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ خلقن من ضِلع، وإنَّ أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن حجر : (وفي الحديث الندب إلى المدَاراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهنَّ، والصبر على عوجهنَّ، وأنَّ من رام تقويمهنَّ فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فكأنَّه قال : الاستمتاع بها لا يتمُّ إلا بالصبر عليها) [فتح البارى] .

أقوال السلف والعلماء في المدَاراة :
- قال أبو الدرداء رضي الله عنه لزوجته : (إذا غضبت فَـرَضيِّني، وإذا غضبت رضيتك، فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق) [رواه ابن حبان فى روضة العقلاء] .
- وقال معاوية رضي الله عنه : (لو أنَّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل : وكيف ؟ قال : لأنهم إن مدُّوها خلَّيتها، وإن خلَّوْا مددتها) [رواه ابن حبان فى روضة العقلاء] .
- وعن عمر بن الخطاب قال : (خالطوا الناس بالأخلاق، وزايلوهم بالأعمال) [مداراة الناس لابن أبى الدنيا] .
- وقال عبد الله بن مسعود : (خالط الناس وزايلهم، ودينك لا تُكْلِمنَّه) [العزلة ،للخطابى] .
- وعن محمد بن الحنفية قال : (ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف، من لا يجد من معاشرته بدًّا، حتى يجعل الله له فرجًا، أو قال : مخرجًا) [مداراة الناس لابن أبى الدنيا] .
- وقال الحسن البصري : (كانوا يقولون : المدَاراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلُّه) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .

من فوائد المدَاراة :
1- المدَاراة تزرع الألفة والمودة .
2- المدَاراة تجمع بين القلوب المتنافرة .
3- المدَاراة تطفئ العداوة بين الناس .
4- المدَاراة من صفات المؤمن، والمداهنة من صفات المنافق [الروح،لابن القيم] .

من صور المداراة :

صفة المدَاراة يحتاج إليها في التعامل مع بعض الأشخاص، في بعض الأوقات، ومن صور المداراة :
1- صيانة النفس من أهل الفجور والشرور :
فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ شرَّ النَّاس منزلةً عند الله، من تركه أو ودعه الناس، اتقاء فحشه)) [رواه البخارى ومسلم] وهذا فيما لابدَّ من مخالطته .
2- في تعامل الإمام مع الرعية :
فعن أُمِّ المؤمنين عائشة قالت : أنه استأذن على النَّبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال صلى الله عليه وسلم : ((ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. فقلت له : يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول. فقال : أي عائشة، إنَّ شرَّ الناس منزلةً عند الله من تركه أو ودعه الناس، اتقاء فحشه)) [رواه البخارى ومسلم] فليس كل الرعية على نمط واحد، من حسن الخلق والمعشر، إنَّما الناس يختلفون، فيحتاج الإمام للمداراة، وهذا يكون من الإمام جمعًا للأمة، ورأفةً بها، وإرشادًا للضال، وتعليمًا للجاهل، لاسيما إن كان هؤلاء من أهل الرياسات والأتباع، فيداري الإمام مراعاة لمصلحة الأمة كلها [بدائع السلك فى طبائع الملك،لابن الأزرق] .
3- الخوف من الكفار والعجز عن مقاومتهم :
قال تعالى : " لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً " [آل عمران: 28] .
قال الشنقيطي : (هذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقًا وإيضاح؛ لأنَّ محلَّ ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم، بقدر المدَاراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة) [أضواء البيان] .

- المدَاراة مع الزوجة محافظةً على الحياة الزوجية :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج)) [رواه البخارى ومسلم] .

من موانع اكتساب صفة المدَاراة :

1- العجلة، والطيش، وسرعة الغضب، والانتصار للنفس .
2- عدم تفهم الواقع وطبائع الناس .
3- سوء الخلق، وغلظة القلب .
4- الكبر، وضعف إرادة الخير للناس .

من الوسائل المعينة على اكتساب صفة المدَاراة :

1- التحلِّي بخلق الصبر :
قال ابن تيمية : (المؤمن مشروع له مع القدرة أن يقيم دين الله بحسب الإمكان بالمحاربة وغيرها، ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار، ويصبر على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة، بل يشرع له من المدَاراة ومن التكلم بما يُكره عليه، ما جعل الله له فرجًا ومخرجًا) [الفتاوى الكبرى،لابن تيمية] .
2- النظر للمصالح المترتبة على المدَاراة [انظر فتح البارى،لابن حجر] .
3- التحلي بخلق الرفق والرحمة :
فإن المدَاراة قائمة على الرفق لتحقيق المراد من صلاح معوج أو كفاية شر عدو ونحوه [انظر:مرقاة المفاتيح،للملا عمر القارى] .

4- فهم الواقع و معرفة طبائع الناس :
قال ابن الجوزي : (لينظر المالك في طبع المملوك، فمنهم : من لا يأتي إلا على الإكرام، فليكرمه، فإنه يربح محبته، ومنهم : من لا يأتي إلا على الإهانة، فليداره، وليعرض عن الذنوب؛ فإن لم يكن، عاتب بلطف، وليحذر العقوبة ما أمكن وليجعل للمماليك زمن راحة والعجب ممن يُعنى بدابته وينسى مداراة جاريته) [صيد الخاطر] .
قال بشر بن الحارث : (من عرف الناس استراح) [قوت القلوب ،لأبى طالب المكى] .

نماذج في المدَاراة :

- عن المسور بن مخرمة، قال : ((قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية (1) ولم يعط مخرمة شيئًا، فقال مخرمة : يا بني، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،فانطلقت معه، فقال : ادخل فادعه لي، قال : فدعوته له، فخرج إليه وعليه قباء منها، فقال : خبأت هذا لك، قال : فنظر إليه، فقال : رضي مخرمة)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وشكا رجل إلى مخلد بن الحسين رجلًا من أهل الكوفة فقال : (أين أنت عن المدَاراة ؟ فإني أداري حتى أدارى، هذه جارية حبشية تغربل شعير الفرس له، ثم قال : ما تكلمت بكلمة أُريد أن أعتذر منها منذ خمسين سنة) [حلية الأولياء]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:19 am


" المــروءَة "

أهمية المروءَة :
يقول الماوردي : (وفي اشتقاق اسم المروءَة من كلام العرب ما يدل على فضيلتها عندهم، وعظم خطرها في نفوسهم، ففيه وجهان :
أحدهما : مشتقة من المروءَة والإنسان، فكأنها مأخوذة من الإنسانية، والوجه الثاني : أنها مشتقة من المريء وهو ما استمرأه الإنسان من الطعام، لما فيه من صلاح الجسد، فأخذت منه المروءَة لما فيها من صلاح النفس) [تسهيل النظر وتعجيل الظفر،للماوردى] .
(وهي خلق رفيع القدر، يستعمله الأدباء في المدح، وعلماء الأخلاق والنفس في مكارم الأخلاق وسموِّ النفس، وعلماء الشرع من فقهاء ومحدِّثين في صفات الراوي والشاهد؛ ليوثق بكلامهما، والقاضي ليطمئنَّ إلى عدل، فتجدها في كتب أصول الفقه في صفات الراوي، وكذلك في كتب الحديث، بينما تجدها في كتب الفقه في كلِّ باب يتعرض للعدالة بالشرح والتفصيل، كالقضاء والشهادة والوقف) [عدالة الشاهد فى القضاء الإسلامى،لشويس هزاع المحاميد] .

حقيقة المروءَة :
يتكلم ابن القيم عن حقيقة المروءَة فيقول : حقيقتها : (اتصاف النفس بصفات الإنسان، التي فارق بها الحيوان البهيم والشيطان الرجيم، فإنَّ في النفس ثلاثة دواع متجاذبة :
1- داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان، من الكبر، والحسد، والعلو، والبغي، والشرِّ، والأذى، والفساد، والغشِّ .
2- وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان، وهو داعي الشهوة .
3- وداع يدعوها إلى أخلاق الملك : من الإحسان، والنصح، والبرِّ، والعلم، والطاعة، فحقيقة المروءَة : بغض ذينك الداعيين، وإجابة الداعي الثالث، وقلة المروءَة وعدمها : هو الاسترسال مع ذينك الداعيين، والتوجه لدعوتهما أين كانت، فالإنسانية والمروءَة والفتوة : كلها في عصيان الداعيَيْن، وإجابة الداعي الثالث) [مدراج السالكين] .
المروءة في الكتاب والسنة :
أولًا: المروءَة في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " [الأعراف: 99] .
قيل لسفيان بن عيينة : (قد استنبطت من القرآن كل شيء، فهل وجدت المروءَة فيه ؟ فقال : نعم، في قوله تعالى : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " يقول : ففيه المروءَة وحسن الأدب ومكارم الأخلاق، فجمع في قوله : " خُذِ الْعَفْوَ " صلة القاطعين والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، وذلك في قوله : " خُذِ الْعَفْوَ " ودخل في قوله : " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، ودخل في قوله : " وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " الحض على التخلق بالحلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة والأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة) .
- وقال الله تبارك وتعالى : " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " [النحل: 90 – 92] .
وقد جعل سفيان الثوري المروءَة مبنية على ركنين استمدهما من هذه الآية الكريمة، حيث سئل عن المروءَة ما هي ؟ فقال : (الإنصاف من نفسك، والتفضل لله تعالى : " إنَّ الله يأمر بالعدل " وهو الإنصاف، " والإحسان " وهو التفضل، ولا يتمُّ الأمر إلا بهما، ألا تراه لو أعطى جميع ما يملك، ولم ينصف من نفسه لم تكن له مروءة؛ لأنَّه لا يريد أن يعطي شيئًا إلا أن يأخذ من صاحبه مثله، وليس مع هذا مروءة) [مكارم الأخلاق ،للخرائطى] .
ثانيًا : المروءَة في السُّنَّة النَّبويَّة :
وردت كثير من الأحاديث تشير إلى بعض ما تضمنته صفة المروءة من حسن الخلق وجميل المعاشرة، والتحذير من كلِّ ما يشين الإنسان، ويدنِّس عرضه، وسنقتصر على عرض بعض هذه الأحاديث :
- ((قيل : يا رسول الله، من أكرم الناس ؟ قال : أتقاهم لله، قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال : يوسف نبي الله، بن نبي الله، بن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) [رواه البخارى ومسلم].
قال النووي : (معناه أنَّ أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس) [شرح النووى على مسلم] .
- ومن ذلك حديث عائشة أمِّ المؤمنين في بدء الوحي، والذي فيه قول خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلَّا واللَّه ما يخزيك اللَّه أبدًا، إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقِّ... )) [رواه البخارى] .
- و((عن أبي ذرٍّ رضي اللَّه عنه قال : سألت النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم : أيُّ العمل أفضل ؟ قال : إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله، قلت : فأيَّ الرِّقاب أفضل ؟ قال : أعلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها : قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق، قال : فإن لم أفعل ؟ قال : تدع النَّاس من الشَّرِّ، فإنَّها صدقة تصدَّق بها على نفسك)) [رواه البخارى] .
أقوال السلف والعلماء في المروءَة :
- قال معاوية رضي الله عنه : (المروءَة ترك الشَّهوات وعصيان الهوى) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وحُكي أنَّ معاوية سأل عَمرًا رضي الله عنه عن المروءَة فقال : (تقوى اللَّه تعالى وصلة الرَّحم، وسأل المغيرة، فقال : هي العفَّة عمَّا حرَّم اللَّه تعالى، والحرفة فيما أحلَّ اللَّه تعالى. وسأل يزيد، فقال : هي الصَّبر على البلوى، والشُّكر على النُّعمى، والعفو عند المقدرة، فقال معاوية : أنت منِّي حقًّا) [المروءة للمرزبان] .
- وروي عن ابن عمر رضي الله عنه قال : (من مُرُوءَةِ الرَّجُل نقاءُ ثوْبِه) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وسأل الحسين أخاه الحسن عن المروءَة فقال : (الدين، وحسن اليقين) [البصائر والذخائر،لأبى حيان التوحيدى] .
- وَسُئِل محمد بن علي عن المروءَة فقال : (أَنْ لَا تعمل في السِّر عَمَلًا تَسْتَحِي مِنْهُ فِي العلانية) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .  
- وقال علي بن الحسين : (من تمام المروءَة خدمة الرجل ضيفه، كما خدمهم أبونا إبراهيم الخليل بنفسه وأهله) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وقال عمر بن عبد العزيز : (ليس من المروءَة أن تستخدم الضيف) [الإمتاع والمؤانسة،أبى حيان التوحيدى] .
من فوائد التحلي بالمروءَة واجتناب ما يخرمها :

1- صون النفس، وهو حفظها وحمايتها عما يشينها، ويعيبها ويزري بها عند الله عزَّ وجلَّ، وملائكته، وعباده المؤمنين، وسائر خلقه [مدارج السالكين] .
2- توفير الحسنات، ويكون ذلك من وجهين :
أحدهما : توفير زمانه على اكتساب الحسنات، فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدًّا لتحصيلها .
والثاني : توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها، بموازنة السيِّئات وحبوطها، فإنَّ السيِّئات قد تحبط الحسنات، وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها، فلابد أن تضعفها قطعًا؛ فتجنبها يُوَفِر ديوان الحسنات، وذلك بمنزلة من له مال حاصل، فإذا استدان عليه؛ فإمَّا أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه، فهكذا الحسنات والسيئات سواء [مدارج السالكين] .
3- صيانة الإيمان؛ وذلك لأنَّ الإيمان عند جميع أهل السُّنَّة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود، فإنَّ العبد - كما جاء في الحديث - إذا أذنب نُكِت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن عاد فأذنب نُكت فيه نكتة أخرى، حتى تعلو قلبه [المروءة وخوارمها،لمشهور حسن آل سلمان] .
4- سبيل إلى نيل المطالب العالية، والسبق إليها، وإن كثر عليها المتنافسون، قال بعْض الْعلماءِ : إذَا طلب رجلانِ أَمْرًا ظفِر بِهِ أَعْظمهما مروءةً [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .  
5- التحلي بها مما يزيد في ماء الوجه وبهجته، قال ابن القيم : (أَربعةٌ تزِيد فِي ماءِ الوجهِ وبهجتِهِ: المروءَة، والوفاء، والكرم، والتَّقوى) [زاد المعاد] .
6- تحجز المرء عن كلِّ لذة يتبعها ألم، وكل شهوة يلحقها ندم، فهي جُنَّة عن اللذائذ المحرمة، والشهوات المهلكة، وقد قيل : (الدين، والمروءَة، والعقل، والروح، ينهين عن لذة تعقب ألمًا، وشهوة تورث ندمًا) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .

