القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز

القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز كنز ورسالة لمنهج حياة للعالم الإسلامي اجمع
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 موسوعة الأخلاق "المذمومة"

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:40 am

۞بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ۞
۞ٱلْسَلآمّ ٍعَلْيّكَمُ وٍرٍحَمُةٌ اللَّــْـْہ ۆبُركَاته۞
۞أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من ♥️هَمْزِهِ، ♥️ونَفْثِهِ،♥️ونَفْخِهِ۞
۞الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ۞
۞أَشْهَدُ أَنّ لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله ♥️وأَشْهَدُ ان محمداً رسول الله۞
۞تحية من عند الله طيبة مباركة۞



موسوعة الأخلاق المذمومة
" الإِسَــاءة "

ذمُّ الإِسَاءة والنهي عنها :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ " [البقرة: 83] .
(وفيه النَّهي عن الإِسَاءة إلى الوالدين.. وللإحسان ضدَّان : الإِسَاءة، وهي أعظم جرمًا، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .
- قال تعالى : " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ " [المؤمنون: 96] .
(أي : إذا أَسَاء إليك أعداؤك، بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإِسَاءة) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .
- قال تعالى : " إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا " [الإسراء: 7] .
(أي : فإليها ترجع الإِسَاءة لِمَا يتوجَّه إليها مِن العقاب، فرغَّب في الإحسان، وحذَّر مِن الإِسَاءة) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .

- قال تعالى : "  مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ " [الجاثية: 15] .
قال السعدي : (وفي هذا حثٌّ على فعل الخير، وترك الشَّرِّ، وانتفاع العاملين، بأعمالهم الحسنة، وضررهم بأعمالهم السَّيِّئة) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : أنَّ النَّبي بعثه إلى قوم، فقال : يا رسول الله، أوصني،قال : ((افشِ السَّلام وابذل الطَّعام... وإذا أَسَأت فأَحْسِن، ولتحسِّن خلقك ما استطعت)) [صححه الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة] .
قال ملا علي القاري : (وإذا أَسَأت فأَحْسِن. وهو يحتمل معنيين، أحدهما : أنَّه إذا فعل معصية، يحدثها توبة، أو طاعة، وإذا أَسَاء إلى شخصٍ، أَحْسَن إليه، ومنه قوله تعالى : " وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ " [فصِّلت: 34]) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .
- عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَن أحسن فيما بقي، غُفِر له ما مضى، ومَن أَسَاء فيما بقي، أُخِذ بما مضى وما بقي)) [حسنه الألبانى فى صحيح الترغيب] .

أقوال السَّلف والعلماء في الإِسَاءة :
- عن الحسن البصري أنَّه كان يقول : (إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وشفقةً، وإنَّ المنافق جمع إِسَاءةً وأَمْنًا) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
- وقال ابن حزم : (لم أرَ لإبليس أَصْيَد ولا أَقْـبَح ولا أَحْمَق مِن كلمتين ألقاهما على أَلْسِنة دُعَاته :
إحداهما : اعتذار مَن أَسَاء بأنَّ فلانًا أَسَاء قبله .
والثَّانية : استسهال الإنسان أن يُسيء اليوم؛ لأنَّه قد أَسَاء أمس، أو أن يُسيء في وجهٍ ما؛ لأنَّه قد أَسَاء في غيره) [رسائل ابن حزم] .
- وقال -أيضًا - : (مَن أَسَاء إلى أهله وجيرانه فهو أَسْقَطُهم، ومَن كَافَأ مَن أَسَاء إليه منهم، فهو مثلهم، ومَن لم يكافئهم بإساءتهم، فهو سيِّدهم وخيرهم وأفضلهم) [رسائل ابن حزم] .
- وقال بعض السَّلف : (ما أحسنتُ إلى أحدٍ، وما أسأتُ إلى أحدٍ، وإنَّما أحسنتُ إلى نفسي، وأسأتُ إلى نفسي) [مجموع فتاوى ابن تيمية] .

من آثار الإِسَاءة :
1- الإِسَاءة صفة مِن صفات المنافقين : عن الحسن البصري، أنَّه كان يقول : (إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وشفقةً، وإنَّ المنافق جمع إِسَاءة وأَمْنًا) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
2- أنَّ مَن رضي لنفسه بالإِسَاءة، شهد على نفسه بالرَّداءة .
3- أنَّ الإِسَاءة مِن أسباب قسوة القلب .
4- أنَّ الإِسَاءة تمنع مِن الشَّفاعة .
قال أبو الدَّرداء رضى الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يكون اللَّعَّانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)) [رواه مسلم] .
قال ابن القيِّم : (قول النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((لا يكون اللَّعَّانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)) لأنَّ اللَّعن إساءة، بل مِن أبلغ الإِسَاءة، والشَّفاعة إحسان، فالمسيء في هذه الدَّار باللَّعن، سلبه الله الإحسان في الأخرى بالشَّفاعة، فإنَّ الإنسان إنَّما يحصد ما يزرع، والإِسَاءة مانعة مِن الشَّفاعة التي هي إحسان) [بدائع الفوائد،لابن القيم] .

من أسباب الوقوع في الإِسَاءة :
1- مقابلة الإِسَاءة بأشدَّ منها .
2- قسوة القلب .

من أسباب الوقوع في إِسَاءة الإنسان على نفسه :
1- اليأس :
قال ابن القيِّم : (الخوف الموقِع في الإياس : إساءة أدب على رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه، وجهلٌ بها) [مدارج السالكين ،لابن القيم] .

2- سوء الظَّنِّ :
عن معمر، قال : (تلا الحسن : " وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ " [فصِّلت: 23] فقال : إنَّما عَمِل النَّاس على قَدْر ظنونهم بربِّهم؛ فأمَّا المؤمن فأَحْسَن بالله الظَّنَّ، فأَحْسَن العمل؛ وأمَّا الكافر والمنافق فأساءا الظَّنَّ، فأساءا العمل) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
وقال ابن القيِّم : (وأمَّا المسيء المصرُّ على الكبائر والظُّلم والمخالفات، فإنَّ وحشة المعاصي والظُّلم والحرام تمنعه مِن حُسْن الظَّنِّ بربِّه، وهذا موجودٌ في الشَّاهد، فإنَّ العبد الآبق -الخارج عن طاعة سيِّده- لا يُحْسِن الظَّنَّ به، ولا يجامع وحشة الإِسَاءة إحسان الظَّنِّ أبدًا) [الجواب الكافى،لابن القيم] .

من الوسائل المعينة على ترك الإِسَاءة :
1- الحِلْم :
قال تعالى : " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ " [المؤمنون: 96] .
قال السعدي : (أي : إذا أَسَاء إليك أعداؤك بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإِسَاءة، مع أنَّه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته، ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم، فإنَّ ذلك فَضْلٌ منك على المسيء. ومِن مصالح ذلك : أنَّه تَخِفُّ الإِسَاءة عنك في الحال، وفي المستقبل، وأنَّه أَدْعَى لجلب المسيء إلى الحقِّ، وأقرب إلى ندمه وأسفه، ورجوعه بالتَّوبة عمَّا فعل، وليتَّصف العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوَّه الشَّيطان، وليستوجب الثَّواب مِن الرَّبِّ) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .
2- الاستغفار :
عن علي رضي الله عنه قال : (ليس الخير أن يَكْثُر مالك وولدك، ولكن الخير أن يَكْثُر علمك، ويَعْظُم حلمك، وأن تباهي النَّاس بعبادة ربِّك، فإن أَحْسَنت حَمَدت الله، وإن أسأت استغفرت الله) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
3- معرفة أنَّ في ترك الإِسَاءة رجاحة النَّفس، وراحة القلب :
قال القاضي المهدي : (ولو لم يكن في الصَّفح -وترك الإِسَاءة- خَصْلَةٌ تُحمَد إلَّا رجاحة النَّفس ووَدَاع القلب، لكان الواجب على العاقل أن لا يكدِّر وقته بالدُّخول في أخلاق البهائم...) [صيد الأفكار ،لحسين المهدى] .
4- حُسْن الظَّنِّ بالله .

بين الإِسَاءة والإحسان :
الإِسَاءة ضدُّ الإحسان، والإحسان واجبٌ، فالإِسَاءة ممنوعةٌ؛ لأنَّ قولك : أَحْسِن إلى فلان، يقوم مقام قولك : لا تسئ إليه، وذلك معنى مقتضاه فقط. وأما قولك : لا تسيء إليه، فليس فيه الإحسان إليه، وكذلك إذا قلت : لا تحسن إليه، فليس فيه أن تسيء إليه أصلًا؛ لأنَّ هذا مِن الأضداد التي بينها وسائط، والوسيطة هاهنا التي بين الإِسَاءة والإحسان : المتَاركة، وأمَّا إذا قلت : أَسِئ إلى فلان، ففيه رفع الإحسان عنه؛ لأنَّ الضدَّ يدفع الضدَّ، إذا وقع أحدهما بطل الآخر [رسائل ابن حزم] .


" الإسراف والتبذير "

ذم الإسراف والتبذير والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا " [النساء: 6] .
قال ابن كثير : (ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافًا) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .
وقال الماوردي : (يعني لا تأخذوها إسرافًا على غير ما أباح الله لكم، وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما ليس بمباح، فربما كان في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط فاللغة المستعملة فيه أن يقال أسرف إسرافًا، وإذا كان في التقصير قيل سرف يسرف) النكت والعيون ،للماوردى] .
- وقال سبحانه : " وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " [الأنعام: 141] .
قال الطبري : (السرف الذي نهى الله عنه في هذه الآية، مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال) [جامع البيان، للطبرى] .

- وقوله سبحانه : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " [الفرقان: 67] .
قال ابن كثير : (أي : ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقِّهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ، كما قال : " وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا " [الإسراء: 29]) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .

ثانيًا : في السنة النبوية : - عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
قال العيني : (قوله : وإضاعة المال هو صرفه في غير ما ينبغي) [عمدة القارى،للعينى] .
وذكر القاري عن الطِّيبي قوله : (قيل : والتقسيم الحاصر فيه الحاوي بجميع أقسامه أن تقول : إنَّ الذي يصرف إليه المال، إما أن يكون واجبًا، كالنفقة والزكاة ونحوهما، فهذا لا ضياع فيه، وهكذا إن كان مندوبًا إليه، وإما أن يكون مباحًا، ولا إشكال إلا في هذا القسم، إذ كثير من الأمور يعدُّه بعض الناس من المباحات، وعند التحقيق ليس كذلك، كتشييد الأبنية وتزيينها، والإسراف في النفقة، والتوسع في لبس الثياب الناعمة والأطعمة الشهية اللذيذة، وأنت تعلم أنَّ قساوة القلب وغلظ الطبع يتولَّد من لبس الرقاق، وأكل الرقاق، وسائر أنواع الارتفاق، ويدخل فيه تمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة، وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب، حتى تضيع وتهلك، وقسمة ما لا ينتفع الشريك به كاللؤلؤة والسيف يكسران، وكذا احتمال الغبن الفاحش (6) في البياعات، وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر، وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق الذي هو منبع الأخلاق الحميدة، والخلال الجميلة)  [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .
- وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده : أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، قال : ((كلْ من مال يتيمك غير مسرف، ولا مباذر، ولا متأثِّل )) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .
(قال النخعي : لا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما يستر العورة، ويأكل ما يسدُّ الجوعة) [عمدة القارى،للعينى] .

أقوال السلف والعلماء في الإسراف والتبذير :
- قال عمر رضي الله عنه : (كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى) [ذكره الهيتمى فى الصواعق المحرقة] .
- وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قال : (كلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خلَّتان : سرف أو مخيلة) [رواه ابن أبى شيبة فى المصنف] .

- وعن عثمان بن الأسود قال : (كنت أطوف مع مجاهد بالبيت فقال : لو أنفق عشرة آلاف درهم في طاعة الله ما كان مسرفًا ولو أنفق درهمًا واحدًا في معصية الله كان من المسرفين) [تفسير القرآن ،لأبى المظفر السمعانى] .
- وقال مالك : (التبذير هو أخذ المال من حقِّه، ووضعه في غير حقِّه، وهو الإسراف) [الجامع لأحكام القرآن ،للقرطبى] .
- وقال الشافعي: (التبذير إنفاق المال في غير حقِّه ولا تبذير في عمل الخير) [الجامع لأحكام القرآن ،للقرطبى] .

من آثار الإسراف والتبذير :
1- عدم محبة الله للمسرفين والمبذرين :
قال تعالى : " إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " [الأنعام: 141] .
قال ابن عاشور : (فبيَّن أنَّ الإسراف من الأعمال التي لا يحبُّها، فهو من الأخلاق التي يلزم الانتهاء عنها، ونفي المحبة مختلف المراتب، فيعلم أنَّ نفي المحبة يشتدُّ بمقدار قوة الإسراف، وهذا حكم مجمل، وهو ظاهر في التحريم) [التحرير والتنوير،لابن عاشور] .
2- يفضي إلى طلب المال بالكسب الحرام :
لأنَّ المسرف ربما ضاقت به المعيشة، نتيجة لإسرافه؛ فيلجأ إلى الكسب الحرام، قال ابن عاشور : (فوجه عدم محبة الله إياهم أنَّ الإفراط في تناول اللذات والطيبات، والإكثار من بذل المال في تحصيلها، يفضي غالبًا إلى استنزاف الأموال، والشَّره إلى الاستكثار منها، فإذا ضاقت على المسرف أمواله؛ تطلَّب تحصيل المال من وجوه فاسدة، ليخمد بذلك نهمته إلى اللذات، فيكون ذلك دأبه، فربما ضاق عليه ماله، فشقَّ عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق، وربما تَطَلَّب المال من وجوه غير مشروعة، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدنيا أو في الآخرة، ثم إنَّ ذلك قد يعقب عياله خصاصة، وضنك معيشة، وينشأ عن ذلك ملام، وتوبيخ، وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة) [التحرير والتنوير،لابن عاشور] .
3- الإسراف في الأكل يضرُّ بالبدن :
قال علي بن الحسين بن واقد : (جمع الله الطبَّ كلَّه في نصف آية فقال : " وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ " [الأعراف: 31]) [معالم التنزيل،للبغوى] .
وقال ابن عاشور : (ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل اللحوم والدسم؛ لأنَّ ذلك يعود بأضرار على البدن، وتنشأ منه أمراض معضلة .
وقد قيل : إنَّ هذه الآية جمعت أصول حفظ الصحة من جانب الغذاء، فالنهي عن السرف نهي إرشاد لا نهي تحريم) [التحرير والتنوير،لابن عاشور] .
وقال محمد رشيد رضا : (فمن جعل شهوة بطنه أكبر همه فهو من المسرفين، ومن بالغ في الشبع وعرض معدته وأمعاءه للتخم؛ فهو من المسرفين، ومن أنفق في ذلك أكثر من طاقته، وعرض نفسه لذلِّ الدين، أو أكل أموال الناس بالباطل؛ فهو من المسرفين، وما كان المسرف من المتقين) [تفسير المنار] .
4- المسرف والمبذر يشاركه الشيطان في حياته :
إنَّ الذي يسرف ويبذر معرض لمشاركة الشيطان في مسكنه، ومطعمه، ومشربه، وفراشه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان)) [رواه مسلم] .
5- الإسراف والتبذير من صفات إخوان الشياطين :
قال تعالى : " وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا " [الإسراء: 26-27] .
قال السعدي : (لأنَّ الشيطان لا يدعو إلا إلى كلِّ خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا عصاه دعاه إلى الإسراف والتبذير، والله تعالى إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوالَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " [الفرقان: 67]) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .

من صور الإسراف ومظاهره :
لا شكَّ أنَّ الإسراف تتعدَّد صوره ومظاهره، وهو يقع في أمور كثيرة كالمأكل، والمشرب، والملبس، والمركب، والمسكن، وغيرها، ومن هذه الصور :
1- الإسراف على الأنفس بالمعاصي والآثام :
قال تعالى : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ " [الزمر: 53] .
قال القاسمي : (أي جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والكفر... لا تيأسوا من مغفرته بفعل سبب يمحو أثر الإسراف إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " [الزمر: 53] أي لمن تاب وآمن. فإنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله " إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ " [الزمر: 53-54] أي : توبوا إليه وَأَسْلِمُوا لَهُ أي استسلموا وانقادوا له، وذلك بعبادته وحده وطاعته وحده، بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه) [محاسن التأويل] .
2- الإسراف في الأكل، والشبع المفرط :
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في تناول الطعام فقال : ((ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال القرطبي : (من الإسراف الأكل بعد الشبع، وكلُّ ذلك محظور، وقال لقمان لابنه : يا بني لا تأكل شبعًا فوق شبع، فإنك أن تنبذه للكلب خير من أن تأكله) [الجامع لأحكام القرآن ،للقرطبى] .

من أسباب الإسراف والتبذير :
1- الجهل :
جهل المسرف والمبذر بأحكام الشريعة الإسلامية، فربما لا يعرف أنَّ الإسراف والتبذير منهي عنه فيقع فيه .
2- التأثر بالبيئة :
فالإنسان الذي يعيش في بيئة تكثر فيها مظاهر الإسراف والترف، سيتأثر بها، مقلدًا من يعيشون حوله، ومن يختلط بهم .
3- السعة بعد الضيق :
(قد يكون الإسراف سببه السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر ذلك أن كثيرًا من الناس قد يعيشون في ضيق، أو حرمان، أو شدة، أو عسر، وهم صابرون محتسبون بل وماضون في طريقهم إلى ربهم، وقد يحدث أن تتغير الموازين، وأن تتبدل الأحوال فتكون السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر، وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط، أو الاعتدال، فينقلب على النقيض تمامًا فيكون الإسراف، أو التبذير) [آفات على الطريق،للسيد محمد نوح] .

من الوسائل المعينة على ترك الإسراف والتبذير :
1- الاعتدال في النفقة :
قال تعالى : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " [الفرقان: 67] .
2- البعد عن مجالسة المسرفين والمبذرين :
ويكون بـ (الانقطاع عن صحبة المسرفين، مع الارتماء في أحضان ذوى الهمم العالية، والنفوس الكبيرة، الذين طرحوا الدنيا وراء ظهورهم، وكرسوا كلَّ حياتهم من أجل استئناف حياة إسلامية كريمة، تصان فيها الدماء والأموال والأعراض، ويقام فيها حكم الله عز وجل في الأرض، غير مبالين بما أصابهم ويصيبهم في ذات الله، فإنَّ ذلك من شأنه أن يقضي على كلِّ مظاهر السرف، والدعة، والراحة، بل ويجنبنا الوقوع فيها مرة أخرى، لنكون ضمن قافلة المجاهدين، وفي موكب السائرين) [آفات على الطريق،للسيد محمد نوح] .
3- قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الأسوة والقدوة، وهو الذي يقول كما يروي ذلك أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا)) (2)[رواه مسلم] (أَي : كفايتهم من غير إسراف، وهو معنى كفافًا، وقيل : هو سدُّ الرمق) [الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج،للسيوطى] .

4- أن يفكر في عواقب الإسراف والتبذير .

ما قيل في حسن التدبير وذم التبذير :
قال الثعالبي : (من أصلح ماله فقد صان الأكرمين : الدين، والعرض،  ما عالَ مقتصدٌ، أصلحوا أموالكم لنَبْوة الزمان، وجفوة السلطان، الإصلاح أحد الكاسبين،لا عيلة على مصلحٍ، ولا مال لأخرق، ولا جود مع تبذير، ولا بخل مع اقتصادٍ، التدبير يثمر اليسير، والتبذير يبدد الكثير، حسن التدبير مع الكفاف، أكفى من الكثير مع الإسراف، القصد أسرع تبليغًا إلى الغاية، وتحصيلًا للأمر، إنَّ في إصلاح مالك جمال وجهك، وبقاء عزِّك، وصون عرضك، وسلامة دينك. التقدير نصف الكسب. أفضل القصد عند الجِدَة، عليك من المال بما يعولك ولا تعوله، من لم يُحمد في التقدير، ولم يُذمَّ في التبذير، فهو سديد التدبير) [التمثيل والمحاضرة] .

وقيل : (ما وقع تبذير في كثير إلَّا هدمه، ولا دخل تدبير في قليل إلا ثمره) .

ما قيل في التوسط في الأمور :

قال تعالى : " وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ " [الإسراء: 29] (عليك بالقصد بين الطريقتين، لا منع ولا إسراف، ولا بخل ولا إتلاف. لا تكن رطبًا فتعصر، ولا يابسًا فتكسر، ولا تكن حلوًا فتسترط، ولا مرًّا فتلفظ. ...


" ذم الافتراء والبهتان "

ذم الافتراء والبهتان والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ " [العنكبوت: 68] .
قال ابن كثير : (لا أحد أشدُّ عقوبة ممن كذب على الله، فقال : إنَّ الله أوحى إليه شيئًا، ولم يوحَ إليه شيء، ومن قال : سأنزل مثل ما أنزل الله، وهكذا لا أحد أشدُّ عقوبة ممن كذَّب بالحقِّ لما جاءه، فالأول مفترٍ، والثاني مكذِّب؛ ولهذا قال : أليس في جهنم مثوى للكافرين) [تفسير القرآن العظيم] .
وقال الطبري : (يقول تعالى ذكره : ومن أظلم أيُّها الناس ممن اختلق على الله كذبًا - فقالوا إذا فعلوا فاحشة : وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، والله لا يأمر بالفحشاء- أو كذَّب بالحقِّ لما جاءه) [جامع البيان] .
- وقال تعالى في من يفتري على الأنبياء : " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا " [الفرقان: 4] .
وقال ابن كثير : (يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن : إن هذا إلا إفك : أي : كذب، افتراه يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعانه عليه قوم آخرون أي : واستعان على جمعه بقوم آخرين، قال الله تعالى : " فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا " أي : فقد افتروا هم قولًا باطلًا هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ مِن أعظم الفِرَى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل)) [رواه البخارى] .
قال العيني : (قوله : الفرى.. جمع: فرية وهي الكذب والبهت... قوله : أن يدَّعي الرجل، أي : أن ينتسب إلى غير أبيه، قوله : أو يُري عينه ما لم ترَ، حاصل المعنى : أن يدَّعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا وما رأتاه،... فإن قلت : إنَّ كذبه في المنام لا يزيد على كذبه في اليقظة، فلم زادت عقوبته ؟ قلت : لأنَّ الرؤيا جزء من النبوة والنبوة، لا تكون إلا وحيًا، والكاذب في الرؤيا يدَّعي أنَّ الله أراه ما لم يره، وأعطاه جزءًا من النبوة، ولم يعطه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على غيره. قوله : (أو يقول)... (أو تقَوَّل)... ومعناه : افترى، قوله: (ما لم يقل)... أي : ما لم يقل الرسول، وفي الحديث : تشديد الكذب في هذه الأمور الثلاثة)[انظر:عمدة القارى،لبدر الدين العينى،بتصرف يسير] .
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أعظم الناس فرية اثنان: شاعر يهجو القبيلة بأسرها، ورجل انتفى من أبيه)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .
قال المناوي : (... ((أعظم الناس فرية)) - بالكسر - أي : كذبًا، ((اثنان)) أحدهما : ((شاعر يهجو)) من الهجو ((القبيلة)) المسلمة ((بأسرها)) أي كلَّها؛ لإنسان واحد منهم كان ما يقتضيه؛ لأنَّ القبيلة لا تخلو من عبد صالح، فهاجي الكلِّ قد تورَّط في الكذب على التحقيق؛ فلذلك قال: أعظم فرية) [فيض القدير] .

أقوال السلف والعلماء في الافتراء والبهتان :
- قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : (البهتان : أن تقول ما ليس فيه) أي أخيك [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- وقال عبد الله بن مسعود : (الغيبة أن تذكر من أخيك شيئًا تعلمه منه، فإذا ذكرته بما ليس فيه، فذلك البهتان) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- وعن مسروق، قال : قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : (ثلاث من تكلَّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ... ومن زعم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية.. ومن زعم أنَّه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية...) [رواه مسلم] .
- وقال فضيل : (في آخر الزمان قوم بَّهاتون، عيَّابون، فاحذروهم؛ فإنهم أشرار الخلق، ليس في قلوبهم نور الإسلام، وهم أشرار، لا يرتفع لهم إلى الله عمل) [التوبيخ والتنبيه،لأبى الشيخ الأصبهانى] .

من آثار الافتراء والبهتان :
1- المفتري على الله سبحانه وتعالى أعظم الظالمين والمجرمين :
قال تعالى : " فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [آل عمران: 94] .
وقال تعالى : " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ " [يونس: 17] .
2- الافتراء والبهتان سمة كلِّ كافر :
قال تعالى : " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ " [النحل: 105] .
3- يؤدِّي للوقوع في الشرك والبدع :
قال ابن تيمية : (الشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا: كلُّ من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركًا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه، فيعطلونها عن الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور، التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها) [اقتضاء الصراط المستقيم] .
4- سبب في الحرمان من الهداية :
قال تعالى : " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " [الأنعام:144] .
5- سبب في عدم الفلاح :
قال تعالى : " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ " [الأنعام: 140] .
وقال تعالى : " قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ " [يونس: 69 ] .
6- يؤدِّي إلى الذُّل والمهانة :
قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " [الأعراف: 152] .
قال السعدي : " وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " فكلُّ مفترٍ على الله، كاذب على شرعه، متقوِّل عليه ما لم يقل، فإن له نصيبًا من الغضب من الله، والذُّل في الحياة الدنيا) [تيسير الكريم الرحمن] .

7- سبب في مناقشة الحساب يوم القيامة :
قال تعالى : " وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ " [العنكبوت: 13] .

حكم الافتراء والبهتان :
قال السمرقندي : (ليس شيء من الذنوب أعظم من البهتان، فإنَّ سائر الذنوب يحتاج إلى توبة واحدة، وفي البهتان يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع، وقد قرن الله تعالى البهتان بالكفر، فقال تعالى : " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ " [الحج: 30]) [تنبيه الغافلين] .
وقال النووي (البهت حرام) [شرح النووى على مسلم] .
وعدَّ الهيتمي البهت من الكبائر، قال : (الكبيرة الرابعة والخمسون بعد المائتين : البهت، لما في الحديث الصحيح... في الغيبة : ((فإن لم يكن فيه فقد بهته)) [رواه مسلم] بل هو أشدُّ من الغيبة؛ إذ هو كذب فيشقُّ على كلِّ أحد، بخلاف الغيبة لا تشقُّ على بعض العقلاء؛ لأنها فيه) [الزواجرعن اقتراف الكبائر،للهيتمى] .
من أنواع الافتراء والبهتان :
1- الافتراء على الله وهو أشد أنواع البهتان وهو نوعان :
النوع الأول : أن يقول : قال الله كذا، وهو كاذب على الله .
والنوع الثاني : أن يفسر متعمدًا كلام الله بغير ما أراد الله؛ لأنَّ المقصود من الكلام معناه، فإذا قال : أراد الله بكذا كذا وكذا، فهو كاذب على الله، شاهد على الله بما لم يرده الله عزَّ وجلَّ .
2- الافتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو نوعان :
النوع الأول : بأن يقول : قال رسول الله كذا، ولم يقله، لكن كذب عليه .
النوع الثاني : تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغير معناه متعمدًا فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم [انظر:شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] .
من صور الافتراء والبهتان :
للافتراء والبهتان صور عديدة منها :
1- الافتراء على الله سبحانه وتعالى :
ومن صوره :
- التشريع في دين الله من غير مستند شرعي :
" قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " [يونس: 59-60] .
- الإفتاء بغير علم :
قال الله تعالى : " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ " [النحل: 116] .
- ادعاء الولاية، والكرامة .
2- الكذب في الرؤيا :
عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((إن من أفرى الفرى أن يُري عينه ما لم ترَ)) [رواه البخارى] .
3- الافتراء على الأنبياء والرسل ونسبتهم للكذب على الله سبحانه :
قال تعالى : " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا " [الفرقان: 4] .
قال تعالى : " إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ " [المؤمنون: 38] وفي حديث واثلة بن الأسقع يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وفيه ((أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل))  [رواه البخارى] .
من أسباب الوقوع في الافتراء والبهتان :
1- الاختلاف والتفرق والتحزب :
قال ابن بطة : (إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أعلمنا اختلاف الأمم الماضين قبلنا، وأنهم تفرقوا واختلفوا، فتفرقت بهم الطرق، حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله عزَّ وجلَّ، والكذب عليه والتحريف لكتابه، والتعطيل لأحكامه، والتعدي لحدوده... قال الله عزَّ وجلَّ : " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " [البقرة: 213]) [الإنابة الكبرى] .
2- التعصب و التقليد الأعمى :
إن الناظر في القرآن ليرى أنَّ معارضات الكفار لجميع الأنبياء والرسل إنما هي بدافع التعصب لدين الآباء والعادات والتقاليد، كما قال تعالى : " مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ " [ص: 7] .
وقال تعالى : " وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ " [الزخرف: 23- 24] .
3- استمراء الكذب والغيبة والنَّمِيمَة.
قصص في الافتراء والبهتان :
1- قصة حادثة الإفك حيث اتهم المنافقون عائشة رضي الله عنها حتى أنزل الله براءتها في القرآن قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ " [النور: 11-16] .
والقصة مشهورة معروفة وهي في الصحيح [رواها البخارى] .
2- عن جابر بن سمرة قال : (شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر رضي الله عنه، فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنَّه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال : يا أبا إسحاق، إنَّ هؤلاء يزعمون أنَّك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق : أما أنا والله، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين وأخفُّ في الأخريين. قال : ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة. قال: أما إذ نشدتنا، فإنَّ سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد : أما والله لأدعونَّ بثلاث : اللهمَّ إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياء وسمعة، فأطلْ عمره، وأطلْ فقره، وعرِّضه بالفتن. وكان بعد إذا سُئل يقول : شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك – راوي الأثر عن سمرة - : فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنَّه ليتعرَّض للجواري في الطرق يغمزهن) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .


عدل سابقا من قبل Admin في الإثنين فبراير 26, 2018 5:01 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:41 am




" إفشاء السر "

ذم إفشاء السر والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً " [النساء: 83] .
قال مقاتل : (أَذَاعُواْ بِهِ: يعني أفشوه) [تفسير مقاتل بن سليمان] .
وقال الطبري: (أَذَاعُواْ بِهِ : أفشوه وبثُّوه في الناس) [جامع البيان] .
قال ابن عباس : (قوله أَذَاعُواْ بِهِ، قال : أعلنوه وأفشوه) [جامع البيان] .
- وقال سبحانه : " وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ " [التحريم: 3] .
قال القاسمي : (أشار تعالى إلى غضبه لنبيِّه، صلوات الله عليه، مما أتت به من إفشاء السرِّ إلى صاحبتها، ومن مظاهرتهما على ما يقلق راحته، وأن ذلك ذنب تجب التوبة منه) [محاسن التأويل] .
قال الطبري : ( " فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ " : فلما أخبرت بالحديث الذي أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها وأظهره عليه) [جامع البيان] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : حين تأيمت حفصة، قال عمر : لقيت أبا بكر فقلت : ((إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيني أبو بكر فقال : إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها)) [رواه البخارى] .
قال ابن حجر : (وفيه أن من حلف لا يفشي سرَّ فلان، فأفشى فلان سرَّ نفسه، ثم تحدَّث به الحالف لا يحنث؛ لأنَّ صاحب السرِّ هو الذي أفشاه، فلم يكن الإفشاء من قبل الحالف، وهذا بخلاف ما لو حدث واحد آخر بشيء واستحلفه ليكتمه، فلقيه رجل فذكر له أنَّ صاحب الحديث حدَّثه بمثل ما حدَّثه به، فأظهر التعجُّب وقال: ما ظننت أنَّه حدَّث بذلك غيري ؟! فإنَّ هذا يحنث؛ لأنَّ تحليفه وقع على أنَّه يكتم أنَّه حدَّثه، وقد أفشاه) [فتح البارى] .
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يتجالس قوم إلا بالأمانة)) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال المناوي : (أي لا ينبغي إلا ذلك، فلا يحلُّ لأحدهم أن يفشي سرَّ غيره) [فيض القدير] .

أقوال السلف والعلماء في إفشاء السر :
- (قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لابنه عبد الله رضي الله عنه : يا بني، إن أمير المؤمنين يدنيك - يعني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - فاحفظ عني ثلاثًا : لا تفشينَّ له سرًّا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا يطَّلعنَّ منك على كذبة) [رواه أحمد فى فضائل الصحابة] .
- وقال معاوية : (ما أفشيت سرِّي إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلا أكسبني مجدًا، وذكرًا، وسناء، ورفعة، فقيل : ولا ابن العاص ، قال : ولا ابن العاص ، وكان يقول : ما كنت كاتمه من عدوِّك، فلا تظهر عليه صديقك) [المحاسن والأضداد ،للجاحظ] .

- و(قال عمرو بن العاص : ما استودعت رجلًا سرًّا فأفشاه فلمته؛ لأني كنت أضيق صدرًا منه حيث استودعته إيَّاه) [عيون الأخبار ،لابن قتيبة] .
- وقال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه : (جنبني خصالًا أربعًا : لا تطريني في وجهي، ولا تجرين علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحدًا، ولا تفشين لي سرًّا) [المحاسن والأضداد ،للجاحظ] .
- وقال الحسن : (إنَّ من الخيانة أن تحدِّث بسرِّ أخيك) [إحياء علوم الدين ،للغزالى] .
- وقال أكثم بن صيفيٍّ : (إنَّ سِرَّك من دمك، فانظر أين تريقه) [الآداب الشرعية،لابن مفلح] .
- وقال الأعمش : (يضيق صدر أحدهم بسرِّه حتى يحدِّث به، ثم يقول : اكتمه عليَّ) [روضة العقلاء] .

من آثار إفشاء السر [نضرة النعيم] :
1- إفشاء السرِّ خيانة للأمانة، ونقض للعهد .
2- إفشاء السرِّ دليل على لؤم الطبع، وفساد المروءة .
3- إفشاء السرِّ دليل على قلة الصبر، وضيق الصدر .
4- إفشاء السرِّ- خاصة عند الغضب- يعقب الندم والحسرة في نفس صاحبه .
5- إفشاء الأسرار إخلال بالمروءة وإفساد للصداقة، ومدعاة للتنافر .
6- إفشاء الرجل سر امرأته، وإفشاء المرأة سر زوجها؛ يجعل كلا منهما بمثابة الشيطان، ويخلُّ بفضيلة الحياء .

من صور إفشاء السر المذموم :
1- إفشاء أسرار المسلمين :
لقد نهى الشارع الكريم عن إفشاء أسرار المسلمين وأمر بسترها وكتمانها، لما في ذلك من حفظ لأعراضهم، قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ " [النور: 19] وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)) [رواه البخارى ومسلم] .
2- إفشاء أسرار الدولة :
إذا كان إفشاء أسرار الأفراد مذمومًا، فإفشاء أسرار الدولة أشدُّ ذمًّا، وأعظم جرمًا، ويترتب عليه من المفاسد الشيء الكثير الذي يزعزع أمن البلد واستقرارها، ويمكن أعداءها منها .

3- إفشاء وإعلان الذنوب التي يرتكبها :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله؛ فيقول : يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) [رواه البخارى] .

الحالات التي يجوز فيها إفشاء السر :
لا يجوز إفشاء السر الواجب كتمانه إلا في أحوال محدودة منها :
1- انقضاء حالة كتمان السر .
2- موت صاحب السر – بشرط أن لا يعود عليه بالضرر - .
3- أن يؤدِّي الكتمان إلى ضرر أبلغ من ضرر الإفشاء .
4- دفع الخطر .
الأسباب المعينة على ترك إفشاء السر :
1- إدراك خطورة اللسان .
2- تذكر عاقبة كشف السر .
3- تعويد النفس على الصبر .
4- أن لا نحمل ما لا نطيق من الأسرار .
5- التزام ضوابط كشف السر .
6- لا تنس هذه الوصايا :
- لا تحدث بكل ما سمعت : قال صلى الله عليه وسلم : ((كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمع)) [رواه مسلم] .
- لا تبحث عن الأسرار : قال صلى الله عليه وسلم : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
- ستر المسلم فضيلة : قال صلى الله عليه وسلم : ((لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) [رواه مسلم] .
- الأسرار أمانات فلا تخن من ائتمنك .
إفشاء سرِّ الميت
(قال ابن بطال : الذي عليه أهل العلم أن السرَّ لا يُباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة، وأكثرهم يقول : إنَّه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة .
قلت - القائل ابن حجر - : الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح، وقد يستحب ذكره، ولو كرهه صاحب السرِّ، كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك، وإلى ما يكره مطلقًا، وقد يحرم، وهو الذي أشار إليه ابن بطال، وقد يجب كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحقٍّ عليه كان يعذر بترك القيام به؛ فيرجى بعده إذا ذكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك) [فتح البارى ،لابن حجر] .
(ولقد أجاز بعض العلماء إفشاء سرِّ الرجل بعد موته، مستدلين بما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أجلس فاطمة بجواره ثم سارَّها، فبكت بكاء شديدًا، فلما رأى حزنها سارَّها الثانية، فإذا هي تضحك، فقلت لها، أنا من بين نسائه : خصَّك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرِّ من بيننا، ثم أنت تبكين، فلمَّا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها : عما سارَّك ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرَّه، فلما تُوفِّي، قلت لها : عزمت عليك بما لي عليك من الحقِّ لما أخبرتني، قالت : أما الآن فنعم ، فأخبرتني ، قالت : أما حين سارَّني في الأمر الأول، فإنَّه أخبرني : أنَّ جبريل كان يعارضه بالقرآن كلَّ سنة مرة، وإنَّه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب ، فاتقي الله واصبري ، فإني نعم السلف أنا لك،قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية، قال : يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) [رواه البخارى ومسلم] .
إفشاء الغاسل حال الميت :
قال الخطيب الشربيني : (فإن رأى الغاسل من بدن الميت خيرًا كاستنارة وجهه، وطيب رائحته، ذكره ندبًا؛ ليكون أدعى لكثرة المصلين عليه، والدعاء له، أو غيره كأن رأى سوادًا، أو تغير رائحة، أو انقلاب صورة حرم ذكره؛ لأنه غيبة لمن لا يتأتَّى الاستحلال منه) [مغنى المحتاج] .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة)) [رواه مسلم] .
صفات من يفشي سرَّ نفسه :
قال الماوردي : (وفي الاسترسال بإبداء السرِّ دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة :
إحداها : ضيق الصدر، وقلة الصبر، حتى أنَّه لم يتسع لسرِّ، ولم يقدر على صبر .
والثانية : الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء، وقد قال بعض الحكماء : انفرد بسرك ولا تودعه حازمًا فيزل، ولا جاهلًا فيخون .
والثالثة : ما ارتكبه من الغدر، واستعمله من الخطر. وقال بعض الحكماء : سرُّك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرقته) [أدب الدنيا والدين] .
ضوابط في إفشاء السر :
قال الماوردي : (واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم. فليختر العاقل لسرِّه أمينًا إن لم يجد إلى كتمه سبيلًا، وليتحرَّ في اختيار من يأتمنه عليه، ويستودعه إياه. فليس كلُّ من كان على الأموال أمينًا كان على الأسرار مؤتمنًا. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأنَّ الإنسان قد يذيع سرَّ نفسه ببادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشحُّ باليسير من ماله، حفظًا له وضنًّا به، ولا يرى ما أذاع من سرِّه كبيرًا في جنب ما حفظه من يسير ماله، مع عظم الضرر الداخل عليه. فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذرًا، وأقل وجودًا من أمناء الأموال. وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأنَّ أحراز الأموال منيعة، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
أكثر من يذيع السر :
قال الجاحظ : (وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومَن لهم عليهم اليد والسلطان. فالسرُّ الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، أحرى ألا يكتمه، وهذا سبيل كلِّ سرٍّ يستودعه الجلة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة .
وقال سليمان بن داود في حكمته : ليكن أصدقاؤك كثيرًا، وصاحب سرِّك واحدًا من ألف) [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .
وصية في عدم إفشاء السر :
وصية أُمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني لما حان زفافها بعمرو بن حجر ملك كندة، وفيها : (فلا تعصينَّ له أمرًا، ولا تفشينَّ له سرًّا، فإنَّك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سرَّه لم تأمني غدره) [فقه السنة ،لسيد سابق] .
من أقوال الحكماء والبلغاء : -  قال بعض الأدباء : (من كتم سرَّه كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه) [لباب الآداب ،لأسامة بن منقذ] . - وقال بعض البلغاء : ما أسرَّك؛ ما كتمت سرَّك) [لباب الآداب ،لأسامة بن منقذ] .
- وقال بعض الفصحاء : (ما لم تغيبه الأضالع، فهو مكشوف ضائع) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- وقال المأمون : (ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يقدم عليها : شرب السمِّ للتجربة، وإفشاء السرِّ إلى القرابة والحاسد وإن كان ثقة، وركوب البحر وإن كان فيه غنى) [نفحة اليمن،لأحمد الشروانى] .
- ويروى : (أصبر الناس من لا يفشي سرَّه إلى صديقه مخافة التقلُّب يومًا ما) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وقال بعض الحكماء : (القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلٌّ منكم مفاتيح سرِّه) [غذاء الألباب ،للسفارينى] .
- وقَالَ بعض الحكماء : (من أفشى سرَّه كثر عليه المتآمرون) [تسهيل النظر وتعجيل الظفر،للماوردى].



" الانتِقَــــام "

الانتِقَام في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " [البقرة: 194] .
قال السعدي : (ولما كانت النُّفوس -في الغالب- لا تقف على حدِّها إذا رُخِّص لها في المعاقبة لطلبها التَّشفِّي - أي : الانتِقَام-، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها، وأخبر تعالى " أنَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ " [البقرة: 194] أي : بالعون، والنَّصر، والتَّأييد، والتَّوفيق) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .

- قال تعالى : " لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [ 28] إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ " [المائدة: 28-29] .
فهابيل كان أقوى وأقدر على الانتِقَام والبطش؛ لكن منعه خوف الله .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت : ((ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعنها رضي الله عنها قالت : (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيل منه شيء قطُّ، فينتقم مِن صاحبه، إلا أن يُنْتَهك شيء مِن محارم الله، فينتقم لله عزَّ وجلَّ) [رواه مسلم] .
قال علي القاري : (... ((وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي : ما غاضب أحدًا لنفسه، أي : لأجل حظِّها، ((إلَّا أن يُنْتَهك حُرْمَة الله)) أي : يُرْتَكَب، فينتقم أي : فيعاقب حينئذ لغرض آخر، أي بسبب تلك الحُرْمَة، ثمَّ انتهاك الحُرمة تناولها بما لا يحلُّ، يقال : فلان انتهك محارم الله، أي : فعل ما حرَّم الله فعله عليه) [مرقاة المفاتيح لملا على القارى] .
قال النَّوويُّ : (قولها : ((إلَّا أن تُنْتَهك حُرْمَة الله)) استثناء منقطع، معناه : لكن إذا انتُهِكت حُرْمَة الله، انتصر لله تعالى، وانتقم ممَّن ارتكب ذلك، وفي هذا الحديث الحثُّ على العفو والحِلْم واحتمال الأذى، والانتصار لدين الله تعالى ممَّن فعل محرَّمًا أو نحوه، وفيه أنَّه يُسْتَحبُّ للأئمَّة والقُضَاة وسائر وُلاة الأمور التَّخلُّق بهذا الخُلُق الكريم، فلا ينتقم لنفسه، ولا يهمل حقَّ الله تعالى) [شرح النووى على مسلم] .

أقوال السَّلف والعلماء في الانتِقَام :
- قال معاوية لابنه - وقد رآه ضرب غلامًا له - : (إيَّاك - يا بُنيَّ - والتَّشفِّي ممَّن لا يمتنع منك، فو الله لقد حالت القُدْرة بين أبيك وبين ذوي تِرَاته، ولهذا قيل : القُدْرة تُذْهِب الحفيظة) [التذكرة الحمدونية ،لابن جمدون] .
- وقال المنصور لولده المهديِّ : (لذَّة العفو أطيب مِن لذَّة التَّشفِّي) [نهاية الأرب،للنويرى] .
- عن الأصمعي قال : (أُتِي المنصور برجل يعاقبه، فقال : يا أمير المؤمنين، الانتِقَام عدلٌ، و التَّجاوز فضلٌ، ونحن نُعِيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأَوْكَس النَّصيبين دون أن يبلغ أرفع الدَّرجتين. فعفا عنه) [المجالسة وجواهر العلم،للدينورى] .
- وقال ابن تيمية : (وقد يُهجر الرَّجل عقوبةً وتعزيرًا، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله، للرَّحمة والإحسان، لا للتَّشفِّي والانتِقَام) [منهاج السنة النبوية] .
- وقال ابن القيِّم : (وفي الصَّفح والعفو والحِلْم مِن الحلاوة والطَّمأنينة، والسَّكينة وشرف النَّفس، وعزِّها ورفعتها عن تشفِّيها بالانتِقَام ما ليس شيء منه في المقَابَلة والانتِقَام) [مدارج السالكين] .
- وقال - أيضًا - : (فما انتقم أحدٌ لنفسه قطُّ إلَّا أعقبه ذلك ندامة) [مدارج السالكين] .
- وقال أعرابي : (أقبح أعمال المقتدرين الانتِقام) [أمالى القالى] .

من آثار الانتِقَام :
1- أنَّ الانتِقَام ليس مِن عادة الكرام :
قال بعض البلغاء : (ليس مِن عادة الكِرَام سرعة الانتِقَام، ولا مِن شروط الكَرَم إزالة النِّعم) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
2- أنَّ المنتقم لا يجب شُكْرُه ولا يُحْمَد ذِكْرُه :
قال الأبشيهي : (قيل : مَن انتقم فقد شَفَى غَيْظه، وأخذ حقَّه، فلم يجب شُكرُه، ولم يُحمَد في العالمين ذِكْرُه) [المستطرف] .

3- يُوَلِّد بين النَّاس الأحقاد والضَّغائن .

حكم الانتِقَام :
الانتِقَام جائزٌ إذا انتُهِك شيءٌ مِن محارم الله، وأمَّا في غير ذلك العفو والصَّفح أولى وأفضل، فعن عائشة -رضي الله عنها - أنَّها قالت : ((ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلَّا أن تُنْـتَهَك حُرْمَة الله، فينتقم لله بها)) [رواه البخارى ومسلم] .
والله سبحانه وتعالى قد أذن لمن اعتُدي عليه أن يردَّ بالمثل على مَن اعتدى عليه، قال تعالى : " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى " [البقرة: 194] وقال أيضًا : " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا " [الشُّورى: 40] ومع هذا فقد بيَّن سبحانه وتعالى أنَّ العفو عن المعتدي والتَّغاضي عن خطئه، أفضل مِن الانتِقَام منه، قال تعالى : " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشُّورى:40] وهذا فيما يتعلَّق بحقوق العباد مِن ضربٍ وتعدِّي أو تجنِّي ونحو ذلك .
وأمَّا إن كان الاعتداء حاصلًا في شيء مِن حقوق الله، كالجور في الحكم بين الخصوم، أو الخيانة في الأهل ونحو ذلك، فإنَّ الاعتداء بالمثْل حينئذ لا يجوز.
فليس لك أن تجور في الحكم، ولا أن تخونه في أهله؛ لأنَّ ذلك اعتداء على حقوق الله وحدوده.
قال القرطبيُّ في تفسير قوله تعالى : " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشُّورى: 40] .
" وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا " قال العلماء : جعل الله المؤمنين صنفين؛ صنفٌ يعفون عن الظَّالم، فبدأ بذكرهم في " وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ " [الشُّورى: 37] وصنفٌ ينتصرون من ظالمهم، ثمَّ بيَّن حدَّ الانتصار بقوله : " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا " فينتصر ممَّن ظلمه مِن غير أن يعتدي .
قال مقاتل وهشام بن حُجَير : هذا في المجروح ينتقم مِن الجارح بالقِصَاص دون غيره مِن سبٍّ أو شتمٍ) [الجامع لأحكام القرآن] .

من أسباب الوقوع في الانتِقَام :
1- عدم التَّحلِّي بالحِلْم والصَّبر .
2- عدم التَّحلِّي بالعفو والصَّفح .
3- عدم القُدْرَة على كَظْم الغَيْظ .
4- الغضب، وهو مِن أهمِّ الأسباب المؤدِّية إلى إيقاع الأذى بالشَّخص المنتقم منه، فالإنسان عندما يغضب، تدعوه نفسه إلى البطش والانتِقَام .

مِن الوسائل المعينة على ترك الانتِقَام :
1- تذكُّر انتقام الله مِن أهل معاصيه :
قال تعالى : " أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " [إبراهيم: 5] قال : (أيَّامه التي انتقم فيها مِن أهل معاصيه مِن الأمم، خوَّفهم بها، وحذَّرهم إيَّاها، وذكَّرهم أن يصيبهم ما أصاب الذين مِن قبلهم) [جامع البيان للطبرى] .
2- العفو والصَّفح :
الإنسان إذا عفا وأحسن، أورثه ذلك مِن سلامة القلب لإخوانه، ونقائه مِن طلب الانتِقَام وإرادة الشَّرِّ، وحصل له مِن حلاوة العفو ما يزيد لذَّته ومنفعته عاجلًا وآجلًا [جامع المسائل،لابن تيمية] .
قال ابن حبَّان : (ولم يُقْرَن شيءٌ إلى شيءٍ أحسن مِن عفوٍ إلى مَقْدِرة، والحِلْم أجمل ما يكون مِن المقتدر على الانتِقَام) [روضة العقلاء] .
وعن ابن السَّمَّاك أنَّ رجلًا مِن قريش -عظيم الخطر في سالف الدَّهر- كان يطالب رجلًا بذَحْلٍ، وألحَّ في طلبه، فلمَّا ظفر به، قال : لولا أنَّ المقدرة تُذْهِب بالحفيظة لانتقمت منك، ثمَّ عفا عنه [تيسير الكريم الرحمن] .
3- كَظْم الغَيْظ :
قال تعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمران: 133-134] .
قال السعدي : (قوله تعالى : " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ " أي : إذا حصل لهم مِن غيرهم أذيَّةٌ توجب غيظهم، وهو امتلاء قلوبهم مِن الحَنْق الموجب للانتقام بالقول والفعل، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطِّباع البشريَّة، بل يكظمون ما في القلوب مِن الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم) [تيسير الكريم الرحمن] .
4- تجنُّب السُّخرية والاستهزاء بين أفراد المجتمع :
فشيوع أمثال هذه الأخلاق يبْذُر بذور العداوة والبغضاء بين الناس، ويوَلِّد الرَّغبة في الانتِقَام .
5- الخوف مِن ضياع الزَّمان والعمر، وتفرُّق القلب وفَوْت المصالح :
أن يعلم أنَّه إذا اشتغلت نفسه بالانتِقَام وطلب المقَابَلة، ضاع عليه زمانه، وتفرَّق عليه قلبه، وفاته مِن مصالحه ما لا يمكن استدراكه [جامع المسائل،لابن تيمية] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:42 am




" البخل والشح "

ذم البخل والشح والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
1- الآيات الواردة في ذم البخل :
البخل خلق مكروه ذمَّه الله تبارك وتعالى في غير آية من كتابه الكريم، وتوعَّد أصحابه بوعيد شديد، وعقوبات تلحقهم في الدنيا والآخرة، وسنذكر بعضًا من تلك الآيات الكريمة .
- قال الله تبارك وتعالى : " وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " [آل عمران: 180] .
(أي ولا يظنُّ الذين يبخلون، أي : يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرُّهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنُّوا به على عباد الله، وظنُّوا أنَّه خير لهم، بل هو شرٌّ لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم " سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " [آل عمران: 180] أي : يجعل ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم، يعذَّبون به) [تيسير الكريم الرحمن ،للسعدى] .

2- الآيات الواردة في ذم الشح :
- قال تعالى : " وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " [ النساء: 128 ] .
قال الطبري : (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : وأُحضرت أنفس النساء الشحَّ على أنصبائهنَّ من أنفس أزواجهنَّ وأموالهم ... وقال آخرون : معنى ذلك : وأُحضرت نفس كلِّ واحد من الرجل والمرأة، الشحَّ بحقِّه قبل صاحبه ... وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال : عنى بذلك : أحضرت أنفس النساء الشحَّ بأنصبائهنَّ من أزواجهنَّ في الأيام والنفقة، والشحُّ : الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع : إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها، فتأويل الكلام : وأُحضرت أنفس النساء أهواءهنَّ، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهنَّ، والشح بذلك على ضرائرهنَّ) [جامع البيان] .
قال السعدي : (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ أي : (جبلت النفوس على الشحِّ، وهو : عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحقِّ الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا، أي : فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضدَّه وهو السماحة، وهو بذل الحقِّ الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحقِّ الذي لك. فمتى وُفِّق الإنسان لهذا الخلق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهَّلت الطريق للوصول إلى المطلوب، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشحِّ من نفسه، فإنَّه يعسر عليه الصلح والموافقة؛ لأنَّه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتدَّ الأمر) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أنس بن مالك، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
يقول ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث : (...ثم ذكر الجبن والبخل فإنَّ الإحسان المتوقَّع من العبد إما بماله؛ وإما ببدنه؛ فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه ...) [مفتاح دار السعادة] .
وقال : (والجبن والبخل قرينان : فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل) [الجواب الكافى] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشي أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة مكانها، قال : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا توسع)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث : (لما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البرِّ والخير، وكان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العطن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهمِّ والغمِّ والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب، فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه، بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة؛ لزمت كلُّ حلقة من حلقها موضعها، وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو) [الوابل الصيب] .

أقوال السلف والعلماء في البخل والشح :
- قال علي رضي الله عنه : (البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخيُّ بسخائه الجنة) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .
- وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه : (إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء؛ لكننا نتصبر) [ذكره الغزالى فى إحياء علوم الدين] .

- وسئل الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما عن البخل فقال : (هو أن يرى الرجل ما ينفقه تلفًا، وما يمسكه شرفًا) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .

- وعَن طاووس قال : (البخل : أن يبخل الإنسان بما في يديه) [الدر المنثور ،للسيوطى] .
- وقال محمد بن المنكدر : (كان يقال : إذا أراد الله بقوم شرًّا أمَّر الله عليهم شرارهم، وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم) [إحياء علوم الدين ،للغزالى] .
- وقال أبو حنيفة : (لا أرى أن أُعدِّل بخيلًا؛ لأنَّ البخل يحمله على الاستقصاء؛ فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن، فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة) [إحياء علوم الدين ،للغزالى] .
- وقال الماوردي : (الحرص والشحُّ أصل لكلِّ ذم، وسبب لكلِّ لؤم؛ لأنَّ الشحَّ يمنع من أداء الحقوق، ويبعث على القطيعة والعقوق) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .

أولًا : من آثار البخل :
1- الحرمان من الأجر المترتب على الإنفاق في أبواب الخير .
2- سبب في ضعف الإيمان واضمحلاله؛ لما فيه من سوء الظنِّ بالله .
3- كراهية الناس له، فهو مبغوض مكروه حتى من أقرب الناس إليه كزوجته وأبنائه وأقربائه، بل قد يصل بهم الحد إلى أن يدعوا عليه، ويتمنوا موته؛ حتى يستطيعوا التنعم بما حرمهم منه من أموال .
4- سبب لحرمان الرزق، فكما أن الإنفاق سبب في زيادة الرزق وسعته، فإنَّ البخل والشح سبب في تضييقه .
5- الوقوع في الإثم بسبب منعه لما يجب عليه من حقوق وواجبات .
6- حرمان البخيل الشحيح لنفسه ولغيره من لذائذ الدُّنيا المباحة .
7- ومن ضررهما في الدنيا تعريض مال الغني للضياع والنهب والسرقة والأحقاد، وفي عصرنا وغيره ظهور الحملات الشنيعة على الأغنياء المترفين، وانتشار الأفكار والنظريات المسماة بالاشتراكية التي ظهرت لتقويض أركان الرأسمالية [التفسير المنير ،للزحيلى] .
8- سبب لكشف عيوب المرء، وإظهارها للخلق .
قال شمس الدين السفيري : (والسخاء والكرم سبب لستر العيوب، والبخل والشح سبب جالب لكشفها .

ثانيًا : آثار الشح :
1- الشحُّ من صفات المنافقين :
قال تعالى - في وصف المنافقين- : " أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا " [ الأحزاب: 19] .
قال الطبري : (إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشحِّ، ولم يخصص وصفهم من معاني الشحِّ، بمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به : أشحَّة على المؤمنين بالغنيمة، والخير، والنفقة في سبيل الله على أهل مسكنة المسلمين) [جامع البيان] .
2- الإنسان الشحيح لا خير فيه ولا عنده :
قوله تعالى " أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ " قال ابن كثير : (وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي : ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير) [تفسير القرآن العظيم] .
3- الشحُّ أسوأ صفات الإنسان :
قوله تعالى " أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ " قال السعدي : (أشحَّة على الخير : الذي يُراد منهم، وهذا شرُّ ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء الله، أو يدعو إلى سبيل الله، شحيحًا بجاهه، شحيحًا بعلمه، ونصيحته ورأيه) [تيسير الكريم الرحمن] .