أقسام المروءَة :

كل من تكلم عن المروءَة وحدِّها وبيانها لم يخرجها عن أحد نوعين :
إما أفعال أو تروك، وهذا ما بيَّنه أبو حاتم البستي بعد أن سرد مجموعة من الأقوال في تعريف المروءَة، قال : (والمروءَة عندي خصلتان :
- اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال .
- واستعمال ما يحبُّ الله والمسلمون من الخصال) [روضة العقلاء] .
وهذا ما عناه ابن القيم بقوله : (وحقيقة المروءَة تجنب للدنايا والرذائل، من الأقوال، والأخلاق، والأعمال، فمروءة اللسان: حلاوته، وطيبه، ولينه، واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر، ومروءة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض. ومروءة المال : الإصابة ببذله مواقعه المحمودة، عقلًا وعرفًا وشرعًا. ومروءة الجاه : بذله للمحتاج إليه،ومروءة الإحسان: تعجيله، وتيسيره، وتوفيره، وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه، فهذه مروءة البذل .
وأما مروءة الترك : فترك الخصام، والمعاتبة، والمطالبة، والمماراة، والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقِّك، وترك الاستقصاء في طلبه، والتغافل عن عثراته) [مدارج السالكين] .
وبهذا التقسيم -أعني مروءة الفعل والبذل ومروءة الترك- ينتظم جميع الأقوال التي عرفت بها المروءَة في سلك واحد .

شروط المروءَة :

للمروءة شروط لا تتأتى إلا بها، ولا يحصلها الشخص إلا بنوع من المعاناة وبذل الجهد، يقول الماوردي : (من حقوق المروءَة وشروطها ما لا يتوصَّل إليه إلَّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلَّا بالتَّفقُّد والمراعاة، فثبت أنَّ مراعاة النَّفس على أفضل أحوالها هي المروءَة .
وإذا كانت كذلك فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلَّا من تسهَّلت عليه المشاقُّ رغبةً في الحمد، وهانت عليه الملاذُّ حذرًا من الذَّمِّ) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
وقد عدَّد بعض البلغاء بعض شروط المروءَة، فقال : (من شرائط المروءَة أن تعفَّ عن الحرام، وتتصلَّف عن الآثام، وتنصف في الحكم، وتكفَّ عن الظلم، ولا تطمع في ما لا تستحق، ولا تستطيل على من لا تسترق، ولا تعين قويًّا على ضعيف، ولا تؤثر دنيًّا على شريف، ولا تُسِرَّ ما يُعقب الوزر والإثم، ولا تفعل ما يقبح الذكر والاسم) [تسهيل النظر وتعجيل الظفر،للماوردى] .

صور المروءَة وآدابها :

1- أن يكون ذا أناةٍ وتؤدةٍ؛ فلا يبدو في حركاته اضطراب أو عجلة، كأن يُكثر الالتفات في الطريق، ويعجل في مشيه العجلة الخارجة عن حد الاعتدال .

2- أن يضبط نفسه عن هيجان الغضب، أو دهشة الفرح، وأن يقف موقف الاعتدال في حالي السرَّاء والضرَّاء .
3- أن يتحلَّى بالصراحة، والترفع عن المواربة، والمجاملة، والنفاق، فلا يُبدي لشخصٍ الصداقة، وهو يحمل له العداوة، أو يشهد له باستقامة السيرة، وهو يراه منحرفًا عن السبيل .
4- ألا تطيش به الولاية والإمارة في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة .
5- ألاَّ يفعل في الخفاء ما لو ظهر للناس لعدُّوه من سقطاته والمآخذ عليه، وقد رفع محمد بن عمران التيمي شأن هذا الأدب حتى جعله هو المروءَة، فقال لما سئل عن المروءَة : ألَّا تعمل في السِّر ما تستحي منه في العلانية .
6- أن يتجنب القبائح لقبحها ووخامة عاقبتها، فيكون تجنبه لها في السِّر والعلانية .
7- أن يلاقي الناس بطلاقة وجه، ولسان رطب، غير باحث عما تكنُّه صدورهم من مودة، أو بغضاء، ولكنه لا يستطيع أن يرافق ويعاشر إلا ودودًا مخلصًا .

8- أن يحرص على أن تطابق أقواله وأفعاله ما جرت عليه الأعراف والتقاليد الحسنة، والتي لا تخالف الشرع ولا تضادُّ الدين .
9- أن يعامل الآخرين بما يحب أن يعاملوه به، وأن يحترمهم ولا يفضل نفسه عليهم في شيء .

من أسباب خوارم المروءَة :
1- الخبل في العقل (أي الفساد فيه) :
إن الإنسان سمي مرءًا أو امرءًا أي عاقلًا، ووصف بالمروءَة؛ لأنه لا يتصف بخلافها إلا الحمقى، ومن هنا كان الخبل في العقل سببًا في اقتراف خوارم المروءَة، والذي يجعلنا لا نثق بكلامه فنرد شهادته بسببه .
ولا تستغرب هذا ! بل من الحكماء من جعل المروءَة أعلى درجة من العقل، فقال : (العقل يأمرك بالأنفع، والمروءَة تأمرك بالأرفع) فمن أخلَّ بمروءته رضي بالدون، ولم يكرم نفسه مما يشينها .
ويلتقي هذا مع اشتراط الفقهاء الفطنة وعدم التغفل في الشهود ولو كانوا عدولًا، وعدم قبول شهادة المجنون ابتداءً.
2- نقصان الدين :
إنَّ الفسق علامة على النقص في الدين، فلا يقدم على الكبائر مثلًا إلا فاسق غير مبال بدينه، وكذا خوارم المروءَة لا يقدم عليها حتى تخرم مروءته إلا ناقص دين، فكان أحد الأسباب التي تخرم المروءَة [المروءة وخوارمها،لمشهور حسن سلمان] .

من الوسائل المعينة على اكتساب المروءَة :
1- علو الهمة والتطلع إلى السمو بالنفس، والترقي بها إلى المعالي .
2- منافسة أصحاب المروءات ومسابقة أصحاب الأخلاق العالية " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ " [المطففين: 26] .
3- شرف النفس واستعفافها ونزاهتها وصيانتها .
4- المال الصالح خير معين على بلوغ المروءات، قال أبو حاتم : (من أحسن ما يستعين به المرء على إقامة مروءته المال الصالح .

قالوا عن المروءَة "
- قال أعرابي : (مروءة الرجل في نفسه نسب لقوم آخرين، فإنه إذا فعل الخير عرف له، وبقي في الأعقاب والأصحاب، ولقيه يوم الحساب) [البصائر والذخائر،لأبى حيان التوحيدى] .
- وقال صاحب (كليلة ودمنة) : (الرجلُ ذو المروءَة يكرم على غير مال، كالأسد يهاب وإن كان رابضًا، والرجل الذي لا مروءة له يهان وإن كان غنيًّا، كالكلب يهون على الناس وإن عسَّى وطوَّف) [الصناعتين:الكتابة والشعر،لأبى هلال العسكرى] .
- وقيل لبعض العرب : (ما المروءَة فيكم ؟ قال : طعام مأكول، ونائل مبذول، وبشر مقبول) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى]


" المـــزاحُ "

الأحاديث الواردة في المزَاح :
- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنِّي لأمزح، ولا أقول إلَّا حقًّا)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال المناوي وهو يشرح هذا الحديث : (إنِّي لأمزح. أي: بالقول، وكذا بالفعل، وتخصيصه بالأوَّل ليس عليه مُعَوَّل، ولا أقول إلَّا حقًّا، لعصمتي عن الزَّلل في القول والعمل، وذلك كقوله لامرأة... ((لا يدخل الجنَّة عجوز)) [صححه الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة] وقوله لأخرى : ((لأحملنَّك على ولد النَّاقة)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] وقيل لابن عيينة : المزَاح سُبَّة،فقال : بل سُنَّة، ولكن مَن يُحْسِنه، وإنَّما كان يمزح لأنَّ النَّاس مأمورون بالتَّأسِّي به، والاقتداء بهديه، فلو ترك اللَّطافة والبشاشة، ولزم العُبُوس والقُطُوب، لأخذ النَّاس مِن أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من الشَّفَقة والعناء، فمَزح ليمزحوا) [فيض القدير] .

- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسنَ الناسِ خُلُقًا، وكان لي أخٌ يُقالُ له أبو عُمَيرٍ - قال : أحسِبُه - فَطيمٌ، وكان إذا جاء قال : (يا أبا عُمَيرٍ، ما فعَل النُّغَيرُ ؟ نُغَرٌ كان يَلعَبُ به)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن حجر وهو يعدِّد فوائد الحديث : (وفيه جواز الممَازَحة، وتكرير المزْح، وأنَّها إباحة سنَّة لا رخصة، وأنَّ مُمَازَحة الصَّبي الذي - لم يميِّز - جائزة، وتكرير زيارة الممْزُوح معه، وفيه ترك التَّكبُّر والتَّرفُّع، والفرق بين كون الكبير في الطَّريق فيتَوَاقَر، أو في البيت فيَمْزَح) [فتح البارى] .

أقوال السلف والعلماء في المزَاح :
المزَاح منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود، فكلُّ ما جاء في ذَمِّه، فالمقصود به المذموم من المزَاح :
- قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : (مَن أكثرَ مِن شيءٍ عُرف به، ومَن مازح، استُخِفَّ به، ومن كَثُر ضَحِكه، ذهبت هيبته) [الموشى ،للوشاء] .
- عن عيسى بن عبد العزيز، أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة : (اِنْهَ مَن قِبَلَك عن المزَاح، فإنَّه يُذْهِب المروءة، ويُوغِر الصَّدر) [المروءة ،لابن المرزبان] .
- أوصى يَعْلَى بن مُنْيَة بثلاثٍ، فقال - في كلامٍ طويل - : (إيَّاكم والمزَاح؛ فإنَّه يُذهب بالبهاء، ويُعْقِب المذمَّة، ويزري بالمروءة) [المروءة ،لابن المرزبان] .
- قال عمر بن عبد العزيز : (امتنعوا من المزَاح، تسلم لكم الأعراض) [المروءة ،لابن المرزبان] .
- عن ابن المنكدر قال : (قالت لي أمِّي: يا بُنيَّ، لا تُمَازِح الصِّبيان فتهون عليهم. وقد كانت أدركت النَّبي صلى الله عليه وسلم) [الموشى ،للوشاء] .
- قال سعيد بن العاص لابنه : (يا بُنَيَّ، لا تُمَازِح الشَّريف، فيحقد عليك، ولا تُمَازِح الدَّنيَّ، فيجترئ عليك) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- كان العبَّاس رضي الله عنه يقول : (مَزَح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار المزْح سنَّة) [اللطائف والظرائف،للثعالبى] .
- قيل لسفيان بن عيينة : المزَاح هُجنة، فقال : (بل سنَّة، ولكن الشَّأن فيمن يُحسِنه، ويضعه مواضعه) [اللطائف والظرائف،للثعالبى] .

حكم المزَاح :
المزَاح مباحٌ، وقد يُسْتَحبُّ إذا كان فيه تَطْيِيب نفس المخَاطَب، ومؤانسته بالضَّوابط الشَّرعية، وقد يكون منهيًّا عنه، إذا أفرط فيه صاحبه أو داوم عليه، أو كان فيه تحقيرٌ أو استهزاء أو كذب، أو ترويع لمسلم أو نحوه ممَّا فيه ضرَر .
قال النَّوويُّ : (اعلم أنَّ المزَاح المنهيَّ عنه، هو الذي فيه إفراط ويُداوَم عليه، فإنَّه يُورث الضَّحك، وقسوة القلب، ويُشغل عن ذكر الله، والفِكْر في مهمَّات الدِّين، ويؤول في كثيرٍ من الأوقات إلى الإيذاء، ويُورث الأحقاد، ويُسقط المهابة والوَقار، فأمَّا ما سَلِم مِن هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على النُّدرة؛ لمصلحة تَطْيِيب نفس المخَاطب ومؤانسته، وهو سنَّةٌ مستحبَّة) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .
وقال ابن حجر : (أخرج التِّرمذي -وحسَّنه- من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنَّك تداعبنا! قال : ((إنِّي لا أقول إلَّا حقًّا)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] وأخرج من حديث ابن عبَّاس -رفعه - (( لا تمار أخاك، ولا تمازحه...)) الحديث، والجمع بينهما: أنَّ المنهيَّ عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه؛ لما فيه من الشُّغل عن ذكر الله، والتَّفكُّر في مهمَّات الدِّين، ويؤول -كثيرًا- إلى قسوة القلب، والإيذاء والحقد، وسقوط المهابة والوَقَار، والذي يَسلَم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة -مثل تَطْيِيب نفس المخَاطَب ومؤانسته- فهو مستحبٌّ، قال الغزالي : مِن الغلط أن يُتَّخذ المزَاح حرفةً، ويُتَمَسَّك بأنَّه صلى الله عليه وسلم مَزَح، فهو كمن يدور مع الزنج حيث دار، وينظر رقصهم، ويتمسَّك بأنَّه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم) [فتح البارى] .

النَّوع الأوَّل : المزَاح المذموم :
المزاح المذموم هو ما اشتمل على محظور من المحظورات كترويع المسلمين أو الكذب، أو غلب على صاحبه وأفرط فيه، يقول النَّوويُّ : (المزَاح المنهيَّ عنه، هو الذي فيه إفراط ويُداوَم عليه، فإنَّه يورث الضَّحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله والفِكْر في مهمَّات الدِّين، ويؤول في كثيرٍ من الأوقات إلى الإيذاء، ويُورث الأحقاد، ويُسقط المهابة والوَقَار) [الأذكار] .
أضرار المزَاح المذموم :
1- الإفراط والمبالغة في المزَاح مَضْيَعة للوقت، وشاغلٌ عن ما هو أهمُّ، فالمداومة عليه تدلُّ عدم تقدير للزَّمن المهْدَر الذي كان ينبغي أن يستغلَّ فيما هو أولى .
2- الإكثار من المزَاح، يجلب كثرة الضَّحك، وقسوة القلب، وقد مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتضاحكون ويتمازحون، فقال لهم - عليه الصَّلاة والسَّلام - : ((أكثروا من ذكر هاذم اللَّذَّات)) [قال الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه :حسن صحيح] فنبَّههم إلى ما يُلين قلوبهم، بدل ما هم فيه من كثرة الضَّحك الذي يقسِّي القلب .
3- المزَاح المذموم يؤول في كثيرٍ من الأحيان إلى الإيذاء، وتوريث الأحقاد، فينبغي تجنُّبه .
الوسائل المعينة على ترك المزَاح المذموم :
1- التَّفكُّر في الأضرار التي قد تنتج عن المزَاح المذموم، واستحضار عواقبه السَّيئة .
2- مراقبة الله واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم باجتناب المزاح الذي فيه ترويع للمسلمين وغير ذلك مما نهي عنه .
3- شَغْل النَّفس بما ينفع، فالاشتغال بالنَّافع يُبعد المرء عن ممارسة الضَّار .
النَّوع الثَّاني المزَاح المحمود :
وهو ما سَلِم من المحظورات الشرعية، ولم يغلب على صاحبه، وكانت فيه مصلحة، وتحققت فيه الضوابط الشرعية .
قال النَّوويُّ : (فأمَّا ما سَلِم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على النُّدرة؛ لمصلحة تَطْيِيب نفس المخَاطَب ومؤانسته، وهو سنَّةٌ مستحبَّة) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .
من ضوابط المزَاح المحمود :
1- ألا يكون فيه استهزاء بشيء من أمور الدِّين :
فالاستهزاء بالدِّين، يُعتبر ناقضًا مِن نواقض الإسلام، ومُخْرِجًا لصاحبه من الملَّة، قال سبحانه وتعالى : " وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " [التَّوبة: 65-66] .
2- أن لا يتضمَّن المزَاح سخريةً أو استهزاءً بالآخرين :
وما أكثر هذه الآفة في المزَّاحين، ولا يخفى أنَّ السُّخرية بالآخرين، تُعتبر كبيرةً من الكبائر، قال سبحانه وتعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [الحجرات: 11] .
3 - أن لا يتَّخذ المرء المزَاح دَيْدَنه وعادته :
وإنَّما يكون كالملح في الطَّعام، فإنَّ الإكثار من المزَاح مُذْهِب للمروءة، ويُفقد الشَّخص الهيبة، وقد يؤدِّي إلى أن يجعل الشَّخص عرضةً لسخرية الآخرين منه. كما ينبغي عليه ألا يبالغ في المزَاح، ولا يطيل فيه .
4- أن يخلو من المعاصي التي كثيرًا ما تصاحب المزَاح غير المنضبط :
وذلك كالغيبة والهَمْز واللَّمز .
5- اختيار الوقت المناسب للمزاح :
وهذا من الضَّوابط المهمَّة للمَزْح، فليس كلُّ وقتٍ يَصلُح للمِزَاح، ولا كلُّ زمانٍ تليق فيه الدُّعابة .
فوائد المزَاح المحمود :
- المزَاح المعتدل يحبِّب الشَّخص إلى النَّاس، ويُكسبه وُدَّهم، ويجعله مرغوبًا محبوبًا .
- مؤانسة الأصحاب، وإدخال السُّرور عليهم .
- التَّخفيف عن النَّفس، وإبعاد الملَالة والسَّأَم عنها .
نماذج من مزاح النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- عن أنس رضي الله عنه : ((أنَّ رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، يهدي النَّبي صلى الله عليه وسلم الهديَّة من البادية، فيجهِّزه النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله : إنَّ زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرَّجل، فقال : أرسلني، مَنْ هذا ؟ فالتفت، فعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يَأْلُو ما ألصق ظهره بصدر النَّبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من يشتري العبد ؟ فقال : يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكن - عند الله - لست بكاسد، أو قال : لكن -عند الله - أنت غال)) [صحح إسناده الألبانى على شرط الشيخين فى تخريج مشكاة المصابيح] .

- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رجلًا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((إنِّي حاملك على ولد النَّاقة، فقال : يا رسول الله، ما أصنع بولد النَّاقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل تلد الإبل إلا النُّوق؟)) [صححه اللبانى فى صحيح سنن أبى داود] .

- نماذج من مزاح السَّلف :
- كان علي رضي الله عنه فيه دعابة، فقد قال عمر رضي الله عنه : (أرجو ألَّا يخالف إن شاء الله، وما أظنُّ أن يلي إلَّا أحد هذين الرَّجلين: علي أو عثمان؛ فإن وليَ عثمان، فرجل فيه لين، وإن وليَ علي ففيه دعابة) [رواه الطبرى فى تاريخ الرسل والملوك] .
- عن بكر بن عبد الله قال : (كان أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، يَتبادَحون بالبطِّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرِّجال) [رواه البخارى فى الأدب المفرد ،وصححه الألبانى فى صحيح الأدب المفرد] .
- قال عطاء بن السَّائب : (كان سعيد بن جبير لا يقصُّ علينا إلَّا أبكانا بوعظه، ولا يقوم من مجلسنا حتى يضحكنا بمزحه) [اللطائف والظرائف ،للثعالبى] .
- قال غالب القطَّان : (أتيت ابن سيرين يومًا، فسألت عن هشام، فقال : تُوفِّي البارحة، أما شعرت ؟! فقلت : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فضحك، فقلت : لعلَّه أراد النَّوم) [شرح السنة ،للبغوى] .
- قال ابن سيرين : (ليس من حُسْن الخُلُق، الغَضَب من المزْح) [الذخائر والعبقريات، للبرقوقى] .
- نماذج من مزاح العلماء المعاصرين :
- كان الشيخ ابن باز رحمه الله حريصًا على ملاطفة جُلَّاسه، وإدخال السُّرور عليهم، وكان يداعبهم، ويمازحهم مزاحًا لا إسراف فيه ولا إسفاف، فمن ذلك: جاءه -ذات مرَّة- مُطَلِّق، فقال له: ما اسمك؟ قال: ذيب، قال: ما اسم زوجتك؟ قال: ذيبة، فقال رحمه الله -مداعبًا-: أسأل الله العافية! أنت ذيب، وهي ذيبة، كيف يعيش بينكما الأولاد؟! [جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، لمحمد الموسى] .
- وهذا الموقف حدث للشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، حيث يقول راوي القصَّة :
(صلى الشَّيخ في الحرم المكي، وعند خروجه استقلَّ سيَّارة تاكسي، وأراد التَّوجُّه إلى مِنى، وأثناء الطَّريق أراد السَّائق أن يتعرَّف على الرَّاكب، فقال من الشَّيخ ؟ فأجابه الشَّيخ: محمد بن عثيمين، فأجابه السَّائق : أنت الشَّيخ ابن عثيمين ؟! - ظنًّا منه أنَّه يمزح معه - فقال : نعم، فقال السَّائق - وهو يهزُّ رأسه متعجبًا من جرأته في تقمُّص شخصية الشَّيخ ابن عثيمين، فقال الشَّيخ للسَّائق : ومن الأخ ؟ فأجاب السَّائق : أنا الشَّيخ عبد العزيز بن باز، وكان ذلك في حياة ابن باز مفتي عام المملكة، فأجابه الشَّيخ: لكن ابن باز ضرير، ولا يمكن أن يسوق سيَّارة! ولما تبيَّن للسَّائق أنَّه الشَّيخ ابن عثيمين، اعتذر منه، وكان في غاية الحرج، وهذا يدلُّنا على تواضع الشَّيخ، ومداعبته لعامة النَّاس) [الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين،لوليد بن أحمد الحسين] .


" النُّبْـــل "

أقوال السَّلف والعلماء في النُّبْل :
- قال معاوية رضي الله عنه : (أتدري من النَّبِيل ؟ هو الذي إذا رأيته هِبْتَه، وإذا غاب عنك اغتبته) [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
- (قيل لمعاوية بن أبي سفيان : ما المروءة ؟ فقال : إصلاح المعيشة، واحتمال الجَرِيرَة، قيل له : فما النُّبْل ؟ قال : مؤاخاة الأَكْفَاء، ومداجَاة الأعداء) [المروءة للمرزبان] .
- (وقيل لمعاوية: ما المروءة؟ فقال: احتمال الجَرِيرَة، وإصلاح أمر العشيرة. فقيل له: وما النُّبْل؟ فقال: الحِلْم عند الغضب، والعفو عند القدرة) [الكامل،للمبرد] .
- وقال الغزالي : (وأما النُّبْل فهو سرور النَّفس بالأفعال العظام) [ميزان العمل،لغزالى] .
- وقال الجاحظ : (ومتى كنت من أهل النُّبْل لم يضرك التَّبذُّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التَّنَـبُّل)  [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
- وقال - أيضًا - : (النُّبْل كَلف بالمولِّي عنه، شَنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد النِّفار ممَّن طلبه) [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
- وقيل : الحياء يزيد في النُّبْل [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .

من فوائد النُّبْل :

1- النُّبْل أهله يعيشون كِرَامًا، ويموتون كِرَامًا .
2- النُّبْل من مكارم الأخلاق الفاضلة .
3- النُّبْل من صفات العظماء والحُكماء .
4- النُّبْل علامة على عُلوِّ الهمَّة، وشرف النَّفس .
5- النُّبْل ينتج حُسْن الخُلُق، كالحِلْم والصَّبر .
6- القائد المتَّصف بالنُّبْل يكون حاذقًا في تعامله .
من موانع اكتساب النُّبْل :
1- التَّكبُّر والتَّعالي على الخَلْق .
2- الدَّناءة وسوء الخُلُق .
3- ظُلْم النَّاس .
4- التَّعجُّل والحُمْق، وسوء التَّفْكير، ونقصان الحِكْمة في الأمور .
5- البخل والشُّح .