4- الشحُّ سبب في الهلاك وفساد المجتمع:
عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إيَّاكم والظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتَّقوا الشحَّ، فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم)) [رواه مسلم] .

حكم البخل والشح :
ليس للبخل حكمًا واحدًا ينطبق على جميع صوره وأنواعه، وإنما لكل صورة من صور البخل حكمًا خاصًّا بها، وإن كان البخل في عمومه مذمومًا مكروهًا، يقول ابن تيمية : (والبخل جنس تحته أنواع كبائر وغير كبائر) [مجموع الفتاوى] .
فإن كان المنع بخلًا بواجب فهو محرم شرعًا، بل هو كبيرة من الكبائر توعَّد الله صاحبها بالعقوبة والعذاب،كمن منع الزكاة الواجبة بخلًا بالمال وحرصًا عليه، قال ابن تيمية : (فإنَّ البخل من الكبائر، وهو منع الواجبات: من الزكاة، وصلة الرحم، وقرى الضيف، وترك الإعطاء في النوائب، وترك الإنفاق في سبيل الله) [المستدرك على فتاوى ابن تيمية،جمع :ابن قاسم] .
أشد درجات البخل :
قال ابن قدامة المقدسي : (وأشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل. فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين ما يؤثر على نفسه مع الحاجة، فالأخلاق عطايا يضعها الله عزَّ وجلَّ حيث يشاء) [مختصرمنهاج القاصدين] .

من صور البخل والشح :
للبخل صور شتى ومظاهر متعددة فمن صوره ما يأتي :
1- البخل بالمال والمقتنيات : وهذا بدوره ينقسم إلى أقسام عدة ذكرها الراغب فقال : (البخل ثلاثة :
- بخل الإنسان بماله .
- وبخله بمال غيره على غيره .
- وبخله على نفسه بمال غيره، وهو أقبح الثلاثة، والباخل بما بيده باخل بمال الله على نفسه وعياله؛ إذ المال عارية بيد الإنسان مستردة، ولا أحد أجهل ممن لا ينتقذ نفسه وعياله من العذاب الأليم بمال غيره، سيما إذا لم يخف من صاحبه تبعة ولا ملامة، والكفالة الإلهية متكفلة بتعويض المنفق، ففي الخبر : اللهم اجعل لمنفق خلفًا، ولممسك تلفًا، ومن وسَّع وسَّع الله عليه) [فيض القدير ،للمناوى] .
2- البخل بالنفس : كمن يبخل بنفسه أن يقدمها في سبيل الله رخيصة، وذلك تعلقًا منه بالدنيا وحرصًا عليها، وكراهية الموت، وهو على عكس من يجود بنفسه لإعلاء كلمة الله، ونشر دينه .

ونقل ابن القيم عن بعض الحكماء أنه قال : (إنَّ الإحسان المتوقع من العبد؛ إما بماله، وإما ببدنه، فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه، المشهور عند الناس أنَّ البخل مستلزم الجبن من غير عكس؛ لأنَّ من بخل بماله فهو بنفسه أبخل، والشَّجاعَة تستلزم الكرم من غير عكس؛ لأنَّ من جاد بنفسه فهو بماله أسمح وأجود) ثم قال : (وهذا الذي قالوه ليس بلازم أكثره، فإنَّ الشَّجاعة والكرم وأضدادها أخلاق وغرائز، قد تجمع في الرجل، وقد يعطى بعضها دون بعض، وقد شاهد الناس من أهل الإقدام والشَّجاعة والبأس من هو أبخل الناس، وهذا كثيرًا ما يوجد في أمة الترك، يكون أشجع من ليث، وأبخل من كلب، فالرجل قد يسمح بنفسه، ويضنُّ بماله، ولهذا يقاتل عليه حتى يُقتل، فيبدأ بنفسه دونه، فمن الناس من يسمح بنفسه وماله، ومنهم من يبخل بنفسه، ومنهم من يسمح بماله ويبخل بنفسه، وعكسه، والأقسام الأربعة موجودة في الناس) [مفتاح دار السعادة] .
3- البخل بالجاه :
فترى صاحب الجاه والمنصب العلي يبخل بالمنفعة التي سيقدمها لمن يحتاجها، فلا يشفع إن طلبت منه الشفاعة، ولا يصلح إن طلب منه الصلح، ولا يسعى في حاجة الضعيف والمسكين وذي الحاجة .

من أسباب الوقوع في البخل والشح :
1- ضعف إيمان البخيل وسوء ظنِّه بالله، فهو يستثقل أمر الإنفاق، ويغفل عن تعويض الله له على ما أنفق، كما أنَّه يغيب عنه أنَّ هذا المال هو مال الله، وأنَّه لم يأتِ إلى الدُّنيا وبيده شيء منه .
2- الظلم سبب آخر من أسباب البخل، حيث ينتج عنه تعطيل لحقوق الآخرين .
3- حب المال والتعلق به يورث هذه الصفة الدنيئة، والسجية القبيحة .
4- الظنُّ بأنَّ البخل نوع من الذكاء والفطنة والتدبير لأمور الدنيا .
5- الخوف من المستقبل، والهلع من الفقر والحاجة التي يعد بها الشيطان الرجيم .
6- الخوف على الأبناء؛ فالأبناء مبخلة مجبنة .

من الوسائل المعينة على ترك البخل والشح :
1- أن يحسن المرء الظنَّ بالله عزَّ وجلَّ، وليعلم أنَّ الله الذي أمره بالإنفاق قد تكفَّل له بالزيادة. وقد قيل : (قلة الجود سوء ظنٍّ بالمعبود) .
2- الإكثار من الصدقة، وإن كان ذلك ثقيلًا على من اتصف بهذه الصفة، وبذلك يعتاد على صفة الكرم والإنفاق، قال ابن القيم : (فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل، كالحجام يستخرج منك الدم المهلك) [عدة الصابرين،لابن القيم] .
3- معرفة أن الإيحاء بالفقر والتخويف منه إنما هو وعد شيطاني، وأن وعد الله هو المغفرة للذنوب وزيادة الفضل، يقول الله تعالى : " الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " [البقرة: 268] .
4- الاستعاذة بالله من البخل، كما كان يفعل أكرم الخلق وأجودهم صلى الله عليه وسلم، حيث كان يستعيذ من البخل فيقول: ((اللهمَّ إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أُردَّ إلى أرذل العمر)) [رواه البخارى] .
5- معالجة طول الأمل بالإكثار من ذكر الموت، والنظر في موت الأقران .
6-التأمُّل في حال البخلاء الذين تعبوا في جمع المال، والحرص عليه ثم تركهم له يتقاسمه الورثة، وربما استخدموه في غير طاعة الله، فكان وبالًا عليهم .
7- التأمل في الآيات الواردة في ذمِّ البخل، وما أعده الله للمتصفين بهذه الصفة القبيحة .

البخل والشحُّ في أقوال الحكماء :
- قال بعض الحكماء : (لا تحمل على نفسك همَّ ما لم يأتك، ولا تعدنَّ عدة ليس في يديك وفاؤها، ولا تبخلنَّ بالمال على نفسك، فكم جامع لبعل حليلته) [مساوئ الأخلاق ،للخرائطى] .
- قال بعض الحكماء : (من برئ من ثلاث نال ثلاثًا: من برئ من السرف نال العزَّ، ومن برئ من البخل نال الشرف، ومن برئ من الكبر نال الكرامة) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- قال بعض الحكماء : (البخيل ليس له خليل) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- وقال آخر : (البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .


" البُغْض والكَرَاهِية "

ذم البُغْض والكَرَاهِية والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :

- قال تعالى : " إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ " [المائدة: 91] .
قال الطبري : (يقول تعالى ذكره : إنما يريد لكم الشيطان شرب الخمر والمياسرة بالقداح، ويحسن ذلك لكم؛ إرادة منه أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغض بعضكم إلى بعض، فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوة الإسلام، ويصدكم عن ذكر الله) [جامع البيان] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :

- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال السعدي : (فعلى المؤمنين أن يكونوا متحابِّين، متصافِّين غير متباغضين ولا متعادين، يسعون جميعهم لمصالحهم الكليَّة التي بها قوام دينهم ودنياهم، لا يتكبَّر شريف على وضيع، ولا يحتقر أحدٌ منهم أحدًا) [بهجة قلوب الأبرار] .
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : ((إذا فُتِحَت عليكم فارس والرُّوم، أيُّ قوم أنتم ؟ قال عبد الرَّحمن بن عوف : نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو غير ذلك، تتنافسون، ثمَّ تتحاسدون، ثمَّ تتدابرون، ثمَّ تتباغضون، أو نحو ذلك، ثمَّ تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)) [رواه مسلم] .

أقوال السَّلف والعلماء في الكَراهَة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (أَحْبِب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
- وقال بعض الصَّحابة : (مَن أراد فضل العابدين، فليصلح بين النَّاس، ولا يوقع بينهم العداوة والبَغْضاء) [تنبيه الغافلين،للسمرقندى] .
- وقال أبو حاتم : (حاجة المرء إلى النَّاس مع محبَّتهم إيَّاه خيرٌ مِن غناه عنهم مع بغضهم إيَّاه، والسَّبب الدَّاعي إلى صدِّ محبَّتهم له هو التَّضايق في الأخلاق وسوء الخُلُق؛ لأنَّ مَن ضاق خُلُقه سَئِمَه أهله وجيرانه، واستثقله إخوانه، فحينئذٍ تمنَّوا الخلاص منه، ودعوا بالهلاك عليه) [روضة العقلاء] .
- وقال : (الواجب على النَّاس كافةً: مجانبة الإفكار في السَّبب الذي يؤدِّي إلى البَغْضَاء والمشاحنة بين النَّاس، والسَّعي فيما يفرِّق جمعهم، ويُشتِّت شملهم) [روضة العقلاء] .
- وقال ابن القيِّم : (البُغْض والكَرَاهَة أصل كلِّ ترك ومبدؤه) [الجواب الكافى] .

من آثار البُغْض والكَرَاهِية :
1- سببٌ في الوقوع في الافتراء والبهتان على النَّاس، والتَّحامل عليهم عند الخصومة .
2- يتولَّد عنه الحقد الشَّديد للمَبْغُوض .
3- يتسبَّب في انتشار بعض الأمراض الاجتماعيَّة الخطيرة، التي تفتك بالمجتمع وتهدِّد لُحْمَته وتماسكه، كانتشار الإشاعات المغرضة، والتَّحاسد والتَّنافس غير المحمود .
4- سببٌ في فقدان الأمن والأمان في المجتمع؛ فإذا سادت الكَرَاهِية والبَغْضَاء، أحسَّ الفرد أنه يعيش في غابة بين وحوش يتربَّصون به، ويتحيَّنون الفرص لأذيَّته، فيعيش في قلقٍ دائمٍ لا ينتهي .
5- يتسبب في فقدان الحبِّ في المجتمع الواحد، بل في العائلة الواحدة .

أقسام البَغْضاء والكَراهِية :
تنقسم البَغْضَاء إلى قسمين :
الأوَّل : منهيٌّ عنه، محرَّمٌ مذموم .
الثَّاني : مأمورٌ به، مُثابٌ صاحبه، ومِن صوره :
1- بُغْضُ وكَرَاهِية الباطل :
فإنَّ حُبَّ الحقِّ وبُغْضَ وكَرَاهِيةَ الباطل فضيلةٌ خُلقيَّة، فعن عائشة : ((أنَّها أخبرته أنَّها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلمَّا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكَراهِية، فقالت : يا رسول الله، أتوب إلى الله؛ ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال هذه النمرقة ؟ قالت : اشتريتها لتقعد عليها وتَوَسَّدَها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ أصحاب هذه الصُّور يوم القيامة يعذَّبون، يقال لهم : أَحْيُوا ما خلقتم، وقال صلى الله عليه وسلم : إنَّ البيت الذي فيه الصُّور لا تدخله الملائكة)) [رواه البخارى ومسلم] .
2- بُغْضُ وكَرَاهِية الكُفَّار والفُسَّاق :
قال تعالى : " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " [الممتحنة: 4]قال ابن عاشور : (والبَغْضَاء: نُفْرَة النَّفس والكَراهِية، وقد تُطْلَق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا، فذِكْرُهما معًا هنا مقصودٌ به حصول الحالتين في أنفسهم : حالة المعاملة بالعُدْوَان، وحالة النُّفْرَة والكَراهِية، أي نُسِيء معاملتكم، ونُضْمِر لكم الكَراهِية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك) [التحرير والتنوير،لابن عاشور] .
من أسباب الوقوع في البُغْض والكَرَاهِية :
1- الغيبة والنَّمِيمَة مِن الأسباب الرَّئيسة للكَرَاهِية والبَغْضَاء والتَّشاحن .
قال بعض الحكماء : (النَّمِيمَة تهدي إلى القلوب البَغْضَاء، ومَن واجهك فقد شتمك، ومَن نقل إليك فقد نقل عنك، والسَّاعي بالنَّمِيمَة كاذبٌ لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به) [بحر الدموع،لابن الجوزى] .
2- الكذب والغِشُّ؛ فإنَّه يترك أثر الكَرَاهِية بين الغاشِّ والمغشوش .
3- قسوة القلب والغِلظَة والفَظَاظَة : فهذه الأخلاق تنفِّر بين القلوب، وتشيع الكَرَاهِية والبَغْضَاء، قال تعالى : " وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ " [آل عمران: 159] .
4- التَّجسُّس : فالتَّجسُّس سبيل إلى الكَرَاهَة والبُغْض بين النَّاس. قال ابن عثيمين : (التجسس أذية، يتأذَّى به المتجسس عليه، ويؤدي إلى البغضاء والعداوة) [شرح رياض الصالحين] .
5- الغيرة : قال ابن القيِّم : (إنَّ الغيرة تتضمَّن البُغْض والكَرَاهَة) [الصواعق المرسلة] .
6- عدم العدل عمومًا سببٌ مِن أسباب البغض، فعدم العدل بين الزَّوجات يولِّد الحقد والكَراهِية بين الزَّوجات، وبين الزَّوج وزوجاته، وعدم العدل بين الأبناء يولِّد الشَّحناء والبَغْضاء، وتسود بينهم روح الكَرَاهِية .
7- التَّعدِّي على حقوق الإنسان بأي نوعٍ مِن أنواع التَّعدِّي .
من الوسائل المعينة على تجنُّب البُغْض والكَرَاهِية :
1- الإحسان :
" وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " [فصِّلت:34] .
2- الإنصاف : فبالإنصاف تُنْـتَزَع صفات الحقد والكَرَاهِية، لتحلَّ محلَّها صفات الاحترام والحبِّ والتَّنافس في الخيرات .
3- المعاتبة دون إكثار : فالمعاتبة تنقِّي النُّفوس مِن الشَّرِّ والكَرَاهِية، وتزيد المحبَّة والألفة، إذا كانت برفق ولين، دون جدال، مع حسن انتقاء الألفاظ، وبعد عن اللوم الشديد والتجريح .الصَّبر .


" التجسـس"

ذم التجسس والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن التجسس في آية محكمة وصريحة تدلُّ على حرمة هذا الفعل المشين، والخصلة المذمومة، فقال تبارك وتعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات: 12] .
قال ابن جرير وهو يتحدث عن تفسير قوله : " وَلا تَجَسَّسُوا يقول " : (ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره، وبه فاحمدوا أو ذموا، لا على ما لا تعلمونه من سرائره ...) ثم ذكر أثر ابن عباس : (نهى الله المؤمن من أن يتتبع عورات المؤمن) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
وقال البغوي : (نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم؛ حتى لا يظهر على ما ستره الله منها) [تفسير البغوى] .

- وقال تعالى وهو يتحدث عن المنافقين وعن صفاتهم : " لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ " [التوبة: 47] .
قال مجاهد : (معناه وفيكم محبون لهم، يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس) [تفسير البغوى] .
وقال القرطبي : ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي: عيون لهم، ينقلون إليهم الأخبار منكم) [الجامع لأحكام البيان] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
لقد شدَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن التجسس والتحذير منه، وبيَّن أنَّه مفسد للأخوة، وسبب في تقطيع الأواصر والصلات، وسبيل إلى إفساد الناس :
- فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إيَّاكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)) [رواه البخارى ومسلم] .

- وعن ابن عبا رضى الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة) [رواه البخارى] .

أقوال السلف والعلماء في التجسس :
- عن ابن عباس في قوله : " ولا تجسسوا " قال : (نهى الله المؤمن أن يتبع عورات أخيه المؤمن) [رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره] .
- وقال مجاهد في قوله : " وَلا تَجَسَّسُوا " قال : (خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله) [جامع البيان،للطبرى] .

- وقال قتادة في تفسيرها : (هل تدرون ما التجسس أو التجسيس ؟! هو أن تتبع أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سرِّه) [جامع البيان،للطبرى] .
- وقال ابن زيد في تفسيرها أيضًا : قال : (حتى أنظر في ذلك وأسأل عنه، حتى أعرف حقٌّ هو، أم باطل ؟ قال : فسماه الله تجسسًا، قال : يتجسس كما يتجسس الكلاب) [جامع البيان،للطبرى] .
- وقال الحسن : (لا تسأل عن عمل أخيك الحسن والسيئ، فإنَّه من التجسس) [روضة العقلاء] .

أقسام التجسس وحكم كلِّ قسم :
الأصل في التجسس أنَّه محرم شرعًا، منهيٌّ عنه، غير أنَّ هناك بعض الصور قد تقتضي المصلحة جوازها .
وعليه فيمكننا أن نقسم التجسس إلى قسمين :
تجسس ممنوع :
(ويُقصد به تتبع عورات الناس وأسرارهم، والكشف عن معائبهم؛ بدافع الفضول وإشباع غريزة حبِّ الاستطلاع، دون أن يكون له غرض مباح؛ من جلب منفعة راجحة، أو دفع مفسدة متوقعة، سواء أكان ذلك بالتطلُّع، أو التنصت والاستماع) لأعقوبة الإعدام دراسة فقهية مقارنة لأحكام العقوبة بالقتل فى الفقه الإسلامي،لمحمد بن سعد الغامدى] .
وهذا النوع من أنواع التجسس هو الذي نصَّت الأدلة الواضحة على تحريمه، ولم يبح إلا في حالات خاصة، فـ(إنَّ الأصل في المسلم الطهارة، والعفة، والبراءة، والسلامة من كلِّ شيء مشين، ولذا كان الأصل في الإسلام النهي عن التجسس بجميع صوره وأشكاله، سواء كان تجسس الفرد على الفرد، أو الفرد على الدولة، أو الدولة على الدولة؛ لأنَّ التجسس انتهاك لحرمة المسلم، وكشف ستره، وقد يسبب الحقد والبغض بين أفراد المجتمع المسلم، وهذا الذي يرفضه الإسلام جملة وتفصيلًا) [الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأثرهما فى حفظ الأمة، لعبد العزيز المسعود] .
تجسس مشروع :
وأما النوع الثاني من أنواع التجسس، وهو التجسس المشروع، فـيراد به كلُّ تجسس يهدف إلى مصلحة الدولة الإسلامية في تعاملها مع أعدائها، أو تطهيره المجتمعات من أهل الشرِّ والفساد، وملاحقتهم والتضييق عليهم .
وهذا القسم من أقسام التجسس يتفاوت حكمه التكليفي من الوجوب إلى الإباحة، حسب ما تقتضيه المصلحة والضرورة، فهناك ما هو تجسس واجب : (وهو ما يكون طريقًا إلى إنقاذ نفس من الهلاك، أو القضاء على الفساد الظاهر؛ كاستدراك فوات حرمة من حرمات الله... ووجه وجوبه أنَّ ذلك من ضمن وسيلة النهي عن المنكر) [أحكام السماع والاستماع فى الشريعة الإسلامية، لمحمد معين الدين بصرى] وهناك ما هو تجسس مباح، وهو ما عدا ذلك من الصور التي استثناها الشرع من التحريم، ولا تصل إلى درجة الوجوب، كالتجسس على الأعداء لمعرفة عددهم وعتادهم وغيرها [انظر:أحكام السماع والاستماع فى الشريعة الإسلامية، لمحمد معين الدين بصرى] .
من آثار التجسس الممنوع :
1- أن التجسس مظهر من مظاهر سوء الظنِّ، وأثر من آثاره، فهو متولِّد عن صفة مذمومة سيئة نهى عنها الدين الحنيف .
وذلك (لأنَّ الظنَّ يبعث عليه حين تدعو الظانَّ نفسه إلى تحقيق ما ظنَّه سرًّا، فيسلك طريق التجسس) [التحرير والتنوير،لابن عاشور] .
2- والتجسس صورة من صور ضعف الإيمان، وضعف التدين، وقلة المراقبة، هذا على الجانب الديني؛ أما الأخلاقي والسلوكي، فهو يدلُّ على دناءة النفس وخسَّتها، وضعف همَّتها، وانشغالها بالتافه من الأمور عن معاليها وغاياتها .
3- وهو سبيل إلى قطع الصلات، وتقويض العلاقات، وظهور العداء بين الأحبة، وبثِّ الفرقة بين الإخوان، (فقد يرى المتجسس مِن المتجسس عليه ما يسوءه، فتنشأ عنه العداوة والحقد. ويدخل صدره الحرج والتخوف؛ بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة، وذلك من نكد العيش) [التحرير والتنوير،لابن عاشور] .
4- وبالتجسس تنهار القدوات، وتصغر في الأعين القامات، وعندها تهون الذنوب وتحقَّر السيئات، وتفسير ذلك أنَّ المتجسس عليه إذا كان في منزل القدوة؛ واطلع منه على أمر سيئ، أو ذنب، أو معصية فإنَّه لا شكَّ سيقلُّ قدره، وستتلاشى مكانته، ولن يقبل منه نصحًا ولا توجيهًا، بل ربما تهون المعصية التي عملها على المتجسس فيعملها؛ بحجة أن ليس أحسن حالًا من فلان القدوة الذي تلبس بها .
5- كما أنَّه سبيل إلى إشاعة الفاحشة بين المسلمين، وانتشار السوء بينهم، وذلك بما يحصل من نشر لما استتر من الفضائح، وإظهار لما خفي من السوءات .
صور التجسس :
من صور التجسس الممنوع :
- التجسس على بيوت المسلمين والاطلاع على عوراتهم (بالاستماع من وراء الأبواب، أو بالدخول في البيوت على حين غفلة من أهلها، أو باستئذان لغرض كاذب، كشرب الماء والمقصود غير ذلك... وكل ذلك لا يجوز في شرع الإسلام) [المفصل فى أحكام المرأة والبيت المسلم فى الشريعة الإسلامية، لعبد الكريم زيدان] .
- ومن صوره أيضًا اقتحام البيوت، والخلوات بحجة ضبط من فيها متلبسين بالمعصية، ولا شك أنَّ هذا مما لا يبيحه الشرع ولا يقبله .
- ومن صور التجسس الممنوع التقصي والبحث عن معاصٍ وسيئات اقترفت في الماضي، والتجسس على أصحابها لمعرفتها .
قال السفاريني : (ويحرم تجسيس على ما يفسق به في الزمن الماضي، أو الفسق الماضي مثل أن يشرب الخمر في الزمن الذي مضى، وتبحث عنه أنت بعد مدة لأن ذلك إشاعة للمنكر بما لا فائدة فيه، ولا عود على الإسلام، وإنما هو عيب ونقص، فينبغي كفه ونسيانه دون إذاعته وإعلانه، وإنما يحرم التجسس عن ذلك إن لم يجدد العود عليه، والإتيان به ثانيًا. فإن عاوده فلا حرمة إذن .
قال في الرعاية : ويحرم التعرض لمنكر فُعِل خفية على الأشهر، أو ماض، أو بعيد، وقيل يجهل فاعله ومحله، وقال أيضًا : لا إنكار فيما مضى وفات إلا في العقائد أو الآراء) [غذاء الألباب] .
- ومن صور التجسس الممنوع استماع المرء إلى حديث قوم، وهم له كارهون، فقد تُوُعِّدَ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيصبُّ في أذنه الآنك يوم القيامة بسبب فعلته، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة) [رواه البخارى] .
صور التجسس المشروع :
- من صور التجسس المشروع التجسس على أعداء الأمة لمعرفة عددهم وعتادهم (فقد اتفق الفقهاء على أنَّ التجسس والتنصت على الكفار في الحرب مشروع وجائز لمعرفة عددهم، وعتادهم، وما يخطِّطون له، ويدبِّرون من المكائد للمسلمين، وهو الأمر الذي يكون بعلم الإمام، وتحت نظره ومعرفته) [بهجة الأسماع فى أحكام السماع فى الفقه الإسلامى، لعلى بن ذريان] .
(فالتجسس على أعداء الأمة الإسلامية بتتبُّع أخبارهم، والاطِّلاع على مخططاتهم التي يعدُّونها للقضاء على الأمة الإسلامية، وإثارة الفتنة والقلاقل بين صفوفها، وزعزعة أمنها واستقرارها أمر مشروع، بل قد يكون واجبًا في حالة قيام حرب بينهم وبين المسلمين، وقد دلَّ على مشروعيته الكتاب والسنة وعمل الصحابة :
فمن الكتاب : عموم قول الله تعالى : " وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ " [الأنفال: 60] .
فقد أمرت الآية المسلمين بإعداد ما يستطيعون من قوة لمواجهة الأعداء، ومن أسباب القوة التخطيط السليم، واليقظة والحذر، والتأهب الدائم؛ لإحباط مخططات الأعداء، ولا شكَّ أنَّ ذلك لا يتمُّ إلا بمعرفة أخبار الأعداء وخططهم، ورصد تحركاتهم، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، فدلَّت الآية على مشروعية التجسس على الأعداء بكلِّ وسيلة شريفة، وطريقة نبيلة) .
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها
- عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : ((من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال الزبير : أنا ، ثم قال : من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال الزبير : أنا، ثم قال : من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال الزبير : أنا، ثم قال : إنَّ لكلِّ نبيٍّ حواريًّا، وإنَّ حواريَّ الزبير)) [رواه البخارى] .
- وعن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما على صاحبه قالا : ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلَّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال : إنَّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت، ومانعوك. فقال : أشيروا أيها الناس عليَّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزَّ وجلَّ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، قال أبو بكر : يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجَّه له، فمن صدنا عنه قاتلناه ،قال : امضوا على اسم الله)) [رواه البخارى] .
من أسباب التجسس الممنوع :
للتجسس الممنوع عدة دوافع يمكننا أن نذكر منها ما يلي :
- الفضول المحض : قد يكون الدافع إلى التجسس وتتبع عورات الناس هو الفضول المحض، وحبَّ الاستطلاع، ومعرفة ما خفي واستتر .
- قصد الإيذاء والفضيحة : فيتجسس على الشخص لكي يؤذيه، أو يفضحه؛ لغرض في نفسه، قد يكون دافعه الحسد، أو الكراهية، أو غير ذلك من الأمور .
- سوء الظنِّ : فالتجسس كما أسلفنا هو أثر من آثار سوء الظنِّ، فإذا ظنَّ شخص بشخص سوءًا دفعه ذلك إلى التحقُّق من ظنِّه، فيعمد إلى التجسس وتتبع العورات .
الوسائل المعينة على ترك التجسس
1- أن يراقب الله تبارك وتعالى قبل كل شيء، ويخشى أليم عقابه، وقوة انتقامه، فإن في ذلك زاجرًا له عن هذه الخلة القبيحة.
2- أن يترك الإنسان فضوله، وحبه للتفتيش، والاستطلاع على الآخرين، وذلك بأن يشغل نفسه بما يهمه في دنياه وأخراه، ويعلق نفسه بمعالي الأمور، ويبعدها عن سفاسفها، ويعمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
3- أن ينمي في نفسه الحرص على وحدة المسلمين وترابطهم، والخوف من تفككهم، وتقطع الأواصر بينهم، فإن هذا يجعله يبتعد عن كل ما يكون سببًا في تهديد هذه الوحدة والترابط، سواء كان ذلك السبب هو التجسس، أو غيره من الأخلاق السيئة .

4- أن يتدبر النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وآثار السلف التي تحذر من هذه الصفة فإن في ذلك رادع قوي وعلاج ناجع .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الأحد فبراير 25, 2018 10:44 am




" التَّعْسِيـــر "

ذَمُّ التَّعْسِير والنَّهي عنه :

أولًا : مِن القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " [البقرة: 280] .
قال ابن كثير : (قوله : " وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " : يأمر تعالى بالصَّبر على المعسر الذي لا يجد وفاءً، فقال : " وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ " أي : لا كما كان أهل الجاهليَّة يقول أحدهم لمدِينه إذا حلَّ عليه الدَّين : إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تُرْبِي، ثمَّ يندب إلى الوضع عنه، ويَعِدُ على ذلك الخير والثَّواب الجزيل، فقال : " وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " أي : وأن تتركوا رأس المال بالكليِّة وتضعوه عن المدِين) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عبد الله بن أبي قتادة، أنَّ أبا قتادة، طلب غريمًا له، فتوارى عنه ثم وجده، فقال : إني معسر، فقال : آلله ؟ قال : آلله ؟ قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفِّس عن معسر، أو يضع عنه)) [رواه مسلم] .
(أي : ليؤخر مطالبة الدين عن المدين المعسر، وقيل: معناه يفرج عنه، أو يضع عنه، أي : يحط عنه، وهذا مقتبس من مشكاة قوله تعالى : " وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ " ) [دليل الفالحين،لمحمد على البكري الصديقى] .
قال القاري : (فلينفِّس - بتشديد الفاء المكسورة - أي : فليؤخِّر مطالبته عن مُعْسِر، أي : إلى مدَّة يجد مالًا فيها، أو يضع - بالجزم - أي : يحطُّ ويترك عنه - أي عن المعْسِر - كلَّه أو بعضه، فائدة الفرض أفضل مِن النَّفل بسبعين درجة إلَّا في مسائل. الأَوْلَى إبراء المعْسِر مندوب وهو أفضل من إنظاره) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .

- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال : ((كان تاجر يُدَاين النَّاس، فإذا رأى مُعْسِرًا، قال لصبيانه : تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أن يتجاوز عنَّا، فتجاوز الله عنه)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّووي : (والتَّجاوز والتَّجوُّز معناهما المسَامَحة في الاقتضاء والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير، كما قال : وأتجوَّز في السِّكة، وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعْسِر والوضع عنه، إمَّا كلَّ الدَّين، وإمَّا بعضه مِن كثيرٍ أو قليلٍ، وفضل المسَامَحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء، سواء استوفى مِن مُوسِر أو مُعْسِر، وفضل الوضع مِن الدَّين، وأنَّه لا يحتقر شيء مِن أفعال الخير، فلعلَّه سبب السَّعادة والرَّحمة ،وفيه جواز توكيل العبيد، والإذن لهم في التَّصرُّف) [شرح النووى على مسلم] .

أقوال السَّلف والعلماء في التَّعْسِير :
- عن عون بن أبي جُحَيفة عن أبيه قال : ((آخى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدَّرداء، فزار سلمان أبا الدَّرداء، فرأى أمَّ الدَّرداء متبذِّلةً، فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدَّرداء ليس له حاجة في الدُّنيا، فجاء أبو الدَّرداء، فصنع له طعامًا، فقال : كُلْ، قال : فإنِّي صائمٌ، قال : ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال : فأكل، فلمَّا كان اللَّيل ذهب أبو الدَّرداء يقوم، قال : نَمْ، فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال : نَمْ، فلمَّا كان مِن آخر اللَّيل قال سلمان : قُم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان : إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فأتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان)) [رواه البخارى] .
- كان أبو موسى يشدِّد في البول، ويبول في قارورة، ويقول : إنَّ بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدِهم بولٌ، قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة : ((لوددت أنَّ صاحبكم لا يشدِّد هذا التَّشديد، فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى، فأتى سُبَاطَة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال، فانتبذت منه، فأشار إليِّ فجئت، فقمت عند عقبه حتى فرغ)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .

- وقال ابن القيِّم : (11) (لـمَّا ذكر شيئًا مِن مكائد الشَّيطان، قال بعض السَّلف: ما أمر الله تعالى بأمرٍ إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان، إمَّا إلى تفريط وتقصير، وإمَّا إلى مجاوزةٍ وغلوٍّ، ولا يبالي بأيِّها ظَفَر، وقد اقتطع أكثر النَّاس - إلَّا القليل - في هذين الواديين : وادي التَّقصير، ووادي المجاوزة والتَّعدِّي،والقليل منهم الثَّابت على الصِّراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه) [إغاثة اللهفان] .

- وقال ابن حجر : (لا يتعمَّق أحدٌ في الأعمال الدِّينيَّة، ويترك الرِّفق إلَّا عجز وانقطع، فيُغْلَب) [فتح البارى] .

من آثار التَّعْسِير :
1- من أكبر المضار وأولاها بالذكر هي أنَّ من كانت صفته التعسير يعتبر مخالفًا لأمر الله، بعيدًا عن شرعه، فالله تبارك وتعالى قد أمر بالتيسير على العباد، والتسهيل في التعامل معهم .
2- قد يدفع به إلى تصرفات غير لائقة، قد تضره في دينه أو دنياه، فقد يفعل المعسر أعمالًا محرمة، وأفعالًا مشينة، والداعي هو التعسير، فقد يضطره إلى السرقة أو النصب أو الاحتيال، بغرض فك عسرته، ودفع الحرج عنه .
3- زرع بذور البغض والكراهية في الصدور، فتظهر في واقع الناس، فيتحول المجتمع إلى مجتمع يتصف بالنفرة والتجافي، يكره بعضه بعضًا، ويحقد بعضه على بعض، فالتعسير نازع لأواصر المحبَّة، قاطع لحبالها، فكم من معسر بتعسيره فارق أصحابه وأحبابه، بل إخوانه وأهله، والعكس بالعكس، فما يسر ميسر إلا صار تيسيره رحمًا بينه وبين من يسر في معاملتهم .

من صور التَّعْسِير :
للتَّعْسِير صورٌ كثيرةٌ، أهمُّها ما يلي :
1- التَّعْسِير على المدِين عند تأخُّره عن قضاء الدَّين -لعدم مقدرته - وعدم إنظاره، ويخرج مِن هذه الصُّورة : أن يكون المدِين قادرًا على الإعطاء، ومع ذلك يمتنع عن دفع دَيْنِه، فيجوز للدَّائن عندئذ شكايته لولي الأمر- أو مَن ينوب عنه - لأخذ ماله عَنْوَة، لذا قال صلى الله عليه وسلم : ((مَطْل الغنيِّ ظُلْمٌ)) [رواه البخارى ومسلم] .
2- التَّعْسِير في النَّفقة، وهي تضييق الرَّجل على أهله في النفقة، ولها حالتان :
أولًا : إذا كان هذا بغير اختياره فلا شيء عليه، كما قال تعالى : " لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا " [الطَّلاق: 7] .
ثانيًا : إذا كان هذا باختياره - مع مقدرته على الإنفاق عليهم بما يسدُّ حاجتهم - فيحرم عليه، كما قال تعالى : " وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ " [الطَّلاق: 6] .
3- التَّعْسِير مع الأجير : بعدم إعطائه حقَّه كاملًا، أو ببخسه .
4- التَّعْسِير على مَن أراد النِّكاح بالمغالاة في مهور النِّكاح، بل واشتراط بعض الشُّروط الخارجة عن المهر : كحجز قاعة لإقامة العرس، وغيره ممَّا يدفع الشَّباب للعزوف عن النِّكاح .
5- التَّعْسِير على الفقير والمحتاج .

من أسباب الوقوع في التَّعْسِير :
1- مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالتيسير .

2 – حب الدنيا، والتعلق بالمال، دون النظر إلى الغير أو مراعاتهم، أو تقدير ظروفهم .
3- الجهل بعواقبه الدنيوية والأخروية، والجهل بما يجنيه التيسير من مكاسب وفوائد .
4- ضعف الإيمان، وقلة الدين، والبعد عن مواطن الخير .
5 – مجالسة من يتخلقون به، فمن جالس جانس، وصاحب الأخلاق الرديئة يعدي كما يعدي الأجرب .
6- سوء التربية، فمن تربى في مجتمع يسوده التشديد في الأمور، والتعسير، فسينشأ على هذا الخلق ويعتاده .

من الوسائل المعينة على ترك التَّعْسِير :
1- أن يطلع المرء على المكاسب التي سيجنيها الميسر، في الأجلين القريب والبعيد، كما يطلع على المضار التي قد يتسبب فيها بتعسيره وتشديده .
2- تربية الأبناء على التيسير في الأمور، والسهولة في المعاملة، وإنظار المعسرين، وبهذا ينشئ الناشئ على هذا الخلق، ومن ثم يصبح سجية له، وطبعًا .
3- البعد عمن جعل هذه الخلق ديدنه ومجافاته وهجره وفي هذا فائدة للطرفين فالأول سلمت له أخلاقه، فلم تصبه لوثة من الأخلاق الرديئة والثاني ربما يرتدع ويعرف أن ما هو واقع فيه من التعسير والتشدد أمر مذموم .
4- تقوية الإيمان سبب لترك جميع الأخلاق السيئة، فمن قوي إيمانه اتصف بما هو أهل له من أخلاق المؤمنين، وترك ما يخالفها .
5- الاقتصاد في العبادة، وفي الحديث : ((عليكم من الأعمال ما تطيقون)) [رواه مسلم] .

التفريق بين طلب الأكمل في العبادة والتنطع فيها :
عن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ((إنَّ الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيء مِن الدُّلجة) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
قال ابن المنِير : (في هذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام النُّبوَّة؛ فقد رأينا ورأى النَّاس قبلنا أنَّ كلَّ متنطِّعٍ في الدِّين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنَّه مِن الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدِّي إلى الملَال أو المبالغة في التَّطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلِّي اللَّيل كلَّه، ويُغَالِب النَّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللَّيل، فنام عن صلاة الصُّبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشَّمس فخرج وقت الفريضة) [فتح البارى ،لابن حجر] .


" التقليد والتبعية "

ذمُّ التقليد والتبعية والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ " [البقرة: 170-171] .
قال السعدي : (أخبر تعالى عن حال المشركين إذا أُمِروا باتِّباع ما أنزل الله على رسوله - ممَّا تقدَّم وصفه - رغبوا عن ذلك، وقالوا : " بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا " فاكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل النَّاس، وأشدُّهم ضلالًا، وهذه شبهة - لردِّ الحقِّ - واهيةٌ، فهذا دليلٌ على إعراضهم عن الحقِّ، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم، فلو هُدُوا لرُشْدِهم، وحسن قصدهم، لكان الحقُّ هو القَصْد، ومن جعل الحقَّ قصده، ووازن بينه وبين غيره، تبيَّن له الحقُّ قطعًا، واتَّبعه إن كان مُنصفًا .
ثمَّ قال تعالى : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ " [البقرة: 171] .
لـمَّا بيَّن تعالى عدم انقيادهم لِمَا جاءت به الرُّسل، وردَّهم لذلك بالتَّقليد، عُلِم مِن ذلك أنَّهم غير قابلين للحقِّ، ولا مستجيبين له، بل كان معلومًا لكلِّ أحدٍ أنَّهم لن يزُولُوا عن عنادهم، أخبر تعالى أنَّ مَثَلَهم عند دعاء الدَّاعي لهم إلى الإيمان، كمَثَل البهائم التي ينعِق لها راعيها، وليس لها علمٌ بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرَّد الصَّوت الذي تقوم به عليهم الحجَّة، ولكنَّهم لا يفقهونه فقهًا ينفعهم، فلهذا كانوا صمًّا لا يسمعون الحقَّ سماع فهمٍ وقبول، عُمْيًا لا ينظرون نظر اعتبار، بُكْمًا فلا ينطقون بما فيه خيرٌ لهم [تيسير الكريم الرحمن] .
وقال القرطبي : (قال علماؤنا : وقوَّة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التَّقليد، ونظيرها : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا " [المائدة: 104] الآية) [الجامع لأحكام القرآن] .
- وقال تعالى : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ " [المائدة: 104] .
أي : إذا دُعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرَّمه، قالوا : يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد مِن الطَّرائق والمسالك، قال الله تعالى : " أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا " أي : لا يفهمون حقًا، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتَّبعونهم والحالة هذه ؟! لا يتَّبعهم إلَّا مَن هو أجهل منهم، وأضلُّ سبيلًا [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عدي بن حاتم : ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب، فقال لي : يا عدي بن حاتم، ألق هذا الوثن من عنقك، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية " اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ " [التوبة: 31] قال : قلت : يا رسول الله، إنا لم نتخذهم أربابًا، قال : بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرموه عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت: بلى، قال: تلك عبادتهم)) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .

أقوال السَّلف والعلماء في التقليد والتبعية :
- عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يقول : (اغْدُ عالما أو متعلِّمًا، ولا تَغْد إمَّعة فيما بين ذلك) [صححه ابن القيم فى إعلام الموقعين] .
- وعنه - أيضًا - قال : (أَلَا لا يقلِّدنَّ أحدكم دينه رجلًا، إن آمن : آمن، وإن كفر : كفر ؛ وإن كنتم لا بدَّ مقتدين، فاقتدوا بالميِّت؛ فإنَّ الحيَّ لا يُؤمن عليه الفتنة) [قال الهيثمى فى مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح] .
- وعنه - أيضًا - قال : (لا يكوننَّ أحدكم إمَّعة، قالوا : وما الإمَّعة ؟ قال : يجري مع كلِّ ريح) [ذكره الغزالى فى إحياء علوم الدين] .
- وقال الخلَّال : وأخبرني حرب بن إسماعيل الكِرْماني، قال : (قلت لإسحاق - يعني ابن راهوية - ما معنى قوله : (لا يكون أحدكم إمَّعة) ؟ قال : يقول : إن ضلَّ النَّاس ضللت، وإن اهتدوا اهتديت) [شرح السنة] .
- قال عبد الله بن مسعود : (ليوطِّننَّ المرء نفسه على أنَّه إن كفر مَن في الأرض جميعًا لم يكفر، ولا يكوننَّ أحدكم إمَّعة، قيل : وما الإمَّعة ؟ قال : الذي يقول : أنا مع النَّاس؛ إنَّه لا أسوة في الشَّرِّ) [المعجم الكبير ،للطبرانى] .
- وفي رواية : (إذا وقع النَّاس في الفتنة فقل: لا أسوة لي بالشَّرِّ) [المعجم الكبير ،للطبرانى] .

- وعن الفضيل بن عياض قال : (اتَّبع طريق الهدى، ولا يضرُّك قلَّة السَّالكين، وإيَّاك وطرق الضَّلالة، ولا تغتـرَّ بكثرة الهالكين) [الصواعق المرسلة،لابن القيم] .

من آثار التقليد والتبعية [انظر:التقليد والتبيعية فى القرآن الكريم،لجمال سعد أحمد] .
1- التفرق والميل عن سبيل الله :
قال تعالى : " وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " [الأنعام: 153] .
2- الخذلان وفقدان النصير :
قال تعالى : " وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ " [البقرة: 120] .
3- التلاعن بين الأتباع والمتبوعين :
قال تعالى : " قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ " [الأعراف: 38-39].
4- التبرؤ والحسرة :
قال تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ " [البقرة: 165-167] .

من صور التقليد والتبعية :
1- الذي يقلِّد غيره في أصل عقيدته، كما فعل قوم إبراهيم وغيرهم :
قال تعالى : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ " [المائدة: 104] .
2- الذي يقلِّد غيره في أخلاقه ولو ساءت، كما ذكر الله تعالى عن أهل الجاهلية في قوله : " وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " [الأعراف: 28] .
3- الإمَّعة في فروع الدِّين، ومِن ذلك: التَّعصُّب المذهبي :
كالذي يقلِّد غيره في العبادات حتى لو أخطأ وظهر له الدَّليل على خطئه، كما في التَّعصُّب المذهبي .
4- التَّشبُّه بالكفَّار في عاداتهم وتقاليدهم، وهذا واضح في تقليد كثير مِن المسلمين لغيرهم في كثير مِن العادات والتَّقاليد، حتى حقَّقوا في ذلك وصف الإمَّعة، إليك بعض الأمثلة :
عيد الأمِّ، عيد شمِّ النَّسيم، عيد الحبِّ... وغيرها. فكلُّ ذلك مِن العادات التي غالبًا ما يُسأل عنها فاعلوها، فيقولون : هكذا يفعل النَّاس !! وقد سُئل محمَّد بن صالح العثيمين السُّؤال التَّالي : (انتشر في الآونة الأخيرة الاحتفال بعيد الحبِّ -خاصة بين الطَّالبات- وهو عيد مِن أعياد النَّصارى، ويكون الزيُّ كاملًا باللَّون الأحمر - الملْبَس والحذاء - ، ويتبادلن الزُّهور الحمراء، نأمل مِن فضيلتكم بيان حكم الاحتفال بمثل هذا العيد، وما توجيهكم للمسلمين في مثل هذه الأمور، والله يحفظكم ويرعاكم؟. فأجاب: الاحتفال بعيد الحبِّ لا يجوز؛ لوجوه :
الأوَّل : أنَّه عيدٌ بدعيٌّ لا أساس له في الشَّريعة .
الثَّاني : أنَّه يدعو إلى العشق والغرام .
الثَّالث : أنَّه يدعو إلى اشتغال القلب بمثل هذه الأمور التَّافهة المخالفة لهدي السَّلف الصَّالح - رضي الله عنهم - .
فلا يحلُّ أن يحدث في هذا اليوم شيء مِن شعائر العيد، سواءً كان في المآكل، أو المشارب، أو الملابس، أو التَّهادي، أو غير ذلك ، وعلى المسلم أن يكون عزيزًا بدينه، وأن لا يكون إمَّعة يتبع كلَّ ناعق) [مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين] .

من أساب الوقوع في التقليد والتبعية :
1- تربية الأبناء على التَّبعيَّة لغيرهم في كلِّ شيء، وعدم مشاركتهم في شيء .
2- فقدان الثِّقة بالنَّفس .
3- الجهل .
4- الغلوُّ في الأشخاص .
5- اتباع الهوى والشبهات .

الوسائل المعينة على ترك التقليد والتبعية [التقليد والتبيعية فى القرآن الكريم،لجمال سعد أحمد] .
1- الاعتبار بمصارع القرون الأولى :
قال تعالى : " فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا" [العنكبوت: 40] .
2- اتباع القدوة الحسنة :
قال تعالى : " أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ " [الأنعام: 90] .
3- إظهار الصورة المنفرة للمقلدين :
قال سبحانه : " وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ " [الأعراف: 179] .


" التَّنْفِيـــر "

ذَمُّ التَّنْفِير والنَّهي عنه في السنة النبوية :
- عن أبي مسعود الأنصاري قال : ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله، إنِّي والله لأتأخَّر عن صلاة الغداة مِن أجل فلان ممَّا يطيل بنا فيها، قال : فما رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قطُّ أشدَّ غضبًا في موعظة منه يومئذ، ثمَّ قال : يا أيُّها النَّاس، إنَّ منكم مُنَفِّرِين؛ فأيُّكم ما صلَّى بالنَّاس فليوجز، فإنَّ فيهم الكبير والضَّعيف وذا الحاجة)) [رواه البخارى ومسلم] .
(مُنَفِّرين : يعني يُنَفِّرُون النَّاس عن دين الله ]شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] فلقد (جاءت هذه الشَّريعة السَّمحة، باليُسر والسُّهولة، ونَفْي العَنَت والحَرَج، ولهذا فإنَّ الصَّلاة -التي هي أجلُّ الطَّاعات- أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الإمام التَّخفيف فيها، لتتيسَّر وتَسْهُل على المأمومين، فيخرجوا منها وهم لها راغبون،ولأنَّ في المأمومين مَن لا يطيق التَّطويل، إمَّا لعجزه أو مرضه أو حاجته، فإن كان المصلِّي منفردًا فليطوِّل ما شاء؛ لأنَّه لا يضرُّ أحدًا بذلك .
ومِن كراهته صلى الله عليه وسلم للتَّطويل، الذي يضرُّ النَّاس أو يعوقهم عن أعمالهم، أنَّه لما جاءه رجل وأخبره أنَّه يتأخَّر عن صلاة الصُّبح مع الجماعة، مِن أجل الإمام الذي يصلِّي بهم، فيطيل الصَّلاة، غضب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وقال : إنَّ منكم مَن يُنَفِّر النَّاس عن طاعة الله، ويكرِّه إليهم الصَّلاة ويثقِّلها عليهم، فأيُّكم أمَّ النَّاس فليوجز، فإنَّ منهم العاجزين وذوي الحاجات) [تيسير العلام شرح عمدة الأحكام،للبسام] .
- عن أبي موسى الأشعري أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذًا إلى اليمن فقال : ((يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن حجر : (قال الطِّيبيُّ : هو معنى الثَّاني، مِن باب المقابلة المعنويَّة؛ لأنَّ الحقيقيَّة أن يقال: بشِّرا ولا تنذرا وآنسا ولا تنفِّرا، فجمع بينهما ليعمَّ البِشَارة والنِّذارة والتَّأنيس والتَّنْفِير، قلت : ويظهر لي أنَّ النُّكتة في الإتيان بلفظ البِشَارة - وهو الأصل - وبلفظ التَّنْفِير - وهو اللَّازم - وأتى بالذي بعده - على العكس - للإشارة إلى أنَّ الإنذار لا يُنْفَى مطلقًا، بخلاف التَّنْفِير : فاكتفى بما يلزم عنه الإنذار، وهو التَّنْفِير، فكأنَّه قيل : إن أنذرتم فليكن بغير تنفير) [فتح البارى] .

من آثار التَّنْفِير :
1- الانفلات من التدين والانتكاس، بل قد يصل الحال - مع ضعف الإيمان - إلى ترك الدِّين بكلِّيته .
2- هجران العامَّة لمجالس الذِّكر والخير .
3- قنوط النَّاس مِن رحمة الله -تبارك وتعالى- ويأسهم مِن نوال مغفرته .
4- يلحق المنَفِّر وِزْر كلِّ مَن حمله تنفيره للتَّحول مِن الحقِّ إلى الباطل .

من صور التَّنْفِير :
هناك صور عدَّة مِن صور التَّنْفِير، نذكر هنا طرفًا منها، وهي كالتَّالي :
1- تعامل الداعية مع الناس بأسلوب فيه نوع من الشدة، والغلظة والجفوة وافتقاد الرفق واللين .
وهذا السلوك يجعل الناس ينفرون مِن دعوته، ولا يستجيبون لتعاليمه، وهذا تصديقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
ولا شك (أنَّ الغلوَّ مخالفٌ للفطرة البشريَّة، لا يمكن تحمُّله والالتقاء معه، وسلوك الغُلَاة مِن الغلظة والجفوة، وأسلوبهم مِن التَّشدُّد والتَّعْسِير، كلُّ ذلك ينفِّر النَّاس مِن الاستجابة للدَّعوة، ويصدُّهم عنها...) [ظاهرة الغلو فى الدين فى العصر الحديث،لمحمد عبد الكريم حامد] .
2- الأخذ بالعزيمة والحمل على الأخذ بها، والإعراض عن الرخص التي شرع الله الأخذ بها مما يوقع الناس في المشقة، مع أنَّ الله -تبارك وتعالى- يحبُّ أن تُؤتى رُخَصه كما يحبُّ أن تُؤتى عزائمه .

3- تغليب الترهيب على الترغيب في الدعوة إلى الله .
4- القسوة عند الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعدم التَّروي والتَّمهُّل فيه .
5- تنفير الأئمَّة للنَّاس مِن الصَّلاة بإطالتها، مخالفين بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف .

من أسباب الوقوع في التَّنْفِير :
1- الجهل بأصول الشَّريعة ومبادئ الدَّعوة إلى الله - تبارك وتعالى - .
2- عدم الإلمام بفقه الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر .
3- عدم مراعاة أحوال النَّاس، واختلاف طبائعهم .
4- اغترار المنَفِّر بفعله، وظنُّه أنَّ ما يفعله هو الصَّواب بعينه .
5- التَّقليد للخطأ مِن أعظم آفات التَّـنْفِير .

من الوسائل المعينة على ترك التَّنْفِير :
1- التَّأسِّي بطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته، وتأليفه لقلوب النَّاس .
2- أن يستشعر الدَّاعية حاجة النَّاس إلى الدَّاعية البصير، الهيِّن اللَّيِّن، الذي يقرِّبهم مِن الله ويحبِّبهم إليه .
3- خوف الدَّاعية مِن أن يكون سببًا في ضلال النَّاس، وإبعادهم عن الدِّين بسب تعامله الفظ الغَلِيظ، وأنَّ ذلك قد يعرِّضه لعقاب الله -تبارك وتعالى- وانتقامه .
4- أن يُلِمَّ الدُّعاة بفقه الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فيقوموا بهذا الواجب على بصيرة وعلم .


" الجبــن "

ذم الجبن في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
لم يرد ذكر لفظ الجبن صراحة في القرآن الكريم، ولكن كما قال ابن تيمية : (ما في القرآن من الحضِّ على الجهاد والترغيب فيه، وذمِّ الناكلين عنه والتاركين له كلُّه ذمٌّ للجبن) [الحسبة فى الإسلام] .
- قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ " [الأنفال: 15-16] .
قال الشوكاني : (نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم، وقد دبَّ بعضهم إلى بعض للقتال، فظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كلِّ حال، إلا حالة التحرف والتحيز) [فتح القدير] .
- ووصف الله سبحانه المنافقين بأنهم جبناء وأنهم لا يصمدون أمام الحروب والمعارك فقال : " أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً " [الأحزاب:19-20] .
قوله : " أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ " (بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم " فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ " نظر المغشي عليه " مِنَ الْمَوْتِ "من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفًا من إجبارهم على ما يكرهون، من القتال.
" فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ " وصاروا في حال الأمن والطمأنينة، " سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ " أي : خاطبوكم، وتكلموا معكم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة .
وحين تسمعهم، تظنهم أهل الشَّجَاعَة والإقدام " أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ " الذي يراد منهم، وهذا شرُّ ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أُمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء الله، أو يدعو إلى سبيل الله) [تيسير الكريم الرحمن ،للسعدى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن جبير بن مطعم رضي الله عنه ((أنَّه بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه الناس مقفله من حنين، فعلِقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا)) [رواه البخارى] .
- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأبي طلحة: ((التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر،فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرًا يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين...)) [رواه البخارى] .

- وعن يعلى العامري رضي الله عنه قال : ((جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فضمَّهما إليه، وقال : إنَّ الولد مبخلة مجبنة)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .
(أي : سبب لبخل الأب وجبنه، ويحمل أبويه على البخل، وكذلك على الجبن، فإنَّه يتقاعد من الغزوات والسرايا بسبب حبِّ الأولاد، ويمسك ماله لهم) [شروح سنن ابن ماجه ، للسيوطى] .

أقوال السلف والعلماء في الجبن :
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرُّ عن أبيه وأمه، والجريء يقاتل عما لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف، والشهيد من احتسب نفسه على الله) [رواه مالك فى الموطأ] .

- وقالت عائشة رضي الله عنها : (إنَّ لله خلقًا، قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها، فأفٍّ للجبناء، أفٍّ للجبناء) [ذكره النويرى فى نهاية الأرب] .
- وقال خالد بن الوليد : (حضرت كذا وكذا زحفًا في الجاهلية والإسلام، وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وها أنا ذا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء) [رواه الواقدى فى المغازى] .
- وقال ابن تيمية : (فإنَّ الجميع يتمادحون بالشَّجاعَة والكرم، حتى إنَّ ذلك عامة ما يمدح به الشعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامُّون بالبخل والجبن) [الاستقامة] .

من آثار الجبن :
1- (إهانة النفس، وسوء العيش، وطمع طبقات الأنذال وغيرهم .
2- قلة الثبات والصبر، في المواطن التي يجب فيها الثبات .
3- أنَّه سبب للكسل، ومحبة الراحة؛ اللذين هما سببا كلِّ رذيلة .
4 - الاستحذاء لكلِّ أحد، والرضى بكلِّ رذيلة وضيم .
5- الدخول تحت كلِّ فضيحة في النفس والأهل والمال .

علاج الجبن :
الجبن له أسباب تؤدي إليه، ويلزم في علاجه إزالة هذه الأسباب، ونسوق فيما يلي بعض هذه الأسباب وكيفية علاجها :
هذه الأسباب (إما جهل فيزول بالتجربة، وإما ضعف فيزول بارتكاب الفعل المخوف مرة بعد أخرى، حتى يصير ذلك له عادة وطبعًا،... فالمبتدئ في المناظرة، والإمامة، والخطابة، والوعظ،... قد تجبن نفسه، ويخور طبعه، ويتلجلج لسانه، وما ذاك إلا لضعف قلبه، ومواجهة ما لم يتعوده، فإذا تكرر ذلك منه مرات، فارقه الضعف، وصار الإقدام على ذلك الفعل ضروريًّا، غير قابل للزوال،... واعلم أنَّ قوة النفس والعزم الجازم بالظفر سبب للظفر، كما قال علي رضي الله عنه لما قيل له : كيف كنت تصرع الأبطال ؟ قال : كنت ألقي الرجل فأقدِّر أني أقتله، ويقدِّر هو أيضًا أني أقتله، فأكون أنا ونفسه عونًا عليه، ومن وصايا بعضهم : أشعروا قلوبكم في الحرب الجرأة؛ فإنها سبب الظفر. ومن كلام القدماء : من تهيب عدوه، فقد جهز إلى نفسه جيشًا) [مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق،لابن النحاس بتصرف] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:27 am


" الجدال والمراء "

ذم الجدال والمراء والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ " [البقرة: 197] .
وعن ابن مسعود في قوله : " وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ " قال : (أن تماري صاحبك حتى تغضبه) [رواه الطبرى فى تفسيره] وعن ابن عباس : (الجدال : المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك) [رواه الطبرى فى تفسيره] وعن ابن عمر : (الجدال المراء والسباب والخصومات) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
وقال السدي : (قد استقام أمر الحجِّ فلا تجادلوا فيه) [جامع البيان] .
وقال الطبري : (اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : النهي عن أن يجادل المحرم أحدًا، ثم اختلف قائلو هذا القول، فقال بعضهم : نهى عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
- وقال جلَّ شأنه : " وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ " [البقرة: 204] .
قال العيني : (أي : شديد الجدال، والخصومة، والعداوة للمسلمين) [عمدة القارى] .
قال مقاتل : (يقول جدلًا بالباطل) [تفسير مفاتل] .
وقال الطبري : أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك [رواه الطبرى فى تفسيره] .

- وقال تعالى : " هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " [آل عمران: 66] .
قال الطبري : (يعني بذلك جلَّ ثناؤه : ها أنتم : هؤلاء القوم الذين خاصمتم وجادلتم فيما لكم به علم من أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مما أوتيتموه، وثبتت عندكم صحته، فلم تحاجُّون ؟ يقول : فلم تجادلون وتخاصمون فيما ليس لكم به علم) [جامع البيان] .
قال الشوكاني : (وفي الآية دليل على منع الجدال بالباطل، بل ورد الترغيب في ترك الجدال من المحقِّ) [فتح القدير] .
وقال السعدي : (وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن المحاجة والمجادلة بغير علم، وأنَّ من تكلَّم بذلك فهو متكلِّم في أمر لا يمكَّن منه، ولا يسمح له فيه) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : " مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ " [الزخرف: 58])) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال القاري : (والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في الكفر إلا بسبب الجدال، وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلب المعجزة منه عنادًا أو جحودًا، وقيل : مقابلة الحجة بالحجة، وقيل : المراد هنا العناد، والمراء في القرآن ضربُ بعضه ببعض؛ لترويج مذاهبهم، وآراء مشايخهم، من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق، وذلك محرم، لا المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحقِّ فإنه فرض كفاية) [مرقاة المفاتيح] .
وقال المناوي : (أي الجدال المؤدي إلى مراء ووقوع في شك، أما التنازع في الأحكام فجائز إجماعًا، إنما المحذور جدال لا يرجع إلى علم، ولا يقضى فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان، ولا تأول على النصفة، بل يخبط خبط عشواء غير فارق بين حقٍّ وباطل) [فيض القدير] .
وقال البيضاوي : (المراد بهذا الجدل العناد، والمراء، والتعصب) [قوت المغتذى،للسيوطى] .
- وعن عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنَّ أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم)) [رواه البخارى ومسلم] .

قال الصنعاني : (أي : الشديد المراء، أي الذي يحجُّ صاحبه) [سبل السلام] .
وقال المهلب : (لما كان اللدد حاملًا على المطل بالحقوق، والتعريج بها عن وجوهها، والليِّ بها عن مستحقيها، وظلم أهلها؛ استحقَّ فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه) [شرح صحيح البخارى ،لابن بطال] .
وقال النووي : (والألدُّ : شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه؛ لأنَّه كلما احتجَّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخصم فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حقٍّ، أو إثبات باطل) [شرح النووى على مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الجدال والمراء :
- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (لا تمارِ أخاك؛ فإنَّ المراء لا تفهم حكمته، ولا تُؤمَن غائلته [جامع الأصول ،لابن الأثير] .
- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : (من استحقاق حقيقة الإيمان ترك المراء، والمرء صادق) [الزهد ،لهناد] .
- وقال أبو الدرداء : (كفى بك إثمًا أن لا تزال مماريًا) [رواه الدارمى] .
- وقال ابن عمر رضي الله عنهما : (ولن يصيب رجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء، وهو يعلم أنَّه صادق، ويترك الكذب في المزاحة) [الرهد،لأحمد بن حنبل] .
- ورُوي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه قال : (إذا أحببت أخًا فلا تماره) [صحح إسناده الألبانى فى صحيح الأدب المفرد] .
- وقال مالك بن أنس : (المراء يقسِّي القلوب، ويُورث الضغائن) [إحياء علوم الدين ،للغزالى] .
- وقال أيضًا : (كلما جاء رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد عليه السلام لجدله) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .
- وقال أيضًا : (ليس هذا الجدل من الدين بشيء) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .

من آثار الجدال والمراء :
1- الجدال والمراء غير المحمود من فضول الكلام الذي يعاب عليه صاحبه .
2- قد يؤدي الجدال الباطل إلى تكفير الآخرين أو تفسيقهم .
3- يدعو إلى التشفي من الآخرين .
4- يذكي العداوة، ويورث الشقاق بين أفراد المجتمع .
5- يقود صاحبه إلى الكذب .

أقسام الجدال :
ينقسم الجدال إلى قسمين :
1- الجدال المحمود :
وهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الجدال في قوله تعالى : " ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [النحل: 125] وقال جلَّ في علاه : " وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " [العنكبوت: 46] .

- الجدال المذموم :
هو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص :
قوله تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ " [الحج: 3] .
وقوله تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ " [الحج: 8] .
وقوله سبحانه : " مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ " [غافر: 4] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((المراء في القرآن كفر)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
وقال ابن عثيمين : (المجادلة والمناظرة نوعان :
النوع الأول : مجادلة مماراة : يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة .
النوع الثاني : مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها) [العلم] .

من آداب الجدال المحمود [وسائل الدعوة،لعبد الرحيم المغذوى،بتصرف] :
هناك جملة من الآداب ينبغي لمن أراد الجدال أن يتحلَّى بها، ومنها :
1- النية الصادقة في نصرة الحق، والدعوة إلى دين الله تعالى، وترك الرياء والسمعة، أو طلب الجاه والرفعة .
2- العلم الصحيح المستفاد من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف هذه الأمة الصالح .
3- رد الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله .
4- تقديم النقل ونصوصه على العقل وظنونه .
5- التحلي بالأخلاق الإسلامية العالية أثناء الجدال؛ من القول المهذب، واحترام الآخرين، وعدم الطعن في الأشخاص، أو لمزهم والاستهزاء بهم .
6- أن تكون غايتك إظهار الحق، وإقناع الناس به، مع الابتعاد عن الباطل أو تلبيسه على الناس .
7- تقديم الأهم فالأهم من الحجج، والبينات، والأدلة المفحمة للخصم، بقصد الإقناع وإظهار وجه الصواب .
8- مجانبة إطالة الكلام، وغرابة الألفاظ، أو خروجها عن صلب الموضوع .

نماذج من الجدال المحمود :

أولًا : من القرآن الكريم :
1- مجادلة نوح عليه السلام قومه في دعوتهم إلى عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، قال تعالى : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ " [هود: 25-33] .
2- مجادلة إبراهيم لأبيه وقومه لإثبات الحق، وإظهار بطلان الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وأنها لا تضرُّ ولا تنفع، قال الله تعالى : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ " [الأنعام: 74-83] .

ثانيًا : من السنة النبوية :
والأمثلة من السنة على الجدال المحمود كثيرة، ونذكر منها على سبيل المثال :
1- المجادلة التي دارت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم، وبينه وبين أبي بكر رضي الله عنه، في صلح الحديبية : فعن شقيق بن سلمة قال : ((قام سهلُ بنُ حنيفٍ يومَ صفِّينَ فقال : أيها الناسُ ! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ الحديبيةِ. ولو نرى قتالًا لقاتلنا. وذلك في الصلحِ الذي كان بين رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وبين المشركين، فجاء عمرُ بنُ الخطابِ، فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ! ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ ؟ قالا (بلى) قال : أليس قتلانا في الجنةِ وقتلاهم في النارِ ؟ قال (بلى) قال : ففيمَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا ، ونرجعُ ولما يحكم اللهُ بيننا وبينهم ؟ فقال (يا ابنَ الخطابِ ! إني رسولُ اللهِ. ولن يُضيِّعني اللهُ أبدًا) قال : فانطلق عمرُ فلم يصبر متغيِّظًا. فأتى أبا بكرٍ فقال : يا أبا بكرٍ ! ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ ؟ قال : بلى،قال : أليس قتلانا في الجنةِ وقتلاهم في النارِ؟ قال: بلى. قال: فعلام نُعطي الدنيَّةَ في ديننا ، ونرجعُ ولما يحكمُ اللهُ بيننا وبينهم ؟ فقال : يا ابنَ الخطابِ ! إنَّهُ رسولُ اللهِ ولن يُضيِّعَه اللهُ أبدًا، قال: فنزل القرآنُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالفتحِ، فأرسل إلى عمرَ فأقرأَه إياهُ، فقال : يا رسولَ اللهِ ! أو فتحٌ هوَ ؟ قال (نعم) فطابت نفسُه ورجع.)) [رواه مسلم] .
2- الجدال الذي دار بين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وبين النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، قال ابن كثير: قال ابن إسحاق : ((فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطًا، وأقام المشركون يحاصرونه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، فلما اشتدَّ على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم... إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة ، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه، فقالا : يا رسول الله، أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بدَّ لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا ؟ فقال : بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كلِّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله، قد كنَّا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرًى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت وذاك، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا)) [انظر السيرة النبوية،لابن كثير] .

حكم وأمثال في الجدال والمراء :
- دع المراء لقلَّة خَيره [جمهرة اللغة،لابن دريد] .
-دع المراء، وإن كنت محقًّا [مجمع الأمثال،للميدانى] .
- من ترك المراء سلمت له المروءة [مجمع الأمثال،للميدانى] .
من أقوال الحكماء :
- قال محمد بن الحسين : (وعند الحكماء : أنَّ المراء أكثره يغيِّر قلوب الإخوان، ويُورث التفرقة بعد الألفة، والوحشة بعد الأنس) [أخلاق العلماء،للآجرى] .
وصايا ونصائح في التحذير من الجدال والمراء :
- قال لقمان : (يا بنيَّ، من لا يملك لسانه يندم، ومن يكثر المراء يشتم، ومن يصاحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يصاحب الصالح يغنم) [مكارم الأخلاق ،للخرائطى] .
- وقال أيضًا : (لا تمارينَّ حكيمًا، ولا تجادلنَّ لجوجًا، ولا تعاشرنَّ ظلومًا، ولا تصاحبنَّ متَّهمًا) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .
- وقال أيضًا : (يا بني، من قصر في الخصومة خصم، ومن بالغ فيها أثم، فقل الحق ولو على نفسك، فلا تبال من غضب) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .
- ويقال : (لا تمارِ حكيمًا ولا سفيهًا؛ فإنَّ الحكيم يغلبك، والسفيه يؤذيك) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .


" الجَـــزَع "

ذَمُّ الجَزَع والنَّهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
قال تعالى : " أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ " [إبراهيم: 21] .
قال ابن عاشور : (وجملة " أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا " مِن كلام الذين استكبروا، وهي مستأنفة تُبين عن سؤالٍ مِن الضُّعفاء، يستفتون المستكبرين : أيصبرون أم يجزعون، تطلُّبًا للخلاص مِن العذاب، فأرادوا تأييسهم مِن ذلك، يقولون : لا يفيدنا جَزَعٌ ولا صَبْرٌ، فلا نجاة مِن العذاب. فضمير المتكلِّم المشارك شامل للمتكلِّمين والمجابين، جمعوا أنفسهم إتمامًا للاعتذار عن توريطهم) [التحرير والتنوير] .
- وقال تعالى : " إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ " [المعارج: 19-22] .
قال السعدي : (فيَجْزَع إن أصابه فقرٌ أو مرضٌ، أو ذهابُ محبوبٍ له، مِن مالٍ أو أهلٍ أو ولدٍ، ولا يستعمل في ذلك الصَّبر والرِّضا بما قضى الله) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهطٍ سريَّة عينًا (3) ... قال لهم خبيب : ذروني أركع ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، ثمَّ قال : لولا أن تظنُّوا أنَّ ما بي جَزَعٌ لطوَّلتها، اللَّهمَّ أحصهم عددًا) [رواه البخارى]

- عن عمرو بن تغلب : ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بمال أو سبي، فقسَّمه، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أنَّ الذين ترك عَتَبُوا، فحمد الله ثمَّ أثنى عليه، ثمَّ قال : أما بعد، فوالله إنِّي لأعطي الرَّجل، وأدع الرَّجل، والذي أدع أحبُّ إليَّ مِن الذي أعطي، ولكن أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم مِن الجَزَع والهلع، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم مِن الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب فوالله ما أحبُّ أنَّ لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حُمْر النَّعم) [رواه البخارى]
(أي : من شدة الألم والضجر الذي يصيب نفوسهم لو لم يعطوا من الغنيمة، فأعطيهم تأليفًا لقلوبهم، وتطييبًا لنفوسهم) [منار القارى،لحمزة محمد قاسم] .

أقوال السَّلف والعلماء في الجَزَع :
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للأشعث بن قيس : (إنَّك إن صبرت؛ جرى عليك القلم وأنت مأجورٌ، وإن جَزِعت؛ جرى عليك القلم وأنت مأزورٌ) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .

- و(قال رجل مِن الحكماء : إنَّما الجَزَع والإشفاق قبل وقوع الأمر، فإذا وقع فالرِّضا والتَّسليم) [الكامل للمبرد] .
- وقال عمرو بن دينار : قال عبيد بن عمير : (ليس الجَزَع أن تدمع العين، ويحزن القلب، ولكن الجَزَع : القول السَّيِّئ والظَّنُّ السَّيِّئ) [عدة الصابرين ،لابن القيم] .
- و(قال بعض الحكماء : إن كنت تجزع على ما فات مِن يدك، فاجزع على ما لا يصل إليك) [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .
- و(قال ابن السَّماك : المصيبة واحدة، فإن جَزِع صاحبها فهما اثنتان. يعني فقد المصاب، وفقد الثَّواب) [ربيع الأبرار،للزمخشرى] .

من آثار الجَزَع :
1 - الدُّعاء على النَّفس [فيض القدير ،للمناوى] .
2 - يورث الحسرة، وبقاء النَّدامة :
(قيل للأحنف : إنَّك لصبورٌ على الجَزَع ! فقال : الجَزَع شرُّ الحالين؛ يباعد المطلوب، ويورث الحسرة، ويُبقي على صاحبه النَّدم) [المجالسة وجواهر العلم،لأبكر الدينورى] .
3 - سوء الظن بالله، وعدم الثقة به سبحانه .
4- انتفاء كمال الإيمان .
5 -عدم الرضا بالمقدور، وعجزه عن فعل المأمور .
6- استحقاق العذاب في الآخرة .

أقسام الجَزَع :
الجَزَع على قسمين :
1 - الجَزَع في الخطايا .
2 - الجَزَع في المصائب .
وفي ذلك يقول سعيد بن جبير عندما سئل عن الجَزَع : (الجَزَع على نحوين : أحدهما في الخطايا، أن يجزع الرَّجل إليها، والآخر في المصائب، فأمَّا جزع المصيبة : فهو ألَّا يحتسبها العبد عند الله، ولا يرجو ثوابها، ويرى أنَّه سوءٌ أصابه، فذلك الجَزَع، ويفعل ذلك وهو متجلِّدٌ لا يبين منه إلَّا الصَّبر) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصبر والثواب] .

من صور الجَزَع :
1- تمنِّي الموت .
2- ضرب الخدود .
3- شقُّ الثَّياب .
4- نشر الشُّعور .
5- الدُّعاء بالويل والثُّبور .
من أسباب الوقوع في الجَزَع :

1- الأسف وشدَّة الحسرة، فلا يرى مِن مصابه خلفًا، ولا يجد لمفقوده بدلًا؛ فيزداد بالأسف وَلَهًا، وبالحسرة هلعًا ، ولذلك قال الله تعالى : " لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ " [الحديد: 23] .

اليأس مِن جبر مصابه، وطلابه، فيقترن بحزن الحادثة قنوط الإياس، فلا يبقى معهما صبرٌ، ولا يتَّسع لهما صدرٌ، وقد قيل : المصيبة بالصَّبر أعظم المصيبتين .

قال ابن القيِّم : (وإذا اطمأنَّ إلى حكمه الكوني : عَلِمَ أنَّه لن يصيبه إلَّا ما كتب الله له، وأنَّه ما يشاء كان، وما لم يشأ لم يكن،فلا وجه للجَزَع والقلق إلَّا ضعف اليقين والإيمان، فإنَّ المحذور والمخوف : إن لم يُقَدَّر فلا سبيل إلى وقوعه، وإن قُدِّر فلا سبيل إلى صرفه بعد أن أُبْرِم تقديره. فلا جَزَع حينئذ لا ممَّا قُدِّر ولا ممَّا لم يُقَدَّر) [مدارج السالكين] .
2- عدم الاستعانة بالله في المصيبة .
3-عدم النَّظر إلى مَن هم أشدُّ منه مصيبة وغمًّا وألـمًا .
4- العَجْز : قال ابن القيِّم : (الجَزَع قرين العَجْز وشقيقه... فلو سُئِل الجَزَع : مَن أبوك ؟ لقال : العَجْز) [عدة الصابرين] .
5-- ترك الرِّضا بما يوجب القضاء .

من الوسائل المعينة على ترك الجَزَع :
1- قوَّة الإيمان :
فعن صهيب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له)) [رواه مسلم] .
2- ذكر الله :
فذِكْرُ الله يعين على الثَّبات في الشَّدائد، قال تعالى : " وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ " [الأنفال: 45] .
ذكر القرطبيُّ أقوالًا للعلماء في معنى هذه الآية، منها : (اذكروا الله عند جَزَع قلوبكم، فإنَّ ذِكْرَه يعين على الثَّبات في الشَّدائد) [تفسير القرطبى] .

3- العلم بأنَّ الجَزَع يُشمِتُ الأعداء .
4- العلم بأنَّ الجَزَع يَسُوء الأصدقاء .
5- العلم بأنَّ الجَزَع يُغْضِب الله .
6- العلم بأنَّ الجَزَع يَسرُّ الشَّيطان .
7- العلم بأنَّ الجَزَع يُحْبِط الأجر .


" الجَفــــاء "

ذَمُّ الجَفَاء والنَّهي عنه في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ((الحياء مِن الإيمان، والإيمان في الجنَّة، والبَذَاء مِن الجَفَاء، والجَفَاء في النَّار)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
ففي هذا الحديث بيَّن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمان والحياء مترابطان متلازمان، وهما معًا يقودان صاحبهما إلى الجنَّة، وفي المقابل فإنَّ البَذَاء - وهو فُحْش القول، والسَّيِّئ منه – متلازم مع الجَفَاء، فهو صِنْوَه الذي لا يفارقه، وهما يسوقان صاحبهما إلى النَّار .
قال ملا علي القاري : (... ((والبَذَاء)) - بفتح الباء- خلاف الحياء، والنَّاشئ منه الفُحْش في القول، والسُّوء في الخُلُق. مِن الجَفَاء : وهو خلاف البِرِّ الصَّادر منه الوفاء ((والجَفَاء)) أي : أهله التَّاركون للوفاء، الثَّابتون على غلاظة الطَّبع وقساوة القلب، في النَّار، إمَّا مدَّة أو أبدًا؛ لأنَّه في مقابل الإيمان الكامل أو مطلقه، فصاحبه إمَّا مِن أهل الكفران أو الكفر) [مرقاة المفاتيح] .

- وعن أبي مسعود : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((الإيمان هاهنا - وأشار بيده إلى اليمن - والجَفاء وغِلَظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قَرْن الشَّيطان في ربيعة ومضر)) [رواه البخارى ومسلم] .
وفي هذا الحديث يحدِّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجَفَاء وأين يكون، وهو في معنى الحديث الذي سبقه في أنَّ الجَفاء يَكْثُر في أهل البوادي، الذين يتَّبعون الإبل في مراعيها، فيبعدون عن مراكز المدن والحضر؛ فتقسو قلوبهم، وتجفو طباعهم .
قال ملا علي القاري : (... ((والجَفاء)) -بالمدِّ- ضدُّ الوفاء... والأظهر أنَّ المراد به هاهنا غِلَظ الألسنة، بقرينة قوله : ((وغِلَظ القلوب في الفدَّادين أهل الوبر)) بيان للفدَّادين، ويُرَاد بأهل الوبر : الأعراب أو سكَّان الصَّحاري، وإنَّما ذمَّهم؛ لبعدهم عن المدن والقرى، الموجب لقلَّة العلم الحاصل به حسن الأخلاق لهم، وسائر علوم الشَّريعة...) [مرقاة المفاتيح ،لملا على القارى] .
وقال المناوي : (ويحتمل أنَّ المراد بالجَفاء أنَّ القلب لا يميل لموعظة، ولا يخشع لتذكرة، والمراد بالغِلَظ: أنَّها لا تفهم المراد، ولا تعقل المعنى) [فيض القدير،للمناوى] .

أقوال السَّلف والعلماء في الجَفَاء :
- قال مالك بن أنس : (ما قلَّت الآثار في قوم إلَّا كَثُرَت فيهم الأهواء، وإذا قلَّت العلماء ظهر في النَّاس الجَفَاء) [رواه الخطيب البغدادى فى الفقيه والمتفقه] .
- وقال سفيان الثوري : (إيَّاك ومجالسة أهل الجَفَاء، ولا تصحب إلَّا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلَّا تقيٌّ، ولا تصاحب الفاجر ولا تجالسه) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
- عن طاوس قال : (مِن السُّنَّة أن يُوقَّر أربعة : العالم، وذو الشَّيبة، والسُّلطان، والوالد، ومِن الجَفَاء أن يدعو الرَّجل والده باسمه) [رواه البيهقى فى المدخل إلى السنن الكبرى] .
- وعن سعيد بن جبير قال : (أربعة تُـعَدُّ مِن الجَفاء : دخول الرَّجل المسجد يصلِّي في مؤخَّره، ويدع أن يتقدَّم في مقدَّمه؛ ويمرُّ الرَّجل بين يدي الرَّجل وهو يصلِّي؛ ومسح الرَّجل جبهته قبل أن يقضي صلاته؛ ومؤاكلة الرَّجل مع غير أهل دينه) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .

من آثار الجَفاء :
1- التَّنافر بين النَّاس .
2- تقطُّع أواصر المودَّة والمحبَّة، خاصَّة مع الأهل والأقرباء .
3- كثرة حدوث المشكلات .
4- الحرمان من معونة الناس عند نزول الشدائد .
5- الجافي متوعَّد بالعقوبة الأخرويَّة بالعذاب في النَّار .

من صور الجَفَاء :
1- جفاء الإنسان ربَّه : وهو مولاه والمطَّلع عليه، ويحدِّثنا ابن القيِّم عن هذا النَّوع مِن أنواع الجَفاء، فيقول : أمَّا قوله : (والصَّبر عن الله جَفَاء) فلا جَفَاء أعظم ممَّن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه، الذي لا مولى له سواه، ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلَّا بمحبَّته والقرب منه، وإيثار مرضاته على كلِّ شيء، فأيُّ جفاء أعظم مِن الصَّبر عنه) [عدة الصابرين] .
وقال بعض الحكماء : لا تجف ربَّك... أما الجَفَاء بربِّك: فأن تشتغل بخدمة غيره مِن المخلوقين [تنبيه الغافلين ،للسمرقندى] .

2- جفاء الوالدين، بالتَّأفُّف وغِلَظ القول لهما، أو قطعهما ونحوه : وهذا مِن أعظم الجَفَاء وأشدِّه، بل هو العقوق بعينه، إذ كيف يجفو المرء مَن كانا سببًا في وجوده، ومَن تعبا على تربيته، وبَذَلا جهدهما مِن أجل راحته .
بل عدَّ السَّلف مناداة الرَّجل لوالده باسمه مجردًا مِن الجَفَاء، قال طاوس : (مِن الجَفَاء أن يدعو الرَّجل والده باسمه) [رواه البيهقى فى المدخل إلى السنن الكبرى] فكيف بمن يعاملهما بما هو أشدُّ مِن ذلك سوءًا .
3- ومِن صور الجَفَاء المتفشِّية في المجتمع : جفاء الرَّجل زوجته وأبنائه، وذلك مِن أعظم أسباب الفراق وتفكُّك الأُسر، فتجده إذا دخل بيته تغيَّرت صورته، وعلا صوته، فنهر هذا، وضرب ذاك، وربَّما يكون ذلك بدون سبب أو مبرِّر، فيتحوَّل البيت مِن سكن إلى حجيم، ومِن طمأنينة إلى قلق وإزعاج، وكلُّ ذلك بسبب جفاء الرَّجل وقسوة طبعة، يقول ابن سعدي : (وكذلك رحمة الأطفال الصِّغار، والرِّقَّة عليهم، وإدخال السُّرور عليهم مِن الرَّحمة، وأمَّا عدم المبالاة بهم، وعدم الرِّقَّة عليهم، فمِن الجَفَاء والغِلْظَة والقسوة، كما قال بعض جُفاة الأعراب حين رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقبِّلون أولادهم الصِّغار، فقال ذلك الأعرابي : إنَّ لي عشرة مِن الولد ما قبَّلت واحدًا منهم، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((أَوَ أَمْلِك لك شيئًا أن نزع الله مِن قلبك الرَّحمة ؟)) [رواه البخارى ومسلم] [بهجة قلوب الأبرار] .

وقال ابن عثيمين : (أمَّا ما يفعله بعض النَّاس مِن الجَفَاء والغِلْظَة بالنِّسبة للصِّبيان، فتجده لا يمكِّن صبيَّه مِن أن يحضر على مجلسه، ولا أن يمكِّن صبيَّه مِن أن يطلب منه شيئًا، وإذا رآه عند الرِّجال انتهره، فهذا خلاف السُّنَّة، وخلاف الرَّحمة) [شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] .

5- ومِن الصُّور كذلك: جفاء الصَّديق لأي سببٍ كائن مِن الأسباب، فربَّما يجفو صديقه كِبْرًا وتيهًا، وربَّما يجفوه لمشكلة لا تحتمل الجَفاء، وربَّما لوِشَايَة سمعها عنه، أو خبر نَمَى إليه أو غير ذلك .

من أسباب الوقوع في الجَفَاء :
1- ضعف الإيمان وقلَّة العلم، لذا كان أهل البداوة أكثر النَّاس جفاءً، وأغلظهم طبعًا وأقساهم قلوبًا، وأضعفهم إيمانًا .
2- تزيين الشَّيطان .
3- الحسد قد يولِّد الجَفَاء بين المتحاسدين، ويوسِّع النُّفْرَة بينهما؛ لأنَّه (إذا شاع الحسد بين النَّاس، وحسد بعضهم بعضًا زال الخير عنهم، وحلَّ الجَفَاء، واشتعلت نار الفتنة، وعمَّتهم المصيبة والمحنة) [صيد الأفكار،لحسين المهدى] .
4- البعد عن المنهج الصَّحيح في معاملة الآخرين .

من الوسائل المعينة على ترك الجَفَاء :
1- التَّزوُّد بالإيمان، والتَّضلُّع مِن العلم النَّافع، فإنَّهما كفيلان بترقيق الطَّبع، وتحسين الخُلُق .
2- الاقتداء بسيِّد الخَلْق أجمعين صلى الله عليه وسلم في كيفيَّة معاملته للنَّاس وحرصه عليهم، ورِفْقِه بهم .
3- الاختلاط بالنَّاس والصَّبر على أذاهم سببٌ آخر لترك هذا الخُلُق، وكلَّما بعد الإنسان عن النَّاس وتجمُّعاتهم، كلَّما غَلُظ طبعه، وقسى قلبه، وساء خُلُقه، لعدم وجود مَن يعاشره، ويتعلَّم منه ويصبر عليه، كما هو الحال في أهل البادية .
4- التَّناصح بين الإخوان، والعتاب بينهم بالحسنى؛ كفيلٌ بأن يهذِّب الطِّباع، ويُذْهِب الجَفَاء .

5- أن يعلم مَن ابتُلِي بهذا الخُلُق أنَّه قد يعرِّض نفسه للعقوبة والعذاب إن داوم على سوء الخُلُق، وقسوة القلب .
6- أن يعلم أنَّه قد يخسر كلَّ أصدقائه وأحبابه .

الصَّبر على الجَفَاء :
قال ابن حزم الأندلسي : (الصَّبر على الجَفَاء ينقسم ثلاثة أقسام :
1- فصبر عمَّن يقدر عليك، ولا تقدر عليه .
2- وصبر عمَّن تقدر عليه، ولا يقدر عليك .
3- وصبر عمَّن لا تقدر عليه، ولا يقدر عليك .
فالأوَّل ذلٌّ ومهانة، وليس مِن الفضائل، والرأي لمن خشي ما هو أشدُّ ممَّا يصبر عليه المتاركة والمباعدة، والثَّاني فضلٌ وبِرٌّ، وهو الحِلْم على الحقيقة، وهو الذي يوصف به الفضلاء، والثَّالث ينقسم قسمين :
1- إمَّا أن يكون الجَفَاء ممَّن لم يقع منه إلَّا على سبيل الغلط، ويعلم قبح ما أتى به، ويندم عليه، فالصَّبر عليه فضل وفرض، وهو حِلْم على الحقيقة .
2- وأمَّا مَن كان لا يدري مقدار نفسه، ويظنُّ أنَّ لها حقًّا يستطيل به، فلا يندم على ما سلف منه، فالصَّبر عليه ذلٌّ للصَّابر، وإفساد للمصبور عليه؛ لأنَّه يزيد استشراءً، والمقارضة له سخف، والصَّواب إعلامه بأنَّه كان ممكنًا أن ينتصر منه، وإنَّه إنَّما ترك ذلك استرذالًا له فقط، وصيانة عن مراجعته، ولا يُزاد على ذلك، وأمَّا جفاء السِّفْلة فليس جزاؤه إلَّا النَّكال وحده) [الأخلاق والسير] .

الجَفَاء في الأدب والأمثال :
1- مَن جعل لنفسه مِن حُسن الظَّنِّ بإخوانه نصيبًا أراح قلبَه .
يعني أنَّ الرَّجل إذا رأى مِن أخيه إعراضًا وتغيُّـرًا، فَحَمَله منه على وجهٍ حَسَنٍ، وطلب له المخارج والحذر، خَفَّفَ ذلك عن قلبه، وقَلَّ منه غيظه، وهذا مِن قول أكثم بن صيفي، يُضْرَب في حسن الظَّنِّ بالأخ عند ظهور الجَفَاء منه [مجمع الأمثال،للميدانى] .
2- وقالوا : مَن تحلَّى بالوفاء وتخلَّى عن الجَفاء، فذلك مِن إخوان الصَّفاء [غرر الخصائص الواضحة،للوطواط] .
3- وقال آخر : ذكر أيام الجَفاء في أيام الصَّفاء جفاء [زهر الأكم،لنور الدين اليوسى] .
4- وقال آخر : ظلُّ الجَفاء يكسف شمس الصَّفاء [يتيمة الدهر،للثعالبى] .
5- وقال بعض الحكماء : العتاب علامة الوفاء، وسلاح الأكفاء، وحاصد الجَفاء [بهجة المجالس،لابن عبد البر] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:29 am




" الحســد "

ذم الحسد والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ " [سورة الفلق] .
قال الرازي : (كما أنَّ الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد، وهو قوله : " وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ " كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة) [مفاتيح الغيب] .
وقال الحسين بن الفضل : (إنَّ الله جمع الشرور في هذه الآية وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسُّ الطبائع) [الكشف والبيان ،للثعلبى] .
وقال تعالى : " وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ " [البقرة: 109] .
قال ابن عثيمين : (والآية تدلُّ على تحريم الحسد؛ لأنَّ مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة ... والحاسد لا يزداد بحسده إلا نارًا تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهًا لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنَّه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود، ثم إنَّ الحاسد أو الحسود مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلًا فيها؛ لأنَّه لابدَّ أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة) [تفسير الفاتحة والبقرة] .
وقال الثعالبي : (وقيل : إنَّ هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللهِ عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في : " رَاعِنَا " [البقرة: 104] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمَّد صلَّى الله عليه وسلم) [الجواهر الحسان] .
(وقال: حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ليبين أنَّ حسدهم لم يكن عن شبهة دينية، أو غيرة على حقٍّ يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس، وفساد الأخلاق، والجمود على الباطل، وإن ظهر لصاحبه الحق) [تفسير المنار،لمحمد رشيد رضا] .

ثانيًا : السنة النبوية :
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطال : (وفيه : النهي عن الحسد على النعم، وقد نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض، وأمرهم أن يسألوه من فضله) [شرح صحيح البخارى] .
وقال الباجي : (أن تنافس أخاك في الشيء حتى تحسده عليه، فيجر ذلك إلى الطعن والعداوة، فذلك الحسد) [المنتقى شرح الموطأ] .

- وعن قيس، قال : سمعت عبد الله بن مسعود، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النووي : (قال العلماء الحسد قسمان: حقيقي ومجازي، فالحقيقي تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة مع النصوص الصحيحة، وأما المجازي فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد بالحديث لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، وما في معناهما، قوله صلى الله عليه وسلم : آناء الليل والنهار، أي ساعاته) [شرح النووى على مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الحسد :
- قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما : (كلُّ الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها) [رواه ابن عساكر فى تاريخ دمشق] .
- وقال ابن سيرين : (ما حسدت أحدًا على شيء من أمر الدنيا؛ لأنَّه إن كان من أهل الجنة، فكيف أحسده على الدنيا، وهي حقيرة في الجنة ؟! وإن كان من أهل النار، فكيف أحسده على أمر الدنيا، وهو يصير إلى النار ؟!) [إحياء علوم الدين ،للغزالى] .
- وقال الحسن البصري : (ما رأيت ظالـمًا أشبه بمظلوم من حاسد، نفس (3) دائم، وحزن لازم، وغمٌّ لا ينفد) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .

- وقال ابن المعتز : (الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، ويبخل بما لا يملكه، ويطلب ما لا يجده) [غرر الخصائص الواضحة،للوطواط] .
- وقال ابن حزم : (إنَّ ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون لشدة الحسد كلَّ من أحسن إليهم، إذا رأوه في أعلى من أحوالهم) [الأخلاق والسير] .
- وقال الخطاب بن نمير السعدي : (الحاسد مجنون؛ لأنَّه يحسد الحسن والقبيح) [الرسائل ،للجاحظ] .

من آثار الحسد :
- حسرات الحسد وسقام الجسد، ثم لا يجد لحسرته انتهاء، ولا يؤمل لسقامه شفاء، قال ابن المعتز: الحسد داء الجسد .
2- انخفاض المنزلة وانحطاط المرتبة؛ لانحراف الناس عنه، ونفورهم منه، وقد قيل في منثور الحكم: الحسود لا يسود .
3- مقت الناس له، حتى لا يجد فيهم محبًّا، وعداوتهم له، حتى لا يرى فيهم وليًّا، فيصير بالعداوة مأثورًا، وبالمقت مزجورًا .

4- يؤدي إلى المقاطعة، والهجر، والبغضاء، والشحناء .
5- يؤدي إلى الغيبة، والنميمة .
6- يؤدي إلى الظلم، والعدوان .

أقسام الحسد :
قسم العلماء الحسد إلى عدد من الأنواع، ومنهم ابن القيم الذي قسمه إلى ثلاثة أنواع :
1- حسد يخفيه ولا يرتب عليه أذى بوجه ما؛ لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئًا من ذلك، ولا يعاجل أخاه إلا بما يحب الله .
2- تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله؛ من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه .
3- حسد الغبطة؛ وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود، من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة [بدائع الفوائد،بتصرف] .

من أسباب الوقوع في الحسد :
للحسد أسباب كثيرة تجعل النفس المريضة تقع في حبائل تلك الخصلة الذميمة، وقد أحسن الجرجاني إجمالها فقال : (التفاضل - أطال الله بقاءك - داعية التنافس؛ والتنافس سبب التحاسد؛ وأهل النقص رجلان: رجل أتاه التقصير من قبله، وقعد به عن الكمال اختياره، فهو يساهم الفضلاء بطبعه، ويحنو على الفضل بقدر سهمه. وآخر رأى النقص ممتزجًا بخلقته، ومؤثلًافي تركيب فطرته، فاستشعر اليأس من زواله، وقصرت به الهمة عن انتقاله؛ فلجأ إلى حسد الأفاضل، واستغاث بانتقاص الأماثل؛ يرى أنَّ أبلغ الأمور في جبر نقيصته، وستر ما كشفه العجز عن عورته، اجتذابهم إلى مشاركته، ووسمهم بمثل سمته [الوساطة بين المتنبى وخصومه] .

من الوسائل المعينة على ترك الحسد [انظر:سلامة الصدر،لسعيدبن وهف القحطانى] :
1- قطع النظر عن الناس، وتعليق قلبه بالله سبحانه وتعالى، وسؤاله من فضله .
2- المنافسة في الأعمال الصالحة لا في أمور الدنيا .
3-التربية منذ الطفولة على حب الخير للناس .

4- أن يدرب نفسه على قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، والدعاء بالبركة، إذا أعجبه شيء .
5- الدعاء للمحسود بالزيادة من فضل الله تعالى، إذا وجد في نفسه شيئًا من الحسد المذموم .
6- الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم لحكمه، فهو الذي يعطي النعم ويسلبها، قال تعالى : " نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ " [الزخرف:32] .

من الوسائل المعينة على دفع شر الحاسد عن المحسود :
ذكر ابن القيم عدة أسباب تدفع شر الحاسد عن المحسود منها [بدائع الفوائد] :
1- التعوذ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ " [سورة الفلق] .
2- تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه؛ فمن اتَّقى الله تولى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره، قال تعالى : " وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا " [آل عمران: 120] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)) [صححه الألبانى فى صحيح الترمذى] فمن حفظ الله، حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه، فممن يخاف ؟! .
3- الصبر على عدوه، وألا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلًا، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه، فإنه كلما بغى عليه، كان بغيه جندًا وقوة للمبغي عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه، وقد قال تعالى : " وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ " [الحج: 60] فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقَّه أولًا، فكيف بمن لم يستوفِ شيئًا من حقِّه ؟! .
4- التوكل على الله : " وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ " [الطلاق: 3] والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، فإنَّ الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضرُّه إلا أذى لا بد منه، كالحرِّ والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له؛ وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه .

5- فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، ولا يجعل قلبه معمورًا بالفكر في حاسده، والباغي عليه، والطريق إلى الانتقام منه، فهذا التفكير مما لا يتسع له إلا قلب خراب، لم تسكن فيه محبة الله، وإجلاله وطلب مرضاته، وهذا العلاج من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره .
6- الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب الخواطر شيئًا فشيئًا، حتى يقهرها، ويغمرها، ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره، وهواجسه، وأمانيه كلها في محابِّ الرب، والتقرب إليه، وتملقه، وترضيه، واستعطافه، وذكره .

حسد إبليس :
خلق الله جل وعلا آدم عليه السلام وشرَّفه وكرَّمه، وأمر الملائكة بالسجود له، ولكن إبليس تكبر وبغى، وحسده على هذه المنزلة؛ قال تعالى : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " [الأعراف: 11-12] قال قتادة : (حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام ما أعطاه من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] وقال ابن عطية : (أول ما عصي الله بالحسد، وظهر ذلك من إبليس) [المحرر الوجيز] .
ومن شدة حسد إبليس أنه لما تبين مقت الله له وغضبه عليه، أراد أن يغوي بني آدم ليشاركوه المقت والغضب، وقد ذكر الله حال إبليس هذا، قال تعالى : " قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ " [الأعراف: 16-17] قال ابن القيم : (الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنَّه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم الله عنهم، كما أنَّ إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسدًا فالحاسد من جند إبليس) [بدائع الفوائد] .
حسد إخوة يوسف :
قال تعالى : " لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ " [يوسف: 7- 9] قال الماوردي : (كان يعقوب قد كلف بهما؛ لموت أمهما، وزاد في المراعاة لهما، فذلك سبب حسدهم لهما، وكان شديد الحبِّ ليوسف، فكان الحسد له أكثر، ثم رأى الرؤيا فصار الحسد له أشد) [النكت والعيون] .
حسد اليهود والنصارى :
بيَّن الله تعالى أنَّ أهل الكتاب الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم حسدوه على ما آتاه الله من فضله، حتى إنهم زعموا أنَّ كفار مكة أهدى من المؤمنين برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا " [النساء 51- 54] ومع كفرهم فإنهم يودون لو يرتد المسلمون عن دينهم حسدًا وحقدًا، قال تعالى : " وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ " [البقرة: 109] قال ابن كثير : (يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم، وفضل نبيهم) [تفسير القرآن العظيم] .

علامات الحاسد :
قال الجاحظ : (وما لقيت حاسدًا قط إلا تبين لك مكنونه بتغير لونه، وتخوُّص عينه، وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرك، والإعراض عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف لرأيك) [الرسائل] .

وصف البلغاء والحكماء للحسد :
سئل بعض الحكماء : أي أعدائك لا تحبُّ أن يعود لك صديقًا؟ قال: (الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلا زوال نعمتي) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
وقيل : (من صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة) [سراج الملوك،للطرطوشى] .
وقيل : (ليس من الحسد سرور) [سراج الملوك،للطرطوشى] .
وقيل : (من علامات الحاسد أن يتملق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت) [روح البيان،لإسماعيل حقى] .
وقيل : (الحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت) [الرسالة القشيرية،للقشيرى] .


" الحقـــد"

ذم الحقد في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ " [البقرة: 204-205] .
- وقال سبحانه : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ " [الأعراف: 43] .
- وقال عز وجل : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ " [الحجر: 47-48] .
قال الطبري : (وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغِمْرٍ وعداوة، كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلوها على سُرُر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصَّ الله به بعضهم، وفضله من كرامته عليه، تجري من تحتهم أنهار الجنة) [جامع البيان] .
وقال القرطبي : (ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة؛ نزع الغل من صدورهم،والنزع : الاستخراج والغل : الحقد الكامن في الصدر. والجمع غلال) [الجامع لأحكام القرآن] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : ((قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل ؟ قال : كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب ؟ قال : هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد)) [صححه الألبانى فى صحيح اين ماجه] .

أقوال السلف والعلماء في الحقد :
- قال عثمان رضي الله عنه : (ما أسرَّ أحد سريرة إلا أظهرها الله - عز وجل - على صفحات وجهه وفلتات لسانه) [الآداب الشرعية،لابن مفلح] .
- وقال زيد بن أسلم رضي الله عنه : (دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل له : ما لوجهك يتهلل ؟ فقال : ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، أما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا) [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .
- وقال ابن حجر الهيتمي : (الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب) [الزواجر عن اقتراف الكبائر] .

من آثار الحقد :
- أنه (يثمر الحسد، وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه؛ فتغتم بنعمة إن أصابها، وتسر بمصيبة إن نزلت به .
2- الشماتة بما أصابه من البلاء .
3- الهجران والمقاطعة .
4- الإعراض عنه استصغارًا له .
5- التكلم فيه بما لا يحل من كذب، وغيبة، وإفشاء سر، وهتك ستر، وغيره .
6- محاكاته استهزاء به، وسخرية منه .

حكم الحقد :
ذكر العلماء أنَّ الحقد من الكبائر وأورد ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر) أن من الكبائر الغضب بالباطل والحقد والحسد، وذكر سبب جمعه لهذه الكبائر الثلاث بقوله: (لما كانت هذه الثلاثة بينها تلازم وترتب، إذ الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب كانت بمنزلة خصلة واحدة، وذم كل يستلزم ذم الآخر، لأن ذم الفرع وفرعه يستلزم ذم الأصل وأصله وبالعكس) [الزواجر عن اقتراف الكبائر،لابن حجر] .

ما يباح من الحقد :
لا يجوز أن يحقد المسلم على أخيه المسلم، أما الحقد على اليهودي الذي يقتل المسلمين في فلسطين، والنصراني الحاقد، والشيوعي الملحد، والهندوسي الذين يحرق مساجد المسلمين ويقتلهم، فالحقد في حقهم محمود مطلوب، قال تعالى : " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ " [التوبة: 14-15] .
ولا يزول حقد المسلم على الكافر إلا أن يسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((والله، لينزلن ابن مريم حكمًا عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص ، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعونَّ إلى المال فلا يقبله أحد)) [رواه مسلم] .
(قال الأشرف : إنما تذهب الشحناء والتباغض والتحاسد يومئذ؛ لأن جميع الخلق يكونون يومئذ على ملة واحدة، وهي الإسلام، وأعلى أسباب التباغض وأكثرها هو اختلاف الأديان) [مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .

من أسباب الحقد :
1- المماراة والمنافسة :
قال الغزالي : (وأشدُّ الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة، فإنها عين التدابر والتقاطع، فإن التقاطع يقع أولًا بالآراء، ثم بالأقوال ثم بالأبدان) [إحياء علوم الدين] .
2- كثرة المزاح :
المزاح الذي يخرج عن حدِّه يغرس الحقد في القلوب، قال الأبشيهي : (المزاح يخرق الهيبة، ويذهب بماء الوجه، ويعقب الحقد، ويذهب بحلاوة الإيمان والود) [المستطرف] .
3- الخصومة :
قال النووي : (والخصومة توغر الصدور، وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما، حتى يفرح كل واحد بمساءة الآخر، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه) [الأذكار للنووى] .
4- الكراهية الشديدة .

من وسائل علاج الحقد :
1- الدعاء :
المسلم يدعو الله أن يجعل قلبه طاهرًا نقيًّا من الحقد والغل قال تعالى : " وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [الحشر: 10] .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول : ((رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدي لي، وانصرني على من بغى عليَّ، رب اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا أو منيبًا، تقبل توبتي، واغسل حوبتي ، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] والسخيمة هي الحقْدُ في النفسِ [شرح سنن أبى داود،للعينى] .

2- ترك الغضب الذي هو سبب للأحقاد :
الغضب يعتبر من الأسباب التي تؤدي إلى الحقد، فإذا اختلف شخص مع آخر في أمر ما غضب عليه، ثم الغضب يتحول إلى الحقد وإرادة الانتقام .

3- ملء القلب بالمحبة وإرادة الخير للآخرين .
6- اعتذار المرء لأخيه :
قال أبو حاتم : (الاعتذار يذهب الهموم، ويجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصدَّ... فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفي التعجب عن النفس في الحال، لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة) [روضة العقلاء] .

نماذج في سلامة القلب من الحقد :
النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في الأخلاق الحسنة، ومنها سلامة الصدر من الحقد والضغائن، وقد ذكر ابن القيم سلامة الصَّدر، من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، فقال : (ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس يجدها بعينها) [مدارج السالكين] .

وهكذا كان أصحاب رسول لله قلوبهم سليمة من الأحقاد والضغائن، ومن تلك النماذج ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه، قال : ((كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر فسلم، وقال : إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأقبلت إليك، فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل : أثم أبو بكر ؟ فقالوا : لا فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال : يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنَّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر : صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟! مرتين، فما أُوذي بعدها)) [رواه البخارى] .

أحوال المحقود :
قال الغزالي : (للمحقود ثلاثة أحوال عند القدرة :
أحدها : أن يستوفي حقه الذي يستحقه من غير زيادة أو نقصان، وهو العدل .
الثاني : أن يحسن إليه بالعفو والصلة، وذلك هو الفضل .
الثالث : أن يظلمه بما لا يستحقه وذلك هو الجور وهو اختيار الأراذل، والثاني هو اختيار الصديقين، والأول هو منتهى درجات الصالحين) [إحياء علوم الدين] .


" الخُبْــث "

ذَمُّ الخُبْث والنهي عنه :

أوَّلًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ " [النور: 26] .
قال قتادة في تفسير هذه الآية : (الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل) [جامع البيان،للطبرى] .
وقال مجاهد : (القول السيئ للخبيثين من الرجال والنساء، والقول الحسن للطيبين من الرجال والنساء) [تفسير مجاهد] .
(وقيل في الخبيثات للخبيثين ثلاثة أوجه :
الأول : الخبيثات من الكلام من الخبيثين من الرجال، عن ابن عباس ومجاهد والحسن .
والثاني : الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال .
والثالث : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال) [تفسير ابن فورك] .
- قوله تعالى : " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ " [الأعراف: 157] .
قال ابن عباس : (هو لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) [جامع البيان،للطبرى] .

ثانياً : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلكِنْ لِيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِى)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن القيم : (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ الخبث؛ لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان بمعناه تعليمًا للأدب في المنطق، وإرشادًا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال) [الطرق الحكمية] .
- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا قام فتوضأ، انحلت عقدة، فإذا قام إلى الصلاة انحلت عقده كلها، فيصبح نشيطًا طيب النفس قد أصاب خيرًا، وإن لم يفعل أصبح كسلًا خبيث النفس لم يصب خيرًا)) ( [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن حجر : ( قوله : ((خبيث النفس)) أي : رديء النفس غير طيبها أي مهمومًا، وقد تستعمل في كسل النفس، وفي الصحيح ((لا يقولن أحدكم خبثت نفسي)) كأنه كره اللفظ، والمراد بالخطاب المسلمون) [فتح البارى،لابن حجر] .

أقوال السلف والعلماء في الخُبْث :
- قال أبو الدَّرداء : (ما لكم عباد الله لا تحابُّون وأنتم إخوانٌ على الدِّين، ما فرَّق بين أهوائكم إلَّا خُبْث سرائركم، ولو اجتمعتم على أمر تحاببتم، ما هذا إلَّا مِن قلَّة الإيمان في صدوركم، ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرِّها، كما توقنون بأمر الدُّنيا، لكنتم للآخرة أطْلَب، فبئس القوم أنتم إلَّا قليلًا منكم، ما حقَّقتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ، فنبرأ منكم) [رواه بنحوه ابن أبى الدنيا فى ذم الدنيا] .
- وقال ابن جماعة الكِنَاني: (لا يصحُّ العلم -الذي هو عبادة القلب- إلَّا بطهارته عن خُبْث الصِّفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها) [تذكرة السامع والمتكلم] .
- وقيل : (مَن طابت نفسه طاب عمله، ومَن خَبُثَت نفسه، خَبُثَ عمله) [الذريعة إلى مكارم الشريعة،للراغب الأصفهانى] .
- وقيل : (آفة الملوك سوء السِّيرة، وآفة الوزراء خُبْث السَّريرة، وآفة الجُنْد مفارقة القادة) .
- وقيل - أيضًا- : (أربعة لا يثبت معها مُلْكٌ : غِشُّ الوزير، وسوء التَّدبير، وخُبْث النِّيَّة، وظُلْم الرَّعيَّة) .

من آثار الخُبْث :
1- الخُبْث سببٌ لبذاءة اللِّسان والفُحْش :
إنَّ السَّبَّ والفُحْش وبذاءة اللِّسان مذمومة، ومنهيٌّ عنها، ومصدرها الخُبْث واللُّؤم، قال الغزَّالي : (والباعث على الفُحْش : إمَّا قصد الإيذاء، وإمَّا الاعتياد الحاصل مِن مخالطة الفسَّاق وأهل الخُبْث واللُّؤم ومَن عادتهم السَّبُّ) [إحياء علوم الدين] .
2- الخُبْث سببٌ للحسد :
قال المناوي : (سبب الحسد خبث النَّفس، وأنَّه داء جِبِلِّيٌّ مُزْمِن، قلَّ مَن يسلم منه) [فيض القدير] .
3- خَبِيث النَّفس لا يحبُّ الخير لغيره، فيكره لهم الخير، ويحبُّ لهم الشَّرَّ والأذى :
(وأمَّا خُبْث النَّفس وشُحُّها على عباد الله، فإنَّك تجد مِن النَّاس مَن لا يشتغل برئاسة ولا تَكَبُّر، وإذا وُصِف عنده حُسْن حال عبدٍ مِن عباد الله تعالى فيما أنعم عليه به، شَقَّ عليه ذلك، وإذا وُصِف له اضطراب أمور النَّاس وإدبارهم، وتنغيص عيشهم، فرح به، فهو أبدًا يحبُّ الإدبار لغيره، ويَبْخَل بنعمة الله على عباده، كأنَّهم يأخذون ذلك مِن ملكه وخزانته ‏.‏
وقد قال بعض العلماء ‏:‏ البخيل مَن يبخل بمال نفسه، والشَّحيح الذي يبخل بمال غيره، فهذا يبخل بنعم الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه عداوة ولا رابطة، وهذا ليس له سبب إلَّا خُبْثُ النَّفس ورَدَاءة الطَّبع، وهذا معالجته شديدة؛ لأنَّه ليس له سبب عارض، فيعمل على إزالته، بل سببه خبث الجبلَّة، فيعسر إزالته) [مختصر منهاج القاصدين،لابن قدامة المقدسى] .
4 - الخُبْث سبب للعداوات بين أفراد المجتمع .
قال أبو طالب المكي : (مع الخبث والمكر تكون المنافرة، وهذا كله يذهب الألفة، وينقص المحبة، ويبطل فضيلة الأخوة) [قوت القلوب] .

من ‏الوسائل المعينة على التَّخلُّص مِن خُبْث النَّفس :
1 - الدُّعاء بأن يرفع الله منه هذا الخُلُق السَّيِّئ :
والدُّعاء مِن أقوى الأسباب المعينة للتَّخلُّص مِن هذه الصِّفة المذمومة .
2 - الرَّغبة في الأجر والثَّواب الذي يحصل بسبب سلامة الصَّدر :
وقد جاء الحديث في فضل سلامة الصدر ونقاء الطوية، من كون صاحبها من أهل الجنة .
3 - أن يجاهد نفسه على أن يكون نقيَّ القلب :
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قيل : يا رسول الله ! أيُّ النَّاس أفضل ؟ قال : ((كلُّ مَخْمُوم القلب صدوق اللِّسان، قالوا : صدوق اللِّسان نعرفه، فما مَخْمُوم القلب ؟ قال : هو التَّقيُّ، النَّقيُّ، لا إثم فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ)) [صححه الألبانى فى صحيح ابن ماجه] .
4 - التَّربية منذ الصِّغر على حبِّ الخير للنَّاس .
5 - مصاحبة أهل الخير وذوي الأخلاق الفاضلة .

أقسام الناس من حيث الطيب والخبث :
قال ابن القيم : (ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبيث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، دورهم ثلاثة : دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقي إلا دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض) [الوابل الصيب] .


" الخِــدَاع "

ذَمُّ الخِدَاع والنهي عنه :

أولًا : في القران الكريم :
الخِدَاع مِن خُلُق المنافقين، وهو متأصِّل فيهم، فهم يخادعون الله ويخادعون المؤمنين، ويخادعون أنفسهم، قال تعالى : يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ " [البقرة: 9] .
قال الشوكاني : (والمراد مِن مخادعتهم لله : أنَّهم صنعوا معه صُنْع المخادعين، وإن كان العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا يُخْدَع .
وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل، فكونهم يخادعون الله والذين آمنوا، يفيد أنَّ الله سبحانه والذين آمنوا يخادعونهم .
والمراد بالمخادعة مِن الله : أنَّه لـمَّا أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنَّهم ليسوا منه في شيء، فكأنَّه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر، مُشَاكَلة لما وقع منهم بما وقع منه .
والمراد بمخادعة المؤمنين لهم : هو أنَّهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به مِن أحكام الإسلام ظاهرًا، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم، كما أنَّ المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر .
والمراد بقوله تعالى : " وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم " [البقرة: 9] الإشعار بأنَّهم لـمَّا خادعوا مَن لا يُخْدَع كانوا مخادعين أنفسهم، لأنَّ الخِداع إنَّما يكون مع مَن لا يَعْرِف البواطن، وأمَّا مَن عَرف البواطن : فمَن دخل معه في الخِدَاع، فإنَّما يَخْدَع نفسه وما يشعر بذلك) [فتح القدير] .

- وقوله تعالى : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ " [النِّساء: 142] .
قال السعدي : (يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه، مِن قبيح الصِّفات وشنائع السِّمات، وأنَّ طريقتهم مخادعة الله تعالى، أي : بما أظهروه مِن الإيمان وأبطنوه مِن الكفران، ظنُّوا أنَّه يروج على الله، ولا يعلمه، ولا يبديه لعباده، والحال أنَّ الله خادعهم، فمجرَّد وجود هذه الحال منهم ومشيهم عليها خداعٌ لأنفسهم وأيُّ خِدَاعٍ أعظم ممَّن يسعى سعيًا يعود عليه بالهوان والذُّل والحرمان ؟) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عبد الله بن عمر، أنَّ رجلًا ذكر للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه يُخْدَع في البيوع، فقال : ((إذا بايعت فقل: لا خِلابة)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النَّوويُّ : (معنى لا خِلَابة : لا خَدِيعَة، أي : لا تحلُّ لك خَدِيعتي، أو لا يلزمني خديعتك) [شرح النووى على مسلم] .