نماذج للنُّبْل :
نماذج من نبل السَّلف :
1- قال سعيد بن العاص : (ما شاتمت رجلًا مُذْ كنت رجلًا؛ لأنِّي لا أُشَاتم إلَّا أحدَ رجلين : إمَّا كريم، فأنا أحقُّ من احتمله، وإمَّا لئيم، فأنا أولى من رفع نفسه عنه) [التذكرة الحمدونية،لابن حمدون] .
2- قال الأشعث بن قيس لقومه : (إنَّما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكنِّي أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، وأعود مريضكم، فمن فعل مثل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير منِّي، ومن قصَّر عنه فأنا خير منه، فقيل له : ما يدعوك إلى هذا ؟ قال : أَحُضُّهم على السُّؤدد ومكارم الأخلاق)  [البصائر والذخائر،لأبى حيان التوحيدى] .
3- قال يحيى بن أكثم : قال الرَّشيدي : ما أنبل المراتب ؟ قلت : ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال : فتعرف أجلَّ منِّي ؟ قلت : لا، قال : لكنِّي أعرفه؛ رجل في حَلْقَة يقول : حدَّثنا فلان عن فلان عن رسول الله، قال : قلت يا أمير المؤمنين، أهذا خير منك، وأنت ابن عمِّ رسول الله، ووليُّ عهد المؤمنين ؟ قال : نعم، وَيْلك ! هذا خير منِّي؛ لأنَّ اسمه مقترن باسم رسول الله لا يموت أبدًا، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدَّهر [مفتاح دار السعادة] .

من صفات النُّبْل :
من صفات النُّبْل، المروءة وبُعْد الهمَّة، وبهاء المنظر، وجَزَالة اللَّفظ، والمقامات الكريمة [انظر:الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
أبو عاصم النَّبِيل، وسبب لقبه بذلك :
روى أبو عبيد الآجرِّي عن أبي داود، قال : (كان أبو عاصم يحفظ قدر ألف حديث من جيِّد حديثه، وكان فيه مِزَاح، ويقال : إنَّما قيل له : النَّبِيل؛ لأنَّ فيلًا قدم البصرة، فذهب النَّاس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج : ما لك لا تنظر ؟ قال : لا أجد منك عوضًا، قال : أنت نَبِيل) [سير أعلام النبلاء] .


" النزاهــة "

النزاهة في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " [المدَّثر: 4] .
قال ابن عبد البر : (تأوَّلوا قوله تعالى : " وثيابك فطهِّر " على ما تأوَّله عليه جمهور السَّلف، من أنَّها طهارة القلب، وطهارة الجيب، ونزاهة الـنَّفْس عن الدَّنايا والآثام والذُّنوب) [الاستذكار ،لابن عبد البر] .
- قال تعالى : " ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " [البقرة: 222] .
قال الرَّازي : (أمَّا قوله تعالى: يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ففيه وجوه أحدها: المراد منه الـتَّنْزِيه عن الذُّنوب والمعاصي؛ وذلك لأنَّ التَّائب هو الذي فعله ثمَّ تركه، والمتَطَهِّر هو الذي ما فعله تَنَزُّهًا عنه، ولا ثالث لهذين القسمين، واللَّفظ مُحْتمل لذلك؛ لأنَّ الذَّنب نجاسة روحانيَّة، ولذلك قال : " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " [التَّوبة: 28] فتركه يكون طهارة روحانيَّة، وبهذا المعنى يُوصَف الله تعالى بأنَّه طاهر مُطَهَّر؛ من حيث كونه مُنَزَّهًا عن العيوب والقبائح) [تفسير الرازى] .
ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مُشَبَّهات، لا يعلمها كثير من النَّاس، فمن اتَّقى المشَبَّهات، استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن وقع في الشُّبهات، كرَاعٍ يرعى حول الحِمَى، يوشك أن يُوَاقعه، أَلَا وإنَّ لكلِّ ملك حِمَى، أَلَا إنَّ حِمَى الله في أرضه محارمه، أَلَا وإنَّ في الجسد مُضْغة، إذا صَلُحَت، صَلُح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدَت، فَسَد الجسد كلُّه، أَلَا وهي القلب)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن رجب : (من اتَّقى الأمور المشْتبَهة عليه، التي لا تتبيَّن له : أحلال هي أو حرام ؟ فإنَّه مُسْتَبرئ لدينه، بمعنى : أنَّه طالبٌ له البَرَاء والـنَّزَاهَة مما يُدَنِّسه ويُشِينه) [فتح البارى] .
- وعن علي بن الحسين رضي الله عنهما ((أنَّ صفيَّة - زوج النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم - أخبرته : أنَّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عنده ساعة، ثمَّ قامت تَنْقلب، فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم معها يَقْلِبها، حتى إذا بلغت باب المسجد - عند باب أمِّ سَلَمة - مرَّ رجلان من الأنصار، فسلَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النَّبي صلى الله عليه وسلم : على رِسْلِكما، إنَّما هي صفيَّة بنت حُيي، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ! وكَبُر عليهما، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : إنَّ الشَّيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدَّم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال الماوردي : (هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد خلق الله من الرِّيَب وأصونهم من التُّهم... فكيف من تخالجت فيه الشُّكوك، وتقابلت فيه الظَّنون؟ فهل يَعْرى مَن في مواقف الرِّيَب مِن قادح محقَّق، ولائم مُصدَّق ؟) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .

أقوال السَّلف والعلماء في النَّزَاهَة :
- قال عمر بن عبد العزيز : (إذا كان في القاضي خمس خصال، فقد كَمُل : علمٌ بما كان قَبله، ونَزَاهةٌ عن الطَّمع، وحِلْمٌ عن الخَصْم، واقتداءٌ بالأئمة، ومُشَاورة أهل العلم والرأي) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وقال ابن حزم : (نَزَاهة النَّفس، وهذه صفة فاضلة مُتَرَكِّبة من النَّجدة والجود والعدل والفهم؛ لأنَّه فَهِم قلَّة الفائدة في استعمال ضدِّها، فاستعملها، وكانت فيه نجدة أنتجت له عزَّة نفسه، فتنزَّه، وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس، فلم يهتمَّ لما فاته، وكانت فيه طبيعة عدل، حببت إليه القُنوُع وقلَّة الطَّمع) [رسائل ابن حزم] .

- وقال ابن الجوزي : (دليل كمال صورة الباطن، حُسن الطَّبائع والأخلاق، فالطَّبائع : العِفَّة والنَّـزَاهَة والأنَفَة من الجهل، ومُبَاعدة الشَّرَه، والأخلاق : الكَرَم والإيثار وسَتْر العيوب، وابتداء المعروف، والحِلْم عن الجاهل. فمن رُزِق هذه الأشياء، رَقَّته إلى الكمال وظهر عنه أشرف الخِلال وإن نقصت خُلَّة أوجبت النَّقص) [صيد الخاطر] .

من فوائد النَّزَاهَة :
1- النَّزَاهَة طاعة لله سبحانه وتعالى .
2- النَّزَاهَة تحفظ النَّفس عن الانزلاق والانحراف .
3- النَّزَاهَة خُلُق يثمر أخلاقًا أخرى، كالقناعة والورع .
4- النَّزاهَة من ثمارها: محبَّة الله للعبد، ومِن ثَمَّ محبَّة النَّاس له .
5- المتحلِّي بالنَّزاهَة، يتحلَّى بخُلُق تحلَّى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6- النَّزاهَة سبب من أسباب التَّقوى .
أقسام النَّزَاهَة :
قَسَّم الماوردي النَّزَاهَة إلى قسمين، فقال : (النَّزاهة نوعان : أحدهما : النَّزاهة عن المطامع الدَّنيَّة .
والثَّاني : النَّزاهة عن مواقف الرِّيبة .

من صور النَّزاهَة :
1- التَّنَزُّه عن المال المشبوه :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان لأبي بكر غلام يُخْرج له الخَراج، وكان أبو بكر يأكل من خَراجه، فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهَّنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحْسِن الكَهَانَة، إلَّا أنِّي خدعته، فلقيني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه . فأدخل أبو بكر يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه) [رواه البخارى] .
2- التَّنَزُّه عن مواقف الرِّيبة :
وقد تقدم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتته صفية تزوره في المسجد، وهو معتكف، ثم خرج ليوصلها، فرآه رجلان من الأنصار، فسلما عليه، فقال لهما النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((على رِسْلِكما، إنَّما هي صفيَّة بنت حُيي)) [رواه البخارى ومسلم] خوفًا من أن يقذف الشيطان في قلبيهما شيئًا فيهلكا .

من موانع اكتساب النَّزَاهَة :
1- الطَّمع في الدُّنْيا ونسيان الآخرة .
قال ابن حزم : (ولولا الطَّمع، ما ذلَّ أحدٌ لأحدٍ) [رسائل ابن حزم] .
2- الشَّرَه، وحبُّ التَّوسُّع في جمع الأموال .
3- الجبن؛ لأنَّه يُولِّد المهَانَة والذُّلَّ .
4- البخل والشُّحُّ؛ لأنَّه يُوَلِّد الطَّمع .

من  الوسائل المعينة على اكتساب النَّزَاهَة :
1- الدُّعاء :
كان من دعائه صلى الله عليه وسلم الهِدَاية إلى أحسن الأخلاق، فكان يقول : ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنِّي سيِّئها، لا يصرف عنِّي سيِّئها إلا أنت)) [رواه مسلم] .
2- القناعة والبُعْد عن الطَّمع :
عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقَنَّعه الله)) [رواه مسلم] .
وقال ابن حجر : (وفيه إشارةٌ إلى فضل القناعة، وذمِّ الشَّرَه) [فتح البارى] .
3- النَّجدة والجود والعدل :
قال ابن حزم : (نَزَاهة النَّفس، وهذه صفة فاضلة مُتَـرَكِّبة من النَّجدة والجود والعدل والفهم؛ لأنَّه فَهِم قلَّة الفائدة في استعمال ضدِّها، فاستعملها، وكانت فيه نجدة أنتجت له عزَّة نفسه، فتنزَّه، وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس، فلم يهتمَّ لما فاته، وكانت فيه طبيعة عدل، حبَّبت إليه القُنوُع وقلَّة الطَّمع. فإذًا نَزَاهة النَّفس مُتَـرَكِّبةٌ من هذه الصِّفات) [رسائل ابن حزم] .

نماذج للنَّزَاهة من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنِّي لأنقلب إلى أهلي، فأجد التَّمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخشى أن تكون صدقة، فألقيها)) [رواه البخارى ومسلم] .

نماذج للنَّزَاهة من حياة السلف :
أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
- عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال : (لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال : يا عائشة، انظري اللَّقحة التي كنَّا نشرب من لبنها، والجَفْنة التي كنَّا نصْطَبح فيها، والقطيفة التي كنَّا نلبسها، فإنَّا كنَّا ننتفع بذلك حين كنَّا في أمر المسلمين، فإذا مِت فاردديه إلى عمر، فلمَّا مات أبو بكر رضي الله عنه، أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه : رضي الله عنك يا أبا بكر، لقد أتعبت من جاء بعدك) [رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد،رجاله ثقات] .
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
- عن عمر رضي الله عنه قال : (إنَّه لا أجده يحلُّ لي أن آكل من مالكم هذا، إلَّا كما كنت آكل من صلب مالي : الخبز والزَّيت، والخبز والسَّمن، قال : فكان ربَّما يُؤْتى بالجَفْنة قد صُنعت بالزَّيت، وممَّا يليه منها سمن، فيعتذر إلى القوم، ويقول : إنِّي رجل عربي، ولست أستمري الزَّيت) [الورع ،لابن أبى الدنيا] .
- وعن زيد بن أسلم : (أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه : من أين لك هذا اللَّبن ؟ فأخبره أنَّه ورد على ماء قد سمَّاه، فإذا نَعَمٌ من نَعَمِ الصَّدقة، وهم يسقون، فحلبوه لي مِن ألبانها، فجعلته في سقائي، وهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه) [رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد،رجاله ثقات] .
سالم بن عبد الله بن عمر :
- دخل هشام بن عبد الملك إلى الكعبة، فإذا هو بسالم، فقال له : سَلْني حاجتك. فقال : إنِّي أستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلمَّا خرجا منها، قال : الآن قد خرجت منها فاسأل، فقال : والله ما سألت الدُّنْيا ممن يملكها، فكيف أسأل فيها من لا يملكها ؟ [الورافى للوفيات،للصفدى] .