أقوال السَّلف والعلماء في الخِدَاع :
- عن عائشة رضي الله عنها، قالت : ((كان لأبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه غلام يُخْرِج له الخَراج، وكان أبو بكر يأكل مِن خَرَاجه، فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنتُ تكهَّنت لإنسان في الجاهليَّة، وما أُحْسِن الكهانة، إلَّا أَنِّي خدعته، فلقيني، فأعطاني لذلك هذا الذي أكلتَ منه . فأدخل أبو بكر يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه)) [رواه البخارى] .

- وكان ابن عمر يقول : (مَن خدعنا بالله انخدعنا له) [رواه أبو نعيم فى معرفة الصحابة] .

- وقال ابن أبي أوفى : (النَّاجشآكل ربًا خائن، وهو خِدَاع باطلٌ لا يحلُّ) [فتح البارى] .
- وقال البخاري : (باب النَّهي عن تلقِّي الـركبان، وأنَّ بيعه مردودٌ؛ لأنَّ صاحبه عاص آثم إذا كان به عالـمًا، وهو خِدَاعٌ في البيع، والخِدَاع لا يجوز) [فتح البارى] .

من آثار الخِدَاع :
الخِدَاع له آثارٌ وأضرارٌ تعود على المخَادِع نفسه، وعلى المجتمع الذي مِن حوله، ومِن هذه المضَار :
1- أنَّ الخِدَاع دليلٌ على ضعف إيمان صاحبه .
2- الخِدَاع سببٌ مِن أسباب الفُرْقَة بين المسلمين .
3- أنَّه طريق موصل للنَّار .
4- أنَّه صفة مِن صفات المنافقين .
5- يتسبَّب في أكل أموال النَّاس بالباطل .

من صور الخِدَاع :
- خِدَاع المنافقين بإظهارهم للإسلام وإبطانهم للكفر :
قال تعالى : " يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ " [البقرة: 9] .
2- الخِدَاع في المعاملات الماليَّة، كالبيع والشِّراء :
وذلك بأن يُخَادع النَّاس، ويتحصَّل على الأمول بطُرُقٍ محرَّمةٍ، إمَّا عن طريق الكذب، أو كتمان عيب السِّلعة، أو البخس في ثمنها، أو التَّطفيف في وزنها، أو خلط الجيِّد بالرَّديء، أو النجش وغيرها مِن الطُّرق المحرَّمة .
3- خِدَاع الرَّعيَّة للرَّاعي :
خِدَاع الرَّعيَّة للرَّاعي يكون بمدحه وإطرائه بما ليس فيه؛ كأن يذكروا له إنجازات لم يعملها، أو بعدم نصحه إذا رأوا منه منكرًا، وغير ذلك .
4- خِدَاع الرَّاعي للرَّعيَّة :
ويُقْصَد بالرَّاعي؛ الرَّئيس، أو الحاكم، والمدير، والرَّجل في أهله، وغيرهم ممَّن لهم الرِّعاية على غيرهم، ويكون الخِدَاع في حقِّهم بظلمهم، وعدم إعطائهم ما يستحقُّونه، وعدم النُّصح لهم .
5- خِداع المرَائين بالأعمال :
فهم يشابهون المنافقين في عملهم لأجل النَّاس .

من الوسائل المعينة على ترك الخِدَاع :
1- التَّربية على الأخلاق الفاضلة، والالتزام بأحكام الشَّرع الحنيف .
2- الثِّقة بالله واستشعار مراقبته .
3- القناعة بما رُزِق.
4- مجالسة الرُّفقة الصَّالحة .
5- معاقبة مَن يُخَادِع؛ لرَدْعِه عن ذلك .


" الخِــذْلَان "

ذمُّ الخِذْلَان والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً " [الإسراء: 22] .
قال ابن كثير : (مَّخْذُولاً لأنَّ الرَّبَّ تعالى لا ينصرك، بل يَكِلُك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرًّا ولا نفعًا؛ لأنَّ مالك الضرِّ والنَّفع هو الله وحده لا شريك له) [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير] .
- قال تعالى : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " [آل عمران: 26] .
قال أبو حيان الأندلسيُّ : " وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء " قيل : بالتَّوفيق والعِرْفَان، وتُذِلُّ بالخِذْلَان) [تفسير البحر المحيط،لأبى حيان] .
- قال تعالى : " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " [الشَّمس: 7-10] .
(قال ابن زيد : جعل فيها ذلك، يعني بتوفيقه إيَّاها للتَّقوى، وخِذْلَانه إيَّاها للفجور) [شرح السنة للبغوى] .
قال الغزَّالي : (فمهما وقع العبد في ذنب، فصار الذَّنب نقدًا، والتَّوبة نسيئة، كان هذا مِن علامات الخِذْلَان) [إحياء علوم الدين] .

ثانيًا : في السُّنَّة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره)) [رواه مسلم] .
قال النَّوويُّ : (وأمَّا : لا يَخْذُله،فقال العلماء : الخَذْل : ترك الإعانة والنَّصر، ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه، لزمه إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعيٌّ) [شرح النووى على مسلم] .
- وعن معاوية بن قرَّة رضي الله عنه قال : سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : ((لا يزال مِن أمَّتي أمَّة قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ملا علي القاري : (... ((مَن خَذَلهم)) أي : مَن ترك عونهم ونصرهم، بل ضرَّ نفسه، وظلم عليها بإساءتها) [مرقاة المفاتيح] .

أقوال السَّلف والعلماء في الخِذْلَان :
- عن أنس أنَّ أبا طلحة قال : (غشينا ونحن في مصافِّنا يوم أحد، حدَّث أنَّه كان فيمن غشيه النُّعاس يومئذ، قال : فجعل سيفي يسقط مِن يدي وآخذه، ويسقط مِن يدي وآخذه، والطَّائفة الأخرى -المنافقون- ليس لهم همٌّ إلَّا أنفسهم، أجبن قوم، وأرغبه وأخذله للحقِّ) [رواه البخارى والترمذى واللفظ له،وأحمد] .
- قيل لمحمد بن كعب القرظي : ما علامة الخِذْلَان ؟ قال : (أن يستقبح الرَّجل ما كان عنده حسنًا، ويستحسن ما كان عنده قبيحًا) [البيان والتبيين،للجاحظ] .
- وقال علي بن عبيدة : (العقل والهوى ضدَّان فمؤيِّد العقل التَّوفيق، وقرين الهوى الخِذْلَان، والنَّفس بينهما، فأيهما ظفر كانت في حيِّزه) [تسهيل النظر، للماوردى] .
- وقال قتيبة بن مسلم : (ومَن تبجَّح بالانفراد، وفَخَر بالاستبداد كان مِن الظَّفر بعيدًا، ومِن الخِذْلَان قريبًا) [الرسائل الأدبية،للجاحظ] .

من آثار الخِذْلَان :
1- انتشار عدوى الأنانيَّة وحبِّ الذَّات .
2- إيثار الرَّاحة، وتقديم المصلحة الخاصَّة على المصلحة العامَّة .
3- انعدام الشَّهامة ونجدة الملهوف، وإغاثة المنكوب .
4- انقطاع عُرَى الأخوَّة بين المسلمين .

حكم الخِذْلَان :
خِذْلَان المسلم لأخيه المسلم حرامٌ شرعًا، وذلك مثل أن يَقْدِر على دفع عدوٍّ يريد البَطْش به، فلا يدفعه، أو يراه وهو يرتكب مخالفة شرعيَّة ولا ينهاه، وقد عدَّه ابن حجر الهيتمي من الكبائر [الزواجر] .
قال المناوي : (خِذْلَان المؤمن حرامٌ شديد التَّحريم دنيويًّا كان مثل : أن يَقْدِر على دفع عدوٍّ يريد البطش به، فلا يدفعه، أو أخرويًّا : كأن يَقْدِر على نُصْحِه مِن غيِّه - بنحو وعظٍ -، فيترك) [فيض القدير،للمناوى] .
لكن ينبغي تقييد وجوب نصرته وتحريم خذلانه بما إذا لم يكن هناك عذر شرعي، قال النَّوويُّ : (قال العلماء : الخِذْل : ترك الإعانة والنَّصر، ومعناه : إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه، لزمه إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعيٌّ) [شرح النووى على مسلم] .
من صور الخِذْلَان :
1- خِذْلان المظلوم :
وقد عدَّها الهيتمي مِن الكبائر، وقال : (الكبيرة السَّادسة والسَّابعة والثَّامنة والتَّاسعة والأربعون والخمسون بعد الثَّلاثمائة : ظُلْم السَّلاطين والأمراء والقضاة وغيرهم مسلمًا أو ذِمِّيًّا بنحو أكل مال أو ضرب أو شتم أو غير ذلك، وخِذلان المظلوم مع القُدْرَة على نصرته، والدُّخول على الظَّلَمة مع الرِّضا بظلمهم وإعانتهم على الظُّلم والسِّعَاية إليهم بباطل) [الزواجر] .
2- الخِذْلَان في الجهاد :
خِذْلَان المسلمين في الجهاد وعدم نصرتهم صفة مِن صفات المنافقين، قال الله تعالى فيهم : وَ" لْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " [آل عمران: 167-168] .
من أسباب الوقوع في الخِذْلَان :
1- البعد عن خِلَال الإيمان .
2- الاستعانة بغير الله .
3- طاعة الكافرين والمنافقين : قال تعالى : " وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً " [الأحزاب: 48] .
4- مفارقة الإخوان : قال الماورديُّ : (قالت الحكماء : مَن لم يرغب بثلاث بُلِيَ بستٍّ : مَن لم يرغب في الإخوان بُلِيَ بالعداوة والخِذْلَان ..) [أدب الدنيا والدين] .
5- الركون إلى الظَّالمين : " وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ " [هود: 113] .
6- التَّكالب على الدُّنيا وكراهية الموت، والإغراق في اللَّهو وطلب الرَّاحة .
7- العُجْبُ: فالعُجْبُ طريقٌ إلى خِذْلَان المرء، بحيث يَكِل الله العبد إلى نفسه فلا ينصره، وقد قال - جلَّ وعلا - : " لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ " [التوبة: 25] [شرح الأربعين النووية] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:31 am




" الخيــانة "

ذم الخيانة والنهي عنها :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الفيروزآبادي عن ورود هذه الصفة في القرآن : (قد وردت في القرآن على خمسة أَوجه :
الأَوّل : في الدِّين والدِّيانة " وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ " [الأنفال: 27] .
الثاني : في المال والنِّعمة " وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا " [النساء: 105] .
الثالث : في الشرع والسنَّة " وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ " [الأنفال: 71] أي : إِن تركوا الأَمانة في السُّنَّة فقد تركوها فى الفريضة .
الرّابع : الخيانة بمعنى الزِّنى " وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ " [يوسف: 52] أي : الزَّانين .
الخامس : بمعنى نَقْض العهد والبيعة " وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً " [الأنفال: 58] أي : نقض عهد) [بصائر ذوى التمييز] .

ولقد وردت الآيات التي تحذر من الخيانة بعدة سياقات، فمنها قوله تعالى :
" إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ " [الحج: 38] .
قال ابن كثير : (وقوله : " إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ " أي : لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال. والكفر: الجحد للنعم، فلا يعترف بها) [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير] .
وقال سبحانه : " وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ " [الأنفال: 58] (يقول تعالى ذكره : وإما تخافنَّ يا محمد من عدوٍّ لك بينك وبينه عهد وعقد أن ينكث عهده، وينقض عقده ويغدر بك، وذلك هو الخيانة والغدر " فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء " يقول : فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنَّك قد فسخت العهد بينك وبينهم؛ بما كان منهم من ظهور آثار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر " إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ " الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر، فيحاربه قبل إعلامه إياه أنه له حرب وأنه قد فاسخه العقد) [جامع البيان،للطبرى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) [رواه البخارى ورواه مسلم ،بلفظ آخر] .
قال ابن عثيمين في قوله : ((إذا اؤتمن خان)) : (إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه) [شرح رياض الصالحين] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنَّه بئس الضجيع ، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .
- وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) - قال عمران : لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنين أو ثلاثة - قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السِّمَن)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
قال النووي في معنى الجمع في قوله : يخونون ولا يؤتمنون (أنهم يخونون خيانة ظاهرة؛ بحيث لا يبقى معها أمانة، بخلاف من خان بمقيد مرة واحدة، فإنه ويصدق عليه أنه خان الأمانة في بعض المواطن) [شرح النووى على مسلم] .

من آثار الخيانة [نضرة النعيم] : 1- داء وبيل إذا استشرى بالإنسان جرده من إنسانيته، وجعله وحشًا يهيم وراء ملذاته .
2- من علامات النفاق .
3- طريق موصل إلى العار في الدنيا، والنار في الآخرة .
4- أسوأ ما يبطن الإنسان .
5- انتشار الخيانة في المجتمع من علامات اضمحلاله .

6- تسخط الله عزَّ وجلَّ على العبد .

من صور الخيانة :
الخيانة من صفات المنافقين البارزة، فالمنافق إذا سنحت له فرصة الخيانة لم يضيعها أو يدعها تفوت؛ جريًا وراء المغنم، وأصل الخون النقص، كما أنَّ أصل الوفاء التمام، واستعماله ضد الأمانة؛ لأنَّ الخون النقص والضياع، وما أبشع الخيانة بقدر ما يعظم قدر الأمانة، يقول الله تعالى : " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً " [الأحزاب: 72] وقد نهى الله تعالى عن الخيانة بأصنافها، وأنواعها [أخلاق المنافقين،ليعقوب المليجى،بتصرف] وصورها كالتالي :
1- خيانة الله ورسوله :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ " [الأنفال: 28] .
قال ابن حجر الهيتمي : (وقوله عزَّ وجلَّ : " وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ " عطف على النهي، أي : ولا تخونوا أماناتكم .
قال ابن عباس : الأمانات : الأعمال التي ائتمن الله تعالى عليها العباد [رواه الطبرى فى تفسيره] .
أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما .
وأما خيانة الأمانات فكل أحد مؤتمن على ما كلفه الله به، فهو سبحانه مُوقفه بين يديه، ليس بينه وبينه ترجمان، وسائله عن ذلك هل حفظ أمانة الله فيه أو ضيعها؟ فليستعد الإنسان بماذا يجيب الله تعالى به إذا سأله عن ذلك، فإنه لا مساغ للجحد ولا للإنكار في ذلك اليوم، وليتأمل قوله تعالى : " وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ " [يوسف: 52] أي : لا يرشد كيد من خان أمانته، بل يحرمه هدايته في الدنيا، ويفضحه على رءوس الأشهاد في العقبى، فالخيانة قبيحة في كلِّ شيء) [الزواجر،لابن حجر الهيتمى] .
2- خيانة النفس :
وهي أن يفعل المرء من الذنوب ما لا يطلع عليه إلا الله، ويخون به أمر الله تعالى بألا يفعل، مثلما وقع من بعض المسلمين من الرفث إلى النساء ليلة الصيام، فعن ابن عباس قال : كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : " عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ " [البقرة: 187] وقوله تعالى : " تختانون " من الاختيان، وهو أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب [أخلاق المنافقين،ليعقوب المليجى،بتصرف] .
3- خيانة الناس وهي أنواع :
- الخيانة في الأموال : وتتمثل في أكل المال الذي يؤتمن عليه الإنسان، ومن ذلك مال الوديعة، قال ابن عثيمين في قوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا اؤتمن خان)) قال : (إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه، فمثلًا إذا أعطي وديعة، وقيل له: خذها احفظها، دراهم أو ساعة أو قلم أو متاع أو غير ذلك، يكون فيها يستعملها لنفسه، أو يتركها فلا يحفظها في مكانها، أو يُظْفِرُ بها من يتسلَّط عليه ويأخذها، المهم أنه لا يؤدي الأمانة فيها)) [شرح ؤياض الصالحين،لابن عثيمين] .
- إفشاء السر : وقد تكون خيانة الناس بإفشاء السر الذي يُؤتمن عليه الإنسان، إلا إذا كان في ذلك الإفشاء مصلحة أقوى، مثل: إظهار الحق، ونصرة المظلوم، وإعانة أهل العدل، وصيانة مصلحة الأمة .
ولكن أكثر ما تكون الخيانة في إفشاء الأسرار الخاصة التي لا تهمُّ غير صاحبها، مثل عورات البيوت، وأسرار العائلات، والأزواج.. فليتقِ الله من يطَّلع على شيء من ذلك إذا ائتمنه عليه أصحاب الشأن؛ لاستشارة أو لقيام بينهم بصلح .
كما يكون ذلك الإفشاء وخيانة الأمانة ممن يطلعون بحكم علمهم على أسرار الناس، كالأطباء والممرضات فهؤلاء يعلمون من أسرار المرضى ما لا ينبغي أن يُذاع، وكذلك من يقومون بغسل الموتى، وتكفينهم، ودفنهم، فقد وجب عليهم ألا يخونوا أماناتهم، وأن يحفظوا ما علموا سرًّا [شرح ؤياض الصالحين،لابن عثيمين] .
(وقال الحسن : إنَّ مِن الخيانة أن تحدث بسرِّ أخيك .
ويُروى أنَّ معاوية رضي الله عنه أسرَّ إلى الوليد بن عتبة حديثًا، فقال لأبيه : يا أبت، إنَّ أمير المؤمنين أسرَّ إليَّ حديثًا، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك. قال : فلا تحدثني به؛ فإنَّ من كتم سرَّه كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، قال : فقلت : يا أبت، وإنَّ هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه ؟! فقال : لا والله يا بني، ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السرِّ، قال: فأتيت معاوية فأخبرته، فقال : يا وليد، أعتقك أبوك من رقِّ الخطأ) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- الخيانة في النصيحة : ومن صور خيانة الناس كذلك الخيانة في النصيحة، كمن يزكِّي فاسقًا، أو يخفي مالًا مسروقًا، أو يؤوي مجرمًا، أو يعين قاطع طريق. أو من ينصح غيره بما يؤذيه في الدنيا أو الآخرة من الإفساد وقطيعة الرحم [أخلاق المنافقين،ليعقوب المليجى،بتصرف] .
- الخيانة الزوجية : وهي من أبشع صور الخيانة : خيانة الزوجة لزوجها في ماله وعرضه، بالسرقة والزنا، وخيانة الرجل لزوجته بالسرقة والزنا كذلك.. [أخلاق المنافقين،ليعقوب المليجى،بتصرف] .

الخيانة من صفات اليهود :
(وصف الله اليهود إلا قليلًا منهم بأنهم أهل خيانة، فقال تعالى لرسوله : " وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ" [المائدة: 13] .
فهذه الآية تدلُّ على أنَّ الخيانة من الصفات التي تبرز في اليهود بين حين وآخر، فالخيانة شأنهم وديدنهم، وطريقتهم في معاملة الناس .
فمن خيانتهم محاولتهم اغتيال الرسول، وقد كان بينه وبينهم عهد أمان .
ومن خيانتهم تواطؤهم مع الأحزاب، وقد كان بينهم وبين الرسول عهد وأمان) [الأخلاق الإسلامية،لعبد الرحمن الميدانى] .


" الــذُّل "

ذم الذُّل والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ " [البقرة: 61] .
قال ابن كثير : ( " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ " أي : وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي : لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.. وقال الضحاك : " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ " قال : الذل... وقال الحسن : أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية)[تفسير القرآن العظيم] .

- وقال تعالى : " قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ "[النمل: 34] .
قال الشوكاني : ( " وجعلوا أعزة أهلها أذلة " أي : أهانوا أشرافها، وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة، وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتمَّ لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة، وتتقرر لهم في قلوبهم المهابة) [فتح القدير] .
وقال القاسمي : (معنى قولها : " إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً " أي عنوة وقهرًا " أَفْسَدُوهَا " أي : أخربوها، " وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً " أي بالقهر، والغلبة، والقتل، والأسر، ونهب الأموال، "وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ " ) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه،قالوا : وكيف يذلُّ نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يطيق)) .
ومعنى الحديث لا يجوز للمؤمن أن يأتي ما يكون سببًا في ذله وهوانه بالتعرض لما لا يطيق من البلاء، كأن يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر من لا يسلم غالبًا من أذاه على نفسه وماله وأهله، فليس له والحال كذلك أن يأمر أو ينهى لما يترتب عليه من ذل وهوان للمؤمن [انظر مرقاة المفاتيح،لملا على القارى] .

من آثار الذل :
1- ضعف النفس وهوانها .
2- الاستضعاف من الآخرين، والاحتقار، والاستهانة بالذليل .
3- لحوق الخزي والعار بالإنسان الذليل والأمة الذليلة .
4- ضياع الحقوق .

أقسام الذل :
ينقسم الذُّل إلى محمود ومذموم :
الذُّل المذموم :
وهو التذلل لغير الله على وجه الهوان والضعف والصغار والانكسار والذلة .
الذُّل المحمود :
قال الراغب الأصفهاني : (الذُّل متى كان من جهة الإنسان نفسه لنفسه فمحمود، نحو قوله تعالى : " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " [المائدة: 54]) [المفردات فى غريب القرآن،للراغب الأصفهاني] .
- ويشمل الذُّل المحمود :
1- الذُّل لله سبحانه وتعالى :
وهذا الذُّل عنوان العز والشرف والنصر في الدنيا والآخرة .
قال عمر بن عبد العزيز : (لا يتقي الله عبد حتى يجد طعم الذل) [روضة العقلاء،لابن حبان البستى] .
وقال الذهبي : (من خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما : غاية الحب مع غاية الذُّل هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه) [العرش] .
2- الذُّل للمؤمنين :
وهو بمعنى التراحم والتواضع والعطف، وليس بمعنى التذلل والانكسار على وجه الضعف والخور .
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " [المائدة:54] .
قال ابن القيم : (لما كان الذُّل منهم ذلَّ رحمة وعطف وشفقة وإخبات عدَّاه بأداة على تضمينًا لمعاني هذه الأفعال. فإنَّه لم يرد به ذلَّ الهوان الذي صاحبه ذليل. وإنما هو ذلُّ اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول) [مدارج السالكين] .
وقال الطبري : ( " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " أرقَّاء عليهم، رحماء بهم... ويعني بقوله : " أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ " أشداء عليهم، غُلَظاء بهم) [جامع البيان] .
وقال ابن كثير : (قوله تعالى : " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ " هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه) [تفسير القرآن العظيم] .

من أسباب الوقوع في الذلِّ المذموم :

1- الإشراك بالله تعالى والابتداع في الدين :
قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " [الأعراف: 152] .
قال الطبري : (يقول تعالى ذكره : " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ " إلهًا " سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ " بتعجيل الله لهم ذلك " وَذِلَّةٌ " وهي الهوان، لعقوبة الله إياهم على كفرهم بربهم في الحياة الدنيا، في عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة) [جامع البيان] .
وقال الشاطبي : (كلُّ من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي عزُّه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء، وأيضًا فإنَّ الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك ؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك، استخفى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية) [الاعتصام] .
2- محاربة الله ورسوله ومخالفة أمرهما :
قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ " [المجادلة: 20] .
قال ابن كثير : (يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله يعني : الذين هم في حدٍّ والشرع في حدٍّ، أي : مجانبون للحق مشاقون له، هم في ناحية والهدى في ناحية " أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ " أي : في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب، الأذلين في الدنيا والآخرة) [تفسير القرآن العظيم] .
وقال الشوكاني : ( "أولئك في الأذلين " أي : أولئك المحادون لله ورسوله، المتصفون بتلك الصفات المتقدمة، من جملة من أذلَّه الله من الأمم السابقة واللاحقة؛ لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذُّل بهذا المكان،قال عطاء : يريد الذُّل في الدنيا والخزي في الآخرة) [فتح القدير] .
3- النفاق والاعتزاز بغير الله سبحانه وتعالى :
قال تعالى : " يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ " [المنافقون: 8] .
قال الكلاباذي : (قال الله عز وجل " لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ " فكان الأذل هو الأعز عند نفسه بكثرة أتباعه وكثرة أنصاره..، فالذلة هي التعزز بمن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملك موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فهو كما قال الله عز وجل : " ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ " [الحج: 73] فلا أذلَّ ممن ردَّ إلى نفسه الأمَّارة بالسوء، وانفرد في متابعة هواه، وظلمة رأيه، وانقطع عمن له العزة، فإنَّ العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين.. فيجوز أن يكون الذلة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منها متابعة الهوى في دين الله عز وجل، والتعزز بما دون الله تعالى) [معانى الأخبار بتصرف يسير] .
4- استمراء المعاصي وتسويف التوبة :
قال تعالى : " ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ " [آل عمران: 112] .
قال أبو حيان الأندلسي : (لما ذكر تعالى حلول العقوبة بهم من ضرب الذلة والمسكنة، والمباءة بالغضب، بيَّن علة ذلك، فبدأ بأعظم الأسباب في ذلك، وهو كفرهم بآيات الله، ثم ثنَّى بما يتلو ذلك في العظم، وهو قتل الأنبياء، ثم أعقب ذلك بما يكون من المعاصي، وما يتعدَّى من الظلم) [البحر المحيط] .
وقال الحسن البصري : (أما والله، لئن تدقدقت بهم الهماليج ووطئت الرحال أعقابهم، إنَّ ذل المعاصي لفي قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله) [حلية الأولياء].
5- الكبر والأنفة عن قبول الحق :
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذُّل من كلِّ مكان)) [حسنه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
قال ابن القيم : (من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه) [الداء والدواء] .
6- اتباع الهوى :
قال تعالى : " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " [الجاثية: 23] .
(قال ابن تيمية : من قهره هواه ذلَّ وهان، وهلك وباد) [غذاء الألباب،للسفارينى] وقال ابن القيم : (لكلِّ عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذُّل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه) [روضة المحبين] .

من الوسائل المعينة على دفع الذل واجتنابه :
1- الإيمان بالله والمداومة على العمل الصالح :
قال الله تعالى : " لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " [يونس: 26] .
قال ابن كثير : (يخبر تعالى أنَّ لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح أبدله الحسنى في الدار الآخرة.. " وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ " أي : قتام وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة، " وَلاَ ذِلَّةٌ " أي : هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم : " فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا " [الإنسان: 11] أي : نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم) [تفسير القرآن العظيم] .

2- الدعاء بارتفاع الذُّل وحصول العز :
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول : ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، وأعوذ بك من أن أَظْلِم أو أُظْلَم)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
(قال الطِّيبي : - قوله - والذلة أي من أن أكون ذليلًا في أعين الناس؛ بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة) [عون المعبود ،للعظيم آبادى] .
3- موالاة الله ورسوله وصالح المؤمنين :
قال تعالى : " يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ " [المنافقون: 8] .
فالعزة لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين، ومن والاهم وسار على هداهم ينتفي عنه ذل الدنيا والآخرة، ويحصل له عز الدنيا والآخرة .
4- طاعة الله ورسوله :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً " [ النساء: 59] .
(لو أطاعوه -الرسول- لما أصابهم ما لحقهم من الذُّل والهوان بالفشل والهزيمة في الحرب تارة؛ والقتل والأسر تارة أخرى، وبالعجز المبين عن أن يقفوا في سبيل دعوته، ويمنعوا انتشارها في أقطار المعمورة، ويحولوا دون دخول الناس في دين الله أفواجًا، وما كان عنادهم ولا مجادلتهم عن يقين يعتقدونه، ولا شبه لم يجل الشك عنها، ولكن تكبرًا وعتوًا؛ مخافة أن تزول عنهم مناصب توارثوها، ومظاهر تخيلوا أن العز والمجد في المحافظة عليها) [الأدب النبوى،لمحمد الخولى] .
5- مخالفة هوى النفس :
قال ابن تيمية : (من قهر هواه عز وساد) [غذاب الألباب ،للسفارينى] و قال ابن القيم : (من كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده ،كانت نهايته العز والشرف والغنى، والجاه عند الله وعند الناس، قال أبو علي الدقاق : من ملك شهوته في حال شبيبته أعزه الله تعالى في حال كهولته) [روضة المحبين] .

أقوال في الذل :
- قال الحسن البصري : (لقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذلَّه) [حلية الأولياء] .
- وكان أحمد يدعو : (اللهم أعزَّنا بالطاعة، ولا تذلَّنا بالمعصية) [حكم الجديرة بالإذاعة،لابن رجب الحنبلى] .

- وقال الحكيم : (من اعتزَّ بمخلوق ذلَّ) [معانى الأخبار،للكلاباذى] .


" السخرية والاستهزاء "

ذمُّ السخرية والاستهزاء والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [الحجرات: 11] .
قال ابن كثير : (ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم،... فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له؛... وقوله : " وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ " أي : لا تلمزوا الناس، والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون... وقوله : " وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ " أي : لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها) [تفسير ابن كثير] .

- وقوله : " أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ " [الزمر: 56] .
قال ابن كثير: (قوله : " وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ " أي : إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا)) ويشير إلى صدره ثلاث مرات ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)) [مسلم] .
قوله : ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (يعني يكفي المؤمن من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، وهذا تعظيم لاحتقار المسلم، وأنه شرٌّ عظيم، لو لم يأت الإنسان من الشر إلا هذا؛ لكان كافيًا، فلا تحقرن أخاك المسلم، لا في خلقته، ولا في ثيابه، ولا في كلامه، ولا في خلقه، ولا غير ذلك، أخوك المسلم حقه عليك عظيم، فعليك أن تحترمه وأن توقره، وأما احتقاره فإنه محرم، ولا يحل لك أن تحتقره، وكذلك حديث ابن مسعود وحديث جندب بن عبد الله رضي الله عنهما كلاهما يدل على تحريم احتقار المسلم، وأنه لا يحل له) [شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] .

أقوال السلف والعلماء في السخرية والاستهزاء :
- عن عبد الله بن مسعود قال : (لو سخرت من كلب، لخشيت أن أكون كلبًا، وإني لأكره أن أرى الرجل فارغًا؛ ليس في عمل آخرة ولا دنيا) [رواه ابن ابى شيبة فى المصنف] .

- وقال إبراهيم النخعي : (إني لأرى الشيء أكرهه؛ فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله) [شعب الإيمان ،للبيهقى] .
- وقال عمرو بن شرحبيل : (لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا فسخرت منه، خشيت أن أكون مثله) [الزهد ،لوكيع] .
- وقال يحيي بن معاذ : (ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه) [تنبيه الغافلين،للسمرقندى] .
- وقال القرطبي : (من لقب أخاه أو سخر منه فهو فاسق) [الجامع لأحكام القرآن] .

من آثار السخرية [نضرة النعيم] :
1- أنَّ السخرية والاستهزاء تقطع الروابط الاجتماعية القائمة على الأخوة، والتواد، والتراحم .
2- تبذر بذور العداوة والبغضاء، وتورث الأحقاد والأضغان .
3- تولد الرغبة بالانتقام .
4- أنَّ ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع إليهم .
5- حصول الهوان والحقارة للمستهزئ .
6- المستهزئ يعرض نفسه لغضب الله، وعذابه .
7- ضياع الحسنات يوم القيامة .
8- تولد الشعور بالانتقام .

من صور السخرية والاستهزاء :
1- السخرية :
(إن السخرية تنافي ما يوجبه الحق، وهي ظلم قبيح من الإنسان لأخيه الإنسان، وعدوان على كرامته، وإيذاء لنفسه وقلبه، ومن آثارها أنها تقطع الروابط الاجتماعية القائمة على الأخوة والتواد والتراحم، وتبذر بذور العداوة والبغضاء، وتولد الرغبة بالانتقام، ثم أعمال الانتقام، ما استطاع المظلوم بها إلى ذلك سبيلًا) [الأخلاق الإسلامية ،لعبد الرحمن الميدانى] .
قال ابن عباس في قوله تعالى : " وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا " [الكهف: 49] (الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك بحالة الاستهزاء) [الزواجر،للهيتمى] .

2- الهمز واللمز :
وقد نهى الله عز وجل عن الهمز واللمز في كتابه، وتوعد من يفعل ذلك، قال ابن تيمية : (اللمز : هو العيب والطعن، ومنه قوله تعالى : " وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ " [التوبة: 58] أي : يعيبك ويطعن عليك، وقوله : " الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ " [التوبة: 79] وقوله : " وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ " [الحجرات: 11] أي لا يلمز بعضكم بعضًا كقوله : " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ " [النور: 12].. والهمز : العيب والطعن بشدة وعنف، ومنه همز الأرض بعقبه، ومنه الهمزة وهي نبرة من الصدر) [منهاج السنة النبوية،لابن تيمية] .

3- التنابز بالألقاب :
(اللقب : هو ما يدعى به الشخص من لفظ غير اسمه وغير كنيته، وهو قسمان: قبيح، وهو ما يكرهه الشخص لكونه تقصيرًا به وذمًّا ؛ وحسن، وهو بخلاف ذلك، كالصديق لأبي بكر، والفاروق لعمر، وأسد الله لحمزة، رضي الله تعالى عنهم) [تفسير البحر المحيط،لأبى حيان الأندلسى] .
قال ابن عباس : (التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب، فنهى الله أن يعير بما سلف) [رواه الطبرى فى جامع البيان] .

من أسباب السخرية والاستهزاء [الأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميدانى] :
1- الكبر الذي يلازمه بطر الحق وغمط الناس .
2- الرغبة بتحطيم مكانة الآخرين .
3- التسلية والضحك على حساب آلام الآخرين .
4- الاستهانة بأقوال الآخرين وأعمالهم، أو خلقتهم، أو طبائعهم، أو أسرهم، أو أنسابهم، إلى غير ذلك .
5- الفراغ وحب إضحاك الآخرين .


" السَّفَه والحُمْق "

ذَمُّ السَّفَه والحُمْق والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ " [البقرة: 282] .
قال الشَّافعي : (السَّفيه : المبَذِّر المفسد لماله أو في دينه) [تفسير البغوى] .
- قال تعالى : " وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً " [النِّساء: 5] .
قال البغوي : (والسَّفيه الذي لا يجوز لوليِّه أن يؤتيه ماله هو المستحِقُّ للحَجْرِ عليه، وهو أن يكون مبذِّرًا في ماله، أو مفسدًا في دينه) [تفسير البغوى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل الجليس الصَّالح والجليس السُّوء، كمثل صاحب المسك وكِير الحدَّاد ، لا يعدمك مِن صاحب المسك إمَّا تشتريه أو تجد ريحه، وكِير الحدَّاد يحرق بدنك أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثة)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال أبو حاتم : (والواجب على العاقل ترك صحبة الأَحْمَق، ومجانبة معاشرة النَّوكى ، كما يجب عليه لزوم صحبة العاقل الأريب، وعشرة الفَطِن اللَّبيب؛ لأنَّ العاقل - وإن لم يصبك الحظُّ مِن عقله - أصابك مِن الاعتبار به، والأَحْمَق إن لم يَعْدِك حُمْقُه تدنَّستَ بعِشْرَته) [روضة العقلاء] .
- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : ((يخرج في آخر الزَّمان أقوامٌ أحداث الأسنان، سُفَهَاء الأحلام، يقولون مِن خير قول البريَّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرٌ لمن قتلهم يوم القيامة)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ملا علي القاري : (أي: ضعفاء العقول، والسَّفَهُ - في الأصل - : الخِفَّة والطَّيش، وسَفِه فلان رأيه : إذا كان مضطربًا لا استقامة فيه، والأحْلَام : العقول، واحدها حِلْم، بالكسر) [مرقاة المفاتيح] .

أقوال السَّلف والعلماء في السَّفَه والحُمْق :
- عن مجاهد قال : (كنت عند ابن عبَّاس، فجاءه رجل، فقال : إنَّه طلَّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنَّه سيردُّها إليه، فقال : ينطلق أحدكم فيركب الأُحْمُوقة ، ثمَّ يقول : يا ابن عبَّاس ! يا ابن عبَّاس، إنَّ الله قال : " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا " [الطلاق: 2] وإنَّك لم تتَّق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتك) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
- وعن أنس بن سيرين قال : سمعت ابن عمر، قال : (طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال : ليراجعها، قلت : تُحْتَسب ؟ قال : فمه، وعن قتادة ، عن يونس بن جبير ، عن ابن عمر ، قال : مُرْهُ فليراجعها، قلت : تُحْتَسب ؟ قال : أرأيت إن عجز واستَحْمَقَ ؟ [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن يسير بن عمرو - وكان قد أدرك الصَّحابة - قال : (اهجر الأَحْمَقَ؛ فليس للأَحْمَق خيرٌ مِن هجرانه) [رواه ابن حبان فى روضة العقلاء] .

- وعن وهب بن منبِّه قال : (الأَحْمَق كالثَّوب الخَلق : إن رفأته مِن جانبٍ انخرق مِن جانبٍ آخر، مثل الفَخَّار المكسور، لا يُرَقَّع ولا يُشعب ولا يُعاد طينًا) [رواه ابن حبان فى روضة العقلاء] .

من آثار الحُمْق :
1- الأَحْمَق مُبْغَضٌ في النَّاس .

2- السَّفَه والحُمْق دليلٌ على سوء الخُلُق .
3- السَّفَه والحُمْق مِن خوارم المروءة .
4- السَّفِيه يقع في الغيبة وأعراض النَّاس .
5- السَّفِيه بذيء اللِّسان .

6- سرعة الانفعال والتدخل في شئون الناس .
7- الخفة وسرعة الجواب من غير روية .

أقسام السَّفَه :
السَّفَه ينقسم إلى قسمين :
1- سفه في الأمور الدُّنيويَّة، وهو التَّصرُّف في الأموال بالتَّبذير والإسراف، قال الله تعالى : " وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ " [النِّساء: 5] .
2- سفه في الدِّين، قال تعالى : " أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء " [البقرة: 13] وقوله تعالى : " سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا " [البقرة: 142] والمراد بالسُّفَهاء هنا الكفَّار والمنافقين .
مِن علامات السَّفيه والأحمق :
من علامات السفيه :
1- الشُّح .
2- سوء الخُلُق .
3- إنفاق المال على وجه التَّبذير وفيما لا ينبغي .
4- الفُحْش وبذاءة اللِّسان .
مِن علامات الأَحْمَق :
1- التَّخلُّق بالعجلة، والخِفَّة، والجفاء، والغُرُور، والفجور .
2- التَّخَلُّق بالجهل، والتَّواني، والخيانة، والظُّلم، والضَّياع .
3- التَّخَلُّق بالتَّفريط، والغفلة .
4- التَّخَلُّق بالسُّرور، والخيلاء، والفجر، والمكر .
5- إذا استغنى بَطِر، وإن افتقر قَنَط، وإن فرح أَشَر .
6- إن قال فَحُش، وإن سأل ألحَّ .
7- إن قال لم يُحْسِن، وإن قيل له لم يَفْقَه .
مِن شيم الأَحْمَق :
قال أبو حاتم : (ومِن شيم الأَحْمَق: العجلة، والخِفَّة، والعجز، والفجور، والجهل، والمقت، والوَهَن، والمهابة، والتَّعَرض، والتَّحاسد، والظُّلم، والخيانة، والغفلة، والسَّهو، والغيِّ، والفُحْش، والفخر، والخيلاء، والعدوان، والبغضاء) [روضة العقلاء] .
مِن أعظم أمارات الحُمْق :
قال أبو حاتم : (وإنَّ مِن أعظم أمارات الحُمْق في الأَحْمَق لسانه؛ فإنَّه يكون قلبه في طرف لسانه، ما خطر على قلبه نَطَق به لسانه، والأَحْمَق يتكلَّم في ساعة بكلام يعجز عنه سحبان وائل، ويتكلَّم في السَّاعة الأخرى بكلام لا يعجز عنه باقل، والعاقل يجب عليه مجانبة مَن هذا نعته ومخالطة مَن هذه صفته؛ فإنَّهم يجترئون على مَن عاشرهم) [روضة العقلاء] .
مُعَاشَرة الأَحْمَق :
قال أبو حاتم : (مَثَلُ الأَحْمَق إن صَحِبته عنَّاك، وإن اعتزلته شتمك، وإن أعطاك مَنَّ عليك، وإن أعطيته كفرك، وإن أسرَّ إليك اتَّهمك، وإن أسررت إليه خانك، وإن كان فوقك حَقِرَك، وإن كان دونك غمزك) [روضة العقلاء] .

قال أبو حاتم : (أظلم الظُّلمات الحُمْق، كما أنَّ أنفذ البصائر العقل، فإذا امتُحِن المرء بعِشْرَة الأَحْمَق كان الواجب عليه اللُّزوم لأخلاق نفسه، والمباينة لأخلاقه مع الإكثار مِن الحمد لله على ما وهب له مِن الانتباه لـمَّا حُرِمَ غيره التَّوفِيق له... والعاقل يجب عليه مجانبة مَن هذا نعته) [روضة العقلاء] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:33 am




" سوء الظن "

ذم سوء الظن والنهي عنه :

- قال سبحانه في عاقبة من ظن به السوء : " وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ " [فصلت: 22- 23] .
قال أبو حيان الأندلسي : (هذا الظن كفر وجهل بالله وسوء معتقد يؤدي إلى تكذيب الرسل والشك في علم الإله) [البحر المحيط] .
قال السعدي: ( " وَلَكِن ظَنَنتُمْ بإقدامكم على المعاصي أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ " فلذلك صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم وشقائهم ولهذا قال : " وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ " الظن السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله " أَرْدَاكُمْ " أي : أهلككم " فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ " لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت عليكم كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم، في العذاب، الذي لا يفتر عنهم ساعة) [تيسير الكريم الرحمن] .
- ثم أوضح سبحانه صورة هذا الهلاك والخسران بقوله تعالى : " وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " [الفتح: 6] .
قال ابن القيم : (توعد الله سبحانه الظانين به ظنَّ السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى : " عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " [الفتح: 6]) [الداء والدواء] .
وقال الشوكاني في قوله تعالى : ( " وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ " أي : يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم.. " عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ " أي : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم، حائق بهم، والمعنى : أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم... وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا) [انظر فتح القدير بتصرف يسير] .
- وقال سبحانه في ذم سوء الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات:12] .
قال ابن كثير : (قال تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا) [تفسير القرآن العظيم] .
وقال السعدي : (نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فــ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه) [تيسر الكريم الرحمن] .

ثانيًا : من السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إياكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال الصنعاني : (المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ((إياكم والظنَّ)) سوء الظنِّ به تعالى، وبكلِّ من ظاهره العدالة من المسلمين وقوله : ((فإن الظن أكذب الحديث)) سماه حديثًا؛ لأنَّه حديث النفس، وإنما كان الظنُّ أكذب الحديث؛ لأنَّ الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره. وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء، فيخفى على السامع كونه كاذبًا بحسب الغالب، فكان أكذب الحديث، والحديث وارد في حقِّ من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور) [سبل السلام] .

- وعن صفية بنت حيي قالت : ((كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : على رسلكما، إنها صفية بنت حيي، فقالا : سبحان الله يا رسول الله، قال : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا أو قال : شيئًا)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال النووي : (الحديث فيه فوائد، منها بيان كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، ومراعاته لمصالحهم، وصيانة قلوبهم وجوارحهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا؛ فخاف صلى الله عليه وسلم أن يلقي الشيطان فى قلوبهما فيهلكا؛ فإنَّ ظنَّ السوء بالأنبياء كفر بالإجماع، والكبائر غير جائزة عليهم، وفيه أنَّ من ظنَّ شيئًا من نحو هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر .. وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظنَّ السوء) [شرح النووى على مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في سوء الظن :
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم) [ذكره الزمخشرى فى ربيع الأبرار] .
- وعنه أيضًا : (ليس من العدل القضاء على الثقة بالظن) [ذكره الزمخشرى فى ربيع الأبرار] .
- وقال ابن عباس : (إنَّ الله قد حرم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنَّ به ظنَّ السوء) [إحياء علوم الدين] .
- وقال ابن مسعود : (الأمانة خير من الخاتم، والخاتم خير من ظنِّ السوء)[ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز].
- وقال سلمان الفارسي : (إني لأعد غراف قدري مخافة الظن) [ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز] .
- وقال ابن عطية : (كان أبو العالية يختم على بقية طعامه؛ مخافة سوء الظن بخادمه) [ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز] .
- وقال القاضي عياض : (ظن السوء بالأنبياء كفر) [إكمال المعلم] .

من آثار سوء الظن :
1- سبب للوقوع في الشرك والبدعة والضلال :
سوء الظن بالله سبب في الوقوع في الشرك، قال ابن القيم : (الشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى.. لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين ، ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين : " أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ " [الصافات: 86-87]) [انظر:إغاثة اللهفان] .
قال المقريزي : (اعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع وجدت أصل ضلالهم راجعًا إلى شيئين : أحدهما :.. الظن بالله ظن السوء) [رسائل المقريزى،بتصرف يسير] .
2- أنها صفة كل مُبطل ومبتدع :
قال تعالى : "وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ " [فصلت: 23]
قال ابن القيم : (كلُّ مبطل وكافر ومبتدع مقهور مستذل، فهو يظن بربه هذا الظن وأنه أولى بالنصر والظفر والعلو من خصومه، فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد) [زاد المعاد] .
3- سبب في استحقاق لعنة الله وغضبه :
قال تعالى : " وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " [الفتح: 6] .
قال ابن القيم : (توعَّد الله سبحانه الظانين به ظنَّ السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى : " عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " [الفتح: 6]) [الداء والدواء] .
4- يورث الإنسان الأخلاق السيئة :
سوء الظن يورث الإنسان الأخلاق السيئة كالجبن والبخل والشح والحقد والحسد والتباغض
قال ابن عباس : (الجبن والبخل والحرص غرائز سوء يجمعها كلها سوء الظن بالله عز وجل) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .
وقال ابن القيم : (الشحُّ فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن، وضعف النفس، ويمده وعد الشيطان) [الروح] .
وقال المهلب : (التباغض والتحاسد أصلهما سوء الظنِّ، وذلك أن المباغض والمحاسد يتأول أفعال من يبغضه ويحسده على أسوأ التأويل) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .
5 - من أساء الظن أساء العمل :
قال الطبري - بسنده إلى الحسن - : (تلا الحسن : " وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ " [فصلت: 23] فقال : إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم؛ فأما المؤمن فأحسن بالله الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل) [جامع البيان] .

من أسباب الوقوع في سوء الظن :
1- الجهل وسوء القصد والفهم :
فالجهل من الأسباب التي تؤدي إلى سوء الظنِّ بسبب عدم فهم حقيقة (ما يرى وما يقرأ ومرمى ذلك، وعدم إدراك حكم الشرع الدقيق في هذه المواقف خصوصًا إذا كانت المواقف غريبة، تحتاج إلى فقه دقيق، ونظر بعيد، يجعل صاحبه يبادر إلى سوء الظن، والاتهام بالعيب، والانتقاص من القدر، فانظر إلى ذي الخويصرة الجهول، لماذا أساء الظنَّ بالرسول واتهمه بعدم الإخلاص، فقال: اعدل يا محمد، فما عدلت، هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، لقد دفعه إلى الظن السيئ والفعل القبيح جهله وسطحية فهمه، وقلة فقهه لمقاصد الشريعة ومصالح الدين الشرعية) [ظاهرة الغلو فى الدين فى العصر الحيث،لمحمد عبد الحكيم] .
2- اتباع الهوى وتعميم الأحكام على الناس :
قال الغزالي : (المسلم يستحق بإسلامه عليك أن لا تسيء الظنَّ به، فإن أسأت الظنَّ به في عينه؛ لأنك رأيت فسادًا من غيره، فقد جنيت عليه، وأثمت به في الحال.. ويدلُّ عليه أنا نعلم أنَّ الصحابة رضي الله عنهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في القرى، ولا يردون القرى، ويدخلون البلاد، ولا يحترزون من الأسواق، وكان الحرام أيضًا موجودًا في زمانهم، وما نقل عنهم سؤال إلا عن ريبة، إذ كان صلى الله عليه وسلم لا يسأل عن كل ما يحمل إليه، بل سأل في أول قدومه إلى المدينة عما يحمل إليه أصدقة أم هدية؟! لأنَّ قرينة الحال تدل، وهو دخول المهاجرين المدينة وهم فقراء، فغلب على الظن أن ما يحمل إليهم بطريق الصدقة) [إحياء علوم الدين] .
3- مصاحبة أهل الفسق والفجور :
قال أبو حاتم البستي : (صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب؛ لئلا يكون مريبًا، فكما أنَّ صحبة الأخيار تورث الخير كذلك صحبة الأشرار تورث الشرَّ) [روضة العقلاء] .
من الوسائل المعينة على ترك سوء الظن :
1- معرفة أسماء الله وصفاته :
قال ابن القيم : (أكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظنَّ السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء) [زاد المعاد] .
2- سوء الظن بالنفس واتهامها بالتقصير:
قال ابن القيم : (ليظنَّ – العبد - السوء بنفسه التي هي مأوى كلِّ سوء، ومنبع كلِّ شرٍّ، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة، المنزه عن كلِّ سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كلِّ وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلُّها حسنى) [زاد المعاد] .
3 - المداومة على محاسبة النفس والاستغفار :
قال ابن القيم : (فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى، وليستغفره كلَّ وقت من ظنه بربه ظن السوء) [زاد المعاد] .
4- ترك التحقق من الظنون السيئة :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات: 12] .
5- الاستعاذة بالله والتوقف عن الاسترسال في الظنون :
إذا كان سوء الظن الوارد متعلق بالله سبحانه وتعالى فمما ورد في علاج ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته)) [رواه البخارى ومسلم] .


" الشَّمَــاتَة "

ذَمُّ الشَّمَاتَة في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [الأعراف: 150] .
أي : فلا تفعل بي ما هو أمنيَّتهم مِن الاستهانة بي والإساءة إليَّ، وقُرِئ : ((فلا يَشْمَت بي الأعداء)) على نهي الأعداء عن الشَّمَاتَة، والمراد أن لا يحلَّ به ما يَشْمَتون به لأجله [الكشاف ،للزمخشرى] .
- وقال تعالى : " إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا " [آل عمران:120] .
وهذا الفَرَح شماتة، والحسد والشَّمَاتَة متلازمان [انظر : مفاتيح الغيب،للرازى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه : ((أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذ مِن سوء القضاء، ومِن درك الشَّقاء، ومِن شَمَاتَة الأعداء، ومِن جهد البلاء)) قال عمرو في حديثه : قال سفيان : أشكُّ أنِّي زدت واحدة منها [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
قال النَّوويُّ : (شماتة الأعداء : هي فَرَح العدوِّ ببليَّةٍ تنزل بعدوِّه، يقال منه: شَمِت بكسر الميم، وشَمَت بفتحها) [شرح النووى على مسلم] .

وقال المناويُّ : (إنَّما حَسُنَ الدَّعاء بدفع شَمَاتَة الأعداء؛ لأنَّ مَن له صِيْتٌ عند النَّاس وتأمل، وَجَدَ نفسه بينهم كبَهْلَوان يمشي على حبلٍ عالٍ بقُبْقَاب، وجميع الأقران والحُسَّاد واقفون ينتظرون متى يَــزْلَق فيَشْمَتُون به، ومِن أشقِّ ما على الزَّالق أن يُغْلَب عليه رعاية مقامه عند الخَلْق؛ فإنَّه يذوب قهرًا، بخلاف مَن يراعي الحقَّ؛ فإنَّ الأذى يَخِفُّ عليه، ولو أَظْهَروا كلُّهم الشَّمَاتَة) [فيض القدير ،للمناوى] .

أقوال السَّلف والعلماء في الشَّمَاتَة :
- عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى قال : جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده، فقال له عليٌّ : أعائدًا جئت أم شامتًا ؟ قال : لا، بل عائدًا، قال : فقال له عليٌّ : إن كنت جئت عائدًا، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا عاد الرَّجل أخاه المسلم، مشى في خِرَافة الجنَّة حتى يجلس، فإن جلس غمرته الرَّحمة، فإن كان غُدْوَة صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه] .

وعن عمر بن عبد العزيز : (ما رأيت ظالـمًا أشبه بمظلوم مِن الحاسد؛ غمٌّ دائمٌ، ونفس متتابع، وقيل : إذا رأى الحاسد نعمةً، بُهِت، وإذا رأى عثرةً، شَمَت) [انظر : بريقة محمودية،لأبى سعيد الخادمى] .
- وقال آخر : (عِبْتُ شخصًا قد ذهب بعض أسنانه، فذهبت أسناني، ونظرت إلى امرأة لا تحلُّ لي، فنظر زوجتي مَن لا أريد) [الآداب الشرعية ،لابن مفلح] .

من آثار الشَّمَاتَة :
1- الشَّمَاتَة بالتَّعيير بالذَّنب أعظم مِن مُرْتَكِب الذَّنب :
يقول ابن القيِّم : (إنَّ تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثمًا مِن ذنبه، وأشدُّ مِن معصيته؛ لما فيه مِن صولة الطَّاعة، وتزكية النَّفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة مِن الذَّنب، وأنَّ أخاك باء به، ولعلَّ كسرته بذنبه، وما أحدث له مِن الذِّلَّة والخضوع والإزراء على نفسه، والتَّخلُّص مِن مرض الدَّعوى والكِبْر والعُجْب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرَّأس، خاشع الطَّرف، منكسر القلب أنفع له، وخيرٌ مِن صولة طاعتك، وتكثُّرك بها، والاعتداد بها، والمنَّة على الله وخَلْقِه بها، فما أقرب هذا العاصي مِن رحمة الله، وما أقرب هذا المدِل مِن مقت الله، فذنب تَذِلُّ به لديه أحبُّ إليه مِن طاعة تدلُّ بها عليه، وإنَّك أن تَبِيتَ نائمًا وتصبح نادمًا خيرٌ مِن أن تَبِيتَ قائمًا وتصبح مُعْجَبًا؛ فإنَّ المعْجَب لا يَصْعَد له عملٌ، وإنَّك إن تضحك وأنت معترفٌ، خيرٌ مِن أن تبكي وأنت مُدِلٌّ، وأنين المذنبين أحبُّ إلى الله مِن زجل المسبحين المدِلِّين، ولعلَّ الله أسقاه بهذا الذَّنب دواءً استخرج به داءً قاتلًا هو فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلَّا هو، ولا يطالعها إلَّا أهل البصائر، فيعرفون منها بقَدْرِ ما تناله معارف البَشَر) [مدارج السالكين] .

2- الشَّمَاتَة لها تأثيرٌ سلبيٌّ على الفرد والمجتمع؛ تربِّي الحقد والحسد والعداوة .
وهذا أمرٌ معلوم مشهود .
3- الشماتة تؤدي إلى قساوة القلب .

حُكْم الشَّمَاتَة :
لا يجوز الشَّمَاتَة بالمسلم؛ لكنها في حق الكفار المحاربين والمنافقين تجوز، قال تعالى: " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ " [التوبة: 14-15] .
قال السعدي : (فإنَّ في قلوبهم من الحنق والغيظ عليهم ما يكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغم والهم، إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين لله ولرسوله ساعين في إطفاء نور الله، وزوالًا للغيظ الذي في قلوبهم، وهذا يدل على محبة الله لعباده المؤمنين، واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل -من جملة المقاصد الشرعية- شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم) [تيسير الكريم الرحمن] .

من أسباب الوقوع في الشَّمَاتَة :
1- الابتعاد عن منهج الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
2- ضعف الإيمان .
3- حبُّ التَّشفِّي النَّاس .
4- حبُّ الدُّنيا والتَّعلُّق بها، ونسيان الآخرة .

شماتة المنافقين بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه :
- في غزوة أحد أظهر اليهود والمنافقون الشَّماتَة بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه :
فحينما وصل صلى الله عليه وسلم المدينة -بعد غزوة أحد- أظهر المنافقون واليهود الشَّمَاتَة والسُّرور، وصاروا يُظْهِرون أقبح القول، أي ومنه: ما محمد إلَّا طالب مُلْك، ما أصيب بمثل هذا نبيٌّ قطُّ؛ أُصيب في بدنه، وأُصيب في أصحابه، ويقولون : لو كان مَن قُتِل منكم عندنا ما قُتِل .
واستأذن عمر في قتل هؤلاء المنافقين، فقال له النبي : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنِّي رسول الله ؟ قال بلى : ولكن تعوُّذًا مِن السَّيف، فقد بان أمرهم، وأبدى الله تعالى أضغانهم، فقال صلى الله عليه وسلم : نُهِيت عن قتل مَن أظهر ذلك، وصار ابن أُبَي - لعنه الله - يوبِّخ ابنه عبد الله - رضي الله تعالى عنه - وقد أثبتته الجراحة ، فقال له ابنه : الذي صنع الله لرسوله والمسلمين خيرٌ[انظر :السيرة الحلبية ،لعلى بن إبراهيم الحلبى].