عدل سابقا من قبل Admin في الأحد فبراير 25, 2018 10:23 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:21 am


" المــروءَة "

أهمية المروءَة :
يقول الماوردي : (وفي اشتقاق اسم المروءَة من كلام العرب ما يدل على فضيلتها عندهم، وعظم خطرها في نفوسهم، ففيه وجهان :
أحدهما : مشتقة من المروءَة والإنسان، فكأنها مأخوذة من الإنسانية، والوجه الثاني : أنها مشتقة من المريء وهو ما استمرأه الإنسان من الطعام، لما فيه من صلاح الجسد، فأخذت منه المروءَة لما فيها من صلاح النفس) [تسهيل النظر وتعجيل الظفر،للماوردى] .
(وهي خلق رفيع القدر، يستعمله الأدباء في المدح، وعلماء الأخلاق والنفس في مكارم الأخلاق وسموِّ النفس، وعلماء الشرع من فقهاء ومحدِّثين في صفات الراوي والشاهد؛ ليوثق بكلامهما، والقاضي ليطمئنَّ إلى عدل، فتجدها في كتب أصول الفقه في صفات الراوي، وكذلك في كتب الحديث، بينما تجدها في كتب الفقه في كلِّ باب يتعرض للعدالة بالشرح والتفصيل، كالقضاء والشهادة والوقف) [عدالة الشاهد فى القضاء الإسلامى،لشويس هزاع المحاميد] .

حقيقة المروءَة :
يتكلم ابن القيم عن حقيقة المروءَة فيقول : حقيقتها : (اتصاف النفس بصفات الإنسان، التي فارق بها الحيوان البهيم والشيطان الرجيم، فإنَّ في النفس ثلاثة دواع متجاذبة :
1- داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان، من الكبر، والحسد، والعلو، والبغي، والشرِّ، والأذى، والفساد، والغشِّ .
2- وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان، وهو داعي الشهوة .
3- وداع يدعوها إلى أخلاق الملك : من الإحسان، والنصح، والبرِّ، والعلم، والطاعة، فحقيقة المروءَة : بغض ذينك الداعيين، وإجابة الداعي الثالث، وقلة المروءَة وعدمها : هو الاسترسال مع ذينك الداعيين، والتوجه لدعوتهما أين كانت، فالإنسانية والمروءَة والفتوة : كلها في عصيان الداعيَيْن، وإجابة الداعي الثالث) [مدراج السالكين] .
المروءة في الكتاب والسنة :
أولًا: المروءَة في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " [الأعراف: 99] .
قيل لسفيان بن عيينة : (قد استنبطت من القرآن كل شيء، فهل وجدت المروءَة فيه ؟ فقال : نعم، في قوله تعالى : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " يقول : ففيه المروءَة وحسن الأدب ومكارم الأخلاق، فجمع في قوله : " خُذِ الْعَفْوَ " صلة القاطعين والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، وذلك في قوله : " خُذِ الْعَفْوَ " ودخل في قوله : " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، ودخل في قوله : " وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " الحض على التخلق بالحلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة والأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة) .
- وقال الله تبارك وتعالى : " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " [النحل: 90 – 92] .
وقد جعل سفيان الثوري المروءَة مبنية على ركنين استمدهما من هذه الآية الكريمة، حيث سئل عن المروءَة ما هي ؟ فقال : (الإنصاف من نفسك، والتفضل لله تعالى : " إنَّ الله يأمر بالعدل " وهو الإنصاف، " والإحسان " وهو التفضل، ولا يتمُّ الأمر إلا بهما، ألا تراه لو أعطى جميع ما يملك، ولم ينصف من نفسه لم تكن له مروءة؛ لأنَّه لا يريد أن يعطي شيئًا إلا أن يأخذ من صاحبه مثله، وليس مع هذا مروءة) [مكارم الأخلاق ،للخرائطى] .
ثانيًا : المروءَة في السُّنَّة النَّبويَّة :
وردت كثير من الأحاديث تشير إلى بعض ما تضمنته صفة المروءة من حسن الخلق وجميل المعاشرة، والتحذير من كلِّ ما يشين الإنسان، ويدنِّس عرضه، وسنقتصر على عرض بعض هذه الأحاديث :
- ((قيل : يا رسول الله، من أكرم الناس ؟ قال : أتقاهم لله، قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال : يوسف نبي الله، بن نبي الله، بن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) [رواه البخارى ومسلم].
قال النووي : (معناه أنَّ أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس) [شرح النووى على مسلم] .
- ومن ذلك حديث عائشة أمِّ المؤمنين في بدء الوحي، والذي فيه قول خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلَّا واللَّه ما يخزيك اللَّه أبدًا، إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقِّ... )) [رواه البخارى] .
- و((عن أبي ذرٍّ رضي اللَّه عنه قال : سألت النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم : أيُّ العمل أفضل ؟ قال : إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله، قلت : فأيَّ الرِّقاب أفضل ؟ قال : أعلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها : قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق، قال : فإن لم أفعل ؟ قال : تدع النَّاس من الشَّرِّ، فإنَّها صدقة تصدَّق بها على نفسك)) [رواه البخارى] .
أقوال السلف والعلماء في المروءَة :
- قال معاوية رضي الله عنه : (المروءَة ترك الشَّهوات وعصيان الهوى) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وحُكي أنَّ معاوية سأل عَمرًا رضي الله عنه عن المروءَة فقال : (تقوى اللَّه تعالى وصلة الرَّحم، وسأل المغيرة، فقال : هي العفَّة عمَّا حرَّم اللَّه تعالى، والحرفة فيما أحلَّ اللَّه تعالى. وسأل يزيد، فقال : هي الصَّبر على البلوى، والشُّكر على النُّعمى، والعفو عند المقدرة، فقال معاوية : أنت منِّي حقًّا) [المروءة للمرزبان] .
- وروي عن ابن عمر رضي الله عنه قال : (من مُرُوءَةِ الرَّجُل نقاءُ ثوْبِه) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وسأل الحسين أخاه الحسن عن المروءَة فقال : (الدين، وحسن اليقين) [البصائر والذخائر،لأبى حيان التوحيدى] .
- وَسُئِل محمد بن علي عن المروءَة فقال : (أَنْ لَا تعمل في السِّر عَمَلًا تَسْتَحِي مِنْهُ فِي العلانية) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .  
- وقال علي بن الحسين : (من تمام المروءَة خدمة الرجل ضيفه، كما خدمهم أبونا إبراهيم الخليل بنفسه وأهله) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وقال عمر بن عبد العزيز : (ليس من المروءَة أن تستخدم الضيف) [الإمتاع والمؤانسة،أبى حيان التوحيدى] .
من فوائد التحلي بالمروءَة واجتناب ما يخرمها :

1- صون النفس، وهو حفظها وحمايتها عما يشينها، ويعيبها ويزري بها عند الله عزَّ وجلَّ، وملائكته، وعباده المؤمنين، وسائر خلقه [مدارج السالكين] .
2- توفير الحسنات، ويكون ذلك من وجهين :
أحدهما : توفير زمانه على اكتساب الحسنات، فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدًّا لتحصيلها .
والثاني : توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها، بموازنة السيِّئات وحبوطها، فإنَّ السيِّئات قد تحبط الحسنات، وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها، فلابد أن تضعفها قطعًا؛ فتجنبها يُوَفِر ديوان الحسنات، وذلك بمنزلة من له مال حاصل، فإذا استدان عليه؛ فإمَّا أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه، فهكذا الحسنات والسيئات سواء [مدارج السالكين] .
3- صيانة الإيمان؛ وذلك لأنَّ الإيمان عند جميع أهل السُّنَّة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود، فإنَّ العبد - كما جاء في الحديث - إذا أذنب نُكِت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن عاد فأذنب نُكت فيه نكتة أخرى، حتى تعلو قلبه [المروءة وخوارمها،لمشهور حسن آل سلمان] .
4- سبيل إلى نيل المطالب العالية، والسبق إليها، وإن كثر عليها المتنافسون، قال بعْض الْعلماءِ : إذَا طلب رجلانِ أَمْرًا ظفِر بِهِ أَعْظمهما مروءةً [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .  
5- التحلي بها مما يزيد في ماء الوجه وبهجته، قال ابن القيم : (أَربعةٌ تزِيد فِي ماءِ الوجهِ وبهجتِهِ: المروءَة، والوفاء، والكرم، والتَّقوى) [زاد المعاد] .
6- تحجز المرء عن كلِّ لذة يتبعها ألم، وكل شهوة يلحقها ندم، فهي جُنَّة عن اللذائذ المحرمة، والشهوات المهلكة، وقد قيل : (الدين، والمروءَة، والعقل، والروح، ينهين عن لذة تعقب ألمًا، وشهوة تورث ندمًا) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .

أقسام المروءَة :

كل من تكلم عن المروءَة وحدِّها وبيانها لم يخرجها عن أحد نوعين :
إما أفعال أو تروك، وهذا ما بيَّنه أبو حاتم البستي بعد أن سرد مجموعة من الأقوال في تعريف المروءَة، قال : (والمروءَة عندي خصلتان :
- اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال .
- واستعمال ما يحبُّ الله والمسلمون من الخصال) [روضة العقلاء] .
وهذا ما عناه ابن القيم بقوله : (وحقيقة المروءَة تجنب للدنايا والرذائل، من الأقوال، والأخلاق، والأعمال، فمروءة اللسان: حلاوته، وطيبه، ولينه، واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر، ومروءة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض. ومروءة المال : الإصابة ببذله مواقعه المحمودة، عقلًا وعرفًا وشرعًا. ومروءة الجاه : بذله للمحتاج إليه،ومروءة الإحسان: تعجيله، وتيسيره، وتوفيره، وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه، فهذه مروءة البذل .
وأما مروءة الترك : فترك الخصام، والمعاتبة، والمطالبة، والمماراة، والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقِّك، وترك الاستقصاء في طلبه، والتغافل عن عثراته) [مدارج السالكين] .
وبهذا التقسيم -أعني مروءة الفعل والبذل ومروءة الترك- ينتظم جميع الأقوال التي عرفت بها المروءَة في سلك واحد .

شروط المروءَة :

للمروءة شروط لا تتأتى إلا بها، ولا يحصلها الشخص إلا بنوع من المعاناة وبذل الجهد، يقول الماوردي : (من حقوق المروءَة وشروطها ما لا يتوصَّل إليه إلَّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلَّا بالتَّفقُّد والمراعاة، فثبت أنَّ مراعاة النَّفس على أفضل أحوالها هي المروءَة .
وإذا كانت كذلك فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلَّا من تسهَّلت عليه المشاقُّ رغبةً في الحمد، وهانت عليه الملاذُّ حذرًا من الذَّمِّ) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
وقد عدَّد بعض البلغاء بعض شروط المروءَة، فقال : (من شرائط المروءَة أن تعفَّ عن الحرام، وتتصلَّف عن الآثام، وتنصف في الحكم، وتكفَّ عن الظلم، ولا تطمع في ما لا تستحق، ولا تستطيل على من لا تسترق، ولا تعين قويًّا على ضعيف، ولا تؤثر دنيًّا على شريف، ولا تُسِرَّ ما يُعقب الوزر والإثم، ولا تفعل ما يقبح الذكر والاسم) [تسهيل النظر وتعجيل الظفر،للماوردى] .

صور المروءَة وآدابها :

1- أن يكون ذا أناةٍ وتؤدةٍ؛ فلا يبدو في حركاته اضطراب أو عجلة، كأن يُكثر الالتفات في الطريق، ويعجل في مشيه العجلة الخارجة عن حد الاعتدال .

2- أن يضبط نفسه عن هيجان الغضب، أو دهشة الفرح، وأن يقف موقف الاعتدال في حالي السرَّاء والضرَّاء .
3- أن يتحلَّى بالصراحة، والترفع عن المواربة، والمجاملة، والنفاق، فلا يُبدي لشخصٍ الصداقة، وهو يحمل له العداوة، أو يشهد له باستقامة السيرة، وهو يراه منحرفًا عن السبيل .
4- ألا تطيش به الولاية والإمارة في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة .
5- ألاَّ يفعل في الخفاء ما لو ظهر للناس لعدُّوه من سقطاته والمآخذ عليه، وقد رفع محمد بن عمران التيمي شأن هذا الأدب حتى جعله هو المروءَة، فقال لما سئل عن المروءَة : ألَّا تعمل في السِّر ما تستحي منه في العلانية .
6- أن يتجنب القبائح لقبحها ووخامة عاقبتها، فيكون تجنبه لها في السِّر والعلانية .
7- أن يلاقي الناس بطلاقة وجه، ولسان رطب، غير باحث عما تكنُّه صدورهم من مودة، أو بغضاء، ولكنه لا يستطيع أن يرافق ويعاشر إلا ودودًا مخلصًا .