" الطَّمــع "

ذم الطَّمع في الكتاب والسنة :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ " [البقرة: 41] .
قال السُّدِّي : (لا تأخذوا طمَعًا قليلًا وتكتُموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطَّمع) [تفسير القرآن العظيم،لابن أبى حاتم] .
وعن قتادة قال : (أنبأكم الله بمكانهم من الطَّمع) [جامع البيان ،للطبرى] .
- وقال جل في علاه : " وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " [ص: 24] .
(لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ : بسائق الطَّمع والحرص، وحب التكاثر بالأموال التي تميل بذويها إلى الباطل إن لم يتولَّهم الله بلطفه) [بيان المعانى ،لعبد القادر العانى] .
ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من غزا في سبيل الله، ولم ينوِ إلا عقالًا، فله ما نوى)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال الطيبي : (هو مبالغة في قطع الطَّمع عن الغنيمة، بل ينبغي أن يكون خالصًا لله تعالى، غير مشوب بأغراض دنيوية) [مرقاة المفاتيح،شرح مشكاة المصابيح،للقارى] .
- وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكلِّ ذي قرب ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال، وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له، الذين فيكم تبع، لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب، والشنظير : الفحاش)))[رواه مسلم] .
قال القاري : (... ((والخائن الذي لا يخفى له طمع- وإن دقَّ- إلا خانه)): هو إغراق في وصف الطَّمع، والخيانة تابعة له، والمعنى أنه لا يتعدَّى عن الطَّمع، ولو احتاج إلى الخيانة، ولهذا قال الحسن البصري: الطَّمع فساد الدين والورع صلاحه) [مرقاة المفاتيح،شرح مشكاة المصابيح،للقارى] .
- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم)) [رواه مسلم] .
قال ابن عثيمين : (ثم قال صلى الله عليه وسلم : ((واتقوا الشحَّ)) يعني الطَّمع في حقوق الغير،اتقوه : أي احذروا منه، واجتنبوه) [شرح رياض الصالحين] .

أقوال السلف والعلماء في الطَّمع :
- قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : (تعلمن أنَّ الطَّمع فقر، وأنَّ اليأس غنى) [رواه ابن المبارك في الزهد] .
- وقال عليٌّ رضي الله عنه : (أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع) [المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي] .
- وقال أيضًا : (ما الخمر صرفًا بأذهب لعقول الرِّجال من الطَّمع) [المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي] .
- وقال أيضًا : (الطامع في وثاق الذلِّ) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، للزمخشري] .
- وعنه أيضًا : (الطَّمع رقٌّ مؤبد) [القناعة والتعفف ،لابن أبي الدنيا] .
- وقال أيضًا : (إياك أن ترجف بك مطايا الطَّمع، فتوردك مناهل الهلكة) [القناعة والتعفف ،لابن أبي الدنيا] .
- وقال ابن عباس : (قلوب الجهال تستفزها الأطماع، وترتهن بالمنى، وتستغلق) [القناعة والتعفف ،لابن أبي الدنيا] .
- واجتمع كعب وعبد الله بن سلام، فقال له كعب : (يا ابن سلام : مَن أرباب العلم ؟ قال : الذين يعملون به،قال : فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد أن علموه ؟ قال : الطَّمع، وشره النَّفس، وطلب الحوائج إلى النَّاس) [القناعة والتعفف ،لابن أبي الدنيا] .
- وقال الحسن البصريSadصلاح الدين الورع، وفساده الطَّمع) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للقاري].

من آثار الطَّمع :
1- الانشغال الدائم والتعب الذي لا ينقطع .
2- يؤدي إلى غياب فضيلة البذل والتضحية والإيثار بين أفراد المجتمع .
3- دليل على سوء الظن بالله .
4- دليل على ضعف الثقة بالله، وقلَّة الإيمان .
5- طريق موصل إلى النار .
6- يجعل صاحبه حقيرًا في عيون الآخرين .
7- يُذِلُّ أعناق الرجال .
8- يُشعر النفس بفقر دائم، مهما كثر المال .
9- يُعمي الإنسان عن الطريق المستقيم .
10- يعود على صاحبه بالخسران في الدنيا والآخرة .

أنواع الطَّمع :
والطَّمع نوعان هما :
1- الطَّمع المحمود، وذلك مثل :
الطَّمع في طلب مغفرة الله للإنسان .
الطَّمع في دخول الجنة .
الطَّمع في كرم الله .
2- الطَّمع المذموم، وذلك مثل :
الطَّمع في طلب الدنيا وجمع المال .
الطَّمع في سلطة أو منصب .
الطَّمع في المأكل والمشرب والملذات .
من الأسباب المؤدية إلى الطَّمع :
1- عدم الاهتمام بتزكية النَّفس، وتهذيبها .
2- حبُّ الدنيا وكراهية الموت .
3- ضعف الإيمان .
4- الجهل بالآثار السيئة للطَّمع .
من الوسائل المعينة على ترك الطَّمع :
1- الاهتمام بتهذيب النفس .
2- التَّأمُّل في العواقب الوخيمة التي تنتج عن الطَّمع .
3- التَّأمُّل في نعم الله الكثيرة والمختلفة، وشكره عليها .
4- التَّحلِّي بالورع عند الميل إلى الطَّمع .
5- التَّسليم لقضاء الله وقدره .
6- الطَّمع في الجنة وما عند الله من نعيم في الدار الآخرة .
7- اللجوء إلى الله، والاستعانة به، في الابتعاد عن الطَّمع .
8- مجاهدة النفس، وتعويدها على القناعة، والتعفف .
9- مطالعة سير السلف، وأحوال الصالحين .
10- العلم بأنَّ الإنسان لن يأخذ من رزقه أكثر مما كُتِب له مهما حرص .

ما قيل في الطَّمع :
- وقال بعض العارفين : (الطَّمع طمعان: طمع يوجب الذُّل لله، وهو إظهار الافتقار، وغايته العجز والانكسار، وغايته الشرف والعز والسعادة الأبدية، وطمع يوجب الذُّل في الدارين، أي : وهو المراد هنا، وهو رأس حب الدنيا، وحب الدنيا رأس كلِّ خطيئة، والخطيئة ذلٌّ وخزي، وحقيقة الطَّمع : أن تعلِّق همتك، وقلبك، وأملك، بما ليس عندك، فإذا أمطرت مياه الآمال على أرض الوجود، وألقي فيها بذر الطَّمع بسقت أغصانها بالذُّل ومتى طمعت في الآخرة وأنت غارق في بحر الهوى ضللت وأضللت) [فيض القدير ،للمناوى] .
- وقال بعضهم : (من أراد أن يعيش حرًّا أيَّام حياته فلا يسكن قلبه الطَّمع) [المستطرف،للأبشيهى]
- وأراد رجل أن يقبل يد هشام بن عبد الملك فقال : (لا تفعل، فإنما يفعله من العرب الطَّمع، ومن العجم الطبع) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار،للزمخشرى] .


"الظلـــم "

ذم الظلم والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها :
- آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، قال تعالى : " وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ " [غافر: 31] وقال : " وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ " [فصلت: 46 ] وقال : " وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ " [آل عمران: 108] ،
(أي : ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدًا من خلقه؛ ولهذا قال :" وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ " [آل عمران:109] أي : الجميع ملْك له وعبيد له " وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ " [آل عمران:109] أي : هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة) تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .
- وقال سبحانه : " إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا " [النساء: 40] وقال : " إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " [يونس: 44] .
قال القرطبي : (أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة، بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها، والمراد من الكلام أنَّ الله تعالى لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا) [الجامع لأحكام القرآن] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قال الله تبارك وتعالى : يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا...)) [رواه مسلم] .
قال ابن تيمية : (هذا الحديث قد تضمن من قواعد الدين العظيمة في العلوم والأعمال والأصول والفروع؛ فإن تلك الجملة الأولى وهي قوله : ((حرمت الظلم على نفسي)) يتضمن جلَّ مسائل الصفات والقدر إذا أعطيت حقَّها من التفسير، وإنما ذكرنا فيها ما لا بدَّ من التنبيه عليه من أوائل النكت الجامعة، وأما هذه الجملة الثانية وهي قوله : ((وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)) فإنها تجمع الدين كله؛ فإنَّ ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به راجع إلى العدل) [مجموع الفتاوى ،لابن تيمية] .
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ظلم قِيد شبر من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين)) [رواه البخارى ومسلم] .

من آثار الظلم :
1- الظالم مصروف عن الهداية :
قال تعالى : " إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " [المائدة: 51] .
2- الظالم لا يفلح أبدًا :
قال تعالى : " إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " [الأنعام:21] .
3- الظالم عليه اللعنة من الله :
يقول الله عزَّ وجلَّ : " يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ " [غافر: 52] .
4- الظالم يحرم من الشفاعة :
قال تعالى : " مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ " [غافر: 18] ويقول عليه الصلاة والسلام : ((صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي : إمام ظلوم غشوم، وكل غالٍ مارق)) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع]
5- تصيبه دعوة المظلوم ولا تخطئه :
قال عليه الصلاة والسلام : ((واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) [رواه مسلم] .

أقسام الظلم :
(الظلم ثلاثة : الأول، ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه : الكفر، والشرك، والنفاق، ولذلك قال : " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " [لقمان:13] وإياه قصد بقوله : " أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " [هود:18] " وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " [الإنسان: 31] في آي كثيرة، وقال : " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ " [الزمر: 32] " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا " [الأنعام: 93] .
والثاني : ظلم بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله : " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا " إلى قوله : " إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " الآية وبقوله : " إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ " [الشورى: 42] وبقوله : " وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا " [الإسراء: 33] .
والثالث : ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله : " فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ " [فاطر: 32] وقوله : " ظَلَمْتُ نَفْسِي " [النمل: 44] "إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ " [النساء:64] " فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ " [البقرة:35] أي : من الظالمين أنفسهم " وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ " [البقرة:231] .
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس؛ فإنَّ الإنسان في أول ما يهمُّ بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذا الظالم أبدًا مبتدئ في الظلم، ولهذا قال تعالى في غير موضع : " وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " [النحل:33] " وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:57]، وقوله: وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ " [الأنعام:82]) [مفردات ألفاظ القرآن ،للراغب الأصفهانى] .

من صور الظلم :
لا شكَّ أنَّ الظلم له صور كثيرة، وسنقتصر على ذكر بعضها حتى نكون منها على حذر، وهذه الصور منها :
أولًا : ظلم العبد نفسه :
1- أعظمه الشرك بالله :
قال تعالى : " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " [لقمان:13] .
قال ابن تيمية : (ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ كثيرًا من الناس لا يعلمون كون الشرك من الظلم، وأنَّه لا ظلم إلا ظلم الحكام أو ظلم العبد نفسه، وإن علموا ذلك من جهة الاتباع، والتقليد للكتاب، والسنة، والإجماع، لم يفهموا وجه ذلك، ولذلك لم يسبق ذلك إلى فهم جماعة من الصحابة لما سمعوا قوله : " الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ " [الأنعام:82] كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود أنهم قالوا : أيُّنا لم يظلم نفسه ؟! فقال رسول الله : ((ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " [لقمان:13] ؟)) وذلك أنهم ظنُّوا أنَّ الظلم - كما حدَّه طائفة من المتكلمين - هو إضرار غير مستحقٍّ، ولا يرون الظلم إلا ما فيه إضرار بالمظلوم، إن كان المراد أنهم لن يضروا دين الله وعباده المؤمنين، فإنَّ ضرر دين الله وضرر المؤمنين بالشرك والمعاصي أبلغ وأبلغ) [جامع المسائل] .
2- التعدِّي على حدود الله :
" تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [البقرة:229] .
قال ابن جرير : (تلك معالم فصوله، بين ما أحل لكم، وما حرم عليكم أيها الناس، قلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصلها لكم من الحلال، إلى ما حرم عليكم، فتجاوزوا طاعته إلى معصيته، وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : " تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا " هذه الأشياء التي بينت لكم في هذه الآيات التي مضت : من نكاح المشركات الوثنيات، وإنكاح المشركين المسلمات، وإتيان النساء في المحيض، وما قد بين في الآيات الماضية قبل قوله : " تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ " مما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أمر ونهى) [جامع البيان،للطبرى] .
3- الصدُّ عن مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه :
" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " [البقرة: 114] .
قال ابن جرير : (وأي امرئ أشد تعديًا وجراءة على الله وخلافًا لأمره، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها) [جامع البيان،للطبرى] .

4- كتم الشهادة :
قال تعالى : " أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " [البقرة: 140] .
قال السعدي : (فهي شهادة عندهم، مودعة من الله، لا من الخلق، فيقتضي الاهتمام بإقامتها، فكتموها، وأظهروا ضدها، جمعوا بين كتم الحق، وعدم النطق به، وإظهار الباطل، والدعوة إليه، أليس هذا أعظم الظلم ؟ بلى والله، وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة) [تفسير الكريم الرحمن] .

معاونة الظالم على ظلمه :
من يعين الظالم فهو ظالم مثله، ومشارك له في الإثم :
الظلم من الإثم والعدوان والله سبحانه وتعالى أمر بالتعاون على البرِّ والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان فقال : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [المائدة:2] وعن جَابِرٍ رضي الله عنه قال : ((لَعَن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وموكله وَكَاتِبَه وَشَاهِدَيْه وقال : هُم سَواء)) [رواه مسلم] .
قال النووي : (هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين والشهادة عليهما وفيه : تحريم الإعانة على الباطل) [شرح صحيح مسلم للنووى] .
وقال ميمون بن مهران : (الظالم، والمعين على الظلم، والمحب له سواء) [مساوئ الأخلاق للخرائطى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:35 am




" العُجْــب "

أولًا : في القرآن الكريم :
أما العُجْب في القرآن الكريم فقد وردت فيه عدة آيات تبين خطره، وتنبه على أنه آفة تجرُّ وراءها آفات دنيوية وعقوبات أخروية، فمن تلك الآيات :
- قال الله تبارك وتعالى : " لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ " [التوبة: 25] .
(قال جعفر : استجلاب النصر في شيء واحد، وهو الذلة والافتقار والعجز... وحلول الخذلان بشيء واحد وهو العُجْب...) [تفسير السلمى] .
- وقال الله تبارك وتعالى : " وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا " [الكهف: 32-36] .
قال ابن عاشور : (ضرب مثلًا للفريقين : للمشركين، وللمؤمنين، بمثل رجلين كان حال أحدهما معجبًا مؤنقًا، وحال الآخر بخلاف ذلك، فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تبابًا وخسارةً، وكانت عاقبة الآخر نجاحًا، ليظهر للفريقين ما يجرُّه الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الإزراء، وما يلقاه المؤمن المتواضع، العارف بسنن الله في العالم، من التذكير، والتدبر في العواقب، فيكون معرضًا للصلاح والنجاح) [التحرير والتنوير] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أَبي هريرة رضي الله عنه : ((بينا رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال أبو العباس القرطبي : (يفيد هذا الحديث ترك الأمن من تعجيل المؤاخذة على الذنوب، وأن عجب المرء بنفسه وثوبه وهيئته حرام وكبيرة) [طرح التثريب] .
- وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لو لم تذنبوا، لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العُجْب)) [حسنه لغيره الألبانى فى صحيح الترغيب] .
قال المناوي تعليقًا على هذا الحديث : (لأن العاصي يعترف بنقصه، فترجى له التوبة، والمعجب مغرور بعمله فتوبته بعيدة) [فيض القدير شرح الجامع الصغير] .

أقوال السلف والعلماء في العُجْب :
- قال عمر رضي الله عنه : (أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا فيه ثلاث خلال : شحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) [رواه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله] .
- وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الإعجاب ضدُّ الصواب وآفة الألباب) [أدب الدنيا والدين،لماوردى] .
- وقالت عائشة رضي الله عنها : (لبست مرة درعًا جديدًا، فجعلت أنظر إليه، وأعجب به، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أما علمت أنَّ العبد إذا دخله العجب بزينة الدنيا، مقته ربُّه حتى يفارق تلك الزينة ؟ قالت : فنزعته فتصدقت به، فقال أبو بكر رضي الله عنه : عسى ذلك أن يكفِّر عنك) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
- وعن كعب أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث : (اتق الله، وارض بالدون من المجلس، ولا تؤذ أحدًا؛ فإنَّه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العُجْب، ما زادك الله به إلا سفالًا ونقصانًا) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
- وقال أبو الدرداء : (علامة الجهل ثلاث : العُجْب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه) [رواه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله] .
- وعن مسروق قال : (كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يُعجب بعلمه) [جامع بيان العلم وفضله،لابن عبد البر] .

- وقال علي بن ثابت : (المال آفته التبذير والنهب، والعلم آفته الإعجاب والغضب) [رواه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله] .

من آثار العُجْب :
1- أنه يدعو إلى الكبر؛ لأنَّه أحد أسبابه، قال ابن الجوزِيِّ : (اعلم أَنَّ من أَسباب الْكِبْرِ العُجْب، فَإِنَّ من أُعْجِب بِشَيْءٍ تكبَّر به) [غذاء الألباب للسفارينى] .
وقال المحاسبي : (إن أوَّل بدوِّ الكبر العُجْب، فمن العُجْب يكون أكثر الكبر، ولا يكاد المعجب أن ينجو من الكبر...) [الرعاية فى حقوق الله] .
2- أنه يتولد عنه الكثير من الأخلاق السيِّئة والصِّفات الرديئة، كالتيه وازدراء الآخرين، لذا قيل فِي تَعْرِيفِ التِّيهِ : (هو خلق متولد بين أمرين : إعجابه بنفسه، وإزراؤه بغيره، فيتولَّد من بين هذين التيه) [غذاء الألباب شرح منظومة الآداب] .
3- يدعو إلى إهمال الذنوب ونسيانها، فلا يحدث العبد بعد ذلك توبة .
قال المحاسبي : (يجمع العُجْب خصالًا شتى: يعمى عليه كثير من ذنوبه، وينسى مما لم يعم عليه منها أكثرها، وما ذكر منها كان له مستصغرًا، وتعمى عليه أخطاؤه، وقوله بغير الحق) [الرعاية فى حقوق الله] .
4- يجعل العبد يستعظم أعماله، وطاعاته، ويمنُّ على الله بفعلها .
5- يدعو العبد إلى الاغترار بنفسه، وبرأيه، ويأمن مكر الله، وعذابه، ويظن أنه عند الله بمكان، ولا يسمع نصح ناصح، ولا وعظ واعظ .
6- يمنعه عن سؤال أهل العلم .

7- يحبط العمل، ويفسده، ويذهب به .

حكم العُجْب :
العُجْب كبيرة من كبائر الذنوب التي تستحق غضب الله، ومقته، وعذابه في الدنيا والآخرة .
فهو سجيَّة مذمومة، وطبع سيِّئ مبغوض، قال ابن حزم : (إن العُجْب من أعظم الذنوب وأمحقها للأعمال. فتحفظوا، حفظنا الله وإيَّاكم من العُجْب والرياء) [رسائل ابن حزم] .
ويقول الغزالي : (اعلم أن العُجْب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا " [التوبة: 25] ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال عزَّ وجلَّ : " وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا " [الحشر: 2] فردَّ على الكفَّار في إعجابهم بحصونهم، وشوكتهم، وقال تعالى : " وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا "[الكهف: 104])[إحياء علوم الدين] .

من صور العُجْب :
قد يحصل العُجْب بصفات اضطرارية وقد يحصل بصفات اختيارية، والفرق بينهما أن الصفات الاضطرارية هي ما خلقت في الإنسان ابتداء دون أن يكون له تدخل فيها، كالجمال والنسب وغيرها، أما الاختيارية فهي ما تحصل عليها ببذل مجهود واكتسبها بعد أن لم يكن متصفًا بها، كالعلم والمال والجاه وغيرها. وكلها العُجْب بها مذموم، (ولا فرق بين أن تكون تلك الخصلة التي حصل بها الإعجاب اضطرارية، كجمال، أو فصاحة، أو كثرة عشيرة، أو مال، أو بنين، أم اختيارية، كإقدام، أو كثرة علم، أو طاعة، أو نحو ذلك، فإن العُجْب بذلك كله قبيح شرعًا، ولا أعرف فيه خلافًا) [البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار،لابن المرتضى] .
ونذكر هنا الإعجاب ببعض الصفات الاضطرارية والاختيارية ومنها :
- الإعجاب بالعقل الراجح، والذكاء .
- الإعجاب بالرأي السديد .
- الإعجاب بالعلم وغزارته، والتفوق على الأقران فيه .
- الإعجاب بالشَّجَاعَة، والإقدام، والقوة والبأس .
- الإعجاب بجمال الصورة، وحسن المظهر .
- الإعجاب بالجاه، والمنصب، والرئاسة، والتصدر .
- الإعجاب بالعبادة، والطاعة .
- الإعجاب بما يقدمه من خير، ومنفعة للناس .

من أسباب العُجْب :
1- تولِّي المناصب القيادية، من سلطة أو قضاء، أو إدارة أو إشراف، وغير ذلك من المسؤوليات .
2- التمتع بصفة أو مزيَّة تجعله يتميز عن غيره فيها، سواء كانت هذه الصفة اضطرارية كالجمال، أو فصاحة اللسان، أو النسب، أو العشيرة، أو المال والبنين، أو غيرها، أو كانت تلك الصفة اختيارية، كالعلم، والطاعة، والإقدام، وغيرها .
3- المبالغة في التوقير، والاحترام، من الأتباع، وفي ذلك قاصمة ظهر للمتبوع.
4- قلَّة الورع، والتقوى، وضعف المراقبة لله عزَّ وجلَّ .
5- قلَّة الناصح والموجه، أو فقده بالكلية .
6- عدم التفكر في حال الدنيا، والافتتان بها، وبزخرفها الفاني، بالإضافة إلى اتباع هوى النفس ومتابعتها فيها .
7- الغفلة عن نهاية العُجْب والمعجبين، ومآلهم في الدنيا والآخرة .
8- عدم التأمل في النصوص الشرعية من القرآن والسنة النبوية، الناهية عن هذه السجيَّة القبيحة، الآمرة بضدها من تواضع وخفض جناح .
9- الأمن من مكر الله عزَّ وجلَّ، والركون إلى عفوه ومغفرته .

من علامات العُجْب :
هناك بعض العلامات والأمارات التي تظهر في سلوك المعجب بنفسه منها :
1- تزكية النفس، والرفع من شأنها .
2- عدم سماع النصيحة، والاستعصاء على التوجيه والإرشاد .
3- الفرح بسماع عيوب الآخرين خاصة الأقران .
4- رد الحق والترفع عن الاستجابة لداعيه .
5- احتقار الناس، وتصعير الخد لهم .
6- الاستنكاف عن استشارة العقلاء، والفضلاء .
7- الاختيال والتبختر في المشي .
8- استعظام الطاعة واستكثارها، والمنة على الله بها .
9- المباهاة بالعلم، والتفاخر به، وجعله وسيلة للمماراة والجدل .
10- التباهي بالأحساب والأنساب، واحتقار الناس من أجل ذلك .

من الوسائل المعينة على ترك العُجْب :
يصف ابن حزم علاج العُجْب، ويجعل له علاجًا عامًّا يتداوى به كلُّ من أصيب بهذا الداء العضال، والآفة القاتلة، وهذا العلاج يكمن في التفكر في عيوب النفس، والنظر إلى نقصها وضعفها فيقول : (من امتحن بالعُجْب فليفكِّر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله، فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنية، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنَّه لا عيب فيه، فليعلم أنَّه مصيبة للأبد، وأنَّه أتمُّ الناس نقصًا، وأعظمهم عيوبًا، وأضعفهم تمييزًا... فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها، وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة...
ثم تقول للمعجب : ارجع إلى نفسك، فإذا ميَّزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تميل بين نفسك وبين من هو أكثر منها عيوبًا فتستسهل الرذائل، وتكون مقلدًا لأهل الشرِّ) [رسائل ابن حزم] .
ثم يتكلم ابن حزم عن علاج لبعض الحالات الخاصة من حالات العُجْب ننقلها هنا بتصرف يسير :
- علاج من أعجب بعقله :
(فإن أعجبت بعقلك، ففكر في كلِّ فكرة سوء تمرُّ بخاطرك، وفي أضاليل الأماني الطائفة بك، فإنَّك تعلم نقص عقلك حينئذ .
- علاج من أعجب برأيه :
وإن أعجبت بآرائك، فتفكَّر في سقطاتك، واحفظها ولا تنسها، وفي كلِّ رأي قدرته صوابًا، فخرج بخلاف تقديرك، وأصاب غيرك وأخطأت أنت، فإنَّك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك صوابه، فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك. وهكذا كلُّ أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم .
- علاج من أعجب بما يقدمه من الخير :
وإن أعجبت بخيرك، فتفكَّر في معاصيك، وتقصيرك، وفي معايبك ووجوهها، فوالله لتجدنَّ من ذلك ما يغلب على خيرك، ويعفي على حسناتك، فليطل همك حينئذ من ذلك، وأبدل من العُجْب تنقيصًا لنفسك .
- علاج من أعجب بعلمه :
وإن أعجبت بعلمك، فاعلم أنه لا خصلة لك فيه، وأنه موهبة من الله مجردة، وهبك إياها ربك تعالى، فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت...
واعلم أنَّ كثيرًا من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة، والإكباب على الدرس والطلب، ثم لا يرزقون منه حظًّا، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصحَّ أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا ! ما هذا إلا موضع تواضع، وشكر لله تعالى، واستزادة من نعمه، واستعاذة من سلبها .
ثم تفكر أيضًا، في أنَّ ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم الذي تختص به، والذي أعجبت بنفاذك فيه، أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العُجْب استنقاصًا لنفسك واستقصارًا لها، فهو أولى، وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرًا، فلتهن نفسك عندك حينئذ .
وتفكر في إخلالك بعلمك، فإنك لا تعمل بما علمت منه، فعلمك عليك حجة حينئذ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالـمًا، واعلم أنَّ الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالًا وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية .
ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه، من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها، كالشعر، وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك .
- علاج من أعجب بشجاعته :
وإن أعجبت بشجاعتك، فتفكر فيمن هو أشجع منك، ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها، فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق، لأنك بذلت نفسك فيما ليس بثمن لها، وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخ، وإنك إن عشت فستصير في عداد العيال وكالصبي ضعفًا...
- علاج من أعجب بجاهه :
وإن أعجبت بجاهك في دنياك، فتفكر في مخالفيك، وأندادك، ونظائرك، ولعلهم أخساء، وضعاء، سقاط، فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه، ولعلهم ممن يستحيي من التشبه بهم، لفرط رذالتهم، وخساستهم في أنفسهم، وفي أخلاقهم، ومنابتهم، فاستهن بكل منزلة شارك فيها من ذكرت لك .
إن كنت مالك الأرض كلها ولا خليفة عليك - وهذا بعيد جدًّا في الإمكان- فما نعلم أحدًا ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق مساحته بالإضافة إلى غامرها، فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط...
وإن كنت ملك المسلمين كلهم، فاعلم أنَّ ملك السودان وهو رجل أسود مكشوف العورة جاهل، يملك أوسع من ملكك، فإن قلت أخذته بحقٍّ، فلعمري ما أخذته بحقٍّ إذ استعملت فيه رذيلة العُجْب، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك، فهي حالة لا حالة يجب العُجْب فيها .
- علاج من أعجب بماله :
وإن أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العُجْب، فانظر في كلِّ ساقط خسيس فهو أغنى منك، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت، واعلم أنَّ عجبك بالمال حمق؛ لأنَّه أحجار لا تنتفع بها إلا بأن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط، والمال أيضًا غاد ورائح، وربما زال عنك، ورأيته بعينه في يد غيرك، ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعُجْب بمثل هذا سخف، والثقة به غرور وضعف .
- علاج من أعجب بجماله وحسن منظره :
وإن أعجبت بحسنك، ففكر فيما عليك مما نستحيي نحن من إثباته، وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السنِّ .
- علاج من أعجب بمدح الناس له :
وإن أعجبت بمدح إخوانك لك، ففكر في ذمِّ أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العُجْب، فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيكن ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس الله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله.
فإن استحقرت عيوبك، ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس، وتمثل اطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مسكة من تمييز...
- علاج من أعجب بنسبه :
وإن أعجبت بنسبك، فهذه أسوأ من كلِّ ما ذكرنا؛ لأنَّ هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلًا في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة، أو يستر لك عورة، أو ينفعك في آخرتك .
ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك، وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء عليهم السلام، ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء، ثم ولادة ملوك العجم، من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الإسلام، فتأمل غبراتهم وبقاياهم، ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك، تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلقهم في غاية السقوط والرذالة، والتبذل والتحلي بالصفات المذمومة، فلا تغتبط بمنزلة هم نظراؤك أو فوقك .

- علاج من طلب المدح عجبًا بنفسه :
فإن تعدى بك العُجْب إلى الامتداح، فقد تضاعف سقوطك؛ لأنَّه قد عجز عقلك عن مفارقة ما فيك من العُجْب، هذا إن امتدحت بحق، فكيف إن امتدحت بكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وإبراهيم وسلم، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك .

العُجْب عند الحكماء والأدباء :
- قال ابن المقفع : (العُجْب آفةُ العقل، واللجاجةُ قُعودُ الهوى، والبُخل لقاحُ الحرصِ، والمراءُ فسادُ اللسانِ، والحميةُ سببُ الجهلِ، والأنفُ توأمُ السفهِ، والمنافسة أختُ العداوةِ) [الأدب الصغير والأدب الكبير] .
- وقال أيضًا : (واعلم أن خفضَ الصوتِ، وسكون الريحِ، ومشي القصدِ، من دواعي المودةِ، إذا لم يخالط ذلك بأْو ولا عجبٌ،أما العُجْب فهو من دواعي المقتِ والشنآن) [الأدب الصغير والأدب الكبير] .
- وقال فيلسوف : (العُجْب فضيلة، يراها صاحبها في غيره، فيدعيها لنفسه) [البصائر والذخائر ،لأبى حيان] .
- وقيل لبزرجمهر : (ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها، قال: التواضع، قيل له: فما البلاء الذي لا يرحم عليه صاحبه، قال : العُجْب) [جامع بيان العلم وفضله،لابن عبد البر] .
- وقال أبو عمرو بن العلاء : (الأخلاق المانعة للسؤدد، الكذب، والكبر، والسخف، والتعرض للعيب، وفرط العُجْب) [البصائر والذخائر ،لأبى حيان] .
- تكلم ربيعة الرأي يوما بكلام في العلم فأكثر، فكأن العجب داخله، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه، فقال : ما تعدون البلاغة يا أعرابي ؟ قال : قلة الكلام، وإيجاز الصواب؛ قال: فما تعدون العي ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم. فكأنما ألقمه حجرًا [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
- وكان يقال : (المعجب لحوح، والعاقل منه في مؤونة، وأما العجب فإنه الجهل والكبر) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .


" العُــدْوَان "

ذَمُّ العُدْوَان والنَّهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
حذَّر الإسلام مِن العُدْوَان؛ لأنَّها صفة مذمومة ومقيتة، ونهى عن التَّعاون عليها، وقد وردت آياتٌ تحذِّر مِن العُدْوَان، منها قوله تعالى : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " [المائدة: 2] .
قال الطَّبري : ( " وَالْعُدْوَانِ " يقول : ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم) [جامع البيان] .
- قال تعالى : " وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [المائدة: 62] .
قال ابن كثير : (أي : يبادرون إلى ذلك مِن تعاطي المآثم والمحارم، والاعتداء على النَّاس، وأكلهم أموالهم بالباطل " لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " أي : لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم) [تفسير القرآن العظيم] .
- قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " [المائدة: 87] .
قال السعدي : (والله قد نهى عن الاعتداء فقال : " وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك) [تيسير الكريم الرحمن] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن عائشة قالت : ((أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أناس مِن اليهود، فقالوا : السَّام عليك يا أبا القاسم، قال : وعليكم، قالت عائشة : قلت : بل عليكم السَّام والذَّام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة لا تكوني فاحشة، فقالت : ما سمعتَ ما قالوا ؟ فقال : أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا ؟ قلتُ : وعليكم)) [رواه البخارى ومسلم] .
والمراد بالفحش هنا هو : (عُدْوَان الجواب) [القاموس المحيط ،للفيروز آبادى] .
- عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((المستبَّان ما قالا، فعلى البادئ، ما لم يعتد المظلوم)) [رواه مسلم] .
قال النَّوويُّ : (معناه أنَّ إثم السُّباب الواقع مِن اثنين مختصٌّ بالبادئ منهما كلُّه، إلَّا أن يتجاوز الثَّاني قدر الانتصار، فيقول للبادئ أكثر ممَّا قال له) [شرح النووى على صحيح مسلم] .

أقوال السَّلف والعلماء في العُدْوَان :
- عن أيوب قال : (مَرَّ ابن عمر برجل يكيل كيلًا كأنَّه يعتدي فيه، فقال له : ويحك ! ما هذا ؟ فقال له : أمر الله بالوفاء، قال ابن عمر : ونهى عن العُدْوَان) [رواه عبد الرزاق فى المصنف] .
- عن ابن الحنفيَّة قال : (دخل علينا ابن ملجم الحمَّام وأنا وحسن وحسين جلوسٌ في الحمَّام، فلمَّا دخل كأنَّهما اشمأزَّا منه، وقالا : ما أجرأك تدخل علينا ! قال فقلت لهما : دعاه عنكما، فلعمري ما يريد بكما أحشم مِن هذا، فلمَّا كان يوم أُتِي به أسيرًا، قال ابن الحنفيَّة : ما أنا اليوم بأعرف به منِّي يوم دخل علينا الحمَّام، فقال عليٌّ : إنَّه أسيرٌ فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه، فإن بَقِيتُ قتلتُ أو عفوت، وإن متُّ فاقتلوه قِتْلَتِي ولا تعتدوا؛ إنَّ الله لا يحبُّ المعتدين) [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .
- عن الرَّبيع قال : (سمعت الشَّافعي يقول : أنفع الذَّخائر التَّقوى، وأضرُّها العُدْوَان) [رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء] .
- كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له : (بئس الزَّاد إلى المعاد العُدْوَانُ على العباد) [التذكرة الحمدونية،لابن حمدون] .

من آثار العُدْوَان :

1- توعُّد المعتدي بدخول النَّار :
قال تعالى : " أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ " [ق: 24-25] .
(قال لمن استحق النار : " أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ " أي : كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم " مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ " أي : يمنع الخير الذي عنده الذي أعظمه، الإيمان بالله وملائكته وكتبه، ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه " مُعْتَدٍ "على عباد الله، وعلى حدوده " مُّرِيبٍ " أي : شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب، والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .
2- المعتدي بعيد عن محبَّة الله والقرب منه :
قال تعالى : " ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " [الأعراف: 55] .
قال الطبري : (وأما قوله : " إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " [الأعراف: 55] فإن معناه : إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حده الذي حده لعباده في دعائه ومسألته ربه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حد لهم في دعائهم إياه ومسألتهم وفي غير ذلك من الأمور) [جامع البيان للطبرى] .
3- المعتدي على مال الغير دمه هدر :
نقل القرطبي عن أهل العلم قوله : (قال علماؤنا : ويُنَاشَد اللِّصُّ بالله تعالى، فإن كفَّ تُرِك، وإن أَبَى قُوتِل، فإن أنت قتلته فشَرُّ قتيلٍ، ودمه هدرٌ) [الجامع لأحكام القرآن] .

من صور العُدْوَان :
1- القتل :
مِن صور العُدْوَان قتل النَّفس بغير حقٍّ، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا " [النِّساء: 29-30] .
قال السعدي : (لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك " إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .
2- أكل مال الغير بغير حقٍّ :
سواء بالسَّرقة أو الغصب أو النَّهب أو الاختلاس والاحتيال..، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا " [النِّساء: 29-30] .
يقول ابن كثير : (نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي : بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا) [تفسير القرآن العظيم] .

3- العُدْوَان على الأعراض :
قال صلى الله عليه وسلم : ((فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحُرمة يومكم هذا)) [رواه البخارى ومسلم] .
ويشمل التَّعدِّي على الأعراض : الغيبة والسَّبَّ والشَّتم والقذف وغير ذلك .

من أسباب الوقوع في العُدْوَان :
1- مخالفة أوامر الله :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " [البقرة: 178] .
2- اتَّباع الهوى :
قال تعالى : " وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ " [الأنعام: 119] .
يقول ابن كثير : (بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى : " فقال وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ " أي : هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم) [تفسير القرآن العظيم] .

3- الكراهية والبغضاء .

الملامح الأساسيَّة للشَّخصيَّة العُدْوَانيَّة :
يرى الأطباء النَّفسانيون أنَّ هناك سلوكيات يُعْرَف به الشَّخص العُدْوَاني مِن غيره، وهذه السُّلوكيَّات كالتَّالي :
1- المماطلة، حيث التَّأخير في إنجاز الأشياء التي يجب أداؤها .
2- سرعة التَّهيج، والمجادلة وعبوس الوجه، والتَّجهُّم عندما يطلب منه أن يؤدِّي عملًا غير مرغوب لديه .
3- يتعمَّد العمل ببطء أو بدون إتقان في المهام التي لا يريدها .
4- يحتجُّ كثيرًا دون تبرير بأنَّ النَّاس تطلب أشياء غير معقولة .

الوسائل المعينة على ترك العُدْوَان :
1- طاعة أوامر الله عزَّ وجلَّ .
2- البعد عن الهوى وزلَّات النَّفس .
3- تذكُّر الموت والعاقبة .
4- التَّضرُّع والدُّعاء .
5- البعد عن الوساوس في جميع أموره .
6- البعد عن المنافسة غير الشَّريفة .


" الغــدر "

ذم الغدر والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ " [النحل: 94] .
(أي : تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتم - خديعةً، وغرورًا، ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر، وترك الوفاء بالعهد، والنَّقلة إلى غيرهم، من أجل أنهم أكثر منهم عَددًا وعُددًا وأعز نفرًا، بل عليكم بالوفاء بالعهود، والمحافظة عليها في كل حال) [تفسير المراغى] .
وقال ابن زيد، في قوله : " تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ " [النحل: 92] يغر بها، يعطيه العهد، يؤمنه وينزله من مأمنه، فتزل قدمه وهو في مأمن، ثم يعود يريد الغدر، " دَخَلاً بَيْنَكُمْ " [النحل: 92] قال قتادة : خيانة وغدرًا [جامع البيان،للطبرى] .
قال ابن كثير : (...لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده، ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فانصدَّ بسببه عن الدخول في الإسلام) [تفسير القرآن العظيم] .
- قال تعالى : " وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ " [النحل: 91] .
قال الطبري : (إنَّ الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان، بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحق مما لا يكرهه الله) [جامع البيان فى تأويل آى القرآن] .
قال الماوردي : (لا تنقضوها بالغدر، بعد توكيدها بالوفاء) [النكت والعيون] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) [رواه البخارى] .
قال المناوي : (وإذا عاهد غدر) أي : نقض العهد [فيض القدير] .
وقال العظيم آبادي : (وإذا عاهد غدر) أي : نقض العهد وترك الوفاء بما عاهد عليه [عون المعبود] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((قال الل ه: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره)) [رواه البخارى] .
قال المهلب : قوله : ((أعطى بي ثم غدر)) يريد : نقض عهدًا عاهده عليه [شرح صحيح البخارى ،لابن بطال] .
وقال المناوي : (... ((ثم غدر)) أي : نقض العهد الذي عاهد عليه؛ لأنَّه جعل الله كفيلًا له فيما لزمه من وفاء ما أعطى، والكفيل خصم المكفول به للمكفول له) [فيض القدير] .

أقوال السلف والعلماء في الغدر :
- قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : (الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جُنَّة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع،ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كَيسًا ، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله ؟ قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونها مانع من الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا خريجة له في الدين) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار،للزمخشرى] .
- وقال أيضًا : (إذا كان الغدر طبعًا، فالثقة بكل أحد عجز) [المستطرف ،للأبشيهى] .
- وقال عديُّ بن حاتم : (أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلًا رجلًا ويسمِّيهم،فقلت : أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عديُّ : فلا أبالي إذًا) [رواه البخارى] .

- وقال ابن حزم : (الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم، وهو المسلاة حقًّا، ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان، ناسيًا أو متصبرًا، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه) [طوق الحمامة،لابن حزم] .

من آثار الغدر :
1- قسوة القلب :
لقد كانت قسوة القلب سمة بارزة في أهل الكتاب، لاسيما اليهود لكثرة نقضهم العهد والمواثيق، قال تعالى : " فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " [المائدة: 13-14] .

2- تحمل الجزاء المترتب على الغدر :
ذلك أنَّ الغدر يؤدي إلى خسائر بدنية أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية وقد تكون هذه جميعًا، ولابد من ضمان التلف في جزاء يتولاه ولي الأمر أو نائبه، أو تتولاه الرعية حين يغدر ولي الأمر، فيضيع من هم في رعايته .
3- براءة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الغدر :
ذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاء بمنهاج يدعو إلى الوفاء مع الخالق، والمخلوق، ومع العدو، والصديق، بل حتى مع الدواب، والجمادات، ثم طبق ذلك عمليًّا على نفسه حين استبقى عليًّا مكانه في فراشه ليلة الهجرة، ليرد الودائع إلى أصحابها، ووفى بعهده مع اليهود، لولا أنهم غدروا، ووفى مع المشركين في مكة والطائف وغيرهما، لولا غدرهم وخيانتهم .
4- حلول اللعنة على الغادر من الله، والملائكة، والناس أجمعين :
ذلك أن الله يغار حين يرى العبد أكل نعمته، ثم غدر فاستخدمها في معصيته وحربه، وتمثل هذه الغيرة في حلول اللعنة، ومعه سبحانه الملائكة، والناس أجمعين برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم .
5- الانتظام في سلك المنافقين :
ذلك أنَّ الغادر أظهر شيئًا في الوقت الذي أبطن فيه خلافه، ومثل هذا الصنف من الناس يجب توقيه، والحذر منه؛ لأنه لم يعد محل ثقة ولا أمانة، إذ يظهر الموافقة على العهود والالتزام، ثم يخفي النقض والغدر .

من صور الغدر :

لغدر صور كثيرة، نذكر منها ما يلي [آفات على الطريق،لسيد محمد نوح،بتصرف] :

1- نقض العهد الذي أخذ الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره، إذ يقول سبحانه : " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ " [الأعراف: 172-173] .
2- نقض العهد الذي وصى الله به خلقه، من فعل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأفعال، وترك ما لا يحبه الله ولا يرضاه، من الأقوال، والأفعال، والذي تضمنته كتبه المنزلة، وبلغه رسله عليهم الصلاة والسلام، ومعنى نقض هذا العهد ترك العمل به .
3- نقض العهد المأخوذ على بني آدم من النظر في أدلة وحدانيته، وكمالاته المنصورة في الكون، وفي النفس، والذي تحدث به عنه رب العزة في قوله تعالى : " وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ " [الذاريات:20-21] .
4- نقض العهد الذي أخذه الله على النبيين وأتباعهم أن يؤمنوا بهذا النبي، وأن ينصروه، وذلك في قوله سبحانه : " وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " [آل عمران: 81-82] .
5- نقض العهد الذي للإمام ونائبه على المسلمين، من وجوب الطاعة في المعروف، ونصرة دين الله عزَّ وجلَّ، دون مبرر شرعي يقتضي ذلك .

من أسباب الوقوع في الغدر :
1- ضعف التربية وفساد البيئة .
2- حب الكفار وموالاتهم .
3- صحبة الذين اشتهروا بالغدر .
4- ضعف الإيمان بالله .

من الوسائل المعينة على ترك الغدر :
1- تقوية الإيمان بالله تعالى .
2- البعد عن أصدقاء السوء ومجالسة أهل الصلاح .
3- التأمل في الآثار الوخيمة للغدر على الفرد والمجتمع .
4- تدبر الآيات القرآنية التي حذرت من الغدر، وعدم الوفاء .

من أقوال الحكماء :
- قالوا : الغالب بالغدر مغلول، والناكث للعهد ممقوت مخذول [نهاية الأرب فى فنون الأدب،للنويرى] .
- وقالوا : لا عذر في الغدر، والعذر يصلح في كلِّ المواطن، ولا عذر لغادر ولا خائن [نهاية الأرب فى فنون الأدب،للنويرى] .
- (وفي بعض الكتب المنزَّلة : إنَّ مما تعجَّل عقوبته من الذنوب، ولا يؤخر، الإحسان يُكفر، والذِّمة تُخفر [نهاية الأرب فى فنون الأدب،للنويرى] .
- من عاشر الناس بالمكر كافؤوه بالغدر [مجمع الأمثال ،للميدانى] .
- وقالوا : الغدر ضامن العثرة، قاطع ليد النُّصرة [نهاية الأرب فى فنون الأدب،للنويرى] .
- كان يقال :لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء، واتضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار،للزمخشرى] .


" الغــش "

ذم الغش والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ " [النحل: 92] .
قال الواحدي : (الدخل والدغل : الغش والخيانة، قال الزجاج : غشًّا ودغلًا) [التفسير الوسيط] .
وقال الماوردي : (الدخل : الغل والغش) [النكت والعيون] .
- قوله تعالى : إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا " [النساء:58] .
من الأمانة (أمانة العبد مع الناس، ومن ذلك رد الودائع إلى أربابها وعدم الغش وحفظ السر ونحو ذلك) [تفسير المراغى] .
(والأمانة حقٌّ عند المكلف، يتعلَّق به حقُّ غيره، ويُودِعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير؛ كالمال والعلم، سواء كان المودَع عنده ذلك الحق، قد تَعاقَد مع المودِع على ذلك بعقد قولي خاص صرَّح فيه... أم لم يكن كذلك، فإنَّ ما جرى عليه التعامُل بين الناس في الأمور العامَّة هو بمثابة ما يَتعاقَد عليه الأفراد في الأمور الخاصة) [تفسير المنار،لمحمد رشيد رضا] .
- " وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ " [المائدة: 13] .
قال الواحدي : (أي : على خيانة، قال مقاتل : يعني بالخيانة : الغش للنبي صلى الله عليه وسلم) [التفسير الوسيط] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرةطعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال : ((ما هذا يا صاحب الطَّعام ؟ قال : أصابته السَّماء يا رسول الله، قال : أفلا جعلته فوق الطَّعام كي يراه النَّاس ؟ من غشَّ فليس منِّي)) [رواه مسلم] .
قال الخطَّابي : (معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أنَّ من غشَّ أخاه وترك مناصحته، فإنَّه قد ترك اتباعي والتمسك بسنَّتي) [معالم السنن] .
وقال القاضي عياض : (معناه بيِّن في التحذير من غشِّ المسلمين، لمن قلده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم) [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،للنووى] .
وقال العظيم آبادي : (والحديث دليلٌ على تحريم الغشِّ، وهو مُجمَع عليه) [عون المعبود شرح سنن أبى داود] .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام، لا سمراء)) [رواه مسلم] .
قال ابن عبد البر : (وهذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وأصل فيمن دلَّس عليه بعيب، أو وجد عيبًا بما ابتاعه، أنه بالخيار في الاستمساك أو الرد) [التمهيد] .
وقال الأمير الصنعاني : (الحديث أصل في النَّهي عن الغش، وفي ثبوت الخيار لمن دلَّس عليه) [سبل السلام] .

أقوال السلف والعلماء في الغش :
- قال ابن عباس رضي الله عنهما : (لا يزال الرَّجل يزداد في صحَّة رأيه ما نصح لمستشيره، فإذا غشَّه سلبه الله نصحه ورأيه) [الذريعة إلى مكارم الشريعة،للراغب الأصفهانى] .
- وقال الراغب : (لا يلتفتنَّ إلى من قال: إذا نصحت الرَّجل فلم يقبل منك فتقرَّب إلى الله بغشِّه، فذلك قول ألقاه الشَّيطان على لسانه، اللهمَّ إلَّا أن يريد بغشِّه السُّكوت عنه، فقد قيل : كثرة النَّصيحة تورث الظَّنَّة، ومعرفة النَّاصح من الغاشِّ صعبة جدًّا، فالإنسان - لمكره - يصعب الاطِّلاع على سرِّه، إذ هو قد يبدي خلاف ما يخفي، وليس كالحيوانات الَّتي يمكن الاطِّلاع على طبائعها) [الذريعة إلى مكارم الشريعة،للراغب الأصفهانى] .
- (وكان جرير بن عبد الله إذا قام إلى السلعة يبيعها بصَّر عيوبها ثم خيَّره، وقال : إنْ شئت فخذ، وإنْ شئت فاترك، فقيل له : إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم) [رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى] .
- (وكان واثلة بن الأسقع واقفًا؛ فباع رجل ناقة له بثلاثمائة درهم، فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة؛ فسعى وراءه وجعل يصيح به : يا هذا أشتريتها للحم أو للظهر ؟ فقال : بل للظهر، فقال : إن بخفها نقبًا قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها فنقصها البائع مائة درهم، وقال لواثلة : رحمك الله أفسدت عليَّ بيعي، فقال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .

- وباع ابن سيرين شاة فقال للمشتري: (أبرأ إليك من عيب فيها، أنها تقلِّب العلف برجلها) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .

من آثار الغش :
1- براءة النبي صلى الله عليه وسلم من مرتكب جريمة الغش .
2- الغاش بعيد عن الناس بعيد عن الله .
3- الغاش قليل التحصيل، دنيء الهمة .
4- الغاش متهاون بنظر الله إليه .
5- الغاش مرتكب كبيرة من الكبائر المحرمة .
6- الغاش ممحوق البركة .
7- الغش خيانة للأمانة التي كلف الإنسان بحملها .
8- الغش دليل ضعف الإيمان .
9- الغش سبب من أسباب الفرقة بين المسلمين .
10- الغش طريق موصل للنار .

حكم الغش :
لا شك أن الغش حرام، وبعض العلماء مثل الذهبي عدُّوه كبيرة من كبائر الذنوب [الكبائر] .
قال ابن حجر الهيتمي : (... فذلك أعني ما حكي من صور ذلك الغش التي يفعلها التجار، والعطَّارون، والبزَّازون، والصوَّاغون، والصَّيارفة، والحيَّاكون، وسائر أرباب البضائع، والمتاجر، والحرف، والصنائع، كله حرام شديد التحريم، موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش، خائن يأكل أموال الناس بالباطل، ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه، لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه) [الزواجرعن اقتراف الكبائر] .
وقال الغزالي : (والغش حرام في البيوع والصنائع جميعًا، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة، ويحكمها ثم يبيِّن عيبها إن كان فيها عيب، فبذلك يتخلص) [إحياءعلوم الدين] .

من أنواع الغش وصوره :
1- الغش في البيع والشراء وغيرها من المعاملات المالية :
كأن يَحصُل الشخص على المال بطرق محرمة، إمَّا عن طريق الكذب، أو كتمان عيب السلعة، أو البخس في ثمنها، أو التطفيف في وزنها، أو خلط الجيِّد بالرديء، وغيرها من الطرق المحرمة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال : ((ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني)) .
قال ابن حجر الهيتمي مبينًا هذا النوع من الغش في البيع والشراء : (الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع، أو مشتر فيها شيئًا، لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل) [الزواجرعن اقتراف الكبائر] .

2- الغش في القول :
وذلك عند إدلاء الشاهد بالشهادة، فيشهد بشهادة فيها زور وبهتان وكذب، ونحو ذلك .

3- عدم الوفاء بالعقود :
كالعقود التي تعمل في الإنشاءات والمقاولات، وغيرها من المعاملات التي أبرمت فيها العقود، فعدم الوفاء بها يعتبر من الغش المحرم، والله سبحانه يأمر بالوفاء وعدم الغش حيث يقول : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " [المائدة: 1] .
4- ومن صور الغش أيضًا : ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الإنكار على الأصحاب والأقارب محاباة لهم ومداهنة .
فحق هؤلاء على المسلم أن ينصحهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فإن لم يفعل فقد غشهم .

من الأسباب المؤدية إلى الغش :
هناك أسباب كثيرة تحمل الإنسان أن يغش ومن هذه الأسباب :
1- ضعف الإيمان بالله، وقلة الخوف منه .
2- جهل الفرد بحرمة الغش، وأنه من الكبائر .
3- عدم الإخلاص لله في العمل .
4- شدة الحرص، وطلب الأموال من أي طريق كان .
5- عدم تطبيق الأحكام لمعاقبة مرتكبي جريمة الغش .

من الأسباب المعينة على ترك الغش :
1- الابتهال والتضرع إلى الله بالدعاء بأن يغنيه الله بحلاله عن حرامه .
2- إخلاص العمل لله جل وعلا .
3- تفعيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
4- تربية الفرد تربية سليمة قائمة على الالتزام بأحكام الشرع وآدابه .
5- تقوية الثقة بالله، واستشعار مراقبته .
6- زيارة القبور وتذكر الموت واليوم الآخر .
7- الصبر في تحصيل الرزق الحلال بالوسائل المباحة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:40 am


" الغَضَــب "

النهي عن الغَضَب في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال : ((لا تغضب، فردد مرارًا، قال : لا تغضب)) [رواه البخارى] .
قال الخطابي : (معنى قوله : ((لا تغضب)) اجتنب أسباب الغَضَب، ولا تتعرَّض لما يجلبه) [فتح البارى،لابن حجر] .
وقال ابن التين : (جمع صلى الله عليه وسلم في قوله : ((لا تغضب)) خير الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الغَضَب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه، فينتقص ذلك من الدين) [فتح البارى،لابن حجر] .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((ليس الشَّديد بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغَضَب)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال ابن بطال : (أراد عليه السلام أن الذي يقوى على ملك نفسه عند الغضب ويردها عنه هو القوى الشديد والنهاية في الشدة لغلبته هواه المردي الذي زينه له الشيطان المغوي، فدل هذا أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأن النبي عليه السلام جعل للذي يمكل نفسه عند الغضب من القوة والشدة ماليس للذي يغلب الناس ويصرعهم) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .

أقوال السلف والعلماء في الغَضَب :
- قال عمرُ بنُ عبد العزيز : (قد أفلحَ مَنْ عُصِمَ من الهوى، والغَضَب، والطمع) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .
- وقال الحسن : (أربعٌ، من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة، والرهبة، والشهوةِ، والغَضَب) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .
- (وحكي أن الفضيل بن عياض كان إذا قيل له : إنَّ فلانًا يقع في عرضك، يقول : والله لأغيظنَّ مَن أمره، يعني : إبليس، ثم يقول : اللهم إن كان صادقًا فاغفر لي، وإن كان كاذبًا فاغفر له .
- وقال جعفر بنُ محمد : الغَضَبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ) [جامع العلوم والحكم،لابن رجب] .
- وقال عبد الملك بن مروان : (إذا لم يغضب الرجل لم يحلم؛ لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغَضَب) [روضة العقلاء ،لابن حبان البستى] .
- وقيل لابنِ المبارك : (اجْمَعْ لنا حُسنَ الخلق في كلمة، قال : تركُ الغَضَب) جامع العلوم والحكم،لابن رجب] .
- وقال الحسن : (المؤْمن حَليم لا يَجهل وإن جُهل عليه، وتلا قولَ الله عزَّ وجلَّ : " وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا " [الفرقان: 63]) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .

من آثار الغَضَب :
لا شكَّ أنَّ الغَضَب له آثار سيئة على نفس الغاضب، في مظهره، وفي لسانه؛ بأن ينطق كل قبيح، وله آثاره السيئة على المجتمع الذي من حوله :
(ومن آثار هذا الغَضَب في الظاهر، تغير اللون، وشدَّة رعدة الأطراف، وخروج الأفعال عن الانتظام، واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزَّبد على الأشداق، وتشتد حمرة الأحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة، ولو يرى الغَضَبان في حال غضبه صورة نفسه، لسكن غضبه حياءً من قبح صورته، لاستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإنَّ الظَّاهر عنوان الباطن، إذ قبح ذاك إنما نشأ عن قبح هذا، فتغيُّر الظاهر ثمرة تغير الباطن، هذا أثره في الجسد .
وأما أثره في اللسان؛ فانطلاقه بالقبائح، كالشتم، والفحش، وغيرهما، مما يستحي منه ذَوُو العقول مطلقًا، وقائله عند فتور غضبه على أنَّه لا ينتظم كلامه، بل يتخبَّط نظمه، ويضطرب لفظه .
وأما أثره في الأعضاء، فالضرب فما فوقه إلى القتل عند التمكن، فإن عجز عن التشفي رجع غضبه عليه، فمزَّق ثوبه، وضرب نفسه وغيره، حتى الحيوان والجماد - بالكسر - وغيره، وعدَا عدو الواله السكران، والمجنون الحيران، وربما سقط وعجز عن الحركة، واعتراه مثل الغشية، لشدة استيلاء الغَضَب عليه .
وأما أثره في القلب، فالحقد على المغضوب عليه، وحسده، وإظهار الشماتة بمساءته، والحزن بسروره، والعزم على إفشاء سره، وهتك ستره، والاستهزاء به، وغير ذلك من القبائح) [الزواجرعن اقتراف الكبائر] .