8- أن يحرص على أن تطابق أقواله وأفعاله ما جرت عليه الأعراف والتقاليد الحسنة، والتي لا تخالف الشرع ولا تضادُّ الدين .
9- أن يعامل الآخرين بما يحب أن يعاملوه به، وأن يحترمهم ولا يفضل نفسه عليهم في شيء .

من أسباب خوارم المروءَة :
1- الخبل في العقل (أي الفساد فيه) :
إن الإنسان سمي مرءًا أو امرءًا أي عاقلًا، ووصف بالمروءَة؛ لأنه لا يتصف بخلافها إلا الحمقى، ومن هنا كان الخبل في العقل سببًا في اقتراف خوارم المروءَة، والذي يجعلنا لا نثق بكلامه فنرد شهادته بسببه .
ولا تستغرب هذا ! بل من الحكماء من جعل المروءَة أعلى درجة من العقل، فقال : (العقل يأمرك بالأنفع، والمروءَة تأمرك بالأرفع) فمن أخلَّ بمروءته رضي بالدون، ولم يكرم نفسه مما يشينها .
ويلتقي هذا مع اشتراط الفقهاء الفطنة وعدم التغفل في الشهود ولو كانوا عدولًا، وعدم قبول شهادة المجنون ابتداءً.
2- نقصان الدين :
إنَّ الفسق علامة على النقص في الدين، فلا يقدم على الكبائر مثلًا إلا فاسق غير مبال بدينه، وكذا خوارم المروءَة لا يقدم عليها حتى تخرم مروءته إلا ناقص دين، فكان أحد الأسباب التي تخرم المروءَة [المروءة وخوارمها،لمشهور حسن سلمان] .

من الوسائل المعينة على اكتساب المروءَة :
1- علو الهمة والتطلع إلى السمو بالنفس، والترقي بها إلى المعالي .
2- منافسة أصحاب المروءات ومسابقة أصحاب الأخلاق العالية " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ " [المطففين: 26] .
3- شرف النفس واستعفافها ونزاهتها وصيانتها .
4- المال الصالح خير معين على بلوغ المروءات، قال أبو حاتم : (من أحسن ما يستعين به المرء على إقامة مروءته المال الصالح .

قالوا عن المروءَة "
- قال أعرابي : (مروءة الرجل في نفسه نسب لقوم آخرين، فإنه إذا فعل الخير عرف له، وبقي في الأعقاب والأصحاب، ولقيه يوم الحساب) [البصائر والذخائر،لأبى حيان التوحيدى] .
- وقال صاحب (كليلة ودمنة) : (الرجلُ ذو المروءَة يكرم على غير مال، كالأسد يهاب وإن كان رابضًا، والرجل الذي لا مروءة له يهان وإن كان غنيًّا، كالكلب يهون على الناس وإن عسَّى وطوَّف) [الصناعتين:الكتابة والشعر،لأبى هلال العسكرى] .
- وقيل لبعض العرب : (ما المروءَة فيكم ؟ قال : طعام مأكول، ونائل مبذول، وبشر مقبول) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى]




" المـــزاحُ "

الأحاديث الواردة في المزَاح :
- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنِّي لأمزح، ولا أقول إلَّا حقًّا)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال المناوي وهو يشرح هذا الحديث : (إنِّي لأمزح. أي: بالقول، وكذا بالفعل، وتخصيصه بالأوَّل ليس عليه مُعَوَّل، ولا أقول إلَّا حقًّا، لعصمتي عن الزَّلل في القول والعمل، وذلك كقوله لامرأة... ((لا يدخل الجنَّة عجوز)) [صححه الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة] وقوله لأخرى : ((لأحملنَّك على ولد النَّاقة)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] وقيل لابن عيينة : المزَاح سُبَّة،فقال : بل سُنَّة، ولكن مَن يُحْسِنه، وإنَّما كان يمزح لأنَّ النَّاس مأمورون بالتَّأسِّي به، والاقتداء بهديه، فلو ترك اللَّطافة والبشاشة، ولزم العُبُوس والقُطُوب، لأخذ النَّاس مِن أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من الشَّفَقة والعناء، فمَزح ليمزحوا) [فيض القدير] .

- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسنَ الناسِ خُلُقًا، وكان لي أخٌ يُقالُ له أبو عُمَيرٍ - قال : أحسِبُه - فَطيمٌ، وكان إذا جاء قال : (يا أبا عُمَيرٍ، ما فعَل النُّغَيرُ ؟ نُغَرٌ كان يَلعَبُ به)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن حجر وهو يعدِّد فوائد الحديث : (وفيه جواز الممَازَحة، وتكرير المزْح، وأنَّها إباحة سنَّة لا رخصة، وأنَّ مُمَازَحة الصَّبي الذي - لم يميِّز - جائزة، وتكرير زيارة الممْزُوح معه، وفيه ترك التَّكبُّر والتَّرفُّع، والفرق بين كون الكبير في الطَّريق فيتَوَاقَر، أو في البيت فيَمْزَح) [فتح البارى] .

أقوال السلف والعلماء في المزَاح :
المزَاح منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود، فكلُّ ما جاء في ذَمِّه، فالمقصود به المذموم من المزَاح :
- قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : (مَن أكثرَ مِن شيءٍ عُرف به، ومَن مازح، استُخِفَّ به، ومن كَثُر ضَحِكه، ذهبت هيبته) [الموشى ،للوشاء] .
- عن عيسى بن عبد العزيز، أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة : (اِنْهَ مَن قِبَلَك عن المزَاح، فإنَّه يُذْهِب المروءة، ويُوغِر الصَّدر) [المروءة ،لابن المرزبان] .
- أوصى يَعْلَى بن مُنْيَة بثلاثٍ، فقال - في كلامٍ طويل - : (إيَّاكم والمزَاح؛ فإنَّه يُذهب بالبهاء، ويُعْقِب المذمَّة، ويزري بالمروءة) [المروءة ،لابن المرزبان] .
- قال عمر بن عبد العزيز : (امتنعوا من المزَاح، تسلم لكم الأعراض) [المروءة ،لابن المرزبان] .
- عن ابن المنكدر قال : (قالت لي أمِّي: يا بُنيَّ، لا تُمَازِح الصِّبيان فتهون عليهم. وقد كانت أدركت النَّبي صلى الله عليه وسلم) [الموشى ،للوشاء] .
- قال سعيد بن العاص لابنه : (يا بُنَيَّ، لا تُمَازِح الشَّريف، فيحقد عليك، ولا تُمَازِح الدَّنيَّ، فيجترئ عليك) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- كان العبَّاس رضي الله عنه يقول : (مَزَح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار المزْح سنَّة) [اللطائف والظرائف،للثعالبى] .
- قيل لسفيان بن عيينة : المزَاح هُجنة، فقال : (بل سنَّة، ولكن الشَّأن فيمن يُحسِنه، ويضعه مواضعه) [اللطائف والظرائف،للثعالبى] .

حكم المزَاح :
المزَاح مباحٌ، وقد يُسْتَحبُّ إذا كان فيه تَطْيِيب نفس المخَاطَب، ومؤانسته بالضَّوابط الشَّرعية، وقد يكون منهيًّا عنه، إذا أفرط فيه صاحبه أو داوم عليه، أو كان فيه تحقيرٌ أو استهزاء أو كذب، أو ترويع لمسلم أو نحوه ممَّا فيه ضرَر .
قال النَّوويُّ : (اعلم أنَّ المزَاح المنهيَّ عنه، هو الذي فيه إفراط ويُداوَم عليه، فإنَّه يُورث الضَّحك، وقسوة القلب، ويُشغل عن ذكر الله، والفِكْر في مهمَّات الدِّين، ويؤول في كثيرٍ من الأوقات إلى الإيذاء، ويُورث الأحقاد، ويُسقط المهابة والوَقار، فأمَّا ما سَلِم مِن هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على النُّدرة؛ لمصلحة تَطْيِيب نفس المخَاطب ومؤانسته، وهو سنَّةٌ مستحبَّة) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .
وقال ابن حجر : (أخرج التِّرمذي -وحسَّنه- من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنَّك تداعبنا! قال : ((إنِّي لا أقول إلَّا حقًّا)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] وأخرج من حديث ابن عبَّاس -رفعه - (( لا تمار أخاك، ولا تمازحه...)) الحديث، والجمع بينهما: أنَّ المنهيَّ عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه؛ لما فيه من الشُّغل عن ذكر الله، والتَّفكُّر في مهمَّات الدِّين، ويؤول -كثيرًا- إلى قسوة القلب، والإيذاء والحقد، وسقوط المهابة والوَقَار، والذي يَسلَم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة -مثل تَطْيِيب نفس المخَاطَب ومؤانسته- فهو مستحبٌّ، قال الغزالي : مِن الغلط أن يُتَّخذ المزَاح حرفةً، ويُتَمَسَّك بأنَّه صلى الله عليه وسلم مَزَح، فهو كمن يدور مع الزنج حيث دار، وينظر رقصهم، ويتمسَّك بأنَّه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم) [فتح البارى] .

النَّوع الأوَّل : المزَاح المذموم :
المزاح المذموم هو ما اشتمل على محظور من المحظورات كترويع المسلمين أو الكذب، أو غلب على صاحبه وأفرط فيه، يقول النَّوويُّ : (المزَاح المنهيَّ عنه، هو الذي فيه إفراط ويُداوَم عليه، فإنَّه يورث الضَّحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله والفِكْر في مهمَّات الدِّين، ويؤول في كثيرٍ من الأوقات إلى الإيذاء، ويُورث الأحقاد، ويُسقط المهابة والوَقَار) [الأذكار] .
أضرار المزَاح المذموم :
1- الإفراط والمبالغة في المزَاح مَضْيَعة للوقت، وشاغلٌ عن ما هو أهمُّ، فالمداومة عليه تدلُّ عدم تقدير للزَّمن المهْدَر الذي كان ينبغي أن يستغلَّ فيما هو أولى .
2- الإكثار من المزَاح، يجلب كثرة الضَّحك، وقسوة القلب، وقد مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتضاحكون ويتمازحون، فقال لهم - عليه الصَّلاة والسَّلام - : ((أكثروا من ذكر هاذم اللَّذَّات)) [قال الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه :حسن صحيح] فنبَّههم إلى ما يُلين قلوبهم، بدل ما هم فيه من كثرة الضَّحك الذي يقسِّي القلب .
3- المزَاح المذموم يؤول في كثيرٍ من الأحيان إلى الإيذاء، وتوريث الأحقاد، فينبغي تجنُّبه .
الوسائل المعينة على ترك المزَاح المذموم :
1- التَّفكُّر في الأضرار التي قد تنتج عن المزَاح المذموم، واستحضار عواقبه السَّيئة .
2- مراقبة الله واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم باجتناب المزاح الذي فيه ترويع للمسلمين وغير ذلك مما نهي عنه .
3- شَغْل النَّفس بما ينفع، فالاشتغال بالنَّافع يُبعد المرء عن ممارسة الضَّار .
النَّوع الثَّاني المزَاح المحمود :
وهو ما سَلِم من المحظورات الشرعية، ولم يغلب على صاحبه، وكانت فيه مصلحة، وتحققت فيه الضوابط الشرعية .
قال النَّوويُّ : (فأمَّا ما سَلِم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على النُّدرة؛ لمصلحة تَطْيِيب نفس المخَاطَب ومؤانسته، وهو سنَّةٌ مستحبَّة) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .
من ضوابط المزَاح المحمود :
1- ألا يكون فيه استهزاء بشيء من أمور الدِّين :
فالاستهزاء بالدِّين، يُعتبر ناقضًا مِن نواقض الإسلام، ومُخْرِجًا لصاحبه من الملَّة، قال سبحانه وتعالى : " وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " [التَّوبة: 65-66] .
2- أن لا يتضمَّن المزَاح سخريةً أو استهزاءً بالآخرين :
وما أكثر هذه الآفة في المزَّاحين، ولا يخفى أنَّ السُّخرية بالآخرين، تُعتبر كبيرةً من الكبائر، قال سبحانه وتعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [الحجرات: 11] .
3 - أن لا يتَّخذ المرء المزَاح دَيْدَنه وعادته :
وإنَّما يكون كالملح في الطَّعام، فإنَّ الإكثار من المزَاح مُذْهِب للمروءة، ويُفقد الشَّخص الهيبة، وقد يؤدِّي إلى أن يجعل الشَّخص عرضةً لسخرية الآخرين منه. كما ينبغي عليه ألا يبالغ في المزَاح، ولا يطيل فيه .
4- أن يخلو من المعاصي التي كثيرًا ما تصاحب المزَاح غير المنضبط :
وذلك كالغيبة والهَمْز واللَّمز .
5- اختيار الوقت المناسب للمزاح :
وهذا من الضَّوابط المهمَّة للمَزْح، فليس كلُّ وقتٍ يَصلُح للمِزَاح، ولا كلُّ زمانٍ تليق فيه الدُّعابة .
فوائد المزَاح المحمود :
- المزَاح المعتدل يحبِّب الشَّخص إلى النَّاس، ويُكسبه وُدَّهم، ويجعله مرغوبًا محبوبًا .
- مؤانسة الأصحاب، وإدخال السُّرور عليهم .
- التَّخفيف عن النَّفس، وإبعاد الملَالة والسَّأَم عنها .
نماذج من مزاح النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- عن أنس رضي الله عنه : ((أنَّ رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، يهدي النَّبي صلى الله عليه وسلم الهديَّة من البادية، فيجهِّزه النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله : إنَّ زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرَّجل، فقال : أرسلني، مَنْ هذا ؟ فالتفت، فعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يَأْلُو ما ألصق ظهره بصدر النَّبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من يشتري العبد ؟ فقال : يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكن - عند الله - لست بكاسد، أو قال : لكن -عند الله - أنت غال)) [صحح إسناده الألبانى على شرط الشيخين فى تخريج مشكاة المصابيح] .

- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رجلًا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((إنِّي حاملك على ولد النَّاقة، فقال : يا رسول الله، ما أصنع بولد النَّاقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل تلد الإبل إلا النُّوق؟)) [صححه اللبانى فى صحيح سنن أبى داود] .

- نماذج من مزاح السَّلف :
- كان علي رضي الله عنه فيه دعابة، فقد قال عمر رضي الله عنه : (أرجو ألَّا يخالف إن شاء الله، وما أظنُّ أن يلي إلَّا أحد هذين الرَّجلين: علي أو عثمان؛ فإن وليَ عثمان، فرجل فيه لين، وإن وليَ علي ففيه دعابة) [رواه الطبرى فى تاريخ الرسل والملوك] .
- عن بكر بن عبد الله قال : (كان أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، يَتبادَحون بالبطِّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرِّجال) [رواه البخارى فى الأدب المفرد ،وصححه الألبانى فى صحيح الأدب المفرد] .
- قال عطاء بن السَّائب : (كان سعيد بن جبير لا يقصُّ علينا إلَّا أبكانا بوعظه، ولا يقوم من مجلسنا حتى يضحكنا بمزحه) [اللطائف والظرائف ،للثعالبى] .
- قال غالب القطَّان : (أتيت ابن سيرين يومًا، فسألت عن هشام، فقال : تُوفِّي البارحة، أما شعرت ؟! فقلت : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فضحك، فقلت : لعلَّه أراد النَّوم) [شرح السنة ،للبغوى] .
- قال ابن سيرين : (ليس من حُسْن الخُلُق، الغَضَب من المزْح) [الذخائر والعبقريات، للبرقوقى] .
- نماذج من مزاح العلماء المعاصرين :
- كان الشيخ ابن باز رحمه الله حريصًا على ملاطفة جُلَّاسه، وإدخال السُّرور عليهم، وكان يداعبهم، ويمازحهم مزاحًا لا إسراف فيه ولا إسفاف، فمن ذلك: جاءه -ذات مرَّة- مُطَلِّق، فقال له: ما اسمك؟ قال: ذيب، قال: ما اسم زوجتك؟ قال: ذيبة، فقال رحمه الله -مداعبًا-: أسأل الله العافية! أنت ذيب، وهي ذيبة، كيف يعيش بينكما الأولاد؟! [جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، لمحمد الموسى] .
- وهذا الموقف حدث للشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، حيث يقول راوي القصَّة :
(صلى الشَّيخ في الحرم المكي، وعند خروجه استقلَّ سيَّارة تاكسي، وأراد التَّوجُّه إلى مِنى، وأثناء الطَّريق أراد السَّائق أن يتعرَّف على الرَّاكب، فقال من الشَّيخ ؟ فأجابه الشَّيخ: محمد بن عثيمين، فأجابه السَّائق : أنت الشَّيخ ابن عثيمين ؟! - ظنًّا منه أنَّه يمزح معه - فقال : نعم، فقال السَّائق - وهو يهزُّ رأسه متعجبًا من جرأته في تقمُّص شخصية الشَّيخ ابن عثيمين، فقال الشَّيخ للسَّائق : ومن الأخ ؟ فأجاب السَّائق : أنا الشَّيخ عبد العزيز بن باز، وكان ذلك في حياة ابن باز مفتي عام المملكة، فأجابه الشَّيخ: لكن ابن باز ضرير، ولا يمكن أن يسوق سيَّارة! ولما تبيَّن للسَّائق أنَّه الشَّيخ ابن عثيمين، اعتذر منه، وكان في غاية الحرج، وهذا يدلُّنا على تواضع الشَّيخ، ومداعبته لعامة النَّاس) [الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين،لوليد بن أحمد الحسين] .


" النُّبْـــل "

أقوال السَّلف والعلماء في النُّبْل :
- قال معاوية رضي الله عنه : (أتدري من النَّبِيل ؟ هو الذي إذا رأيته هِبْتَه، وإذا غاب عنك اغتبته) [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
- (قيل لمعاوية بن أبي سفيان : ما المروءة ؟ فقال : إصلاح المعيشة، واحتمال الجَرِيرَة، قيل له : فما النُّبْل ؟ قال : مؤاخاة الأَكْفَاء، ومداجَاة الأعداء) [المروءة للمرزبان] .
- (وقيل لمعاوية: ما المروءة؟ فقال: احتمال الجَرِيرَة، وإصلاح أمر العشيرة. فقيل له: وما النُّبْل؟ فقال: الحِلْم عند الغضب، والعفو عند القدرة) [الكامل،للمبرد] .
- وقال الغزالي : (وأما النُّبْل فهو سرور النَّفس بالأفعال العظام) [ميزان العمل،لغزالى] .
- وقال الجاحظ : (ومتى كنت من أهل النُّبْل لم يضرك التَّبذُّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التَّنَـبُّل)  [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
- وقال - أيضًا - : (النُّبْل كَلف بالمولِّي عنه، شَنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد النِّفار ممَّن طلبه) [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
- وقيل : الحياء يزيد في النُّبْل [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .

من فوائد النُّبْل :

1- النُّبْل أهله يعيشون كِرَامًا، ويموتون كِرَامًا .
2- النُّبْل من مكارم الأخلاق الفاضلة .
3- النُّبْل من صفات العظماء والحُكماء .
4- النُّبْل علامة على عُلوِّ الهمَّة، وشرف النَّفس .
5- النُّبْل ينتج حُسْن الخُلُق، كالحِلْم والصَّبر .
6- القائد المتَّصف بالنُّبْل يكون حاذقًا في تعامله .
من موانع اكتساب النُّبْل :
1- التَّكبُّر والتَّعالي على الخَلْق .
2- الدَّناءة وسوء الخُلُق .
3- ظُلْم النَّاس .
4- التَّعجُّل والحُمْق، وسوء التَّفْكير، ونقصان الحِكْمة في الأمور .
5- البخل والشُّح .

نماذج للنُّبْل :
نماذج من نبل السَّلف :
1- قال سعيد بن العاص : (ما شاتمت رجلًا مُذْ كنت رجلًا؛ لأنِّي لا أُشَاتم إلَّا أحدَ رجلين : إمَّا كريم، فأنا أحقُّ من احتمله، وإمَّا لئيم، فأنا أولى من رفع نفسه عنه) [التذكرة الحمدونية،لابن حمدون] .
2- قال الأشعث بن قيس لقومه : (إنَّما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكنِّي أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، وأعود مريضكم، فمن فعل مثل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير منِّي، ومن قصَّر عنه فأنا خير منه، فقيل له : ما يدعوك إلى هذا ؟ قال : أَحُضُّهم على السُّؤدد ومكارم الأخلاق)  [البصائر والذخائر،لأبى حيان التوحيدى] .
3- قال يحيى بن أكثم : قال الرَّشيدي : ما أنبل المراتب ؟ قلت : ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال : فتعرف أجلَّ منِّي ؟ قلت : لا، قال : لكنِّي أعرفه؛ رجل في حَلْقَة يقول : حدَّثنا فلان عن فلان عن رسول الله، قال : قلت يا أمير المؤمنين، أهذا خير منك، وأنت ابن عمِّ رسول الله، ووليُّ عهد المؤمنين ؟ قال : نعم، وَيْلك ! هذا خير منِّي؛ لأنَّ اسمه مقترن باسم رسول الله لا يموت أبدًا، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدَّهر [مفتاح دار السعادة] .

من صفات النُّبْل :
من صفات النُّبْل، المروءة وبُعْد الهمَّة، وبهاء المنظر، وجَزَالة اللَّفظ، والمقامات الكريمة [انظر:الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
أبو عاصم النَّبِيل، وسبب لقبه بذلك :
روى أبو عبيد الآجرِّي عن أبي داود، قال : (كان أبو عاصم يحفظ قدر ألف حديث من جيِّد حديثه، وكان فيه مِزَاح، ويقال : إنَّما قيل له : النَّبِيل؛ لأنَّ فيلًا قدم البصرة، فذهب النَّاس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج : ما لك لا تنظر ؟ قال : لا أجد منك عوضًا، قال : أنت نَبِيل) [سير أعلام النبلاء] .


" النزاهــة "

النزاهة في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " [المدَّثر: 4] .
قال ابن عبد البر : (تأوَّلوا قوله تعالى : " وثيابك فطهِّر " على ما تأوَّله عليه جمهور السَّلف، من أنَّها طهارة القلب، وطهارة الجيب، ونزاهة الـنَّفْس عن الدَّنايا والآثام والذُّنوب) [الاستذكار ،لابن عبد البر] .
- قال تعالى : " ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " [البقرة: 222] .
قال الرَّازي : (أمَّا قوله تعالى: يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ففيه وجوه أحدها: المراد منه الـتَّنْزِيه عن الذُّنوب والمعاصي؛ وذلك لأنَّ التَّائب هو الذي فعله ثمَّ تركه، والمتَطَهِّر هو الذي ما فعله تَنَزُّهًا عنه، ولا ثالث لهذين القسمين، واللَّفظ مُحْتمل لذلك؛ لأنَّ الذَّنب نجاسة روحانيَّة، ولذلك قال : " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " [التَّوبة: 28] فتركه يكون طهارة روحانيَّة، وبهذا المعنى يُوصَف الله تعالى بأنَّه طاهر مُطَهَّر؛ من حيث كونه مُنَزَّهًا عن العيوب والقبائح) [تفسير الرازى] .
ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مُشَبَّهات، لا يعلمها كثير من النَّاس، فمن اتَّقى المشَبَّهات، استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن وقع في الشُّبهات، كرَاعٍ يرعى حول الحِمَى، يوشك أن يُوَاقعه، أَلَا وإنَّ لكلِّ ملك حِمَى، أَلَا إنَّ حِمَى الله في أرضه محارمه، أَلَا وإنَّ في الجسد مُضْغة، إذا صَلُحَت، صَلُح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدَت، فَسَد الجسد كلُّه، أَلَا وهي القلب)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن رجب : (من اتَّقى الأمور المشْتبَهة عليه، التي لا تتبيَّن له : أحلال هي أو حرام ؟ فإنَّه مُسْتَبرئ لدينه، بمعنى : أنَّه طالبٌ له البَرَاء والـنَّزَاهَة مما يُدَنِّسه ويُشِينه) [فتح البارى] .
- وعن علي بن الحسين رضي الله عنهما ((أنَّ صفيَّة - زوج النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم - أخبرته : أنَّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عنده ساعة، ثمَّ قامت تَنْقلب، فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم معها يَقْلِبها، حتى إذا بلغت باب المسجد - عند باب أمِّ سَلَمة - مرَّ رجلان من الأنصار، فسلَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النَّبي صلى الله عليه وسلم : على رِسْلِكما، إنَّما هي صفيَّة بنت حُيي، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ! وكَبُر عليهما، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : إنَّ الشَّيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدَّم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال الماوردي : (هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد خلق الله من الرِّيَب وأصونهم من التُّهم... فكيف من تخالجت فيه الشُّكوك، وتقابلت فيه الظَّنون؟ فهل يَعْرى مَن في مواقف الرِّيَب مِن قادح محقَّق، ولائم مُصدَّق ؟) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .

أقوال السَّلف والعلماء في النَّزَاهَة :
- قال عمر بن عبد العزيز : (إذا كان في القاضي خمس خصال، فقد كَمُل : علمٌ بما كان قَبله، ونَزَاهةٌ عن الطَّمع، وحِلْمٌ عن الخَصْم، واقتداءٌ بالأئمة، ومُشَاورة أهل العلم والرأي) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وقال ابن حزم : (نَزَاهة النَّفس، وهذه صفة فاضلة مُتَرَكِّبة من النَّجدة والجود والعدل والفهم؛ لأنَّه فَهِم قلَّة الفائدة في استعمال ضدِّها، فاستعملها، وكانت فيه نجدة أنتجت له عزَّة نفسه، فتنزَّه، وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس، فلم يهتمَّ لما فاته، وكانت فيه طبيعة عدل، حببت إليه القُنوُع وقلَّة الطَّمع) [رسائل ابن حزم] .