أقسام الغَضَب :
ينقسم الغَضَب إلى قسمين : غضب مذموم، وغضب ممدوح .
1- الغَضَب المذموم :
وهو الذي نُهي عنه وذُمَّ في الأحاديث التي وردت وهو خلق سيئ؛ (لأنه يخرج العقل والدين من سياستهما، فلا يبقى للإنسان مع ذلك نظرٌ، ولا فكرٌ، ولا اختيار) [مختصر منهاج القاصدين،لابن قدامة] .
2- الغَضَب المحمود :
وهو أن يكون لله عزَّ وجلَّ عند ما تنتهك حرماته، والغَضَب على أعدائه؛ من الكفَّار، والمنافقين، والطَّغاة، والمتجبِّرين، وقد ذكر القرآن ذلك للرُّسل الكرام في مواضع عديدة، ووردت أحاديث كثيرة تدل على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب لله عزَّ وجلَّ، قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ " [التوبة:73] .
قال الكلاباذي في قوله تعالى حكاية عن موسى : " مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي " [طه: 92 -93] قال : (فكانت تلك الحدَّة منه، والغَضَب فيه صفة مدح له، لأنَّها كانت لله وفي الله، كما كانت رأفة النَّبي صلى الله عليه وسلم ورحمته في الله ولله، ثم كان يغضب حتى يحمرَّ وجهه، وتذَرَّ عروقه لله وفي الله، وبذلك وصف الله تعالى المؤمنين بقوله " : أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ " [الفتح:29] وقال تعالى : " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ " [المائدة: 54]) [معانى الأخبار] .

من أسباب الغَضَب :
من أسباب الغَضَب : (العُجب، والافتخار، والمراء، واللجاج، والمزاح، والتيه، والضيم، والاستهزاء، وطلب ما فيه التنافس، والتحاسد، وشهوة الانتقام) (والمضادة، والغدر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهذه أخلاق رديئة مذمومة شرعًا) [مختصر منهاج القاصدين،لابن قدامة] .
(ومن أشد البواعث على الغَضَب عند أكثر الجهال؛ تسميتهم الغَضَب شجاعةً، ورجوليةً، وعزة نفس، وكبر همَّة، وتلقيبه بالألقاب المحمودة، غباوةً وجهلًا، حتى تميل النفس إليه وتستحسنه، وقد يتأكد ذلك بحكاية شدَّة الغَضَب عن الأكابر في معرض المدح بالشَّجَاعَة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر، فيهيج الغَضَب إلى القلب بسببه، وتسمية هذا عزة نفس، وشجاعة، جهلٌ، بل هو مرض قلب، ونقصان عقل، وهو لضعف النفس، ونقصانها) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
من الأسباب المعينة على ترك الغضب :

1- الالتزام بوصية النَّبي صلى الله عليه وسلم في عدم الغضب .

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ((قلت : يا رسول الله، دلَّني على عمل يدخلني الجنَّة، قال : لا تغضب)) [صححه لغيره الألبانى فى صحيح الترغيب] .

2-ضبط النَّفس عن الاندفاع بعوامل الغَضَب .

- (أن يذكر الله عزَّ وجلَّ فيدعوه ذلك إلى الخوف منه، ويبعثه الخوف منه على الطاعة له، فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه :
قال الله تعالى : " وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ " [الكهف: 24] قال عكرمة : يعني إذا غضبت، وقال سبحانه : " وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: 200]، ومعنى قوله ينزغنك أي : يغضبنك " فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [فصلت: 36] يعني أنَّه سميع بجهل من جهل، عليمٌ بما يُذهب عنك الغَضَب...
3- أن يتذكر ما يؤول إليه الغَضَب من الندم ومذمة الانتقام .

4- (أن يحذر نفسه عاقبة العداوة، والانتقام، وتشمير العدو في هدم أعراضه، والشماتة بمصائبه، فإن الإنسان لا يخلو عن المصائب، فيخوِّف نفسه ذلك في الدنيا إن لم يخف في الآخرة .
5- أن يتفكَّر في قبح صورته عند الغَضَب .
6- أن يتفكَّر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، مثل أن يكون سبب غضبه أن يقول له الشيطان : إن هذا يحمل منك على العجز، والذلة والمهانة، وصغر النفس، وتصير حقيرًا في أعين الناس، فليقل لنفسه : تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك ! وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين !

نماذج من غضب النَّبي صلى الله عليه وسلم عندما تنتهك حرمات الله :
النَّبي صلى الله عليه وسلم ما كان يغضب لنفسه، وما كان ينتصر لها، بل كان غضبه لله وحينما تنتهك حرماته .
وإليكم نماذج من غضب النَّبي صلى الله عليه وسلم عندما تنتهك حرمات الله .
- عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((دخل عليَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي البيت قرام فيه صور، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، وقالت قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : من أشد النَّاس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال : ((أتى رجل النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، قال : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قطُّ أشد غضبًا في موعظة منه يومئذ، قال : فقال يا أيُّها الناس، إنَّ منكم منفِّرين، فأيُّكم ما صلى بالنَّاس فليتجوز فإنَّ فيهم المريض، والكبير، وذا الحاجة)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن عبد الله، رضي الله عنه قال : ((بينا النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بيده، فتغيَّظ ثم قال : إنَّ أحدكم إذا كان في الصلاة فإنَّ الله حيال وجهه، فلا يتنخمنَّ حيال وجهه في الصلاة)) [رواه البخارى] .

- وعن عائشة رضي الله عنها ((أنَّها قالت : رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، فتنزَّه عنه ناس من النَّاس، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم، فغضب حتَّى بان الغَضَب في وجهه، ثمَّ قال : ما بال أقوام يرغبون عمَّا رخِّص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدَّهم له خشيةً)) [رواه مسلم] .

نماذج من أحوال الصحابة عند الغَضَب :
عمر رضي الله عنه :
روي أن رجلًا قال لعمر : (إنَّك لا تقضي بالعدل، ولا تعطي الحق، فغضب واحمرَّ وجهه، قيل له : يا أمير المؤمنين، ألم تسمع أنَّ الله يقول : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " [الأعراف: 199] وهذا جاهل، فقال : صدقت، فكأنما كان نارًا فأطفئت) [رواه البخارى] .
معاوية رضي الله عنه :
(خطب معاوية يومًا، فقال له رجل : كذبت، فنزل مغضبًا فدخل منزله، ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماءً، فصعد المنبر فقال : أيها الناس، إن الغَضَب من الشيطان، وإن الشيطان من النَّار، فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء، ثم أخذ في الموضع الذي بلغه من خطبته) [رواه تبن قتيبة فى عيون الأخبار] .
أبو الدَّرداء رضي الله عنه :
أسمعَ رجلٌ أبا الدرداءَ رضي الله عنه كلامًا، فقال : يا هذا، لا تغرقن في سبِّنا، ودع للصلح موضعًا، فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .

نماذج من حال السلف عند الغَضَب :

علي بن الحسين :
حُكيَ أنَّ جارية كانت تصبُّ الماء لعلي بن الحسين، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجَّه، أي: جرحه، فرفع رأسه إليها، فقالت له : إنَّ الله يقول : " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ " فقال لها : قد كظمت غيظي، قالت : " وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " قال لها : قد عفوت عنك، قالت : " وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمران: 134] قال : اذهبي فأنت حرَّة لوجه الله .
عمر بن عبد العزيز :
(أسمعه رجل كلامًا، فقال له : أردتَ أن يستفزني الشيطان بعزِّ السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا، انصرف رحمك الله) [عيون الأخبار ،لابن قتيبة] .
دخل عمر بن عبد العزيز المسجد ليلة في الظلمة، فمرَّ برجل نائم فعثر به، فرفع رأسه وقال : أمجنون أنت ؟ فقال عمر : لا، فهمَّ به الحرس، فقال عمر : مه، إنما سألني أمجنون ؟ فقلت : لا [الطبقات الكبرى،لابن سعد] .
المهدي :
(قيل : غضب المهدي على رجل، فدعا بالسياط، فلمَّا رأى شبيب شدَّة غضبه، وإطراق الناس، فلم يتكلموا بشيء، قال : يا أمير المؤمنين، لا تغضبنَّ لله بأشد مما غضب لنفسه،فقال : خلُّوا سبيله) [مختصر منهاج القاصدين،لابن قدامة] .


" الغِيبَـــة "

ذم الغِيبة والنهي عنها :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات:12] .
قال الشوكاني : (فهذا نهي قرآني عن الغِيبة، مع إيراد مثل لذلك، يزيده شدَّةً وتغليظًا، ويوقع في النفوس من الكراهة والاستقذار لما فيه ما لا يقادر قدره، فإنَّ أكل لحم الإنسان من أعظم ما يستقذره بنو آدم جبلةً وطبعًا، ولو كان كافرًا أو عدوًّا مكافحًا، فكيف إذا كان أخًا في النسب، أو في الدين ؟! فإنَّ الكراهة تتضاعف بذلك، ويزداد الاستقذار فكيف إذا كان ميِّتًا ؟! فإن لحم ما يستطاب ويحل أكله يصير مستقذرًا بالموت، لا يشتهيه الطبع، ولا تقبله النفس، وبهذا يعرف ما في هذه الآية من المبالغة في تحريم الغِيبة، بعد النهي الصريح عن ذلك) [الفتح الربانى] .
- وقال تعالى : " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ " [الهمزة: 1] .
قال مقاتل بن سليمان : " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ " يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اغتابه من خلفه) [تفسير مقاتل بن سليمان] .
(وقال قتادة : يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .
ثانيًا : في السُّنة النَّبَويَّة :
- عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) [رواه مسلم] .
قال الغزالي : (اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام) [إحياء علوم الدين] .
- وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنَّه قال : ((مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال : إنَّهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثُمَّ قال : بلى، أمَّا أحدهما : فكان يسعى بالنَّمِيمَة، وأما الآخر : فكان لا يستتر من بوله، قال : ثُمَّ أخذ عودًا رطبًا، فكسره باثنتين، ثُمَّ غرز كل واحد منهما على قبر، ثُمَّ قال : لعله يُخفف عنهما مالم ييبسا..)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال العيني : (الترجمة مشتملة على شيئين : الغِيبة والنَّمِيمَة، ومطابقة الحديث للبول ظاهرة، وأما الغِيبة فليس لها ذكر في الحديث، ولكن يوجه بوجهين، أحدهما : أنَّ الغِيبة من لوازم النَّمِيمَة؛ لأنَّ الذي ينمُّ ينقل كلام الرَّجل الذي اغتابه، ويقال : الغِيبة والنَّمِيمَة أختان، ومن نمَّ عن أحد فقد اغتابه، قيل : لا يلزم من الوعيد على النَّمِيمَة ثبوته على الغِيبة وحدها، لأنَّ مفسدة النَّمِيمَة أعظم وإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق، قلنا : لا يلزم من اللحاق وجود المساواة، والوعيد على الغِيبة التي تضمنتها النَّمِيمَة موجود، فيصح الإلحاق لهذا الوجه، الوجه الثاني : أنه وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ الغِيبة، وقد جرت عادة البخاري في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث) [عمدة القارى شرح صحيح البخارى،للعينى].
أقوال السلف والعلماء في الغِيبة :
- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنَّه مرَّ على بغل ميِّت، فقال لبعض أصحابه : (لأنْ يأكل الرَّجل من هذا حتَّى يملأ بطنه، خيرٌ له من أنْ يأكل لحم رجل مسلم) [الترغيب والترهيب للمنذرى] .
- وعن يحيى بن الحصين عن طارق قال : (دار بين سعد بن أبي وقاصٍ وبين خالد بن الوليد كلامٌ، فذهب رجلٌ ليقع في خالدٍ عند سعدٍ، فقال سعدٌ : مه إنَّ ما بيننا لم يبلغ ديننا، أي عداوة وشر) [عيون الأخبار ،للدينورى،بتصرف] .
- وقال محمد بن كعب القرظي : (إذا أراد الله عزَّ وجلَّ بعبد خيرًا زهده في الدنيا، وفقهه في الدِّين، وبصره عيوبه،قال : ثُمَّ التفت الفضيل إلينا، فقال : ربما قال الرَّجل : لا إله إلا الله؛ فأخشى عليه النار، قيل : وكيف ذاك ؟! قال : يغتاب بين يديه رجل، فيعجبه، فيقول : لا إله إلا الله، وليس هذا موضعها؛ إنما هذا موضع أن ينصح له في نفسه، ويقول له : اتق الله) [المجالسة وجواهر العلم ،لأبى بكر الدينورى] .
- وعن محمد بن سيرين أنه قال : (إنَّ أكثر الناس خطايا أكثرهم ذكرًا لخطايا الناس) [المجالسة وجواهر العلم ،لأبى بكر الدينورى] .
- وعن الشَّعبي رحمه الله (أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب قال لابنه عبد الله : يا بنيَّ، أرى أمير المؤمنين يدنيك، فاحفظ منِّي خصالًا ثلاثًا : لا تغتب من له سرٌّ، ولا يسمعنَّ منك كذبًا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا) [مكارم الأخلاق للخرائطى] .
- وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما : (اذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، ودَع منه ما تُحِبُّ أن يَدَع منك) [العقد الفريد،لابن عبد ربه] .
من آثار الغِيبة على الفرد والمجتمع :
1- عقوبة المغتاب النار .
2- لا يغفر لصاحب الغِيبة حتى يعفو عنه الذي وقعت عليه الغِيبة .
3- الغِيبة تترك في نفس الفرد جوانب عدائية، بسبب ما تتركه على سمعته ومكانته .
4- الغِيبة تظهر عيوب الفرد المستورة، في الوقت الذي لا يملك فيه الدفاع عن نفسه .
5- الغِيبة تدل على دناءة صاحبها، وجبنه، وخسَّته .

6- الغِيبة تجرح الصوم :
قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة، في أن يدع طعامه وشرابه)) [رواه البخارى] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((الصيام جنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل : إني صائم)) [رواه البخارى ومسلم] .

أضرارها على المجتمع :
1- كشف عورات الآخرين، ونشر عيوبهم والاستهانة بها .
2- الغِيبة تؤدي إلى الغِيبة، أي أن من اغتيب قد يدفعه غضبه إلى غيبة من اغتابه، وبهذا تنتشر هذه الصفة الذَّميمة وتصبح مرض عضال يصعب استئصاله .
3- نشر الحقد، والحسد، والكراهية، والبغضاء، بين أفراد المجتمع .
4- إفساد المودَّات، وقطع أواصر الأخوة الإيمانية، وملء القلوب بالضغائن والعداوات .
حكم الغِيبة :
قال ابن كثير : (والغِيبةُ محرَّمةٌ بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك، إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل، والنصيحة) [تفسير القرآن العظيم] .
واعتبر ابن حجر الهيتمي الغِيبة من الكبائر حيث قال : (الذي دلت عليه الدلائل الكثيرة الصحيحة الظاهرة، أنَّها كبيرة، لكنها تختلف عظمًا، وضده بحسب اختلاف مفسدتها، وقد جعلها من أوتي جوامع الكلم عديلة غصب المال، وقتل النفس، بقوله صلى اللّه عليه وسلم : ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)) [رواه مسلم] .

والغصب والقتل كبيرتان إجماعًا، فكذا ثلم العرض) [الزواجر] .

حكم سماع الغِيبة :
إن سماع الغِيبة والاستماع إليها لا يجوز، فقائل الغِيبة وسامعها في الإثم سواء .
ففي فتاوى اللجنة الدائمة إجابة عن سؤال حكم سماع الغيبة : ((سماع الغيبة محرم؛ لأنه إقرار للمنكر، والغيبة كبيرة من كبائر الذنوب، يجب إنكارها على من يفعلها)) [فتاوى اللجنة الدائمة] .

و(قال مولى لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان : رآني عمرو بن عتبة وأنا مع رجل، وهو يقع في آخر، فقال : لي : ويلك  - ولم يقلها لي قبلها ولا بعدها - نزِّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به؛ فإن المستمع شريك القائل، وإنما نظر إلى شرِّ ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو رددت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادها، كما شقي بها قائلها) [ذم الغيبة والنميمة] .

فضل الدفاع عن عرض الآخرين :
- عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من ذبَّ عن عرض أخيه بالغِيبة، كان حقًّا على الله أن يعتقه من النَّار)) [صححه الألبانى فى غاية المرام] .
- وعن القاسم بن عبد الرحمن الشامي قال : (سمعت بن أم عبد يقول : من اغتيب عنده مؤمن فنصره، جزاه الله بها خيرًا في الدنيا والآخرة، ومن اغتيب عنده مؤمن فلم ينصره، جزاه الله بها في الدنيا والآخرة شرًّا، وما التقم أحد لقمة شرًا من اغتياب مؤمن، إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه، وإن قال فيه بما لا يعلم فقد بهته) [الأدب المفرد للبخارى] .
أقسام الغِيبة :
للغيبة ثلاثة أقسام :
1- الغِيبة المحرمة :
وهي ذكرك أخاك المسلم في غيبته بما يكره بعيب فيه مخفي، سواء كان هذا العيب خَلْقي أم خُلُقي، في دينه أو دنياه، ولا شك أنَّه محرم في الكتاب، والسنة، والإجماع، للأدلة الواردة سلفًا في هذا الباب .
قال ابن القيم - وهو يتحدث عن الغِيبة - :  (وإذا وقعت على وجه ذم أخيك، وتمزيق عرضه، والتفكه بلحمه، والغض منه، لتضع منزلته من قلوب الناس، فهي الداء العضال، ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب) [الروح] .
2- الغِيبة الواجبة :
هي الغِيبة التي بها يحصل للفرد نجاة مما لا يحمد عقباه، أو مصيبة كانت محتملة الوقوع به، مثل التي تطلب للنصيحة عند الإقبال على الزواج لمعرفة حال الزوج، أو كأن يقول شخص لآخر محذرًا له من شخص شرير : إن فلان يريد قتلك في المكان الفلاني، أو يريد سرقة مالك في الساعة الفلانية، وهذا من باب النصيحة .
3- الغِيبة المباحة :
كما أن الغِيبة محرمة لما فيها من أضرار تمس الفرد، إلا أنَّها مباحة بضوابطها لغرض شرعي صحيح، لا يمكن الوصول لهذا الغرض إلا بهذه الغِيبة، وبدون هذه الضوابط تصبح محرمة .
قال النووي : (اعلم أنَّ الغِيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أبواب :
الأول : التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما مما له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول : ظلمني فلان كذا .
الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر : فلان يعمل كذا، فازجره عنه .
الثالث : الاستفتاء ، فيقول : للمفتي : ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا .
الرابع : تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم .
الخامس : أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وغيرها .
السادس : التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب الأعمش، والأعرج والأصم، والأعمى والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك .
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليها، دلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة) [رياض الصالحين للنووى] .
أمورٌ ينبغي مراعاتها عند الغِيبة المباحة :
إن للغيبة المباحة - التي أباحها الشارع للضرورة - ضوابط ينبغي مراعاتها، ومن هذه الضوابط :
(1- الإخلاص لله تعالى في النية، فلا تقل ما أبيح لك من الغِيبة تشفِّيًا لغيظ، أو نيلًا من أخيك، أو تنقيصًا منه .
2- عدم تعيين الشخص ما أمكنك ذلك .
3- أن تذكر أخاك بما فيه، بما يباح لك، ولا تفتح لنفسك باب الغِيبة على مصراعيه، فتذكر ما تشتهي نفسك من عيوبه .
4- التأكد من عدم وقوع مفسدة أكبر من هذه الفائدة) [حصائد الألسن ، لحسين العوايشة] .
من صور الغِيبة التي يغفل عنها كثير من الناس :
1- الإصغاء للغيبة من باب التعجب من فعل الذي اغتيب .
2- ذكر حال الذي اغتيب، وإظهار التألم والاستياء لحاله، والدعاء له أمام الآخرين .
3- أن يقول المستمع للمغتاب اسكت، لكن المستمع لم ينكر ذلك في قلبه، وإنما هو مشتهٍ بذلك، فهذا قد وقع في الغِيبة ما لم يكرهه بقلبه .
4- أن يذكر الإنسان شخص ما ويمدحه، ويذكر اهتمامه والتزامه بالدين، ثم يقول: لكنه ابتلي بما ابتلينا به كلنا من تقصير وفتور في بعض العبادات، وهو بهذا يستنقص من قدر الذي اغتيب، وبذلك وقع في الغِيبة .
5- أن يتكلم الإنسان بألفاظ أو أسلوب يحاكي فيه الآخرين، بقصد غيبتهم .
6- التشبه بالآخرين في مشيتهم بغرض السخرية منهم، كأن يمشي متعرجًا، أو يغمض أحد عينيه محاكاةً للأعور، وغيرها من الحركات التي توحي بالسخرية .
7- أن (يغتاب الرجل أخاه، وإذا أنكر عليه قال : أنا على استعداد للقول أمامه، ويرد على هذا بردود منها :
أ- أنَّك ذكرته من خلفه بما يكره بما فيه، وهذه هي الغِيبة .
ب- استعدادك للحديث أمامه، أمر آخر مستقل، لم يرد فيه دليل على أنه يسوغ لك أن تذكر أخاك من خلفه بما يكره .
من أسباب الوقوع في الغِيبة :
توجد بعض الأسباب التي تجعل الإنسان يقع في براثن الغِيبة ومساوئها، ومن تلك الأسباب :
1- (كراهيته الباطنة لمن يغتاب، مع عدم رغبته بإظهار كراهيته؛ لئلا تتحول إلى عداوة ظاهرة .
2- المنافسة التي ولَّدت حسدًا، والحسود لا يحب أن يعرف عنه الحسد .
3- تشفي الغيظ، بأن يجري من إنسان في حق آخر سبب يهيجُ غيظه، فكلَّما هاج غضبه تشفى بغيبة صاحبه .
4- موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء، ومساعدتهم على الغِيبة، فإنه يخشى إن أنكر عليهم أن يستثقلوه .
5- إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول : فلان جاهل وفهمه ركيك .
6- اللعب والهزل، فيذكر غيره بما يضحك له على سبيل المحاكاة .
7- كثرة الفراغ، والشعور بالملل والسأم، فيشتغل بالناس وأعراضهم وعيوبهم .
8- حضور المجالس والتجمعات التي تخلو من ذكر الله، ويكثر فيها الغِيبة والنَّمِيمَة .
التوبة من الغِيبة :
تكون التوبة من الغِيبة بالاستغفار والندم، والاستحلال من الذي اغتيب .
قال الغزالي : (اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج به من حق الله سبحانه، ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته) [إحياء علوم الدين] .
وقال ابن القيم : (والصَّحيح أنَّه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، والذين قالوا : لا بد من إعلامه، جعلوا الغِيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنَّ الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدَّق بها، وأما في الغِيبة فلا يمكن ذلك ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع... فإنَّه يوغر صدره، ويؤذيه، إذا سمع ما رمي به، ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله، فإن الشارع الحكيم... لا يبيحه ولا يجوزه فضلًا عن أن يوجبه، ويأمر به ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها) [الوابل الصيب] .
الوسائل المعينة على ترك الغِيبة :
1- التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بكثرة الأعمال الصالحة، وتقديم رضاه على رضا المخلوقين .
2- زيادة الإيمان، وتقويته بالعلم النافع، والعمل الصالح .
3- أن ينشغل الإنسان بالبحث عن عيوبه، ويكف عن عيوب الآخرين وتتبعها .
4- اختيار الصحبة الصالحة التي تقربك من الله وتبعدك عن المعاصي والابتعاد عن رفاق السوء .
5- تربية الفرد تربية إسلامية سليمة قائمة على الآداب والتعاليم الإسلامية .
6- استغلال وقت الفراغ، بما ينفع الفرد ويقوي إيمانه، ويقربه إلى الله سبحانه وتعالى، من طاعات، وعبادات، وعلم، وتعلم .

الغِيبة لا تقتصر على اللسان :
إن الشرع حرَّم الغِيبة باعتبارها تصريح باللسان يفهم منه استنقاص الآخرين وذكر عيوبهم، وكذلك فإنَّ كل فعل أو حركة أو كتابة توحي بالمقصود فهي غيبة .
غيبة العلماء ومن لهم شأن في الإسلام  :
لا شك أن الوقيعة في المؤمنين حرام وأنها من كبائر الذنوب، وأن أشدَّ أنواعها (غيبة العلماء والوقيعة في العلماء، والكلام على العلماء بما يجرحهم... لأنَّه يترتب عليه فصل الأمة عن علمائها، ويترتب عليه عدم الثقة بأهل العلم، وإذا حصل هذا حصل الشر العظيم) [ما يجب فى التعامل مع العلماء،صالح الفوزان] .


" الفتـــور "

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى عن الملائكة : " يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ " [الأنبياء: 20] " لا يَفْتُـرُونَ " : لا يلحقهم الفتور والكلال [غرائب القرآن ،للنيسابورى] .
- وقال تعالى عن موسى عليه السلام : " اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى " [طه: 42-43] .
(الونى : الفتور والتقصير، وقرئ : تنيا، بكسر حرف المضارعة للاتباع، أي : لا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكري جناحًا تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد مني، معتقدين أن أمرًا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري) [الكشاف ،للزمخشرى] .
- وعاتب الله المؤمنين في التثاقل عن واجب الجهاد، والفتور فيه، فقال عزَّ وجلَّ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ " [التوبة: 38] .
قال ابن كثير : (أي : إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله " اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ " أي : تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار، " أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ " [التوبة: 38] أي : ما لكم فعلتم هكذا أرضًا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة ؟!
ثم زهد تبارك وتعالى في الدنيا، ورغب في الآخرة، فقال : " فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ " [التوبة: 38]) [[تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في  السنة النبوية :
- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول : ((اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، والمأثم، والمغرم)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .

- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) [رواه البخارى] .
قال المباركفوري : (قيل : معنى قوله : ((كان يقوم الليل)) أي : غالبه أو كله ((فترك قيام الليل)) أصلًا حين ثقل عليه، أي : فلا تزد أنت في القيام أيضًا، فإنَّه يؤدي إلى تركه رأسًا، قال السندي : يريد أنَّ الإكثار في قيام الليل قد يؤدي إلى تركه رأسًا، كما فعل فلان، فلا تفعل أنت ذاك، بل خذ فيه التوسط والقصد أي : لأنَّ التشديد في العبادة قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم، وقال في اللمعات : فيه تنبيه على منعه من كثرة قيام الليل والإفراط فيه، بحيث يورث الملالة والسآمة) [مرعاة المفاتيح،للمباركفورى] .

أقوال السلف والعلماء في الفتور :
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه : (إنَّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض) [ذكره الزمخشرى فى ربيع الأبرار] .
- وقال أيضًا : (المدح هو الذبح؛ وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل، فكذلك الممدوح؛ لأنَّ المدح يوجب الفتور، ويورث الكبر والعجب) [ذكره الغزالى فى إحياء علوم الدين] .
- وقال ابن مسعود رضي الله عنه : (لا تغالبوا هذا الليل، فإنَّكم لن تطيقوه، فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه؛ فإنه أسلم له) [رواه عبد الرزاق] .
- و(قال بعض السلف : العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله الفتور) [جامع العلوم والحكم،لابن رجب] .
- وقال ابن القيم : (تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم؛ رُجي له أن يعود خيرًا مما كان) [مدارج السالكين] .

- وقال ابن السماك : (جلاء القلوب استماع الحكمة، وصدؤها الملالة والفتور) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار،للزمخشرى] .

من آثار الفتور :
1 - يدل على ضعف الهمة .
2- التثاقل في العبادات .
3- التعرض للأزمات النفسيَّة، والاجتماعيَّة .
4- يؤدي به إلى ترك بعض الفرائض .
5- عاقبته تكون سيِّئة إذا لم يتب .
6- تأثر من حوله به، وخاصة إذا كان قدوةً لغيره .
7- فوات المصالح الدينية، والدنيوية .
أقسام الفتور [انظر الفتور، لناصر العمر] :
ينقسم الفتور إلى عدة أقسام، أهمها :
1- كسل وفتور عام في جميع الطاعات، مع كره لها، وعدم رغبة فيها، وهذه حال المنافقين؛ فإنَّهم من أشد الناس كسلًا وفتورًا ونفورًا .
قال الله فيهم : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً " [النساء: 142] وقال : " وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ " [التوبة: 54] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ أثقل صلاةٍ على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
ولفظ (أثقل) على صيغة (أفعل) يدلُّ على أنَّ غيرهما ثقيل، وليس الثقل مقتصرًا عليهما .
2- كسل وفتور في بعض الطاعات، يصاحبه عدم رغبة فيها دون كره لها، أو ضعف في الرغبة مع وجودها، وهذه حال كثير من فساق المسلمين، وأصحاب الشهوات .
وهذان القسمان سببهما مرض في القلب، ويقوى هذا المرض ويضعف بحسب حال صاحبه، فمرض المنافقين أشد من مرض الفساق وأصحاب الشهوات .
3- كسل وفتور عام سببه بدني لا قلبي؛ فتجد عنده الرغبة في العبادة، والمحبة للقيام بها، وقد يحزن إذا فاتته، ولكنه مستمر في كسله وفتوره، فقد تمر عليه الليالي وهو يريد قيام الليل، ولكنه لا يفعل مع استيقاظه وانتباهه ويقول : سأختم القرآن في كل شهر، وتمضي عليه الأشهر ولم يتمَّه، ويحب الصوم، لكنه قليلًا ما يفعل .
وهذه حال كثير من المسلمين الذين يصابون بهذا الداء، ومنهم أناس صالحون، وآخرون من أصحاب الشهوة والفسق.
وقد يؤدي هذا النوع إلى أن يشترك بعض المصابين به مع النوع الثاني، وهو الثقل القلبي في بعض العبادات.
4- كسل وفتور عارض يشعر به الإنسان بين حين وآخر، ولكنه لا يستمر معه، ولا تطول مدته، ولا يوقع في معصية، ولا يخرج عن طاعة، وهذا لا يسلم منه أحد، إلا أنَّ الناس يتفاوتون فيه أيضًا، وسببه غالبًا أمر عارض، كتعب، أو انشغال، أو مرض ونحوها .
من صور الفتور :
1- (ضياع الوقت وعدم الإفادة منه :
وتزجيته بما لا يعود عليه بالنفع، وتقديم غير المهم على المهم، والشعور بالفراغ الروحي، والوقتي، وعدم البركة في الأوقات، وتمضي عليه الأيَّام لا ينجز فيها شيئًا يذكر .
2- عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدِّي؛ خوفًا من أن يعود إلى حياته الأولى. هكذا يسوِّل له شيطانه زخرف القول غرورًا .
3- الفوضوية في العمل :
فلا هدف محدد، ولا عمل متقن، أعماله ارتجالًا، يبدأ في هذا العمل ثم يتركه، ويشرع في هذا الأمر ولا يتمه، ويسير في هذا الطريق ثم يتحوَّل عنه، وهكذا دواليك .

4- عدم الغَضَب إذا انتهكت محارم الله :
فمن ماتت لديه الغَيرة لدين الله وأصيب بالفتور، لا تغضبه المنكرات، ولا يسعى في إنكارها، قال صلى الله عليه وسلم : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) [رواه مسلم] .
قال الغزالي : (فمن مال غضبه إلى الفتور، حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس في احتمال الذل، والضيم في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه) [إحياء علوم الدين] .
5- عدم الشعور بالمسؤولية :
ومن مظاهر الفتور (عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، والتساهل والتهاون بالأمانة التي حمَّله الله إياها، فلا تجد لديه الإحساس بعظم هذه الأمانة، والله سبحانه وتعالى يقول : " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً " [الأحزاب: 72] وقد تحدِّثه ساعة ويحدِّثك أخرى، فلا تجد أنَّ همَّ الدعوة يجري في عروقه، أو يؤرق جفونه ويقضَّ مضجعه. ومما يلحق بهذا الباب أنَّك تجد هذا الفاتر أصبح يعيش بلا هدف، أو غاية سامية، فهبطت اهتماماته، وسفلت غاياته، وذلت مطامحه ومآربه، وتبعًا لذلك فلا قضايا المسلمين تشغله، ولا مصائبهم تحزنه، ولا شئونهم تعنيه، وإن حدث شيء من ذلك فعاطفة سرعان ما تبرد وتخمد ثم تزول) [الفتور،لناصر العمر] .

من أسباب الفتور :
1- الغفلة عن ذكر الله :
إنَّ الغفلة عن ذكر الله سبب من أسباب الفتور عن الطاعات، والتكاسل عن العبادات؛ لأنَّه إذا نسي ذكر الله كان بعيدًا عنه، قال تعالى : " وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " [الحشر: 19] ودوام الغفلة يعتبر من التمادي في الباطل، وتختلف الغفلة عن السهو والنسيان، قال تعالى : " إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " [يونس: 7-8] .
قال ابن القيم : (فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته، كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لـمَّا تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ، واسود، وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يَقبل حقًّا، ولا ينكر باطلًا، وهذا أعظم عقوبات القلب، وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى، فإنَّهما يطمسان نور القلب، ويعميان بصره) [الوابل الصيب] .
وقال تعالى : " أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ " [الزمر: 9] .
(لما كان الإنسان محل الفتور، والغفلة، والنسيان، وكان ذلك في محل الغفران، وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديَّان، قال معللًا أو مستأنفًا جوابًا لمن كأنه يقول : ما له يتعب نفسه هذا التعب، ويكدها هذا الكد : " يَحْذَرُ الآخِرَةَ " أي عذاب الله فيها، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل عنه، ولما ذكر الخوف، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال : " وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ " أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه) [نظم الدرر،للبقاعى] .
2- التشدُّد في العبادة :
المؤمن ينبغي أن يقوم بما يطيقه من العبادة حتى لا يصاب بالملل والفتور، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، قال: ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله، ألم أخبر أنَّك تصوم النهار، وتقوم الليل ؟ فقلت : بلى يا رسول الله، قال : فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإنَّ لجسدك عليك حقًّا، وإنَّ لعينك عليك حقًا، وإنَّ لزوجك عليك حقًّا، وإنَّ لزورك عليك حقًّا، وإنَّ بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيَّام، فإنَّ لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإنَّ ذلك صيام الدهر كله، فشددت فشدد عليَّ، قلت : يا رسول الله، إني أجد قوة، قال : فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه، قلت : وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام، قال: نصف الدهر، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر : يا ليتني قبلت رخصة النَّبي صلى الله عليه وسلم)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((خذوا من العمل ما تطيقون؛ فإنَّ الله لا يمل حتى تملوا، وأحبُّ الصلاة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه، وإن قلت)) [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
قال الشاطبي (إنَّ المكلف لو قصد المشقة في عبادته، وحرص على الوقوع فيها، حتى يعرض نفسه لمضاعفة الثواب، فإنَّه يعرض نفسه في واقع الأمر لبغض عبادة الله تعالى، وكراهية أحكام الشريعة، التي غرس الله حبها في القلوب، كما يدلُّ عليه قوله تعالى : " وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ " [الحجرات: 7] وذلك لأنَّ النفس تكره ما يفرض عليها، إذا كان من جنس ما يشق الدوام عليه، بحيث لا يقرب وقت ذلك العمل الشاق، إلا والنفس تشمئز منه، وتود لو لم تعمل، أو تتمنى أنها لم تلتزم) [الاعتصام] .
3- الاقتداء بالأشخاص والتعلق بهم :
فقد يتعلق الفرد بشخص يعتبره قدوة، وينظر إليه نظر قدوة، فإن زلَّ زلَّ معه، والحي لا تؤمن عليه الفتنة، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (من كان منكم مستنًّا، فليستنَّ بمن مات، أولئك أصحاب محمد كانوا خير هذه الأمة، أبرَّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد كانوا على الهدي المستقيم) [رواه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله] .

من الوسائل المعينة على علاج الفتور :

1- ذكر الله وكثرة الاستغفار :
أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالذكر حتى يفلحوا، فقال تعالى : " وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " [الأنفال: 45] .
وأوصى النَّبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي أن يكون لسانه رطبا بذكر الله، فعن عبد الله بن بسر قال : ((إنَّ أعرابيًّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال : لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله عزَّ وجلَّ)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله، قال : ذكر الله عزَّ وجلَّ)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم، أكثر من سبعين مرة)) [رواه البخارى] .
وعن الأغر المزني أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إنَّه ليغان على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في اليوم، مائة مرة)) [رواه مسلم] .
2- الإكثار من النوافل :
الإكثار من النوافل يقرِّب إلى الله سبحانه وتعالى، ويورث محبته، وفي الحديث القدسي : ((وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإنْ سألني لأُعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) [رواه البخارى] والإكثار من النوافل يعوض ما قد يطرأ من النقص، والتقصير في الفرائض .
3- العظة من خاتمة من أصابه الفتور :
تجد بعض من يصاب بالفتور ينتكس، وتكون خاتمته سيئة، فعلى المسلم أن يتعظ بهؤلاء، قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ " [محمد: 25] .
4- التفكر في يوم القيامة :
فالتفكر في اليوم الآخر، وما أعده الله لعباده، الممتثلين لأوامره؛ من النعيم، وما أعدَّه للكفار والعاصين، من العذاب، يحرك في قلب صاحبه العزيمة الفاترة، فيقبل على الله بقلبه، ليكون من المنيبين إليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:41 am




" الفُجُــور "

ذَمُّ الفُجُور والنَّهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
وردت آيات في القرآن الكريم في معنى الفُجُور مِن هذه الآيات ما يلي :
- قال تعالى : " أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ " [ص: 28] .
وفي تفسير هذه الآية قال الطَّبري : " أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ " يقول : الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه، فحَذِرُوا معاصيه، " كَالْفُجَّارِ  " يعني : كالكفَّار المنتهكين حُرُمَات الله[انظر :جامع البيان] .
- وقال تعالى : " بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ " [القيامة: 5] .
وفي تفسير هذه الآية قال ابن كثير : (وقوله : " بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ " قال سعيد، عن ابن عبَّاس : يعني يمضي قُدُمًا .
وقال العوفي، عن ابن عبَّاس : " لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ " يعني : الأمل، يقول الإنسان : أعمل ثمَّ أتوب قبل يوم القيامة، ويقال : هو الكفر بالحقِّ بين يدي القيامة .
وقال مجاهد : " لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ " ليمضي أمامه راكبًا رأسه، وقال الحسن : لا يلقى ابن آدم إلَّا تَنْزِع نفسه إلى معصية الله قُدمًا قُدمًا، إلَّا مَن عصمه الله) [انظر:تفسير القرآن العظيم] .

- وقوله - سبحانه - : " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا " [الشمس: 8] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : (وقوله : " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا " أي : فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي : بيَّن لها ذلك، وهداها إلى ما قدَّر لها .
قال ابن عبَّاس : " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا " بيَّن لها الخير والشَّر، وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضَّحاك، والثَّوري .
قال سعيد بن جبير : ألهمها الخير والشَّرَّ، وقال ابن زيد : جعل فيها فجورها وتقواها) [انظر:تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن عبد الله رضي الله عنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّة، وما يزال الرَّجل يصدق، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكْتَب عند الله صدِّيقًا، وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجُور، وإنَّ الفُجُور يهدي إلى النَّار، وما يزال الرَّجل يكذب، ويتحرَّى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذَّابًا)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
قال المناويُّ : (عليكم بالصِّدق، أي : الزموه وداوموا عليه، فإنَّه مع البرِّ، يحتمل أنَّ المراد به العبادة، وهما في الجنَّة . أي : الصِّدق مع العبادة يُدْخِلان الجنَّة،وإيَّاكم والكذب، اجتنبوه واحذروا الوقوع فيه. فإنَّه مع الفُجُور، أي : الخروج عن الطَّاعة، وهما في النَّار، يُدْخِلان نار جهنَّم) [فيض القدير] .
- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال : ((أربعٌ مَن كنَّ فيه، كان منافقًا، أو كانت فيه خصلة مِن أربعة، كانت فيه خصلة مِن النِّفاق، حتى يدعها : إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
قال ابن رجب : (ويعني بالفُجُور : أن يخرج عن الحقِّ عمدًا حتى يصير الحقُّ باطلًا والباطل حقًّا، وهذا ممَّا يدعو إليه الكذب، كما قال صلى الله عليه وسلم : ((إيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجُور، وإنَّ الفُجُور يهدي إلى النَّار))  [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] ،[جامع العلوم والحكم] .

قال ابن حجر : (الفُجُور : الميْل عن الحقِّ والاحتيال في ردِّه) [فتح البارى ،لابن حجر] .
وقال ابن بطال : (الفُجُور : الكذب والرِّيبة، وذلك حرام، ألَا ترى أنَّ النَّبيَّ -عليه السلام - قد جعل ذلك خصلة مِن النِّفاق) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .

أقوال السَّلف والعلماء في الفُجُور :
- قال الحسن بن علي رضي الله عنه : (أكيس الكيس التُّقَى، وأحمق الحمق الفُجُور) [انظر:التمثيل والمحاضرة،للثعالبى] .
- وقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : (لا تعرضنَّ فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحتفظ مِن خليلك إلَّا الأمين، فإنَّ الأمين مِن القوم لا يعدله شيء، ولا تصحب الفاجر يعلِّمك مِن فجوره، ولا تفش إليه سرَّك، واستشر في دينك الذين يخشون الله عزَّ وجلَّ) [رواه البيهقى] .
- وعن ابن مسعود موقوفًا : (إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه قاعدٌ تحت جبلٍ، يخاف أن يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرَّ على أنفه، فقال به هكذا - أي بيده - فذبَّه عنه) [رواه البخارى] .
- وقال الشَّعبي : (اتَّقوا الفاجر مِن العلماء، والجاهل مِن المتعبِّدين، فإنَّهما آفة كلِّ مفتون) [انظر:شعب الإيمان،البيهقى] .
- وعن سفيان قال : كان يقال : (تعوَّذوا بالله مِن فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما فتنة كلِّ مفتون) [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] .
- وقال علي رضي الله عنه : (الحِرفة مع العفَّة خير مِن الغِنَى مع الفُجُور) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار] .
- وقال - أيضًا - : (خالط المؤمن بقلبك، وخالط الفاجر بخلقك، كان يقال : يُمْتَحن الرَّجل في ثلاثة أشياء : عند هواه إذا هوى، وعند غضبه إذا غضب، وعند طمعه إذا طمع) [ذكره ابن مفلح فى الآداب الشرعية] .
- وقال - أيضًا - : (لا تواخ الفاجر؛ فإنَّه يزيِّن لك فعله، ويحبُّ لو أنَّك مثله، ومدخله عليك ومخرجك مِن عنده شَيْنٌ وعار) [رواه الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .
- ورُوِي عن الحسين أنَّه قال : (يا بني؛ ليس مع قطيعة الرَّحم نَمَاء، ولا مع الفُجُور غِنًى) [انظر :الإعجاز والإيجاز،للثعالبى] .
- وقال مالك بن دينار : (إنَّ للمؤمن نيَّة في الخير هي أمامه لا يبلغها عمله، وإنَّ للفاجر نيَّة في الشَّرِّ هي أمامه لا يبلغها عمله) [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار،للزمخشرى] .

من آثارُ الفُجُور :
1- الفُجُور دليلٌ على خِسَّة النَّفس، وعلامة مِن علامات الدَّناءة في الشَّخص، وعنوانٌ للانحطاط الأخلاقي .
2- الفُجُور خُلُقٌ يدعو لكراهية صاحبه، ويجعله ممقوتًا مِن الخَلْق، ممَّا يزرع الشَّحناء والبغضاء في المجتمع .
3- كما أنَّ هذه الصِّفة ليس ضررها محصورًا على الفاجر وحده، بل إنَّ تداعيات فجوره قد تُلْحِق الأذى على الأفراد وعلى المجتمع .
من أسباب الوقوع في الفُجُور :
1- هشاشة الإيمان في قلب الموصوف بالفُجُور، وضعف الوازع الدِّيني، وعدم الخوف مِن الله سبحانه وتعالى ومراقبته .
2- قد تُسَبِّب بعض الظَّواهر الاجتماعيَّة في الوقوع في الفُجُور، كأن يكون المجتمع مجتمع غير منضبط بضوابط الشَّرع، وقد تكون التَّنشئة والتَّربية هي السَّبب في ظهور هذه الظَّاهرة .
3- غياب فريضة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر .
مِن الأقوال والأمثال في الفُجُور :
1- كان يقال : (اثنان لا يجتمعان : القُنُوع والحسد، واثنان لا يفترقان أبدًا : الحرص والفُجُور) [انظر :الذخائر والبصائر،لأبى حيان] .
2- وقال بعضهم - وتُروَى عن الجاحظ - : (خير الدُّنيا والآخرة في خصلتين : التُّقى والغِنى، وشرُّ الدُّنيا والآخرة خصلتين : الفُجُور والفقر) [نثر الدر فى المحاضرات،للآبى] .
3- وقال ابن المقفَّع : (النَّاس على دين السُّلطان إلَّا القليل؛ فليكن للبِرِّ والمروءة عنده نفاق، فسيكسد بذلك الفُجُور والدَّناءة) [نثر الدر فى المحاضرات،للآبى] .  
4- وعن صعصعة بن صوحان أنَّه قال لابن زيد بن صوحان : (أنا كنت أكرم على أبيك منك، وأنت أكرم عليَّ مِن ابني، إذا لقيت المؤمن فخالصه،وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك لا تُكلِّمنَّه) [انظر:الأمثال ،لابن سلام] .
5- وقال أبو عمرو بن العلاء : (يا عبد الملك : كن مِن الكريم على حذر إن أهنته، ومِن اللَّئيم إذا أكرمته، ومِن العاقل إذا أحرجته، ومِن الأحمق إذا مازحته، ومِن الفاجر إذا عاشرته، وليس مِن الأدب أن تجيب مَن لا يسألك، ولا تسأل مَن لا يجيبك، أو تحدث مَن لا ينصت لك) [انظر : الجليس الصالح الكافى،لأبى الفرج الجريرى] .



" الفحش والبذاءة "

ذم الفحش والبذاءة في السنة النبوية :
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)) [صححه الألبانى فى صحيح الترمذى] .
قال ابن بطال في قوله : (... ((ولا الفاحش)) أي : فاعل الفحش أو قائله، وفي النهاية أي : من له الفحش في كلامه، وفعاله، قيل أي : الشاتم، والظاهر أنَّ المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره ((ولا البذيء))... وهو الذي لا حياء له، كما قاله بعض الشُرَّاح، وفي النهاية : البذاء بالمد، الفحش في القول، وهو بذيء اللسان، وقد يقال بالهمز وليس بكثير. اهـ . فعلى هذا يخص الفاحش بالفعل لئلا يلزم التكرار، أو يحمل على العموم، والثاني يكون تخصيصًا بعد تعميم بزيادة الاهتمام به؛ لأنه متعد) [شرح صحيح البخارى ،لابن بطال] .
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ((استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، قلت : يا رسول الله، قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام،قال : أي عائشة، إنَّ شرَّ الناس من تركه الناس - أو ودعه - الناس اتقاء فحشه)) [رواه البخارى] .
(قال الخطابي : جمع هذا الحديث علمًا وأدبًا، وليس في قول النَّبي صلى الله عليه وسلم في أمته بالأمور التي يسميهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غِيبة، وإنَّما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه أن يبين ذلك، ويفصح به، ويعرف النَّاس أمره، فإنَّ ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من الكرم، وأعطيه من حسن الخلق، أظهر له البشاشة، ولم يجبهه بالمكروه؛ لتقتدي به أمته في اتقاء شرِّ مَن هذا سبيله وفي مداراته؛ ليسلموا من شرِّه وغائلته) [فتح البارى،لابن حجر] .

أقوال السلف والعلماء في الفحش والبذاءة :
- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (ألأَمُ خُلق المؤمن، الفحش) [رواه ابن أبى الدنيا فى الصمت] .
- و(رأى أبو الدرداء رضي الله عنه امرأة سليطة اللسان، فقال : لو كانت هذه خرساء، كان خيرًا لها) [الصمت ، لابن أبى الدنيا] .
- وعن إبراهيم بن ميسرة قال : (يقال : الفاحش المتفحش يوم القيامة، في صورة كلب، أو في جوف كلب) [الصمت ، لابن أبى الدنيا] .
- وعن عون بن عبد الله قال : (ألا أنَّ الفحش والبذاء من النفاق، وهن مما يزدن في الدنيا، وينقصن في الآخرة، وما ينقصن في الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا) [الصمت ، لابن أبى الدنيا] .
- وقال الأحنف بن قيس : (أولا أخبركم بأدوأ الداء : اللسان البذيء والخلق الدنيء)[الصمت ، لابن أبى الدنيا] .

- وقال ابن حبان البستي : (إنَّ الوقح إذا لزم البذاء، كان وجود الخير منه معدومًا، وتواتر الشر منه موجودًا، لأنَّ الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها، فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها) [روضة العقلاء] .
- وقال الماوردي : (ومما يجري مجرى فحش القول وهُجْره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه، ما كان شنيع البديهة، مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليمًا، وبعد الكشف والرويَّة مستقيمًا) [أدب الدنيا والدين] .
- وقال القاسمي : (كلام الإنسان، بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل، وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام) [جوامع الآداب] .

من آثار الفحش والبذاء :
1- فاعل الفحش، أو قائله، يستحق العقوبة من الله في الدنيا والآخرة .
2- يتحاشاه الناس، خوفًا من شرِّ لسانه :
قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ شرِّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، من تُرك اتقاء فحشه)) [رواه البخارى] .
3- البذاء والفحش من علامات النفاق .
4- ليس من صفات المؤمن الكامل الإيمان، الفحش والبذاء .
5- الفاحش المتفحش يبغضه الله :
قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الله تَعَالى يبغض الْفاحِشَ المتَفَحِّشَ)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
6- الفاحش يكون بعيدًا من الله ومن الناس .
من الأسباب الدافعة للفحش والبذاءة :
1- الخبث واللؤم :
الفُسَّاق وأهل الخبث واللؤم من عادتهم، السب، والكلام الفاحش، والبذيء .
قال القرطبي : (والبذي اللسان يسمَّى سفيهًا؛ لأنَّه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس، وأصحاب العقول الخفيفة) [الجامع لأحكام القرآن] .
وقال الراغب الأصفهاني : (البذاء : الكلام القبيح، ويكون من القوة الشهوية طورًا؛ كالرفث والسخف، ويكون من القوة الغَضَبية طورًا، فمتى كان معه استعانة بالقوة الفكرة يكون فيه السباب، ومتى كان من مجرد الغَضَب كان صوتًا مجردًا لا يفيد نطقًا، كما ترى كثيرًا ممن فار غضبه وهاج هائجه) [الذريعة إلى مكارم الشريعة] .
2- قصد الإيذاء :
ربما يكون سبب الكلام الفاحش والبذيء (لردة فعل من تصرف أو قول ضدك، فتثور نفسك لتثأر لما سمعته من إيذاء، أو قابلته من تصرف مشين، وقد قال صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم : ((وإن امرؤ شتمك، أو عيَّرك بشيء يعلمه فيك، فلا تعيِّره بشيء تعلمه فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك فلا تسبنَّ شيئًا)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
وما أجمل اللجوء إلى الهدوء لمعالجة هذه القضايا بالتي هي أحسن، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وفي ذلك خزيٌ للشيطان الذي يتربص بالإنسان المؤمن، فإذا غضب المؤمن كانت فرصة الشيطان في غرس الشقاق، وإذهاب المودة والمحبة بين الإخوان) [انظر:آفات اللسان ،لإبراهيم المشوخى] .
3- الاعتياد على مخالطة الفساق :
من خالط الفساق وأهل الخبث واللؤم يصبح مثلهم؛ لأنَّ من عادتهم السب والشتم والبذاءة (ولذا يجب على المسلم مجانبة أهل الباطل والفحش، وأن يبحث عن أهل الخير ليخالطهم، ويستمع إلى الكلمة الطيبة منهم، لتصفو بها نفسه؛ لأنَّ المؤمنين الأتقياء أصحاب الكلمة الطيبة الكريمة الفاضلة، يجعلون كلامهم من وراء قلوبهم، يمحصون الكلمة، فإن أرضت الله أمضوها على ألسنتهم، وإلا استغفروا الله وصمتوا، فهم لا يتكلمون بالكلمة النابية، ولا يلعنون ولا يسبون) [انظر:آفات اللسان ،لإبراهيم المشوخى] .
من الوسائل المعينة على ترك الفحش والبذاءة :
1- الإكثار من ذكر الله :
أنَّ أعرابيًّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال : لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله عزَّ وجلَّ)) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
وذكر ابن القيم من فوائد الذكر : (أنَّه سبب اشتغال اللسان عن الغِيبة، والنَّمِيمَة، والكذب، والفحش، والباطل، فإنَّ العبد لا بدَّ له من أن يتكلم، فإن لم يتكلَّم بذكر الله تعالى وذكر أوامره، تكلَّم بهذه المحرمات، أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى، والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك، فمن عوَّد لسانه ذكر الله، صان لسانه عن الباطل واللغو، ومن يبَّس لسانه عن ذكر الله تعالى، ترطَّب بكلِّ باطل ولغو وفحش، ولا حول ولا قوة إلا بالله) [الوابل الصيب] .
2- لزوم الصمت :
قال تعالى : " وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " [الإسراء: 36] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))[رواه البخارى ومسلم] .
3- تعويد اللسان على الكلام الجميل :
فيبعده ذلك عن فحش الكلام وبذيئه .
4- تجنب الألفاظ المستقبحة وإن كانت صدقًا، والتكنية عنها :
قال الماوردي : (يتجافى هجر القول، ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه، ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزه، وأدبه مصون) [أدب الدنيا والدين] .
وقال العلاء بن هارون : (كان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه، فخرج تحت إبطه خراج، فأتيناه نسأله لنرى ما يقول، فقلنا : من أين خرج فقال : من باطن اليد) [إحياء علوم الدين ،للغزالى] .


" القسوة والغلظة والفظاظة "

ذم القسوة والغلظة والفظاظة :

أولًا : في القرآن الكريم :

- قال تعالى : " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " [البقرة: 74] .
قال الشوكاني : (القسوة : الصلابة واليبس، وهي : عبارة عن خلوها من الإنابة، والإذعان لآيات الله، مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة) [فتح القدير] .
قال السعدي : " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم " (أي : اشتدت وغلظت، فلم تؤثر فيها الموعظة " مِّن بَعْدِ ذَلِكَ " أي : من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأنَّ ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها " كَالْحِجَارَةِ " التي هي أشد قسوة من الحديد، لأنَّ الحديد والرصاص إذا أذيب في النار، ذاب بخلاف الأحجار، وقوله : " أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً " أي : إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار) [تيسير الكريم الرحمن] .
قال الطبري : (فقوله : " أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً " يعني فقلوبكم كالحجارة صلابةً، ويبسًا، وغلظًا، وشدةً، أو أشد قسوة) [جامع البيان] .
- وقوله تعالى : " فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [الأنعام: 43] .
قال الألوسي : (ومعنى قَسَتْ إلخ، استمرت على ما هي عليه من القساوة، أو ازدادت قساوة) [روح المعانى] .
قال ابن كثير : (قال الله تعالى : " فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ " أي : فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا " وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ " أي : ما رقَّت ولا خشعت " وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " أي : من الشرك والمعاصي) [تفسير القرآن العظيم] .

- وقال تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " [آل عمران: 159] .
قال العز بن عبد السلام : ( فَظًّا الفظ : الجافي، والغليظ : القاسي القلب، معناهما واحد، فجمع بينهما تأكيدًا) [تفسير ابن عبد السلام] .
وقال ابن كثير : (قال تعالى : " وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ " الفظ : الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك : " غَلِيظَ الْقَلْبِ " أي : لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم) [تفسير القرآن العظيم] .

ثانيًا : في السنة النبوية :

- عن أبي مسعود قال : أشار النَّبي صلى الله عليه و سلم بيده نحو اليمين وقال : ((الإيمان هاهنا - مرتين - ألا وإنَّ القسوة وغلظ القلوب في الفدادين - حيث يطلع قرنا الشيطان - ربيعة ومضر)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال الخطابي : (إنمَّا ذم هؤلاء، لاشتغالهم بمعالجة ما هم عليه عن أمور دينهم، وتلهيهم عن أمر الآخرة، وتكون منها قساوة القلب) [عمدة القارى،للعينى] .
- وعن عبد الله بن عمرو قال عن صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم في التوراة : (قال : والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا " [الأحزاب: 45] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍ ولا غليظٍ) [رواه البخارى] .
قال القاري : (والمعنى ليس بسيئ الخلق أو القول ولا غليظ أي : ضخم كريه الخلق، أو سيئ الفعل، أو غليظ القلب، وهو الأظهر؛ لقوله تعالى : " وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ " [آل عمران: 159] أي : شديده، وقاسيه، فيناسب حينئذ أن يكون الفظ معناه بذاذة اللسان، ففيه إيماء إلى طهارة عضويه الكريمين من دنس الطبع، ووسخ هوى النفس الذميمين، وقد قال الكلبي : فظًّا في القول، غليظ القلب في الفعل) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] .
وقال المناوي : (ليس بفظ. أي : شديدًا، ولا قاسي القلب على المؤمنين، ولا غليظ. أي : سيئ) [التيسير بشرح الجامع الصغير] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، قال : ((إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح برأس اليتيم)) [حسنه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال الملا علي القاري في شرحه للحديث : (أي : قساوته، وشدته، وقلة رقته، وعدم ألفته، ورحمته، قال : امسح رأس اليتيم، لتتذكر الموت، فيغتنم الحياة، فإنَّ القسوة منشؤها الغفلة، وأطعم المسكين لترى آثار نعمة الله عليك حيث أغناك، وأحوج إليك سواك، فيرق قلبك، ويزول قسوته، ولعل وجه تخصيصهما بالذكر أنَّ الرحمة على الصغير والكبير موجبة لرحمة الله تعالى على عبده، المتخلق ببعض صفاته، فينزل عليه الرحمة، ويرتفع عنه القسوة، وحاصله أنَّه لا بد من ارتكاب أسباب تحصيل الأخلاق بالمعالجة العلمية، أو بالعملية، أو بالمعجون المركب منهما) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] .

أقوال السلف والعلماء في القسوة :
- قال مالك بن دينار : (أربع من علم الشقاوة : قسوة القلب، وجمود العين، وطول الأمل، والحرص على الدنيا) [الزهد وصفة الزاهدين،لابن الأعرابى] .
- وقال سهل بن عبدالله : (كل عقوبة طهارة، إلا عقوبة القلب فإنها قسوة) [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،لأبى نعيم] .
- وسئل ذا النون : (ما أساس قسوة القلب للمريد ؟ فقال : ببحثه عن علوم رضي نفسه بتعليمها دون استعمالها، والوصول إلى حقائقها) [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،لأبى نعيم] .
- وقال عبد الله الداري : (كان أهل العلم بالله والقبول منه يقولون :...إن الشبع يقسي القلب، ويفتر البدن) [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،لأبى نعيم] .
- وقال أبو عبد الله الساجي : (الذكر لغير ما يوصل إلى الله قسوة في القلب) [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،لأبى نعيم] .
- وقال حذيفة المرعشي : (ما ابتلي أحد بمصيبة، أعظم عليه من قسوة قلبه) [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،لأبى نعيم] .

من آثار قسوة القلب والغلظة والفظاظة :
قال ابن القيم : (سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتًا إليه، وبعضها قاسيًا، وجعل للقسوة آثارًا، وللإخبات آثارًا، فمن آثار القسوة :
1- تحريف الكلم عن مواضعه، وذلك من سوء الفهم، وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب .
2- نسيان ما ذكر به، وهو ترك ما أمر به علمًا وعملًا) [انظر: شفاء العليل] .

قال تعالى :" فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ " [المائدة: 13] .

3- الفتور عن الطاعة، والوقوع في المحرمات، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
4- الوحشة، والخوف الدائم، وعبوس الوجه، والكآبة .
5- التنافر بين القلوب، وشيوع الكراهية والبغضاء.
قال تعالى : " وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ " [آل عمران: 159] .
و(الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء، وتفرق الجموع) [سراج الملوك،لأبى بكر الطرطوشى] .
6- غلظة القلب من علامة الشقاوة في الدنيا والآخرة .
7- قسوة القلب، والغلظة، والفظاظة، من صفات الظلمة المتكبرين .

ما يباح من القسوة والغلظة والفظاظة :
1- في الجهاد :

- جاء في قصة الحديبية حينما قال عروة بن مسعود الثقفي للرسول صلى الله عليه وسلم : ((فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أوشابًا من الناس خليقًا أن يفرُّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه، فقال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر،قال : أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك)) [رواه البخارى] .

2- عند ظهور العناد والاستهزاء بالدين .
3- عند بدور مخالفة الشرع لدى من لا يتوقع منه ذلك :
كما في حديث شفاعة أسامة في المرأة المخزومية التي سرقت : ((فكلم فيها أسامة بن زيدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أتشفع في حد من حدود الله ؟! فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله)) [رواه البخارى ومسلم] .

4- عند إقامة الحدود :
قال تعالى في حق الزناة : " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ " [النور: 2] .
يقول الطبري : (يقول تعالى ذكره : لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون رأفة، وهي رقة الرحمة. دِينِ اللَّهِ، يعني في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد عليهما على ما ألزمكم به) [جامع البيان] .
وعن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : ((والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله)) [رواه البخارى] .

من علامات قسوة القلب والغلظة :
1- جمود العين وقلة دمعها من خشية الله :
قال تعالى مادحًا المؤمنين من أهل الكتاب : " وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " [المائدة: 83] .
قال ابن القيم : (متى أقحطت (2) العين من البكاء من خشية الله تعالى، فاعلم أنَّ قحطها من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي) [بدائع الفوائد] .
3- عدم الاعتبار بالموت والضحك عند القبور :
قال الغزالي : (الآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون، ويلهون، ولا يتكلمون إلا في ميراثه، وما خلفه لورثته، ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه، ولا يتفكر واحد منهم إلا ما شاء الله في جنازة نفسه، وفي حاله إذا حمل عليها، ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب، بكثرة المعاصي والذنوب، حتى نسينا الله تعالى واليوم الآخر، والأهوال التي بين أيدينا، فصرنا نلهو، ونغفل، ونشتغل بما لا يعنينا) [إحياء علوم الدين] .
4- الكبر وعدم قبول الحق :
كما في حديث حارثة بن وهبٍ وفيه أنه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((أهل النار كل جواظٍ عتلٍ مستكبرٍ)) (7) [رواه البخارى] .
قال المناوي : (إذ القلب القاسي لا يقبل الحق، وإن كثرت دلائله) [فيض القدير] .

من أسباب قسوة القلب والغلظة والفظاظة :
1- الغفلة عن ذكر الله وتدبر القرآن، والتأمل في آياته الكونية :
قال تعالى : " وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " [طه: 142] .
قال أبو السعود في قوله تعالى: " لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " [الحشر: 21] : (أُريدَ به توبيخ الإنسانِ على قسوةِ قلبهِ، وعدم تخشعِه عندَ تلاوتِه، وقلةِ تدبرِه فيه) [تفسير أبى السعود] .

2- ظلم الضعفاء، وأكل المال الحرام، وعدم التورع عن الشبهات .

3- كبر النفس واحتقار الآخرين .

4- التعصب للرأي وكثرة الجدال :
قال تعالى : " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " [الجاثية: 23] .
قال الشافعي : (المراء في العلم، يقسي القلوب، ويورث الضغائن [الاعتقاد ،للبيهقى] .

5- التوسع المذموم في المباحات :
فإنَّ قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة، الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة .
قال أبو سعيد الخادمي : (وفي كثرة النوم ضياع العمر، وفوت التهجد، وبلادة الطبع، وقسوة القلب، وفي كثرة الطعام، قسوة القلب) [إحياء علوم الدين،لأبى حامد الغزالى] .
قال الفضيل : (ثلاث خصال تقسي القلب :كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام) .
قال أبو سليمان الداراني : (إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ) [الجوع ،لابن أبى الدنيا] .
6- كثرة مخالطة الناس في غير مصلحة :
قال المناوي : (مخالطة غير التقي، يخل بالدين، ويوقع في الشبه والمحظورات،..إذ لا تخلو عن فساد، إمَّا بمتابعة في فعل، أو مسامحة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك- ولا يكاد - فلا تخطئه فتنة الغير به) [فيض القدير] .

من الوسائل المعينة على التخلص من قسوة القلب والغلظة والفظاظة :
1- الدعاء :
قال تعالى : "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " [البقرة: 186] .

حيث كان من دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم التعوذ من جمود العين، وعدم خشوع القلب، كما في حديث زيد بن أَرْقمَ وفيه كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ((... ومن قلب لا يخشع))[جزء من حديث رواه مسلم] .

2- الاعتبار بقصص أهل القسوة، والغلظة، والفظاظة .
3- تجنب قراءة كتب أهل البدع والفجور .

4- تذكر الموت وزيارة القبور :
وعن سعيد بن جبير قال : (لو فارق ذكر الموت قلبي خشيت أن يفسد عليَّ قلبي) [رواه أحمد فى الزهد] .

5- الإكثار من الاستغفار والتوبة :
قال تعالى : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " [الزمر: 53] .
عن أبي هريرة : عن النَّبي صلى الله عليه و سلم فيما يحكي عن ربه عز و جل قال : ((أذنب عبد ذنبًا فقال : اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال : أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى : عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال : أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك)) [رواه مسلم] .
قال ابن رجب الحنبلي : (والمعنى : ما دام على هذا الحال كلَّما أذنب استغفر،والظاهر أنَّ مرادهُ الاستغفارُ المقرون بعدم الإصرار) [جامع العلوم والحكم،لابن رجب الحنبلى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:44 am




" الكِبْـــر "

ذم الكِبْر والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- الكِبْر من أوَّل الذنوب التي عُصي الله تبارك وتعالى بها، قال الله تعالى مبيِّنًا سبب امتناع إبليس عن السجود لآدم : " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ " [البقرة: 34] .
قال الطبري: (وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق) [جامع البيان] .
وقال عوف بن عبد الله للفضل بن المهلب : إنِّي أريد أن أعظك بشيء، إيَّاك والكِبْر، فإنَّه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ : " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ " [البقرة: 34][مفاتيح الغيب].
- والكِبْر سبب رئيس في هلاك الأمم السابقة : فهؤلاء قوم نوح ما منعهم عن قبول الدعوة، والاستماع لنداء الفطرة والإيمان، إلا الكِبْر، فقد قال الله تعالى على لسان نبيِّهم نوح عليه السلام : " وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا " [نوح: 7] .
وهؤلاء قوم عاد ظنوا بسبب تكبرهم أنَّه لا قوة أشدُّ من قوتهم، فقد قال الله عنهم : " فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ " [فصلت: 15-16] .

- وهو سبب للصرف عن دين الله، قال الله تبارك وتعالى : " سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ " [الأعراف: 146] .
- وهو سبب لدخول النَّار والخلود فيها، قال الله تبارك وتعالى : " وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ " [الأحقاف: 20] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال : ((لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كبر ! فقال رجل : إنَّ الرَّجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة ؟ قال : إنَّ اللَه جميل يحبُّ الجمال، الكبر : بطر الحقِّ وغمط النَّاس)) [رواه مسلم] .
قال النووي في شرح الحديث : (قد اختلف في تأويله، فذكر الخطابي فيه وجهين :
أحدهما : أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا إذا مات عليه .
والثاني : أنَّه لا يكون في قلبه كبر، حال دخوله الجنَّة، كما قال الله تعالى : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ " [الأعراف: 43] .
وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكِبْر المعروف، وهو الارتفاع على الناس، واحتقارهم، ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين، أنَّه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه، وقيل : هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إمَّا أولًا، وإمَّا ثانيًا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها، وقيل : لا يدخل مع المتقين أوَّل وهلة) [شرح النووى على مسلم] .

- وعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال : ((احتجَّت الجنة والنار، فقالت النَّار: فيَّ الجبَّارون والمتكبرون. وقالت الجنة : فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما : إنَّك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنَّك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما عليَّ ملؤها)) [رواه مسلم] .

أقوال السلف والعلماء في الكِبْر :
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (إنَّ العبد إذا تواضع لله رفع الله حَكَمَتَه، وقال له : انتعش نعشك الله، فهو في نفسه حقير، وفي أعين الناس كبير، وإذا تكبَّر وعتا وَهَصَه الله إلى الأرض، وقال له : اخسأ خسأكَ الله، فهو في نفسه كبير، وفي أعين الناس حقير، حتى يكون عندهم أحقر من الخنزير) [رواه ابن أبى شيبة] .
- وعوتب علي رضي الله عنه في لبوسه فقال : (إن لبوسي هذا أبعد من الكِبْر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم) [رواه أحمد فى فضائل الصحابة] .
- وقال الحسن : (إنَّ أقوامًا جعلوا الكِبْر في قلوبهم، والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب المطرف بمطرفه ما لم تفاقروا) [التاضع والخمول ،لابن أبى الدنيا] .
- وقال وهب : (لما خلق الله جنة عدن نظر إليها، فقال : أنت حرام على كل متكبر) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
- وقال يحيى بن جعدة : (من وضع وجهه لله عزَّ وجلَّ ساجدًا فقد برئ من الكِبْر) [التاضع والخمول ،لابن أبى الدنيا] .
- وقال أبو عثمان النيسابوري : (ما ترك أحد شيئًا من السنة إلا لكبر في نفسه، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويصير فيه من الكِبْر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) [اقتضاء الصراط المستقيم،لابن تيمية] .
- وقال الأحنف بن قيس : (عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .

من آثار الكِبْر [آفات على الطريق ،لسيد محمد نوح،بتصرف] :
1- الحرمان من النظر والاعتبار :
أي أنَّ الأثر الأول الذي يتركه التكبر على المسلم إنما هو الحرمان من النظر والاعتبار... ومن حرم النظر والاعتبار، كانت عاقبته البوار والخسران المبين؛ لأنه سيبقى مقيمًا على عيوبه وأخطائه، غارقًا في أوحاله، حتى تنتهي الحياة .
2- القلق والاضطراب النفسي :
ذلك أن المتكبر يحبُّ إشباعًا لرغبة الترفع والتعالي، أن يحني الناس رؤوسهم له، وأن يكونوا دومًا في ركابه، ولأنَّ أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك، بل ليسوا مستعدين له أصلًا، فإنه يصاب بخيبة أمل، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي، هذا فضلًا عن أن اشتغال هذا المتكبر بنفسه يجعله في إعراض تام عن معرفة الله وذكره، وذلك له عواقب أدناها في هذه الدنيا القلق والاضطراب النفسي .
3- الملازمة للعيوب والنقائص :
وذلك أن المتكبر لظنه أنَّه بلغ الكمال في كلِّ شيء لا يفتش في نفسه، حتى يعرف أبعادها ومعالمها، فيصلح ما هو في حاجة منها إلى إصلاح، ولا يقبل كذلك نصحًا أو توجيهًا أو إرشادًا من الآخرين، ومثل هذا يبقى غارقًا في عيوبه ونقائصه، ملازمًا لها إلى أن تنقضي الحياة، ويدخل النار مع الداخلين .
4- الحرمان من الجنة واستحقاق العذاب في النَّار :
وذلك أمر بدهي، فإنَّ من يعتدي على مقام الألوهية، ويظلُّ مقيمًا على عيوبه ورذائله، ستنتهي به الحياة حتمًا، وما حصَّل خيرًا يستحق به ثوابًا أو مكافأة، فيحرم الجنة مؤبدًا أو مؤقتًا .

أقسام الكِبْر :
نقسم الكِبْر إلى ثلاثة أقسام : بعضها أشد من بعض، وإن كانت كلها مذمومة إلى الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والناس جميعًا، وقد ذكر هذه الأقسام ابن حجر الهيتمي فقال : (الكِبْر :
- إمَّا على الله تعالى، وهو أفحش أنواع الكبر. كتكبُّر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا عبدين له تعالى وادَّعيا الرُّبوبيَّة، قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] أَي : صَاغِرِينَ " لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ " الْآيَةَ [النساء: 172] .
- وإمَّا على رسوله، بأن يمتنع من الانقياد له تكـبُّرًا، جهلًا وعنادًا، كما حكى الله ذلك عن كفَّار مكَّة وغيرهم من الأمم .
- وإمَّا على العباد، بأن يستعظم نفسه، ويحتقر غيره، ويزدريه، فيأبى على الانقياد له، أو يترفَّع عليه، ويأنف من مساواته، وهذا، وإن كان دون الأوَّلين إلَّا أنَّه عظيم إثمه أيضًا؛ لأنَّ الكبرياء والعظمة إنَّما يليقان بالملك القادر القوي المتين، دون العبد العاجز الضَّعيف، فتكبُّره فيه منازعة للَّه في صفة لا تليق إلَّا بجلاله، فهو كعبد أخذ تاج ملك وجلس على سريره، فما أعظم استحقاقه للمقت، وأقرب استعجاله للخزي، ومن ثمَّ قال تعالى كما مرَّ في أحاديث : إنَّ من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه، أي لأنَّهما من صفاته الخاصَّة به تعالى) [الزواجر عن اقتراف الكبائر] .

درجات الكِبْر :
يقول ابن قدامة المقدسي : (واعلم‏‏ أنَّ العلماء والعباد في آفة الكِبْر على ثلاثة درجات‏ :‏
- الأولى‏ :‏ أن يكون الكِبْر مستقرًّا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرًا من غيره، إلَّا أنه يجتهد ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكِبْر مغروسة، إلا أنَّه قد قطع أغصانها‏ .‏
- الثانية‏ :‏ أن يظهر لك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، والإنكار على من يقصر في حقه، فترى العالم يصعر خده للناس، كأنه معرض عنهم، والعابد يعيش ووجهه كأنه مستقذر لهم، وهذان قد جهلا ما أدَّب الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حين قال‏ : " وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " [الشعراء: ‏215] .
- الدرجة الثالثة‏ :‏ أن يظهر الكِبْر بلسانه، كالدعاوى والمفاخر، وتزكية النفس، وحكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره، وكذلك التكبر بالنسب، فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملًا‏ ،قال ابن عباس‏ :‏ يقول الرجل للرجل‏ :‏ أنا أكرم منك، وليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى‏، قال الله تعالى‏ :‏ " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " [‏الحجرات‏: ‏13] ‏وكذلك التكبر بالمال، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك، فالكِبْر بالمال أكثر ما يجري بين الملوك والتجار ونحوهم‏، ‏والتكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء، ويدعوهن إلى التنقص، والغيبة وذكر العيوب‏.، وأما التكبر بالأتباع والأنصار، فيجري بين الملوك بالمكاثرة بكثرة الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين‏) [مختصر ممنهاج القاصدين،لابن قدامة] .

من مظاهر الكِبْر :
- أن يحب قيام الناس له أو بين يديه :
وقد قال علي رضي الله عنه : (من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام) .
وقال أنس رضي الله عنه : (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته لذلك) [صححه الألبانى فى تخريج المشكاة] .

- أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه :
قال أبو الدرداء رضي الله عنه : (لا يزال العبد يزداد من الله بعدًا، ما مشي خلفه) [رواه ابن المبارك فى الزهد] .
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لا يُعرف من عبيده، إذ كان لا يتميز عنهم في صورة ظاهرة .
ومشى قوم خلف الحسن البصري، فمنعهم وقال: ما يبقي هذا من قلب العبد .
- أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين :
روي أن سفيان الثوري قدم الرملة فبعث إليه إبراهيم بن أدهم : أن تعالَ فحدِّثنا، فجاء سفيان، فقيل له : يا أبا إسحاق، تبعث إليه بمثل هذا ؟ فقال : أردت أن أنظر كيف تواضعه .
- أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه، إلا أن يجلس بين يديه :
قال ابن وهب : (جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد، فمس فخذي فخذه، فنحيت نفسي عنه، فأخذ ثيابي فجرَّني إلى نفسه، وقال لي : لم تفعلون بي ما تفعلون بالجبابرة ؟ وإني لا أعرف رجلًا منكم شرًّا مني .
وقال أنس ((كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلا ينزع يده منها حتى تذهب به حيث تشاء)) [رواه البخارى] .

- أن يميز في إجابة الدعوة بين الغني، والفقير :
فتراه يسارع في إجابة دعوة الغني إذا دعاه، ويستنكف من إجابة دعوة الفقير .

من أسباب الكبر :
بيان البواعث على التكبر وأسبابه المهيجة له :
الكِبْر الظاهر أسبابه ثلاثة [إحياء علوم الدين،للغزالى ،بتصرف] :
1- سبب في المتكبر : وهو العجب، فهو يورث الكِبْر الباطن، والكِبْر يثمر التكبر الظاهر في الأعمال، والأقوال، والأحوال .
2- وسبب في المتكبر عليه : وهو الحقد والحسد، فأما الحقد فإنه يحمل على التكبر من غير عجب، كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله، أو فوقه، ولكن قد غضب عليه بسبب سبق منه، فأورثه الغضب حقدًا، ورسخ في قلبه بغضه فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع له، وإن كان عنده مستحقًّا للتواضع، فكم من رذل لا تطاوعه نفسه على التواضع لواحد من الأكابر؛ لحقده عليه، أو بغضه له، ويحمله ذلك على ردِّ الحق إذا جاء من جهته، وعلى الأنفة من قبول نصحه، وعلى أن يجتهد في التقدم عليه، وإن علم أنه لا يستحق ذلك، وعلى أن لا يستحله وإن ظلمه، فلا يعتذر إليه وإن جنى عليه، ولا يسأله عما هو جاهل به .
وأما الحسد فإنه أيضًا يوجب البغض للمحسود، وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب يقتضي الغضب والحقد، ويدعو الحسد أيضًا إلى جحد الحق، حتى يمنع من قبول النصيحة وتعلم العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم، وقد بقي في رذيلة الجهل؛ لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسدًا وبغيًا عليه، فهو يعرض عنه، ويتكبر عليه، مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه، ولكن الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين، وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه .
3- وسبب فيما يتعلق بغيرهما : وهو الرياء، فهو أيضًا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى إن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه، وليس بينه وبينه معرفة، ولا محاسدة، ولا حقد، ولكن يمتنع من قبول الحق منه، ولا يتواضع له في الاستفادة، خيفة من أن يقول الناس إنه أفضل منه، فيكون باعثه على التكبر عليه الرياء المجرد، ولو خلا معه بنفسه لكان لا يتكبر عليه .
وأما الذي يتكبر بالعجب، أو الحسد، أو الحقد، فإنه يتكبر أيضًا عند الخلوة به، مهما لم يكن معهما ثالث، وكذلك قد ينتمي إلى نسب شريف كاذبًا، وهو يعلم أنه كاذب، ثم يتكبر به على من ليس ينتسب إلى ذلك النسب، ويترفع عليه في المجالس، ويتقدم عليه في الطريق، ولا يرضى بمساواته في الكرامة، والتوقير، وهو عالم باطنًا، بأنَّه لا يستحق ذلك، ولا كبر في باطنه لمعرفته بأنه كاذب في دعوى النسب، ولكن يحمله الرياء على أفعال المتكبرين، وكأنَّ اسم المتكبر إنَّما يطلق في الأكثر على من يفعل هذه الأفعال عن كبر في الباطن، صادر عن العجب والنظر إلى الغير، بعين الاحتقار، وهو إن سمي متكبرًا، فلأجل التشبه بأفعال الكِبْر، فتصير الأسباب بهذا الاعتبار أربعة: العجب، والحقد، والحسد، والرياء .
أشرُّ الكِبْر :
يحدثنا الذهبي عن أشرِّ أنواع الكبر فيقول: (وأشرُّ الكِبْر الذي فيه من يتكبر على العباد بعلمه، ويتعاظم في نفسه بفضيلته، فإنَّ هذا لم ينفعه علمه، فإنَّ من طلب العلم للآخرة كسره علمه، وخشع قلبه، واستكانت نفسه، وكان على نفسه بالمرصاد، فلا يفتر عنها، بل يحاسبها كلَّ وقت، ويتفقدها، فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكته، ومن طلب العلم للفخر والرياسة، وبطر على المسلمين، وتحامق عليهم، وازدراهم، فهذا من أكبر الكِبْر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) [الكبائر،للذهبى] .
من الوسائل المعينة على ترك الكِبْر [آفات على الطريق،لسيد محمد نوح،بتصرف] :
1- تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر، سواء كانت عواقب ذاتية، أو متصلة بالعمل الإسلامي، وسواء كانت دنيوية، أو أخروية، فلعل هذا التذكير يحرك النفس من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها، قبل ضياع العمر وفوات الأوان .
2- عيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين، وأهل البلاء، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، فلعل ذلك أيضًا يحركه من داخله، ويجعله يرجع إلى ربه بالإخبات، والتواضع .
3- الانسلاخ من صحبة المتكبرين، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين، فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليه، فيعود له سناؤه، وضياؤه الفطري، كما كان عند ولادته .
4- مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوى العاهات منهم، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم، كما كان يصنع النَّبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وكثير من السلف، فإن هذا مما يهذب النفس، ويجعلها تقلع عن غيها، وتعود إلى رشدها .
5- التفكر في النفس، وفي الكون، بل وفي كلِّ النعم التي تحيط به، من أعلاه إلى أدناه، مَن مصدر ذلك كله ؟ ومَن ممسكه ؟ وبأيِّ شيء استحقه العباد ؟ وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة، فضلًا عن باقي النعم ؟ فإن ذلك التفكر لو كانت معه جدِّية، يحرك النفس ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها .
6- النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا ؟ وإلى أي شيء صاروا ؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كلِّ العصور والبيئات، فإنَّ ذلك مما يخوِّف النفس، ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكتب التراجم، والتاريخ، خير ما يُعين على ذلك .
7- حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون، لاسيما مجالس التذكير والتزكية، فإنَّ هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترقَّ، وتلين، وتعود إليها الحياة من جديد .
8- حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية، ما دامت مشروعة، كأن يقوم هذا المتكبر بشراء طعامه، وشرابه، وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله، والمشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وصحبه، والسلف، فإن هذا يساعد كثيرًا في تهذيب النفس، وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيدًا عن أي التواء، أو اعوجاج .
أقوال الأدباء في ذم الكِبْر والمتكبرين :
- التعزز بالتكبر ذلٌّ .
- الكِبْر فضل حمقٍ، لم يدر صاحبه أين يضعه .
التكبر على الملوك تعرضٌ للحتوف، وعلى الأنذال من ضعة النفس، وعلى الأكفاء جهلٌ عظيمٌ، وسخف .
- الكِبْر داءٌ يُعدي .
- الإفراط في الكِبْر يوجب البغضة، كما أن الإفراط في التواضع يوجب الذلة .
- قال ابن المعتز : لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال، استعانوا بالكِبْر، ليعظم صغيرًا، ويرفع حقيرًا، وليس بفاعلٍ .
- وكان يقال : من عرف حق أخيه دام له إخاؤه، ومن تكبر على الناس، ورجا أن يكون له صديق فقد غرَّ نفسه .


" الكــذب "

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ " [النحل: 105] .
( "إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ " على الله وعلى رسوله شِرارُ الخلق " الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ " من الكفرة والملحدين المعروفين، بالكذب عند الناس) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .
- وقال سبحانه : " وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ " [الجاثية: 7] .
(أي : كذَّاب في مقاله، أثيم في فعاله، وأخبر أنَّ له عذابًا أليمًا، وأنَّ " مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ " [الجاثية: 10] تكفي في عقوبتهم البليغة) [تسير الكريم الرحمن،للسعدى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) [رواه البخارى ومسلمٍ] .
- وعنه أيضًا رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمع)) [رواه مسلم] .
قال ابن الجوزي : (فيه تأويلان، أحدها: أن يروي ما يعلمه كذبًا، ولا يبينه فهو أحد الكاذبين، والثاني : أنَّ يكون المعنى بحسب المرء أن يكذب؛ لأنَّه ليس كلُّ مسموع يصدق به، فينبغي تحديث الناس بما تحتمله عقولهم) [كشف المشكل من حديث الصحيحين] .
- وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عُذِّب بها في نار جهنم)) [رواه البخارى] .
(ومعنى الحديث النهي عن الحلف بما حلف به من ذلك، والزجر عنه، وتقدير الكلام : من حلف بملة غير الإسلام، كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، يعنى فهو كاذب حقًّا؛ لأنَّه حين حلف بذلك ظنَّ أنَّ إثم الكذب واسمه ساقطان عنه؛ لاعتقاده أنَّه لا حرمة لما حلف به، لكن لما تعمد ترك الصدق في يمينه، وعدل عن الحق في ذلك، لزمه اسم الكذب، وإثم الحلف، فهو كاذب كذبتين : كاذب بإظهار تعظيم ما يعتقد خلافه، وكذب بنفيه ما يعلم إثباته، أو بإثبات ما يعلم نفيه، فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ في هذا الحديث دليلًا على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقًا، لاشتراطه في الحديث أن يحلف به كاذبًا، قيل له : ليس كما توهمت؛ لورود نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم، عن الحلف بغير الله، نهيًا مطلقًا، فاستوى في ذلك الكاذب والصادق، وفي النهي عنه) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .

أقوال السلف والعلماء في الكذب :
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (لأن يضعني الصدق - وقلَّما يضع - أحبُّ إليَّ من أن يرفعني الكذب، وقلَّما يفعل) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .
- وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (أعظم الخطايا الكذب، ومن يعفَّ يعفُ الله عنه) [رواه أبو نعيم فى الحلية] .
- وروي عنه أيضًا أنه قال : (الكذب لا يصلح منه جدٌّ ولا هزل) [رواه أحمد فى المسند] .
- وكان ابن عباس يقول : (الكذب فجور، والنَّمِيمَة سحرٌ، فمن كذب فقد فجر، ومن نمَّ فقد سحر) [عيون الأخبار ،لابن قتيبة] .
- وقال الأحنف : (ما خان شريفٌ، ولا كذب عاقلٌ، ولا اغتاب مؤمنٌ، وكانوا يحلفون فيحنثون، ويقولون فلا يكذبون) [رواه الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .

من آثار الكذب :
1- الكذب يقرب البعيد، ويبعد القريب خلاف الواقع .
3- الكذب يذهب بالمروءة .
4- الكذب يعرض صاحبه للإهانة .
5- (الكاذب يصور المعدوم موجودًا، والموجود معدومًا. والحقَّ باطلًا، والباطل حقًّا، والخير شرًّا والشرَّ خيرًا، فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له، ثم يصور ذلك في نفس المخاطب) [الفوائد] .
6- الكذب يهدي إلى الفجور .

حكم الكذب وما يباح منه :
قال النووي : (قد تظاهرتْ نصوصُ الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب. وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريمه مع النصوص المتظاهرة، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمُّ بيان ما يُستثنى منه، والتنبيه على دقائقه) [الأذكار] .

وهذه بعض الحالات التي يباح فيها الكذب، وهي :
1- (في الحرب؛ لأنَّ الحرب خدعة، ومقتضياتها تستدعي التمويه على الأعداء، وإيهامهم بأشياء قد لا تكون موجودة، واستعمال أساليب الحرب النفسية ما أمكن، ولكن بصورة ذكية لبقة .
2- في الصلح بين المتخاصمين؛ حيث إنَّ ذلك يستدعي أحيانًا أن يحاول المصلح تبرير أعمال كل طرف وأقواله بما يحقق التقارب ويزيل أسباب الشقاق، وأحيانًا ينسب إلى كل من الأقوال الحسنة في حق صاحبه ما لم يقله، وينفي عنه بعض ما قاله؛ وهو ما يعوق الصلح ويزيد شقة الخلاف والخصام .
3- في الحياة الزوجية؛ حيث يحتاج الأمر أحيانًا إلى أن تكذب الزوجة على زوجها، أو يكذب الزوج على زوجته، ويخفي كل منهما عن الآخر ما من شأنه أن يوغر الصدور، أو يولد النفور، أو يثير الفتن والنزاع والشقاق بين الزوجين، كما يجوز أن يزف كل منهما للآخر من معسول القول ما يزيد الحب، ويسر النفس، ويجمل الحياة بينهما، وإن كان ما يقال كذبًا؛ لأن هذا الرباط الخطير يستحق أن يهتم به غاية الاهتمام، وأن يبذل الجهد الكافي ليظل قويًا جميلًا مثمرًا) [الرائد دروس فى التربية والدعوة،لمازن الفريح] .

فعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا، وينمي خيرًا)) قال ابن شهاب : ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب، إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها [رواه البخارى ومسلم] .

من صور الكذب :
1- الكذب في الحديث بين الناس :
(الكذب في الحديث الجاري بين الناس يقول : قلت لفلان كذا. وهو لم يقله،قال فلان كذا، وهو لم يقله، جاء فلان،وهو لم يأت وهكذا، هذا أيضًا محرم ومن علامات النفاق، كما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب))...) [شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] .
2- الكذب لإضحاك الناس :
روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((ويل للذي يحدث بالحديث، ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له)) [حسنه الترمذى والألبانى فى صحيح الترمذى] .
قال المناوي في شرحه للحديث : (كرره إيذانًا بشدة هلكته؛ وذلك لأنَّ الكذب وحده رأس كلِّ مذموم، وجماع كلِّ فضيحة، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب، ويجلب النسيان، ويورث الرعونة كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء : إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة) [فيض القدير] .
قال ابن عثيمين : (وهذا يفعله بعض الناس ويسمونها النكت، يتكلم بكلام كذب ولكن من أجل أن يضحك الناس، هذا غلط، تكلم بكلام مباح من أجل أن تدخل السرور على قلوبهم، وأما الكلام الكذب فهو حرام) [شرح رياض الصالحين] .

3- المبالغة في المعاريض :
لا ريب أنَّ في المعاريض مندوحةً عن الكذب، ولكن هناك من يبالغ في المعاريض، ويتوسَّع فيها توسُّعًا يخرجه عن طوره، ويجعله يدخل فيها ما ليس منها، فتجده يقلب الحقائق، وينال من الآخرين، ويُلبس عليهم، ويحصل على مآربه بالمراوغة والمخاتلة، مما يوقعه في الكذب، فَتُفْقَدُ الثقة به، وبحديثه [الكذب مظاهره - علاجه،لمحمد الحمد،بتصرف] .
4- الكذب السياسي :
الكذب الذي يقوم على القاعدة الميكافيلية التي تقول : (إن الغاية تبرر الوسيلة) أو (الغاية تسوغ الواسطة). وهذه القاعدة يأخذ بها غالبية السياسيين [الكذب مظاهره - علاجه،لمحمد الحمد،بتصرف] .

5- الكذب على الأولاد :
فكثيرًا ما يكذب الوالدان على أولادهما الصغار؛ رغبةً في التخلص منهم، أو تخويفًا لهم؛ كي يكفُّوا عن العبث واللعب، أو حفزًا لهم كي يجِدُّوا في أمر ما، أو غير ذلك [الكذب مظاهره - علاجه،لمحمد الحمد،بتصرف] .

من أسباب الوقوع في الكذب :
(دوافع الكذب كثيرة، منها الخوف من النقد، والخوف من العقاب أو العتاب، ومنها إيثار المصلحة العاجلة، ومنها قلة مراقبة الله والخوفِ منه، ومنها اعتياد الكذب وإلفه، ومنها البيئة والمجتمع، ومنها سوء التربية إلى غير ذلك من دوافع الكذب) [الكذب مظاهره - علاجه،لمحمد الحمد،بتصرف] .
قال الماوردي : (وأما دواعي الكذب فمنها :
- اجتلاب النفع واستدفاع الضر، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم، فيرخص لنفسه فيه اغترارًا بالخدع، واستشفافًا للطمع، وربما كان الكذب أبعد لما يؤمِّل، وأقرب لما يخاف؛ لأنَّ القبيح لا يكون حسنًا، والشر لا يصير خيرًا، وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل...
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لأن يضعني الصدق وقلَّما يفعل، أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب وقلَّما يفعل .
وقال بعض الحكماء : الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته .
وقال الجاحظ : الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان، فيهن تمام كلِّ دين، وصلاح كلِّ دنيا، وأضدادهنَّ سبب كلِّ فرقة، وأصل كلِّ فساد .
- ومنها : أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبًا وكلامه مستظرفًا، فلا يجد صدقًا يعذب ولا حديثًا يستظرف، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة، ولا ظرائفه معجزة .
وهذا النوع أسوأ حالًا مما قبل؛ لأنه يصدر عن مهانة النفس، ودناءة الهمة .
وقد قال الجاحظ : لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده .
وقال ابن المقفع : لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل، فإنها تسرع إلى إبطال الحق [أدب الدنيا والدين،للماوردى] .

- الكذب الأبيض والأسود :
يظن بعض الناس أن هناك كذبًا أبيض وهو حلال، وكذبًا أسود وهو حرام، والأمر ليس كذلك، فالكذب كله حرام، قال ابن عثيمين : (والكذب حرام وكلما كانت آثاره أسوأ، كان أشد إثمًا، وليس في الكذب شيء حلالًا وأما ما ادعاه بعض العامة، حيث يقولون : إن الكذب نوعان : أسود، وأبيض، فالحرام هو الأسود، والحلال هو الأبيض، فجوابه : أن الكذب كله أسود، ليس فيه شيء أبيض، لكن يتضاعف إثمه بحسب ما يترتب عليه، فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم أو غرر على مسلم صار أشد إثمًا، وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار فإنه أخف ولكنه حرام) [شرح رياض الصالحين،لابن عثيمين] .
علامات تدل على الكذاب :
قال ابن أبي الدنيا : (واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات دالة عليه .
فمنها : أنك إذا لقَّنته الحديث تَلَقَّنَه، ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده .
ومنها : أنك إذا شككته فيه تشكَّك حتى يكاد يرجع فيه، ولولاك ما تخالجه الشك فيه .
ومنها : أنك إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك، ولم يكن عنده نصرة المحتجين، ولا برهان الصادقين، ولذلك قال علي بن أبي طالب : الكذاب كالسراب .
ومنها: ما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من ذلة المتوهمين؛ لأنَّ هذه أمور لا يمكن الإنسان دفعها عن نفسه؛ لما في الطبع من آثارها، ولذلك قالت الحكماء : العينان أنم من اللسان، وقال بعض البلغاء : الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .


" الكَسَــــل "

ذَمُّ الكَسَل والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً " [النَّساء: 142] .
- وقال : " وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ " [التَّوبة: 54] .
قال الطَّبري : (وأمَّا قوله " وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ " [النساء: 142] فإنَّه يعني : أنَّ المنافقين لا يعملون شيئًا مِن الأعمال التي فرضها الله على المؤمنين على وجه التَّقرُّب بها إلى الله؛ لأنَّهم غير موقنين بمعاد ولا ثواب ولا عقاب، وإنَّما يعملون ما عملوا مِن الأعمال الظَّاهرة إبقاءً على أنفسهم، وحِذَارًا مِن المؤمنين عليها أن يُقْتَلوا أو يُسْلَبوا أموالهم، فهم إذا قاموا إلى الصَّلاة - التي هي مِن الفرائض الظَّاهرة - قاموا كُسَالَى إليها، رياءً للمؤمنين ليحسبوهم منهم وليسوا منهم؛ لأنَّهم غير معتقدي فرضها ووجوبها عليهم، فهم في قيامهم إليها كُسَالَى) [جامع البيان] .
قال البغويُّ : ( " وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى " [التَّوبة: 54] متثاقلون؛ لأنَّهم لا يرجون على أدائها ثوابًا، ولا يخافون على تركها عقابًا، فإن قيل : كيف ذَمَّ الكَسَل في الصَّلاة ، ولا صلاة لهم أصلًا ؟ قيل : الذَمُّ واقعٌ على الكفر الذي يبعث على الكَسَل، فإنَّ الكفر مُكْسِل، والإيمان منشِّط) [تفسير البغوى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((يَعْقِد الشَّيطان على قافية رأس أحدكم -إذا هو نام- ثلاث عقد، يضرب كلَّ عقدة: عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدةٌ، فإن توضَّأ انحلَّت عقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّت عقدةٌ، فأصبح نشيطًا طيِّب النَّفس، وإلَّا أصبح خبيث النَّفس كسلانَ)) [رواه البخارى] .
قال النَّوويُّ : (وقوله صلى الله عليه وسلم (وإلَّا أصبح خبيث النَّفس كسلانَ) معناه : لما عليه مِن عُقَد الشَّيطان وآثار تثبيطه واستيلائه مع أنَّه لم يزل ذلك عنه، وظاهر الحديث أنَّ مَن لم يجمع بين الأمور الثَّلاثة -وهي الذِّكر والوضوء والصَّلاة - فهو داخل فيمن يصبح خبيث النَّفس كسلان) [شرح النووى على مسلم] .
- عن أنس بن مالك، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : ((اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك مِن العَجْز، والكَسَل، والجبن، والهرم، والبخل، وأعوذ بك مِن عذاب القبر، ومِن فتنة المحيا والممات)) [البخارى ومسلم] .
أقوال السَّلف والعلماء في الكَسَل :
- قال أبو حاتم : (سبب النَّجاح تَـرْك التَّواني، ودواعي الحِرْمَان الكَسَل؛ لأنَّ الكَسَل عدوُّ المروءة، وعذابٌ على الفُتُوَّة، ومِن التَّواني والعَجْز أُنتجت الهلكة، وكما أنَّ الأناة بعد الفرصة أعظم الخطأ، كذلك العجلة قبل الإمكان نفس الخطأ، والرَّشيد مَن رشد عن العجلة، والخائب مَن خاب عن الأناة، والعَجِل مخطئ أبدًا، كما أنَّ المتثبِّت مصيب أبدًا) [روضة العقلاء] .
- وقال القنُّوجي : (قيل : مَن دام كسله خاب أمله) [روح البيان] .
- وقال بعض الحكماء : (نكح العَجْز التَّواني فخرج منهما النَّدامة، ونكح الشُّؤم الكَسَل فخرج منهما الحِرْمَان) [أدب الدنيا والدين ،للماوردى] .

- ويقول ابن القيِّم : (إذا جنَّ اللَّيل وقع الحرب بين النَّوم والسَّهر، فكان الشَّوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة، وصار الكَسَل والتَّواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفُتُور والنَّوم، فحصل الظَّفر والغنيمة، فما يطلع الفجر إلَّا وقد قسِّمت السُّهمان، وما عند النَّائمين خبر) [بدائع الفوائد] .

- وقال الرَّاغب : (مَن تعوَّد الكَسَل ومال إلى الرَّاحة، فَقَدَ الرَّاحة، فحبُّ الهوينا يُكْسِب النَّصبَ) [فيض القدير،للمناوى] .

ما يباح مِن الكَسَل :
إذا أحس الإنسان في نفسه بشيء مِن الكَسَل بعد جهد كبير في الطَّاعة، فليرقد حتى يعود إليه نشاطه، كما بيَّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك لزينب حينما دخل المسجد، فإذا حبلٌ ممدودٌ بين ساريتين، فقال : ((ما هذا الحبل ؟ قالوا : هذا حبلٌ لزينب، فإذا فَتَرت تعلَّقت به، فقال صلى الله عليه وسلم : لا، حلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَرَ فليرقد)) [رواه البخارى ومسلم] .
وقال : (إنَّ لكلِّ عمل شِرَّة، والشِّرَّة إلى فَتْرة ، فمَن كانت فَتْرَته إلى سنَّتي فقد اهتدى، ومَن كانت فَتْرَته إلى غير ذلك فقد ضلَّ) [صححه الألبانى فى صحيح الجامع] .
قال ابن القيِّم : (فتخلُّل الفترات للسَّالكين أمرٌ لازمٌ لا بدَّ منه، فمَن كانت فَتْرَته إلى مُقَاربة وتسديد، ولم تُخْرِجه مِن فرضٍ، ولم تُدْخِله في محرَّمٍ، رُجِي له أن يعود خيرًا ممَّا كان، قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وأرضاه : إنَّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت فخذوها بالنَّوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض .
وفي هذه الفترات والغيوم والحُجُب - التي تَعْرِض للسَّالكين - مِن الحِكَم ما لا يعلم تفصيله إلَّا الله، وبها يتبيَّن الصَّادق مِن الكاذب، فالكاذب ينقلب على عقبيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه، والصَّادق ينتظر الفرج ولا ييأس مِن روح الله، ويلقي نفسه بالباب طريحًا ذليلًا مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتَّة، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له، لا بسبب مِن العبد، وإن كان هذا الافتقار مِن أعظم الأسباب، لكن ليس هو منك، بل هو الذي مَنَّ عليك به، وجرَّدك منك وأخلاك عنك، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه) [مدارج السالكين،لابن القيم] .
من آثار الكَسَل :
1- التَّكاسل عن العبادات والطَّاعات، مع ضعف وثِقل أثناء أدائها .
2- الشُّعور بقسوة القلب وخشونته، فلم يعد يتأثَّر بالقرآن والمواعظ، ورانت عليه الذُّنوب والمعاصي، قال سبحانه : " كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ " [المطففين: 14] .
3- عدم استشعار المسئوليَّة الملْقَاة على عاتقه، والتَّساهل والتَّهاون بالأمانة التي حمَّله الله إيَّاها، والله سبحانه وتعالى يقول : " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً " [الأحزاب: 72] .
4- كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمَّة وينفع الأجيال، فتجد هذا النَّوع يتحدَّثون عمَّا عملوا سابقًا، وكنَّا وكنَّا ! وكنت وكنت ! ويتسلَّون بهذا القول عن العمل الجاد المثمر، والله - جلَّ وعلا - يقول : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ " [الصَّف: 2-3] .
5- ضياع الوقت وعدم الإفادة منه، وتزجيته بما لا يعود عليه بالنَّفع، وتقديم غير المهم على المهم، والشُّعور بالفراغ الرُّوحي والوقتي، وعدم البركة في الأوقات .

6- النَّقد لكلِّ عمل إيجابي؛ تنصُّلًا مِن المشاركة والعمل، وتضخيم الأخطاء والسَّلبيَّات؛ تبريرًا لعجزه وفتوره، تراه يبحث عن المعاذير، ويصطنع الأسباب؛ للتَّخلُّص والفرار : " وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ " [التَّوبة: 81] [الفتور،للدكتور ناصر العمر،باختصار شديد] .

أقسام الكَسَل :
وينقسم الكَسَل إلى عدَّة أقسام، أهمها [انظر:الفتور،للدكتور ناصر العمر،باختصار شديد] :
1- كسلٌ وفُتُورٌ عام في جميع الطَّاعات، مع كُرْهٍ لها وعدم رغبة فيها، وهذه حال المنافقين؛ فإنَّهم مِن أشدِّ النَّاس كسلًا وفتورًا ونفورًا .
قال الله - جل وعلا - فيهم : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً " [النَّساء: 142] وقال : " وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ " [التَّوبة: 54] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((أثقل الصَّلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوًا)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
ولفظ (أثقل) على صيغة (أفعل) يدلُّ على أنَّ غيرهما ثقيل، وليس الثُّقل مقتصرًا عليهما .
2- كسلٌ وفُـتُور في بعض الطَّاعات، يصاحبه عدم رغبة فيها دون كُرْهٍ لها، أو ضعف في الرَّغبة مع وجودها، وهذه حال كثير مِن فُسَّاق المسلمين وأصحاب الشَّهوات .
وهذان القسمان سببهما مرض في القلب، ويقوى هذا المرض ويضعف بحسب حال صاحبه، فمرض المنافقين أشدُّ مِن مرض الفُسَّاق وأصحاب الشَّهوات، فهم يتمتَّعون بصحَّة في أجسامهم وأبدانهم، قال - سبحانه - : " وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ " [المنافقون: 4] ولكن قلوبهم مريضة، قال - سبحانه - : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً " [البقرة: 10] .
3- كسلٌ وفُـتُورٌ عامٌّ سببه بدنيٌّ لا قلبيٌّ؛ فتجد عنده الرَّغبة في العبادة، والمحبَّة للقيام بها، وقد يحزن إذا فاتته، ولكنَّه مستمرٌّ في كسله وفُتُوره، فقد تمرُّ عليه اللَّيالي وهو يريد قيام اللَّيل، ولكنَّه لا يفعل- مع استيقاظه وانتباهه - ويقول : سأختم القرآن في كلِّ شهر، وتمضي عليه الأشهر ولم يتمَّه، ويحبُّ الصَّوم، لكنَّه قليلًا ما يفعل. وهذه حال كثيرٍ مِن المسلمين الذين يصابون بهذا الدَّاء، ومنهم أناس صالحون، وآخرون مِن أصحاب الشَّهوة والفِسْق. قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ " [التَّوبة: 38] وقد يؤدِّي هذا النَّوع إلى أن يشترك بعض المصابين به مع النَّوع الثَّاني، وهو الثُّقل القلبي في بعض العبادات .

من أسباب الوقوع في الكَسَل :
1- النِّفاق يورث الكَسَل في العبادة لا محالة .
2-التَّسويف، وهو داء عضال ومرض قتَّال، إذ إنَّ (سوف) جندٌّ مِن جنود إبليس .

3- شِبَع البطن، قال ابن قدامة : (كثرة الأكل تورث الكَسَل والفُتُور) [مختصر منهاج القاصدين،للمقدسى] .
4- عدم الذِّكر والوضوء والصَّلاة عند الاستيقاظ كما في الحديث : ((يعقد الشَّيطان على قافية رأس أحدكم - إذا هو نام - ثلاث عقد، يضرب كلَّ عقدة عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضَّأ انحلَّت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيِّب النَّفس، وإلَّا أصبح خبيث النَّفس كسلان)) [رواه البخارى ومسلم] .
5- فتح الفم عند التَّثاؤب وعدم دفعه، عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - مرفوعًا : ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيهِ)) [رواه مسلم] لأنَّه سبب الكَسَل عن الطَّاعة والحضور فيها، ولذا صار منسوبًا إلى الشَّيطان، كما قال -صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم-: ((التَّثاؤب مِن الشَّيطان)) [رواه البخارى ومسلم] .

من الوسائل المعينة على ترك الكَسَل :
1- اللُّجوء إلى الله بالدعاء والاستعاذة، كما ورد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : (اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك مِن العَجْز والكَسَل) [البخارى ومسلم] .
2- اتِّباع الوسطيَّة: فإنَّ الوسطيَّة منهج حياة، لذا وُصِفَت بها الأمَّة، قال تعالى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " [البقرة: 143]، وذُمَّ المتشدِّدون كما في حديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ((هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون)) [رواه مسلم] .
3- المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها، وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين يسارعون في الخيرات، وأمر بالمسابقة والمسارعة، فقال - سبحانه - : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " [آل عمران: 133] وقال : " سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ " [الحديد: 21] وأثنى على الأنبياء فقال : " إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ " [الأنبياء: 90] وقال في سورة الواقعة مبيِّنًا أجر السَّابقين إلى الخيرات والإيمان : " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ " [الواقعة: 10-11] .

4- يُعَوَّد في بعض النَّهار المشي والحركة والرِّياضة حتى لا يغلب عليه الكَسَل [موعظة المؤمنين،لجمال الدين القاسمى] .
5- ينبغي أن يُمْنَع مِن النَّوم نهارًا؛ فإنَّ ذلك يورث الكَسَل في حقه، ولا يمنع مِن النَّوم ليلًا، لأنَّ منعه مِن النَّوم في اللَّيل يورث الملَالة، ويُضْعِف عن مكابدة النَّوم وشدَّة النُّعاس [موارد الظمآن ،لعبد العزيز السلمان] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:45 am




" اللُّــؤْم "

ذَمُّ اللُّؤْم والنَّهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال الله تعالى : " عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ " [القلم: 13] .
قال الماورديُّ : (وفيه تسعة أوجه.. الوجه الثَّامن : هو الفاحش اللَّئيم، قاله معمر) [تفسير الماوردى] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أبي بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((... رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنَّه عَجِل لرأى العجب... فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا)) [حديث طويل رواه مسلم] .
قال القرطبيُّ : (والمراد به هنا : أنَّهما سألا الضِّيافة، بدليل قوله تعالى : " فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا " [الكهف: 77]؛ فاستحقَّ أهل القرية أن يُذَمُّوا، ويُنْسَبوا إلى اللُّؤْم كما وصفهم بذلك نبيُّنا صلى الله عليه وسلم) [المفهم] .

أقوال السَّلف والعلماء في اللُّؤْم :
- كان زيد بن أسلم يقول : (يا ابن آدم ! أمرك ربُّك أن تكون كريمًا وتدخل الجنَّة، ونهاك أن تكون لئيمًا وتدخل النَّار) [رواه أبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .
- وقال الشَّعبي : (النَّاس مِن نبات الأرض، فمَن دخل الجنَّة فهو كريم، ومَن دخل النَّار فهو لئيم) [مجموع فتاوى ابن تيمية] .
- وقال الشَّافعي : (طُبِع ابن آدم على اللُّؤْم، فمِن شأنه أن يتقرَّب ممَّن يتباعد منه، ويتباعد ممَّن يتقرَّب منه) [الزهد الكبير ،للبيهقى] .
- وقال - أيضًا - : (أصل كلِّ عداوة : اصطناع المعروف إلى اللِّئام) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
- وقال الأصمعيُّ : (قال بزرجمهر الحكيم : احذروا صولة اللَّئيم إذا شبع، وصولة الكريم إذا جاع) [رواه أبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .
- وقال ابن القيِّم : (مَن لم يعرف الطَّريق إلى ربِّه ولم يتعرَّفها، فهذا هو اللَّئيم الذي قال الله تعالى فيه : " وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ " [الحج: 18]) [طريق الهجرتين] .
- وقال ابن أبي سبرة : (قيل لحُبَّى المدنية : ما الجُرْح الذي لا يَنْدَمِل ؟ قالت : حاجة الكريم إلى اللَّئيم ثمَّ يردُّه) [رواه أبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .
- وقال بعض الحكماء : (لا تضع معروفك عند فاحش ولا أحمق ولا لئيم؛ فإنَّ الفاحش يرى ذلك ضعفًا، والأحمق لا يعرف قَدْر ما أتيت إليه، واللَّئيم سبخة لا ينبت ولا يثمر، ولكن إذا أصبت المؤمن؛ فازرعه معروفك تحصد به شكرًا) [رواه أبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .

من آثار اللُّؤْم :
1- لئام النَّاس أبطؤهم مودَّة، وأسرعهم عداوة، مثل الكُوب مِن الفَخَّار : يُسْرِع الانكسار، ويُبْطِئ الانجبار [روضة العقلاء،لابن حبان] .
2- اللَّئيم لا يقضي الحاجة ديانةً ولا مروءةً، وإنَّما يقضيها - إذا قضاها - طلبًا للذِّكر والمحْمَدَة في النَّاس [روضة العقلاء،لابن حبان] .
3- اللِّئام أصبر النَّاس في طاعة أهوائهم وشهواتهم، وأقلُّ النَّاس صبرًا في طاعة ربِّهم .

4- اتِّباع الهفوات والإعراض عن الحسنات :
قال الغزَّالي : (والطَّبع اللَّئيم يميل إلى اتِّباع الهفوات والإعراض عن الحسنات، بل إلى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتَّنزيل على مقتضى الشَّهوة ليتعلَّل به، وهو مِن دقائق مكايد الشَّيطان) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
5- اللُّؤْم يؤدِّي إلى الفُحْش والسَّبِّ وبذاءة اللِّسان :
قال الغزَّالي : (الفُحْش والسَّبُّ وبذاءة اللِّسان : وهو مذموم ومنهي عنه، ومصدره الخُبْث واللُّؤْم) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
6- اللَّئيم رقيق المروءة :
قال عمر بن الخطَّاب - رضوان الله عليه - : (ما وجدت لئيمًا قطُّ إلَّا وجدته رقيق المروءة) [رواه أبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .
7- اللَّئيم يقسو إذا أُلْطِف :
قال علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - : (الكريم يلين إذا استُعْطِف، واللَّئيم يقسو إذا أُلْطِف) [رواه أبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم] .

من صور اللُّؤْم :
1- ظُلْم القَرَابة :
قال القاضي المهدي : (لئيم مَن يظلم قرابته : إذا كان الظُّلم كلَّه سيِّئ، فإنَّ مِن أسوأ الظُّلم : ظُلْم القَرَابَة؛ فهو يدلُّ على الخساسة والنَّذالة والدَّناءة) [صيد الأفكار] .
2- السَّبُّ وبذاءة اللِّسان :
قال الغزَّالي : (الفُحْش والسَّبُّ وبذاءة اللِّسان : مذموم ومنهي عنه، ومصدره الخُبْث واللُّؤْم) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
3- البخل :
قال ابن قتيبة الدِّينوري : (اللَّئيم : الذي جمع الشُّحَّ، ومَهَانة النَّفس ودناءة الآباء، يقال : كلُّ لئيم بخيل، وليس كلُّ بخيل لئيمًا) [أدب الكاتب] .
4- إفشاء السِّرِّ :
قال الغزَّالي : (إفشاء السِّرِّ خيانة؛ وهو حرامٌ إذا كان فيه إضْرَارٌ، ولُؤْمٌ إن لم يكن فيه إضْرَارٌ) [إحياء علوم الدين،للغزالى] .

من أسباب الوقوع في اللُّؤْم :
1- معاشرة اللِّئام :
عن إبراهيم بن شِكلة قال : (إنَّ لكلِّ شيء حياة وموتًا، وإنَّ ممَّا يحيي الكرم مواصلة الكرماء، وإنَّ ممَّا يحيى اللُّؤْم معاشرة اللِّئام) [صيد الأفكار،للقاضى حسين المهدى] .
2- الحسد، والبخل، والكذب، والغيبة .
3- ضعف الحياء :
قال أبو حاتم : (ابن آدم مطبوعٌ على الكرم واللُّؤْم معًا في المعاملة بينه وبين الله، والعِشْرة بينه وبين المخلوقين، وإذا قَوِيَ حياؤه قَوِيَ كرمه وضَعُف لُؤْمُه، وإذا ضَعُف حياؤه قَوِيَ لُؤْمُه وضَعُف كرمه) [روضة العقلاء،لابن حبان] .


" المكْر والكَيْد "

ذَمُّ المكْر والكَيْد والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ " [النَّمل: 50-51] .
قال السعدي : ( " وَمَكَرُوا مَكْرًا " دبَّروا أمرهم على قتل صالح وأهله على وجه الخُفْية - حتى مِن قومهم - خوفًا مِن أوليائه، " وَمَكَرْنَا مَكْرًا " بنصر نبيِّنا صالح -عليه السَّلام- وتيسير أمره، وإهلاك قومه المكذِّبين، " وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ " ، " فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ " هل حصل مقصودهم، وأدركوا - بذلك المكْر - مطلوبهم أم انتقض عليهم الأمر ؟ ولهذا قال : " أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ " أهلكناهم واستأصلنا شأفتهم، فجاءتهم صيحة عذاب، فأهلكوا عن آخرهم) [تيسير الكريم الرحمن] .