- وقال ابن الجوزي : (دليل كمال صورة الباطن، حُسن الطَّبائع والأخلاق، فالطَّبائع : العِفَّة والنَّـزَاهَة والأنَفَة من الجهل، ومُبَاعدة الشَّرَه، والأخلاق : الكَرَم والإيثار وسَتْر العيوب، وابتداء المعروف، والحِلْم عن الجاهل. فمن رُزِق هذه الأشياء، رَقَّته إلى الكمال وظهر عنه أشرف الخِلال وإن نقصت خُلَّة أوجبت النَّقص) [صيد الخاطر] .

من فوائد النَّزَاهَة :
1- النَّزَاهَة طاعة لله سبحانه وتعالى .
2- النَّزَاهَة تحفظ النَّفس عن الانزلاق والانحراف .
3- النَّزَاهَة خُلُق يثمر أخلاقًا أخرى، كالقناعة والورع .
4- النَّزاهَة من ثمارها: محبَّة الله للعبد، ومِن ثَمَّ محبَّة النَّاس له .
5- المتحلِّي بالنَّزاهَة، يتحلَّى بخُلُق تحلَّى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6- النَّزاهَة سبب من أسباب التَّقوى .
أقسام النَّزَاهَة :
قَسَّم الماوردي النَّزَاهَة إلى قسمين، فقال : (النَّزاهة نوعان : أحدهما : النَّزاهة عن المطامع الدَّنيَّة .
والثَّاني : النَّزاهة عن مواقف الرِّيبة .

من صور النَّزاهَة :
1- التَّنَزُّه عن المال المشبوه :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان لأبي بكر غلام يُخْرج له الخَراج، وكان أبو بكر يأكل من خَراجه، فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهَّنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحْسِن الكَهَانَة، إلَّا أنِّي خدعته، فلقيني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه . فأدخل أبو بكر يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه) [رواه البخارى] .
2- التَّنَزُّه عن مواقف الرِّيبة :
وقد تقدم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتته صفية تزوره في المسجد، وهو معتكف، ثم خرج ليوصلها، فرآه رجلان من الأنصار، فسلما عليه، فقال لهما النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((على رِسْلِكما، إنَّما هي صفيَّة بنت حُيي)) [رواه البخارى ومسلم] خوفًا من أن يقذف الشيطان في قلبيهما شيئًا فيهلكا .

من موانع اكتساب النَّزَاهَة :
1- الطَّمع في الدُّنْيا ونسيان الآخرة .
قال ابن حزم : (ولولا الطَّمع، ما ذلَّ أحدٌ لأحدٍ) [رسائل ابن حزم] .
2- الشَّرَه، وحبُّ التَّوسُّع في جمع الأموال .
3- الجبن؛ لأنَّه يُولِّد المهَانَة والذُّلَّ .
4- البخل والشُّحُّ؛ لأنَّه يُوَلِّد الطَّمع .

من  الوسائل المعينة على اكتساب النَّزَاهَة :
1- الدُّعاء :
كان من دعائه صلى الله عليه وسلم الهِدَاية إلى أحسن الأخلاق، فكان يقول : ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنِّي سيِّئها، لا يصرف عنِّي سيِّئها إلا أنت)) [رواه مسلم] .
2- القناعة والبُعْد عن الطَّمع :
عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقَنَّعه الله)) [رواه مسلم] .
وقال ابن حجر : (وفيه إشارةٌ إلى فضل القناعة، وذمِّ الشَّرَه) [فتح البارى] .
3- النَّجدة والجود والعدل :
قال ابن حزم : (نَزَاهة النَّفس، وهذه صفة فاضلة مُتَـرَكِّبة من النَّجدة والجود والعدل والفهم؛ لأنَّه فَهِم قلَّة الفائدة في استعمال ضدِّها، فاستعملها، وكانت فيه نجدة أنتجت له عزَّة نفسه، فتنزَّه، وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس، فلم يهتمَّ لما فاته، وكانت فيه طبيعة عدل، حبَّبت إليه القُنوُع وقلَّة الطَّمع. فإذًا نَزَاهة النَّفس مُتَـرَكِّبةٌ من هذه الصِّفات) [رسائل ابن حزم] .

نماذج للنَّزَاهة من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم :
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنِّي لأنقلب إلى أهلي، فأجد التَّمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخشى أن تكون صدقة، فألقيها)) [رواه البخارى ومسلم] .

نماذج للنَّزَاهة من حياة السلف :
أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
- عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال : (لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال : يا عائشة، انظري اللَّقحة التي كنَّا نشرب من لبنها، والجَفْنة التي كنَّا نصْطَبح فيها، والقطيفة التي كنَّا نلبسها، فإنَّا كنَّا ننتفع بذلك حين كنَّا في أمر المسلمين، فإذا مِت فاردديه إلى عمر، فلمَّا مات أبو بكر رضي الله عنه، أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه : رضي الله عنك يا أبا بكر، لقد أتعبت من جاء بعدك) [رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد،رجاله ثقات] .
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
- عن عمر رضي الله عنه قال : (إنَّه لا أجده يحلُّ لي أن آكل من مالكم هذا، إلَّا كما كنت آكل من صلب مالي : الخبز والزَّيت، والخبز والسَّمن، قال : فكان ربَّما يُؤْتى بالجَفْنة قد صُنعت بالزَّيت، وممَّا يليه منها سمن، فيعتذر إلى القوم، ويقول : إنِّي رجل عربي، ولست أستمري الزَّيت) [الورع ،لابن أبى الدنيا] .
- وعن زيد بن أسلم : (أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه : من أين لك هذا اللَّبن ؟ فأخبره أنَّه ورد على ماء قد سمَّاه، فإذا نَعَمٌ من نَعَمِ الصَّدقة، وهم يسقون، فحلبوه لي مِن ألبانها، فجعلته في سقائي، وهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه) [رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد،رجاله ثقات] .
سالم بن عبد الله بن عمر :
- دخل هشام بن عبد الملك إلى الكعبة، فإذا هو بسالم، فقال له : سَلْني حاجتك. فقال : إنِّي أستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلمَّا خرجا منها، قال : الآن قد خرجت منها فاسأل، فقال : والله ما سألت الدُّنْيا ممن يملكها، فكيف أسأل فيها من لا يملكها ؟ [الورافى للوفيات،للصفدى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4239
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق" المحمودة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:31 am



" النَّشَـــاط "

التَّرغيب في النَّشَاط :
- عن أنس رضي الله عنه : (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور، حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال : فتكلَّم أبو بكر فأعرض عنه، ثمَّ تكلَّم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيَّانا تريد، يا رسول الله ؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحرَ لأخَضْناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغماد لفعلنا) [رواه مسلم] .
قال ابن كثير : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم) [تفسير ابن كثير] .
- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لكلِّ عمل شِرَّة، ولكلِّ شِرَّة فَتْرة، فمن كانت فَتْرته إلى سنَّتي، فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك، فقد هلك)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال الهيتمي : (شِرَّة : أي بكسر المعجمة، فشدَّة للرَّاء، فتاء تأنيث: نَشَاط وهمَّة) [الزواجر، للهيتمى] .
- وعن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال : (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السَّمع والطَّاعة في العسر واليسر، والمنْشَط والمكْرَه، وعلى أَثَـرَة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحقِّ أينما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم) [رواه البخارى ومسلم] .
قال أبو الوليد الباجي : (... ((والمنْشَط والمكْرَه))، يريد : وقت النَّشَاط إلى امتثال أوامره، ووقت الكراهية لذلك، ولعلَّه أن يريد بالمنْشَط : وجود السَّبيل إلى ذلك، والتَّفرُّغ له، وطِيب الوقت، وضعف العدو) [المنتقى] .

أقوال السلف والعلماء في النَّشَاط :
- قال علي رضي الله عنه : (أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشَّهادة، وكلمة الحقِّ في الرِّضا والغضب، والقصد في الغِنَى والفقر، والعدل في الصَّديق والعدو، والعمل في النَّشَاط والكسل) [الإعجاز والإيجاز،للثعالبى] .
- وقال ابن القيِّم : (الكسَالى أكثر النَّاس همًّا وغمًّا وحزنًا، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النَّشَاط والجِدِّ في العمل) [روضة المحبين] .
- وقال آخر : (كلبٌ طوَّاف، خيرٌ من أسد رابض) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وقال آخر : (لا يفترس الأسد الظبي وهو رابض) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وقال آخر : (اجعل الاجتهاد غنيمة صحَّتك، والعمل فرصة فراغك) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .
- وقال آخر : (العمل تُرْس يقي سهام البلاء، والجِدُّ سيف يقطع أعناق الشَّقاء) [جمال الخواطر،لمحمد الحسن السمان] .

من فوائد النَّشَاط :
1- أنَّ النَّشَاط خُلُق من أخلاق المؤمنين .
2- النَّشَاط سبب صفاء الذِّهن، وصدق الحِسِّ، وكثرة الصَّواب .
قال ابن عبد ربِّه : (وبالنَّشَاط يصفو الذِّهن، ويصْدق الحِسُّ، ويكثر الصَّواب) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
3- علامة من علامات دحر الشيطان بذكر الله .
4- به تعمر الدنيا، وتفتح البلدان لنشر دين الله .
5- به يُذاد عن الأوطان، وتُحمى الأعراض وتُنشر الفضيلة، وتُدحر الرذيلة .
6- النشاط في عمل الخير يكسب المرء حبَّ الله ورضا الناس، ويرفع ذكره في العالمين .

من صور النَّشَاط :
1- استثمار الوقت والاستفادة منه، وعدم تضييعه فيما لا يفيد .
2- الإقبال على كلِّ عمل جدِّي، مع الالتزام والانضباط .
3- الإتقان في العمل، وتنظيمه .
4- تحديد الأهداف، والسَّعي إلى تحقيقها .
5- الإقبال على فعل الطَّاعات بجدٍّ ونشاط :
قال تعالى : " وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى " [التَّوبة: 54].
قال السعدي : (ينبغي للعبد أن لا يأتي الصَّلاة إلَّا وهو نشيط البدن والقلب إليها) [تفسير السعدى] .
من موانع اكتساب النَّشَاط :
1- عدم الذِّكر والوضوء والصَّلاة عند الاستيقاظ .
2- مخالفة أوامر الله، والبُعْد عن طاعته .
3- التَّشاؤم والطِّيرة، والبُعْد عن التَّفاؤل؛ حيث إنَّه بالتَّشاؤم يتكاسل الإنسان، ويحصل له الهمُّ والحزن .
4- العزلة وعدم الاختلاط بالصَّالحين .
5- مجالسة الكسالى والمثبِّطين .
6- عدم الشُّعور بالمسؤوليَّة .
7- النِّفاق يورث الكَسَل في العبادة لا محالة، كما قال تعالى : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً " [النَّساء: 142] .
من الوسائل المعينة على اكتساب النَّشَاط وزيادته :
1- ذكر الله :
قال تعالى : " اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ " [المائدة: 20] .
(فإنَّ ذكرها داعٍ إلى محبَّته تعالى، ومُنَشِّط على العبادة) [تفسير السعدى] .
2- التَّذكير بآيات الله :
قال تعالى : " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ " [السجدة: 15] قال السعدي : (يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتَّسليم لها، وتجد عندهم آذانًا سامعةً، وقلوبًا واعيةً، فيزداد بها إيمانهم، ويتمُّ بها إيقانهم، وتُحدث لهم نشاطًا، ويفرحون بها سرورًا واغتباطًا) [تفسير السعدى] .
وقال تعالى : " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ " [الذاريات: 55] .
(والتذكير نوعان : تذكير بما لم يعرف تفصيله... والنَّوع الثَّاني : تذكيرٌ بما هو معلومٌ للمؤمنين، ولكن انسحبت عليه الغفلة والذُّهول، فيُذَكَّرون بذلك، ويُكَرَّر عليهم؛ ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا، ويعملوا بما تذكَّروه من ذلك، وليحدث لهم نشاطًا وهمَّة، توجب لهم الانتفاع والارتفاع) [تفسير السعدى] .
3- الفَرَح بفضل الله ورحمته :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس: 57-58] .
(وإنَّما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته؛ لأنَّ ذلك ممَّا يوجب انبساط النَّفس ونشاطها) [تفسير السعدى] .
4- التَّأمُّل في قصص السَّابقين :
قال تعالى : " وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ " [هود: 120] .
فؤادك (أي : قلبك؛ ليطمئن ويَثْبُت، ويصبر كما صبر أولو