- وقوله عزَّ وجلَّ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " [الأنعام: 123] .
قال ابن عاشور : (والمراد بالمكْر هنا تَحُيُّل زعماء المشركين على النَّاس في صرفهم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن متابعة الإسلام، قال مجاهد: كانوا جَلَسُوا على كلِّ عقبة ينفِّرون النَّاس عن اتِّباع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ... ظنًّا منهم بأنَّ صدَّ النَّاس عن متابعته يَضرُّه ويُحْزِنه، وأنَّه لا يعلم بذلك، ولعلَّ هذا العمل منهم كان لـمَّا كَثُر المسلمون في آخر مدَّة إقامتهم بمكَّة قُبَيْل الهجرة إلى المدينة، ولذلك قال الله تعالى : " وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ " فالواو للحال، أي : هم في مكرهم ذلك إنَّما يضرُّون أنفسهم، فأطلق المكر على مآله وهو الضُّر، على سبيل المجَاز المرسَل، فإنَّ غاية المكر ومآله إضرار الممكور به) [التحرير والتنوير] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((أنَّ أناسًا مِن عُكل وعُرَيْنَة قَدِمُوا المدينة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتكلَّموا بالإسلام، فقالوا : يا نبيَّ الله، إنَّا كنَّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا مِن ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحَرَّة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذَّود، فبلغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فبعث الطَّلب في آثارهم، فأَمَر بهم فسَمَرُوا أعينهم، وقَطَعُوا أيديهم، وتُرِكُوا في ناحية الحرَّة حتى ماتوا على حالهم)) [رواه البخارى ومسلم] .
- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سمعت سعدًا رضي الله عنه قال : سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : ((لا يكيد أهل المدينة أحدٌ إلَّا انماع كما ينماع الملح في الماء)) [رواه البخارى ومسلم] .
قال المهَلَّب : (وقوله : ((لا يكيد أهل المدينة أحدٌ)) أي : لا يدخلها بمكيدة، ولا يمكن يطلب فيها غرَّتهم، ويفترس عورتهم،وقوله : ((إلَّا انماع)) أي : إلَّا ذاب كما يذوب الملح في الماء) [شرح صحيح البخارى،لابن بطال] .
أقوال السَّلف والعلماء في المكْر والكَيْد :
- قال محمَّد بن كعب القرظي : ثلاث خصال مَن كُنَّ فيه كُنَّ عليه : البَغْي، والنُّكْث، والمكر، وقرأ : " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ " [فاطر: 43] " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم " [يونس: 23]، " فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ " [الفتح: 10] [ذم البغى،لابن أبى الدنيا] .
- وقال ابن قتيبة : (ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه كُنَّ عليه : البَغْي، قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم " [يونس: 23] والمكر، قال الله تعالى : " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ " [فاطر: 43] والنُّكْث، قال عزَّ وجلَّ : " فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ " [عيون الأخبار] .
- وقال ابن القيِّم : (إنَّ المؤمن المتوكِّل على الله إذا كاده الخَلْق، فإنَّ الله يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوَّة) [إعلام الموقعين] .
- وقال : (في قصَّة يوسف -عليه السَّلام - تنبيه على أنَّ مَن كاد غيره كيدًا محرَّمًا فإنَّ الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن يكيده، وأنَّه لا بدَّ أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده وتلطَّف به) [إغاثة اللهفان، لابن القيم] .
- وروى عمرو بن دينار أنَّه قال : (قال قيس بن سعد : لولا الإسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب) [الوافى بالوفيات، لصلاح الدين الصفدى] .

حُكْم المكْر :
عدَّه أهل العلم - ومنهم ابن حجر الهيتمي - مِن الكبائر، وهم يعنون الضَّرب المذموم منه، وهو المكْر السَّيِّئ .
قال ابن حجر الهيتمي : (عُدَّ هذا كبيرةً، صرَّح به بعضهم، وهو ظاهرٌ مِن أحاديث الغِشِّ ... إذْ كون المكْر والخَدِيعَة في النَّار ليس المراد بهما إلَّا أنَّ صاحبهما فيها، وهذا وعيد شديد) [الزواجر عن اقتراف الكبائر] .

أقسام المكْر :
قال الرَّاغب : (المكْر : صرف الغير عمَّا يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مَكْرٌ محمودٌ، وذلك أن يُتَحرَّى بذلك فعلٌ جميل... ومذموم، وهو أن يُتَحرَّى به فعلٌ قبيح) [المفردات فى غريب القرآن] .
وقال ابن القيِّم : (المكْر ينقسم إلى محمود ومذموم، فإنَّ حقيقته إظهار أمرٍ وإخفاء خلافه؛ ليُتَوصَّل به إلى مراده .
فمِن المحمود : مَكْرُه تعالى بأهل المكر، مقابلةً لهم بفعلهم، وجزاءً لهم بجنس عملهم .
قال تعالى : " وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " [الأنفال: 30] وقال تعالى : " وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ " [النَّمل: 50]) [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان] .
وقال الرَّاغب الأصفهاني : (المكْر والخَدِيعَة : متقاربان، وهما اسمان لكلِّ فعل يَقْصِد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، وذلك ضربان :
1- أحدهما مذموم : وهو الأشهر عند النَّاس والأكثر، وذلك أن يقصد فاعله إنزال مكروه بالمخدوع، وهو الذي قصده النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله : ((المكر والخَدِيعَة في النَّار)) والمعنى : أنَّهما يؤدِّيان بقاصدهما إلى النَّار .
2- والثَّاني : على عكس ذلك، وهو أن يقصد فاعلهما إلى استجرار المخدوع والممكور به إلى مصلحة لهما، كما يُفْعَل بالصَّبي إذا امتنع مِن تعلُّم خيرٍ [الذريعة إلى مكارم الشريعة،للراغب الأصفهانى] .
أقسام الكَيْد :
وينقسم الكَيْد - أيضًا - إلى قسمين :
1- محمود : وهو ما قُصِد به الخير .
2- مذموم : وهو ما قُصِد به الشَّر .
قال ابن القيِّم : (الكَيْد ينقسم إلى نوعين، قال تعالى : " وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ " [الأعراف: 183] وقال تعالى : " كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ " [يوسف: 76] وقال تعالى : " إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا " [الطارق: 15-16]) [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان] .
وقال الرَّاغب الأصفهاني : (الكَيْد : إرَادَة متضمِّنة لاستتار ما يُرَاد عمَّن يُرَاد به، وأكثر ما يُسْتَعمَل ذلك في الشَّرِّ، ومتى قُصِد به الشَّرُّ فمذموم، ومتى قُصِد به خيرٌ فمحمود، وعلى الوجه المحمود قال - عزَّ وجلَّ - : " كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ " [يوسف: 76] [الذريعة إلى مكارم الشريعة] .
من وسائل النَّجاة مِن كيد الكائدين :
1- الصَّبر والتَّقوى :
" إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " [آل عمران: 120] .
2-إخفاء النِّعمة التي رزقك الله بها عن أعين الحاسدين :
كما قال يعقوب ليوسف - عليهما السَّلام - : " قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " [يوسف: 5] .
3- دعاء الله عزَّ وجلَّ بصدق وإخلاص :
كما قال يوسف - عليه السَّلام - : " قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [يوسف: 33-34] .
غاية كيد الشَّيطان :
غاية كيد الشَّيطان الوسوسة، فإنَّ شيطان الجِنِّ إذا غُلِب وسوس، وشيطان الإنس إذا غُلِب كذب، والوسواس يعرض لكلِّ مَن توجَّه إلى الله تعالى بذكر أو غيره، لا بدَّ له مِن ذلك، فينبغي للعبد أن يَثْبُت ويصبر، ويلازم ما هو فيه مِن الذِّكر والصَّلاة، ولا يضجر، فإنَّه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشَّيطان " إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا " [النَّساء: 76] [مجموع الفتاوى،لابن تيمية] .
فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : جاء رجل إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال ((إنَّ أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلَّم به، فقال : الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .


" نقض العهد "

ذم نقض العهد والنهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ " [التوبة: 12] .
قال السدي : (إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام وطعنوا فيه، فقاتلوهم) [جامع البيان، للطبرى] .
وقال القرطبيُّ : (إذا حارب الذمي نقضَ عهدَه، وكان ماله وولده فيئًا معه) [الجامع لأحكام القرآن] .
وقال الرازي : ( " وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم " أي : نقضوا عهودهم) [مفاتيح الغيب] .
- وقوله تعالى : " الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ " [البقرة: 27] .
قال الطبري : (وما يضلُّ به إلا التاركين طاعة الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم في الكتب التي أنزلها إلى رسله، وعلى ألسن أنبيائه باتباع أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم، أنه رسول من عند الله مفترضة طاعته، وترك كتمان ذلك لهم ونكثهم ذلك، ونقضهم إياه هو مخالفتهم الله في عهده إليهم، فيما وصفت أنه عهد إليهم، بعد إعطائهم ربهم الميثاق بالوفاء بذلك، كما وصفهم به جلَّ ذكره) [جامع البيان، للطبرى] .
وقال السدي : (هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه) [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن علي رضي الله عنه قال : (ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم... ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل) [رواه البخارى] .
وفي رواية مسلم : ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)) [رواه مسلم] .
قال النووي : (قوله صلى الله عليه وسلم : ((ذمَّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)) المراد بالذمة هنا الأمان ،معناه : أنَّ أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمَّنه به أحد المسلمين، حرُم على غيره التعرُّض له، ما دام في أمان المسلم، وللأمان شروط معروفة... وقوله صلى الله عليه وسلم : ((فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله)) معناه : من نقض أمانَ مسلم فتعرَّض لكافر أمَّنه مسلم، قال أهل اللغة : يقال : أخفرتُ الرجل إذا نقضتُ عهده، وخفرته إذا أمَّنته) [شرح صحيح مسلم] .

وقال ابن حجر : (قوله : ((ذمَّة المسلمين واحدة)) أي : أمانهم صحيح، فإذا أمَّن الكافرَ واحدٌ منهم حرُم على غيره التعرُّض له... وقوله : ((يسعى بها)) أي : يتولَّاها ويذهب ويجيء، والمعنى : أنَّ ذمَّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمَّن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمَّةً لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحرَّ والعبد؛ لأنَّ المسلمين كنفس واحدة... وقوله : ((فمن أخفر)) بالخاء المعجمة والفاء أي : نقض العهد، يقال : خفرته بغير ألف أمَّنته، وأخفرته نقضت عهده) [فتح البارى] .

- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته)) [رواه البخارى] .
قال ابن رجب : (... ((فلا تخفروا الله في ذمته)) أي : لا تغدروا بمن له عهد من الله ورسوله، فلا تفوا له بالضمان، بل أوفوا له بالعهد) [فتح البارى] .

أقوال السلف والعلماء في نقض العهد :
- قال ابن حجر : (الغدر حرمته غليظة، لا سيَّما من صاحب الولاية العامَّة؛ لأنَّ غدره يتعدَّى ضرره إلى خلق كثير؛ ولأنَّه غير مضطرٍّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء) [فتح البارى] .
- وقال ابن كثير : (إنَّ من صفات المنافقين، أنَّ أحدهم إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدَّث كذب، وإذا ائتمن خان؛ ولذلك كان حال هؤلاء الأشقياء، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنَّهم اتَّصفوا بخلاف صفاتهم في الدُّنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) [تفسير القرآن العظيم] .
- وقال محمد بن كعب القرظيُّ رحمه اللّه تعالى : (ثلاث خصال مَن كُنَّ فيه كُنَّ عليه : البَغْي، والنُّكْث، والمكر، وقرأ : " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ " [فاطر: 43] ، " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم " [يونس: 23] ، " فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح: 10]) [ذم البغى ،لابن أبى الدنيا] .
- (دخل بعض السلف على مريض مكروب فقال له : عاهد الله على التوبة، لعله أن يقيلك صرعتك، فقال : كنت كلَّما مرضت عاهدت الله على التوبة فيقيلني، فلما كان هذه المرة ذهبت أعاهد كما كنت أعاهد، فهتف بي هاتف من ناحية البيت : قد أقلناك مرارًا فوجدناك كذَّابًا، ثم مات عن قريب) [لطائف المعارف،لابن رجب] .

من آثار نقض العهد :
كما أنَّ الوفاء بالعهد والميثاق له آثاره النافعة، فإنَّ نقض العهد والميثاق يترك آثارًا ضارة يقع ضررها على الفرد والمجتمع، ومن هذه المضار [العهد والميثاق فى القرآن الكريم،لناصر العمر،بتصرف] .
1- كفر من نقض عهد الله :
قرن الله سبحانه وتعالى بين الكفر ونقض العهد في أكثر من موضع في القرآن الكريم، ولا شك في كفر من نقض عهده مع الله وأخلَّ بميثاقه الذي أخذه عليه، فقال تعالى : " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ " [البقرة: 93] .
2- الخسران :
الخسران عاقبة من نكث بعهده ونقض ميثاقه، قال تعالى : " الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ " [البقرة: 27] .
قال ابن حجر : (كان عاقبة نقض قريش العهد مع خزاعة حلفاء النَّبي صلى الله عليه وسلم - أن غزاهم المسلمون، حتَّى فتحوا مكَّة، واضطرُّوا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العزَّة والقوَّة في غاية الوهن، إلى أن دخلوا في الإسلام، وأكثرهم لذلك كاره) [فتح البارى] .
3- اللعن وقسوة القلوب والطبع عليها :
قال تعالى : " فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً " [المائدة: 13] .
4- الإغراء بالعداوة والبغضاء :
لما نقض النصارى الميثاق والعهود وبدَّلوا دينهم، وضيَّعوا أمر الله، أورثهم الله العداوة والبغضاء، قال تعالى : " وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " [المائدة: 14] .
5- تحريم الطيبات :
عندما نقض بنو إسرائيل الميثاق، حرَّم الله عليهم الطيبات، قال تعالى : " فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا " [النساء: 160] .

حكم نقض العهد :
نقض العهد كبيرة من كبائر الذنوب : وقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعهود، وحرمَّ عليهم نقضها فقال : " وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً " [الإسراء: 34] وقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " [المائدة: 1] وتوجد الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة التي تأمر بوجوب الوفاء بالعهد وتحرم نقضه، قال ابن عطية : (وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحلُّ) [المحرر الوجيز] .
وقد عدَّ بعض العلماء نقض العهود من الكبائر، ومنهم الذهبي، فقد عدها كبيرة من الكبائر حيث قال : الكبيرة الخامسة والأربعون : الغدر وعدم الوفاء بالعهد [الكبائر] .
وقال ابن حجر : (عَدُّ هذا من الكبائر هو ما وقع في كلام غير واحد) [الزواجر عن اقتراف الكبائر] .

من صور نقض العهد [انظر:آفات على الطريق،لسيد محمد نوح،بتصرف] :
1- نقض العهد الذي وصى الله به خلقه من فعل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، وترك ما لا يحبه الله ولا يرضاه من الأقوال والأفعال، والذي تضمنته كتبه المنزلة، وبلَّغه رسله عليهم الصلاة والسلام، ومعنى نقض هذا العهد ترك العمل به .
2- نقض العهد الذي للإمام ونائبه على المسلمين، من وجوب الطاعة في المعروف، ونصرة دين الله عزَّ وجلَّ دون مبرر شرعي يقتضي ذلك .
3- نقض العهد الذي أعطاه الشارع الحكيم للكفار غير المحاربين، من أهل الذمة والمستأمنين، وكذلك المعاهدين، دون مبرر شرعي يقتضي ذلك، قال صلى الله عليه وسلم : ((ألا من قتل نفسًا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا)) [صححه لغيره الألبانى فى صحيح الترغيب] .

من أسباب الوقوع في نقض العهد :
1- ضعف الإيمان بالله .
2- النسيان .
3- الحرص على المصالح الدنيوية .
4- طول الأمد قد يتسبب في نقض العهد، كما حصل مع قوم موسى .

مثل لناقض العهد في القرآن :
وضرب الله في ناقض العهد مثلًا فقال : " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " [النحل: 92] فقال مثل الَّذي نقض العَهْد كَمثل الْغَزل الَّتِي نقضت تِلْكَ الْمَرْأَة الحمقاء، كان لعمرو بن كعب بن سعد بنت، تسمى ريطة، وكانت إذا غزلت الصوف أو شيئًا آخر نقضته لحمقها، فقال : ولا تنقضوا أي : لا تنكثوا العهود بعد توكيدها كما نقضت تلك الحمقاء غزلها، من بعد قوة من بعد إبرامه أنكاثًا، يعني نقضًا، فلا هو غزل تنتفع به، ولا صوف ينتفع به، فكذا الذي يعطي العهد ثم ينقضه لا هو وفى بالعهد إذا أعطاه، ولا هو ترك العهد فلم يعطه، وضرب مثلًا آخر لناقض العهد فقال : " وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " [النحل: 94] أي : عهودكم بالمكر والخديعة، فتزل قدم بعد ثبوتها، يقول : إنَّ ناقض العهد يزل في دينه عن الطاعة كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة [الأمثال من الكتابة والسنة،للحكيم الترمذى] .

نقض العهد عند اليهود :
إنَّ تاريخ اليهود مليءٌ بصفحاته السوداء، التي تبين حالهم تجاه العهود والمواثيق، فكم مرةً نقض اليهود عقودًا عقدوها، ومواثيق أبرموها، فلا يحفظون لأحد عهدًا، ولا يرعون له وعدًا، والقرآن الكريم سطر لنا الكثير من المواقف التي نقض فيها اليهود، العهود والمواثيق مع الأنبياء والمرسلين، ولم يحترموا عهودهم مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بل نقضوها وحاولوا قتله أكثر من مرة، كما حاولوا إشعال نار الفتنة بين صفوف المسلمين .
قال ابن تيمية : (إن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود، وهم : بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان بنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم هادنهم، ووادعهم مع إقراره لهم، ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم، وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه إذا حارب، ثم نقض العهد بنو قينقاع، ثم النضير، ثم قريظة) [الصارم المسلول على شاتم الرسول] .
وقال ابن إسحاق : (حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنَّ بني قينقاع كانوا أوَّل يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، قال ابن هشام : وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال : كان من أمر بني قينقاع أنَّ امرأة من العرب قدمت بجلب (2) لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصَّائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمَّا قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصَّائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشدَّ اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشَّرُّ بينهم وبين بني قينقاع) [السيرة النبوية،لابن هشام] .


" النَّمِيمَـــة "

ذم النَّمِيمَة والنهي عنها :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ " [القلم: 10-13] .
قال ابن كثير في قوله تعالى : ( " مَّشَّاء بِنَمِيمٍ " يعني : الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة) [تفسير ابن كثير] .
- وقال تعالى : " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ " [الهمزة: 1] .
(قيل : اللُّمزة : النَّمَّام، عن أبي الجوزاء، قال : قلت لابن عباس : من هؤلاء ؟ هم الذين بدأهم الله بالويل ؟ قال : هم المشاءون بالنَّمِيمَة، المفرِّقون بين الأحبَّة، الباغون أكبر العيب) [جامع البيان، للطبرى] .
وقال مقاتل : (فأما الهمزة فالذي ينمُّ الكلام إلى الناس، وهو النَّمَّام) [تفسير مقاتل بن سليمان] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يدخل الجنة نمَّام)) وفي رواية ((قتَّات)) [رواه مسلم] .
وبيَّن ابن الملقن المراد بعدم دخول الجنة للنَّمام بقوله : (وحمل على ما إذا استحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا يدخلها دخول الفائزين) [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام،لابن الملقن] .
قال ابن بطَّال : (قال أهل التأويل : الهمَّاز الذي يأكل لحوم الناس، ويقال : هم المشاءون بالنَّمِيمَة المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت،والقتَّات : النَّمام عند أهل اللغة) [شرح صحيح البخارى] .
- وعن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه قال : إنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم قال : ((ألا أُنبئكم ما العضة ؟ هي النَّمِيمَة القالة بين النَّاس)) وإنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم قال : ((إنَّ الرَّجل يصدق حتَّى يكتب صدِّيقًا، ويكذب حتَّى يكتب كذَّابًا)) [رواه مسلم] .
قال المناوي : (... ((القالة بين النَّاس)) أي : كثرة القول، وإيقاع الخصومة بينهما، فيما يحكى للبعض عن البعض، وقيل : القالة بمعنى المقولة، وزعم بعضهم أنَّ القالة هنا جمع، وهم الذين ينقلون الكلام، ويوقعون الخصومة بين الناس) [فيض القدير] .
وقال ابن عثيمين : (هي النَّمِيمَة : أن ينقل الإنسان كلام النَّاس بعضهم في بعض، من أجل الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب) [شرح رياض الصالحين] .

أقوال السلف والعلماء في النَّمِيمَة :
- قال رجل لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : (يا أمير المؤمنين، احذر قاتل الثَّلاثة، قال : ويلك، من قاتل الثَّلاثة ؟ قال : الرَّجل يأتي الإمام بالحديث الكذب، فيقتل الإمام ذلك الرَّجل بحديث هذا الكذَّاب، ليكون قد قتل نفسه، وصاحبه، وإمامه) [رواه البيهقى فى السنن الكبرى] .
- وقيل لمحمد بن كعب القرظي : أي خصال المؤمن أوضع له ؟ فقال : كثرة الكلام، وإفشاء السرِّ، وقبول قول كلِّ أحد [إحياء علوم الدين للغزالى] .
- وروي أنَّ سليمان بن عبد الملك كان جالسًا وعنده الزهري، فجاءه رجل فقال له سليمان : بلغني أنَّك وقعت فيَّ، وقلت كذا وكذا، فقال الرجل : ما فعلت ولا قلت، فقال سليمان : إن الذي أخبرني صادق، فقال له الزهري : لا يكون النَّمام صادقًا، فقال سليمان : صدقت، ثُمَّ قال للرجل : اذهب بسلام [إحياء علوم الدين للغزالى] .
- وقال الحسن : من نمَّ إليك نمَّ عليك [إحياء علوم الدين للغزالى] .
- وعن عطاء بن السَّائب، قال : قدمت من مكَّة، فلقيني الشَّعبيُّ، فقال : يا أبا زيدٍ ! أطرفنا ممَّا سمعت بمكَّة، فقلت : سمعت عبد الرَّحمن بن سابطٍ يقول : لا يسكن مكَّة سافك دمٍ، ولا آكل ربًا، ولا مشَّاءٍ بنميمةٍ، فعجبت منه حين عدل النَّمِيمَة بسفك الدَّم وأكل الرِّبا، فقال الشَّعبيُّ : وما يعجبك من هذا ؟! وهل يسفك الدَّم وتركب العظائم إلَّا بالنَّمِيمَة ؟! [المجالسة وجواهر العلم،لأبى بكر الدينورى] .

من آثار النَّمِيمَة :
1- طريق موصل إلى النَّار .
2- تُذْكي نار العداوة بين المتآلفين .
3- تؤذي وتضرُّ، وتؤلم، وتجلب الخصام والنُّفور .
4- عنوان الدَّناءة، والجبن، والضِّعف، والدَّسُّ، والكيد، والملق، والنِّفاق .
5- مزيلة كلُّ محبَّة، ومبعدة كلُّ مودَّة، وتآلف، وتآخ [نضرة النعيم] .
6- عار على قائلها، وسامعها .
7- تحمل على التجسس، وتتبع أخبار الآخرين .
8- تُؤدي إلى قطع أرزاق الآخرين .

حكم النَّمِيمَة :
النَّمِيمَة محرَّمة في الكتاب، والسُّنة، والإجماع، وهي من كبائر الذنوب .
قال تعالى : " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [الهمزة: 1] .
وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة نَمَّام) .
وقال ابن باز : (هي من الكبائر ومن أسباب البغضاء والشحناء بين المسلمين، فالواجب الحذر منها) [فتاوى نور على الدرب،ابن باز،جمع محمد الشويعر] .
وقال ابن عثيمين : (النَّمِيمَة من كبائر الذنوب، وهي سببٌ لعذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة) [جموع فتاوى ورسائل بن عثيمين،جمع وترتيب : فهد السليمان] .
من أقسام النَّمِيمَة :
1- النَّمِيمَة المحرمة :
هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد والإيقاع بينهم، دون وجود مصلحة شرعية في نقل الكلام .
2- النَّمِيمَة الواجبة :
وهي التي تكون للتحذير من شرٍّ واقع على إنسان ما، فيُخبر بذلك الشر ليحذره .
وقال ابن الملقن وهو يتحدث عن النَّمِيمَة : (أمَّا إذا كان فعلها نصيحة في ترك مفسدة أو دفع ضرر، وإيصال خير يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا مكروهة، بل قد تكون واجبة أو مستحبة) [لإعلام بفوائد عمدة الأحكام] .
قال النووي : (وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا فهي مستحبة، أو واجبة، كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصًا ظلمًا فحذَّره منه) [فتح البارى،لابن حجر] .
3- النَّمِيمَة المباحة :
قال ابن كثير وهو يتحدث عن النَّمِيمَة : (فأمَّا إذا كانت على وجه الإصلاح بين النَّاس وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث : ((ليس بالكذاب من يَنمَّ خيرًا)) [رواه بمعناه البخارى ومسلم] أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث : ((الحرب خدعة)) [رواه البخارى ومسلم] وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت، وإنَّما يحذو على مثل هذا الذَّكاء والبصيرة النافذة) [تفسير القرآن العظيم] .
قال النَّووي : (فلو دعت إلى النَّمِيمَة حاجةٌ فلا منع منها، كما إذا أخبره أنَّ إنسانًا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولايةٌ بأنَّ فلانًا يسعى بما فيه مفسدةٌ، ويجب على المتولِّي الكشف عن ذلك) [الزواجر عن اقتراف الكبائر،لابن حجر الهيتمى] .
من أسباب الوقوع في النَّمِيمَة :
1- أن ينشأ الفرد في بيئة دأبها النَّمِيمَة والوقيعة بين الناس، فيحاكيها ويتأثر بها .
2- الإساءة للآخرين وإيقاع الإيذاء بهم .
3- الخوض في الباطل وفضول الحديث، للترويح عن النفس .
4- عدم ردع النَّمام وزجره بل استحسان عمله ومسايرته .
5- وجود الفراغ في حياة الفرد، فيشغل وقته بالحديث عن الآخرين وذكر مساوئهم .
6- الغضب والرغبة في الانتقام .
7- تتبع عورات الناس .
من الوسائل المعينة على ترك النَّمِيمَة :
1- توعية النَّمام بخطورة النَّمِيمَة .
2- استشعار عظمة هذه المعصية وأنَّها من الكبائر .
3- حفظ اللسان .
4- تصور خطر المصيبة التي يقترفها بإفساده للقلوب وتفريقه بين الأحبة .
5- التَّقرب إلى الله سبحانه وتعالى بكثرة الأعمال الصالحة، وتقديم رضاه على رضا المخلوقين .
6- استشعار الفرد أنَّ حفظ اللسان عن النَّمِيمَة يكون سببًا في دخوله الجنة .
7- تقوية الإيمان بالعلم النافع، والعمل الصالح .
موقف المسلم من سماع النَّمِيمَة :
عندما نسمع أحدًا يتكلم في أعراض الناس، وينمُّ عليهم فيجب علينا نصحه وزجره عن ذلك، فإن لم ينته فعلينا عدم الجلوس معه؛ لقول الله تعالى : " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [الأنعام:68] .
وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) [رواه مسلم] .
(ثم احذر النَّمِيمَة وسماعها، وذلك أنَّ الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء فيوهمونهم النصيحة، وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار أصدقائهم محرَّفة مموَّهة، حتى إذا تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرحون لهم، بما يفسد مودَّاتهم ويشوه وجوه أصدقائهم، إلى أن يبغض بعضهم بعضًا) [تهذيب الأخلاق ،لابن مسكويه] .
ماذا يفعل من حملت إليه النَّمِيمَة ؟
قال الغزالي : (كل من حملت إليه النَّمِيمَة وقيل له : إنَّ فلانًا قال فيك كذا وكذا، أو فعل في حقك كذا، أو هو يدبر في إفساد أمرك، أو في ممالاة عدوك أو تقبيح حالك، أو ما يجري مجراه؛ فعليه ستة أمور :
الأوَّل : أن لا يصدقه؛ لأنَّ النَّمام فاسق، وهو مردود الشهادة، قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ " [الحجرات: 6] .
الثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصح له، ويقبح عليه فعله، قال الله تعالى : " وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ " [لقمان: 17] .
الثالث : أن يبغضه في الله تعالى، فإنَّه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض من يبغضه الله تعالى .
الرابع : أن لا تظنَّ بأخيك الغائب السوء، لقول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ " [الحجرات: 12] .
الخامس : أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث لتحقق اتباعًا لقول الله تعالى : " وَلا تَجَسَّسُوا " [الحجرات: 12] .
السادس : أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النَّمام عنه ولا تحكي نميمته؛ فتقول : فلان قد حكى لي كذا وكذا، فتكون به نمَّامًا ومغتابًا، وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت) [إحياء علوم الدين] .
(جاء رجل إلى علي بن الحسين رضي الله عنهما فنمَّ له عن شخص، فقال : اذهب بنا إليه، فذهب معه، وهو يرى أنه ينتصر لنفسه، فلما وصل إليه قال : يا أخي، إن كان ما قلت فيَّ حقًّا يغفر الله لي، وإن كان ما قلتَ فيَّ باطلًا يغفر الله لك) [الزواجر عن اقتراف الكبائر،لابن حجر الهيتمى] .
قصَّة نمَّام :
قال حماد بن سلمة : باع رجل عبدًا، وقال للمشتري : ما فيه عيب إلا النَّمِيمَة، قال : رضيت، فاشتراه، فمكث الغلام أيَّامًا، ثم قال لزوجة مولاه : إنَّ سيدي لا يحبك، وهو يريد أن يتسرى عليك، فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات، حتى أسحره عليها فيحبَّك، ثم قال للزَّوج : إنَّ امرأتك اتخذت خليلًا، وتريد أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف ذلك. فتناوم لها، فجاءت المرأة بالموسى، فظن أنَّها تريد قتله، فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزَّوج، ووقع القتال بين القبيلتين [إحياء علوم الدين،للغزالى] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 4240
تاريخ التسجيل : 20/01/2018

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الأخلاق "المذمومة"   الإثنين فبراير 26, 2018 4:47 am




" الوَهَـــن "

ذَمُّ الوَهَن والنَّهي عنه :

أولًا : في القرآن الكريم :
وردت آيات في القرآن الكريم تنفي صفة الوَهَن عن المؤمنين، وآيات في ذَمِّ الوَهَن، ومِن ذلك ما يلي :
- قال تعالى : " وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ " [آل عمران: 146] .
قال الطَّبري في تفسير هذه الآية : (يعني بقوله - تعالى ذكره - : " فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ" فما عجزوا لما نالهم مِن أَلَم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل مَن قُتِل منهم، عن حرب أعداء الله، ولا نَكَلوا عن جهادهم : " وَمَا ضَعُفُواْ " يقول : وما ضَعُفَت قواهم لقتل نبيِّهم : " وَمَا اسْتَكَانُواْ " يعني وما ذَلُّوا فيتخشَّعوا لعدوِّهم بالدُّخول في دينهم ومداهنتهم فيه خِيفَة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر الله وأمر نبيِّهم، وطاعة لله واتِّباعًا لتنزيله ووحيه) [انظر:جامع البيان] .
وقال البيضاوي : ( " فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ " [آل عمران: 146] فما فتروا ولم ينكسر جِدُّهم لما أصابهم مِن قتل النَّبيِّ أو بعضهم، وما ضعفوا عن العدو أو في الدِّين، وما استكانوا وما خضعوا للعدو) [أنوار التنزيل وأسرار التأويل] .
(وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة، فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم مِن البلاء والكرب والشِّدَّة والجراح، وما ضَعُفَت قواهم عن الاستمرار في الكفاح، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء.. فهذا هو شأن المؤمنين، المنافحين عن عقيدة ودين..
" وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " [آل عمران: 146].. الذين لا تضعف نفوسهم، ولا تتضَعْضَع قواهم، ولا تلين عزائمهم، ولا يستكينون أو يستسلمون.. والتَّعبير بالحبِّ مِن الله للصَّابرين له وقعه، وله إيحاؤه؛ فهو الحبُّ الذي يأسو الجراح، ويمسح على القَرْح، ويعوِّض ويَـرْبُو عن الضُّرِّ والقَرْح، والكفاح المرير) [فى ظلال القرآن ،لسيد قطب] .
- وقال تعالى : " وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " [آل عمران: 139] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : (قال الله تعالى مسلِّيًا للمؤمنين : " وَلاَ تَهِنُوا " أي : لا تضعفوا بسبب ما جرى " وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " أي : العاقبة والنُّصرة لكم أيُّها المؤمنون) [انظر:تفسير القرآن العظيم] .
(فقوله سبحانه : " وَلاَ تَهِنُوا " (مِن الوَهَن والضَّعف، " وَلاَ تَحْزَنُوا " لما أصابكم ولما فاتكم، " وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ" .. عقيدتكم أعلى؛ فأنتم تسجدون لله وحده، وهم يسجدون لشيء مِن خلقه أو لبعضٍ مِن خلقه! ومنهجكم أعلى؛ فأنتم تسيرون على منهج مِن صنع الله، وهم يسيرون على منهج مِن صنع خلق الله! ودَوْرُكم أعلى، فأنتم الأوصياء على هذه البشريَّة كلِّها، الهداة لهذه البشريَّة كلِّها، وهم شاردون عن النَّهج، ضالُّون عن الطَّريق. ومكانكم في الأرض أعلى، فلكم وِرَاثة الأرض التي وعدكم الله بها، وهم إلى الفناء والنِّسيان صائرون.. فإن كنتم مؤمنين حقًّا فأنتم الأعلون. وإن كنتم مؤمنين حقًّا فلا تهنوا ولا تحزنوا. فإنَّما هي سنَّة الله أن تُصَابوا وتُصِيبُوا، على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء) [فى ظلال القرآن ،لسيد قطب] .

ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) ]صححه الألبانى فى صحيح أبى داود] .
قال المناويُّ شارحًا هذا الحديث : (... ((إذا تبايعتم بالعينة)) أن يبيع سلعةً بثمن لأجَل ثمَّ يشتريها منه بأقلَّ منه، ((وأخذتم أذناب البقر)) كناية عن الاشتغال بالحرث. ((ورضيتم بالزَّرع)) أي : بكونه همَّتكم ونهمتكم ((وتركتم الجهاد)) أي: غزو أعداء الدِّين ((سلَّط الله عليكم ذلًّا)) ضعفًا واستهانةً ((لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) أي : إلى الاهتمام بأمور دينكم، جعل ذلك بمنزلة الرِّدَّة والخروج عن الدِّين لمزيد الزَّجر والتَّهويل) [التيسير بشرح الجامع الصغير] .

من آثار الوَهن :
1- سببٌ مِن أسباب التَّعرُّض لبغض الله سبحانه وتعالى وبغض رسوله صلى الله عليه وسلم .
2- سببٌ لتسلُّط العدوِّ على الأمَّة وتكالبه عليها، وإذلالها، ونهب خيراتها، والتَّعرُّض لمقدَّساتها .
3- الوَهن يقتل الغيرة، ويهوِّن أمرها، ويسهِّل هتك الأعراض واغتصاب الحقوق، والتَّعدِّي على الحرمات والأموال .
4- سببٌ في ضياع الأمَّة وتشرذمها وذهاب ريحها، وتفرُّق أبنائها، واختلاف قادتها .

من أسباب الوَهَن :
1- ضعف الإيمان، فهو سببٌ لاستمراء الهوان، والرِّضا بالذُّلِّ .

2- كراهية الموت.. والحرص على حياة، أي حياة كانت، حتى لو غُمِسَت بذُلٍّ، وكُسِيت بعارٍ، وهذه صفةٌ مِن صفات اليهود الأذلَّة، ومَن اتَّصف بها كان مشابهًا لهم فيها، قال الله تبارك وتعالى : " وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ " [البقرة: 96] .
3- التَّنازع والاختلاف سببٌ قويٌّ مِن أسباب بثِّ الوَهن والضَّعف في قلب الأمَّة .

4- التَّربية السَّيِّئة، والتَّنشئة الخاطئة، على الرضا بالذُّل والضَّعف والوَهَن .

5- اليأس مِن الوضع المرير الذي تعيشه الأمَّة، والقنوط مِن واقعها مِن الأسباب التي تؤدِّي إلى وهن العزائم وضعف الهمم .

من الأسباب المعينة على التخلص من الوهن :
1- تقوية الإيمان وزيادته، فالإيمان جذوة تتَّقد في قلب المؤمن فتطرد منه الوَهن، وتشدُّ مِن عزمه وعزيمته .
قال الواحديُّ في تفسيره : (إنَّ الإيمان يوجب ما ذُكِر مِن ترك الوَهن والحزن، أي: مَن كان مؤمنًا يجب أن لا يَهِن ولا يحزن لثقته بالله عزَّ وجلَّ) [الفسير الوسيط] .
2- الزُّهد في الدُّنيا وعدم التَّعلُّق بها، والتَّزوُّد منها بزاد المسافر، فذلك حريٌّ أن يقوِّي القلب، ويُبْعِد عنه الوَهن .
3- الاستعداد للموت بالعمل الصالح، وتحديث النفس بالشهادة في سبيل الله .
4- عدم استعجال النَّصر والتَّمكين، والصَّبر على الابتلاء، واليقين بنصر الله وإعزازه لجنده، وتمكينه لأوليائه .


" اليأْس والقنوط "

ذم اليأْس والقنوط والنهي عنهما :

أولًا : في القرآن الكريم :
- قال تعالى : " قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ "[الحجر: 55-56] .
قال الطبري : (قال ضيف إبراهيم له : بشرناك بحقِّ يقين، وعلم منَّا بأن الله قد وهب لك غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله فييأسون منه، ولكن أبشر بما بشرناك به واقبل البُشرى،.. فقال إبراهيم للضيف : ومن ييأس من رحمة الله إلا القوم الذين قد أخطؤوا سبيل الصواب، وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله، ولا يخيب من رجاه، فضلوا بذلك عن دين الله) [جامع البيان] .
قال الواحدي : ( " فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ " : من الآيسين، والقنوط : اليأْس من الخير، " قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ " [الحجر: 56] قال ابن عباس : يريد ومن ييئس من رحمة ربه إلا المكذبون، وهذا يدلُّ على أنَّ إبراهيم لم يكن قانطًا، ولكنه استبعد ذلك، فظنت الملائكة به قنوطًا، فنفى ذلك عن نفسه، وأخبر أنَّ القانط من رحمة الله ضالٌّ) [الوسيط فى تفسير القرآن المجيد] .
- وقال تعالى : " وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ " [الروم: 36] .
(يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس في حالي الرَّخاء والشدة؛ أنهم إذا أذاقهم الله منه رحمة من صحة، وغنى، ونصر، ونحو ذلك فرحوا بذلك فرح بطر، لا فرح شكر وتبجح بنعمة الله، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: حال تسوؤهم وذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي، إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ييأسون من زوال ذلك الفقر والمرض ونحوه،وهذا جهل منهم وعدم معرفة) [تيسر القرآن الكريم،للسعدى] .
قال الماوردي : ( " إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ " فيه وجهان : أحدهما : أن القنوط اليأْس من الرحمة والفرج، قاله الجمهور، الثاني : أن القنوط ترك فرائض الله في اليسر، قاله الحسن) [النكت والعيون] .
قال البغوي : (إذا هم يقنطون، ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر الله عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة) [معالم التنزيل،للبغوى] .

- وقال تعالى : " لا يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ " [فصلت: 49] .
قال الطبري : ( " فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ " يقول : فإنه ذو يأس من روح الله وفرجه، قنوط من رحمته، ومن أن يكشف ذلك الشر النازل به عنه) [جامع البيان،للطبرى] .

ثانيًا : في السنة النبوية :
- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : ((إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلِّهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكلِّ الَّذي عند الله من الرَّحمة، لم ييأس من الجنَّة، ولو يعلم المسلم بكلِّ الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النَّار)) [رواه البخارى] .
قال بدر الدين العيني : (... ((لم ييأس من الجنة)) من اليأْس وهو القنوط.. وقوله : ((لم ييأس من الجنة)) قلت : قيل : المراد أن الكافر لو علم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظيم العذاب فيحصل له الرجاء، وقيل : المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إلى مقابلها يطمعه في الرحمة) [عمدة القارى شرح صحيح البخارى،لبدر الدين العينى] .
- وعَنْ أَبِي هُـرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ صَلى اللهُ عليه وسلم : ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد)) [رواه مسلم] .
قال المباركفوري : (إن المؤمن قد اختص بأن يطمع في الجنة، فإذا انتفى الطمع منه فقد انتفى عن الكل، وكذلك الكافر مختص بالقنوط، فإذا انتفى القنوط عنه فقد انتفى عن الكل، وورد الحديث في بيان كثرة رحمته وعقوبته كيلا يغتر مؤمن برحمته فيأمن من عذابه ولا ييأس كافر من رحمته ويترك بابه) [مرعاة المفاتيح] .

أقوال السلف والعلماء في اليأْس والقنوط :
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (الفقيه حقُّ الفقيه : من لم يُقنِّط النَّاس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمِّنهم من عذاب الله) [رواه الدارمى، وأبو داود فى الزهد] .
- وقال ابن مسعود : (الهلاك في اثنتين، القنوط، والعجب) [الزواجر عن اقتراف الكبائر،لابن حجر الهيتمى] .
- وقال أيضًا : (الكبائر ثلاث : اليأْس من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله) [جامع البيان،للطبرى] .
- وقال محمد بن سيرين : (الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى) [معالم التنزيل،للبغوى] .
- وقال أيضًا : (لا تيأس فتقنط فلا تعمل) [العجاب فى بيان الأسباب،لابن حجر العسقلانى] .
- وقال سفيان بن عيينة : (من ذهب يقنِّط الناس من رحمة الله، أو يقنِّط نفسه فقد أخطأ) [تفسير القرىن العظيم،لابن أبى حاتم] .

من آثار اليأْس والقنوط :
1- اليأْس والقنوط من صفات الكافر والضال :
قال الله تعالى : " قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ " [الحجر: 56] .
وقال : " إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " [يوسف: 87] .
قال السعدي : (يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، أنه جاهل ظالم بأنَّ الله إذا أذاقه منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط) [تيسير الكريم الرحمن،للسعدى] .
قال ابن عطية : (اليأْس من رحمة الله وتفريجه، من صفة الكافرين) [المحرر الوجيز،لابن عطية] .
2- اليأْس والقنوط ليس من صفات المؤمنين :
قال البغوي : (إذا هم يقنطون، ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن فإنه يشكر الله عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة) [المحرر الوجيز،لابن عطية] .
قال القاسمي : (الجزع واليأْس من الفرج عند مسِّ شر قضى عليه. وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان) [محاسن التأويل] .
3- اليأْس والقنوط فيه تكذيب لله ولرسوله :
قال ابن عطية : (اليأْس من رحمة الله، وتفريجه من صفة الكافرين. إذ فيه إمَّا التكذيب بالربوبية، وإمَّا الجهل بصفات الله تعالى) [المحرر الوجيز،لابن عطية] .
قال القرطبي : (اليأْس من رحمة الله،.. فيه تكذيب القرآن، إذ يقول وقوله الحق : " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " [الأعراف: 156] وهو يقول : لا يغفر له، فقد حجَّر واسعًا، هذا إذا كان معتقدًا لذلك، ولذلك قال الله تعالى : " إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " [يوسف: 87] وبعده القنوط، قال الله تعالى : " وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ " [الحجر: 56]) [انظر:الجامع لأحكام القرآن،بتصرف يسير] .
4- اليأْس فيه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى :
فـ(الخوف الموقع في الإياس : إساءة أدب على رحمة الله، التي سبقت غضبه، وجهل بها) [صلاح الأمة فى علو الهمة،لسيد العفانى] .
5- اليأْس سبب في الوقوع في الكفر والهلاك والضلال :
قال القاسمي : " وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا " [الإسراء: 83] إشارة إلى السبب في وقوع هؤلاء الضالين في أودية الضلال. وهو حب الدنيا وإيثارها على الأخرى، وكفران نعمه تعالى، بالإعراض عن شكرها، والجزع واليأْس من الفرج عند مسِّ شر قضى عليه) [محاسن التأويل] .
قال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني في تفسير قوله تعالى : " وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " [البقرة: 195] : (الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى) [معالم التزيل ،للبغوى] .

حكم اليأْس والقنوط :
أجمع العلماء على تحريم اليأْس والقنوط، ومن اليأْس والقنوط ما يخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة، وإنما هو من الكبائر، بل أشد تحريمًا من الكبائر الظاهرة كالزنا، وجعلهما القرطبي في الكبائر بعد الشرك من حيث الترتيب [انظر:الجامع لأحكام القرآن،للقرطبى] .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (الكبائر أربع : الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأْس من روح الله، والأمن من مكر الله) [رواه الطبرى فى تفسيره] .
وقال العدوي : (الإياس من الكبائر) [حاشية العدوى على شرح كفاية العالم الربانى] .

أقسام اليأْس من رحمة الله :
1- اليأْس التام : وهذا يخرج من الإسلام إذا لم يوجد الرجاء معه تمامًا .
2- يأْس العصاة : وهو يأس عصاة المسلمين بسب كثرة المعاصي، وهذا لا يخرج من الملة ولكنه من كبائر الذنوب [انظر:تيسير الكريم الرحمن، للسعدى] .
قال السعدي : (الإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان : إياس الكفار منها، وتركهم جميع سبب يقربهم منها، وإياس العصاة، بسبب كثرة جناياتهم أوحشتهم، فملكت قلوبهم، فأحدث لها الإياس) [تيسير الكريم الرحمن] .

ما يباح من اليأْس :
اليأْس ليس مذمومًا في كل الأحوال بل قد يحمد في بعض المواضع، ومنها :
- اليأْس مما في أيدي الناس:
(كان عمر رضي الله عنه يقول في خطبته على المنبر : إنَّ الطمع فقر، وإن اليأْس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه) [رواه ابن المبارك فى الزهد] .
واليأْس مما في أيدي الناس شرط لتحقيق الإخلاص قال ابن القيم : (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأْس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص) [الفوائد] .
- ذكر نصوص الوعيد والعذاب لمن غلب رجاؤه وانهمك في المعاصي :
قال البخاري : (كان العلاء بن زياد يذكر النار، فقال رجل لِـمَ تقنط الناس ؟ قال : وأنا أقدر أن أقنط الناس، والله عزَّ وجلَّ يقول : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ " [الزمر: 53] ويقول : " وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ " [غافر: 43] ولكنَّكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساوئ أعمالكم، وإنما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم مبشرًا بالجنة لمن أطاعه، ومنذرًا بالنار من عصاه) [صحيح البخارى] .
من صور اليأْس والقنوط كثيرة، ومنها :
1- اليأْس والقنوط من مغفرة الله للذنوب .
2- اليأْس والقنوط من زوال الشدائد وتفريج الكروب .
3- اليأْس من التغيير للأفضل :
ويتمثل في يأس الإنسان من تحصيل ما يرجوه في أمر من أمور الدنيا كجاه أو مال أو زوجة أو أولاد وغيرهم .
4- اليأْس من نصر الإسلام، وارتفاع الذُّل والمهانة عن المسلمين .
من أسباب اليأْس والقنوط :
1- الجهل بالله سبحانه وتعالى :
قال ابن عادل : (القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور :
أحدها : أن يجهل كونه تعالى قادرًا عليه .
وثانيها : أن يجهل كونه تعالى عالـمًا باحتياج ذلك العبد إليه .
وثالثها : أن يجهل كونه تعالى، منزهًا عن البخل، والحاجة .
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضلال) [اللباب فى علوم الكتاب] .
وقال ابن القيم : (الكبائر :..القنوط من رحمة الله، واليأْس من روح الله.. وتوابع هذه الأمور إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب، وترك القيام بها) [مدارج السالكين،لابن قيم الجوزية] .
2- الغلو في الخوف من الله سبحانه وتعالي:
قال ابن القيم : (لا يدع الخوف يفضي به إلى حدٍّ يوقعه في القنوط، واليأْس من رحمة الله، فإنَّ هذا الخوف مذموم، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : حدُّ الخوف ما حجزك عن معاصي الله، فما زاد على ذلك : فهو غير محتاج إليه، وهذا الخوف الموقع في الإياس : إساءة أدب على رحمة الله تعالى، التي سبقت غضبه، وجهل بها) [مدارج السالكين] .
ولغلبة هذا الخوف على قلب اليائس أسباب منها : (إدراك قلبه من معاني الأسماء والصفات ما يدل على عظمة الله وجبروته، وسرعة عقابه، وشدة انتقامه، وحجب قلبه عن الأسماء الدالة على الرحمة، واللطف، والتوبة، والمغفرة... إلخ، فيسيطر على القلب الخوف فيسلمه ذلك إلى اليأْس من روح الله، والقنوط من رحمته) [أثر لإيمان فى تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة،لعبد الله الجربوع] .
3- مصاحبة اليائسين والقانطين والمقنطين :
فإنَّ مصاحبة هؤلاء تورث اليأْس والقنوط من رحمة الله إما مشابهةً، أوعقوبةً للاختلاط بهم .
4- التعلُّق بالأسباب :
قال فخر الدين الرازي : (الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس. وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس، بل يقول لعله تعالى يردها إلي بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفورًا لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة) [انظر: مفاتيح الغيب] .
من الوسائل المعينة على التخلص من اليأْس والقنوط :
1- الإيمان بأسماء الله وصفاته :
إنَّ العلم والإيمان بأسماء الله وصفاته، وخاصة التي تدلُّ على الرحمة، والمغفرة، والكرم، والجود، تجعل المسلم لا ييأس من رحمة الله وفضله، فـ(إذا علم العبد، وآمن بصفات الله من الرحمة، والرأفة، والتَّوْب، واللطف، والعفو، والمغفرة، والستر، وإجابة الدعاء؛ فإنه كلما وقع في ذنب؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب، ولا يجد اليأْس إلى قلبه سبيلًا، كيف ييأس من يؤمن بصفات الصبر، والحلم؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أنَّ الله يتصف بصفة الكرم، والجود، والعطاء) [صفات الله عز وجل الواردة فى الكتاب والسنة،لعلوى السقاف] .
2- حسن الظن بالله ورجاء رحمته :
قال السفاريني : (حال السلف رجاء بلا إهمال، وخوف بلا قنوط. ولابد من حسن الظن بالله تعالى) [غذاء الألباب فى شرح منظومة الآداب] .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قال الله عزَّ وجلَّ : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله، لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرَّب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إلي ذراعًا، تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إليَّ يمشي، أقبلت إليه أهرول)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ له] .
وعن أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة)) [صححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى] .
3- الزهد في الدنيا :
فمن أسباب اليأْس والقنوط الأساسية، تعلق القلب بالدنيا والفرح بأخذها، والحزن والتأسف على فواتها بكل ما فيها، من جاه، وسلطان، وزوجة، وأولاد، ومال، وعافية..إلخ، فاعلم أنَّ الله سبحانه يعطي الدنيا لمن لا يحب ومن يحب، ولا يعطي الآخرة إلا لمن أحب، وقد منع أحب الخلق إليه، وأكرمهم عليه، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الدنيا وما فيها، فخرج وما ملأ بطنه من خبز البر ثلاث أيام متواليات، وأنَّ المرء لن يأخذ أكثر مما قدر له فلا ييأس ولا يقنط لفوات شيء .
4- الصبر عند حدوث البلاء :
وذلك أن الله سبحانه ذم اليائسين من رحمته عند حصول البلاء، واستثنى من الذم الصابرين على البلاء، وجعل لهم الثواب العظيم .
فقال تعالى : " وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ " [هود: 9-11] .
ونهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت بسبب البلاء، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .
قصص في عدم اليأْس والقنوط :
قصة نبي الله يعقوب عليه السلام :
فقصة نبي الله يعقوب عند فقد ابنه يوسف عليهما الصلاة والسلام درس عظيم في ترك اليأْس، وحسن الظن بالله، والصبر على البلاء، ورجاء الفرج من الله، في عدة مواضع منها :
- عندما جاءه نعي أحب أولاده إليه يوسف عليه الصلاة والسلام - وهذا أعظم المصائب على قلب الأب-لم يفقد صوابه، وقابل قدر الله النازل، بالصبر والحلم، والاستعانة بالله سبحانه على رفعه " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ " [يوسف: 18] .
- ولما عظمت المصيبة بفقد ابنه الثاني ازداد صبره، وعظم رجاؤه في الفرج من الله سبحانه، فقال لأبنائه " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "[يوسف: 83].
- حين عوتب في تذكر يوسف عليه الصلاة والسلام بعد طول الزمان، وانقطاع الأمل، وحصول اليأْس في رجوعه، قال بلسان المؤمن الواثق في وعد الله برفع البلاء عن الصابرين، وإجابة دعوة المضطرين " قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " [يوسف: 86] .
- وأخذ بالأسباب في السعي والبحث عن يوسف وأخيه فقال لأبنائه : " يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " [يوسف: 87] .
- فكانت العاقبة لمن صبر وأمل ورضي ولم يتسخط قال تعالى : " فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ من عند الحبيب مبشرًا باللقاء القريب " أَلْقَاهُ " قميص يوسف " عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا " فرجع البصر، وبلغ الأمل، وزال الكرب، وحصل الثواب لمن صبر ورضي وأناب، " قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " [يوسف: 96] .



♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️••♥️
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ♥️لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ ♥️سُبْحَانَ اللَّهِ ♥️وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ♥️وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ♥️وَاللهُ أَكْبَرُ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، ♥️وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، ♥️كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ♥️وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، ♥️إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، ♥️وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، ♥️وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، ♥️كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ♥️وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ،♥️فِي الْعَالَمِينَ ♥️إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ♥️صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ ♥️الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، ♥️الحَيُّ القَيُّومُ، ♥️وَأتُوبُ إلَيهِ
حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ♥️عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ♥️وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
حسبنا الله ♥️♥️ونعم الوكيل ♥️نعم المولى ♥️ونعم النصير
اللَّهُمَّ انصر واعز الاسلام والمسلمين ♥️واعلي بفضلك كلمتي الحق والدين

*۞ اللَّهُمَّ إجعل ما كتبناهُ وما قلناهُ وما نقلناه ♥️حُجة ً لنا لا علينا ♥️يوم ان نلقاك *

وأنا مُلْتَمِسٌ من قارئ حازَ من هذا السِّفر نَفْعَاً ألا ينساني بدعوة صالحة خالصة في السَّحَر ، وليعلم أن ما في هذا الكتاب مِن غُنْم فحلال زُلال له ولغيره ، وما كان مِن غرم فهو عَلَى كاهلي وظهري ، وأبرأ إلى الله من كل خطأ مقصود ، وأستعيذه من كل مأثم ومغرم ‏.‏
فدونك أيها القارئ هذا الكتاب ، اقرأه واعمل بما فيه ، فإن عجزت فَأَقْرِأْهُ غيرَك وادْعُه أن يعمل بما فيه ، فإن عجزتَ – وما إِخَالُكَ بِعَاجِزٍ – فبطْن الأرض حينئذ خيرٌ لك من ظاهرها ‏.‏
ومن سويداء قلبي أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعك بما فيه وأن يقوّيَك على العمل بما انتفعت به ، وأن يرزقك الصبر على ما قد يلحقك من عَنَتٍ وأذى ، وأن يتقبل منك سعيك في خدمة الدين ، وعند الله اللقاء ، وعند الله الجزاء
ونقله لكم الْأَمَةُ الْفَقِيرَةَ الى عفو الله ومرضاته . غفر الله لها ولوالديها ولاخواتها وذرياتها ولاهلها ولأُمّة نبينا محمد صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجمعين ويجعلنا من عباده الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِوَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَالْمُحْسِنِينَ والْمُتَّقِينَ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ويجمعنا اجمعين فى اعلى درجات الجنة مع نبينا محمد وجميع النَّبِيِّينَ والْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
تحققت الآمال و توفر لهم كل شئ فلم يبق إلا الثناء
وأخيرًا أسأل الله أن يتقبلني انا وذريتى ووالداى واخواتى واهلى والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات وامة محمد اجمعين صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاحياء منهم والاموات شهيدًا في سبيله وأن يلحقناويسكنا الفردوس الاعلى من الجنة مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا أسألكم أن تسامحوني وتغفروا لي زلاتي وأخطــائي وأن يرضى الله عنا وترضــوا عنــا وتهتمــوا وأسال الله العظيم ان ينفع بمانقلت للمسلمين والمسلمات
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
آميــٍـِـِـٍـٍـٍنْ يـــآرّبْ العآلميــــن
♥️♥️♥️۞ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَىَ وأَعْلَمُ وأَحكَمُ، ورَدُّ العلمِ إليه أَسلَمُ ♥️♥️♥️
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://el-quran.ahlamontada.com
 
موسوعة الأخلاق "المذمومة"
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
القرآن الكريم والسُنَّة النبوية والاعجاز :: ♥(( اقسام فتاوى اسلامية عامة ))♥ :: فتاوى وفقه الآداب والآخلاق-
انتقل الى: