۞بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ۞
۞ٱلْسَلآمّ ٍعَلْيّكَمُ وٍرٍحَمُةٌ اللَّــْـْہ ۆبُركَاته۞
۞أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من
هَمْزِهِ،
ونَفْثِهِ،
ونَفْخِهِ۞
۞الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ۞
۞أَشْهَدُ أَنّ لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله
وأَشْهَدُ ان محمداً رسول الله۞
۞تحية من عند الله طيبة مباركة۞
من مشاكل المجتمع -ظاهرة التسول
معنى التَّسوُّل:
التَّسوُّل:
طلب العطيَّة والإحسان من الأغنياء؛ (معجم اللغة العربية المعاصرة ـ أحمد مختار عبدالحميد ـ جـ 2 صـ 1139).
والمتسول:
الإنسان الذي يتخذ من التَّسوُّل حرفةً يتكسب بها ويعيش عليها.
التحذير من التَّسوُّل وصية رب العالمين:
قال الله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 273].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [البقرة: 273]؛ أي: لا يلحُّون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة؛ (تفسير ابن كثير جـ 1 صـ 705).
نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم يحذرنا من التَّسوُّل:
(1) روى الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعة (قطعة) لحم))؛ (البخاري حديث: 1474/ مسلم حديث: 1040).
قال الإمام النووي (رحمه الله): معناه: يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، فيُحشَر ووجهه عظم لا لحم عليه؛ عقوبةً له، وعلامةً له بذنبه حين طلب وسأل بوجهه، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالًا منهيًّا عنه وأكثَرَ منه؛ (مسلم بشرح النووي جـ: 4 صـ 142).
(2) روى البخاري عن أبي هريرة: أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((لأن يأخذَ أحدكم حَبْلَه، فيأتيَ بحُزمة الحطب على ظهره، فيبيعَها، فيكُفَّ اللهُ بها وجهه: خيرٌ له من أن يسألَ الناس، أعطَوْه أو منعوه))؛ (البخاري حديث 1471).
معنى الحديث:
لأن يذهب الرجل إلى الغابة فيقطع الحطب، ويجمعه ويحمله على ظهره، ثم يأتي السوق فيبيعه: أشرفُ وأكرم له من أن يمدَّ يده لغيره، سواء أعطاه أو منعه، فإن منعه فقد أهانه، وإن أعطاه فقد منَّ عليه.
فوائد الحديث:
(1) الترغيب في السعي والعمل، والأخذ بالأسباب المشروعة لكَسْبِ الرزق بشرف وكرامة وعزَّة نفسٍ.
(2) ليس في الإسلام مهنةٌ حقيرة، إلا ما حرَّمه الشرع؛ كالمخدِّراتِ والقِمار، والتَّسوُّل.
(3) محاربة الإسلام للتسوُّل والبطالة؛ ولذلك أوجب السعي والعمل، ولو كان شاقًّا؛ "كالاحتطاب" مثلًا.
(4) الفقير القادر على الكسب لا تحِلُّ له الزكاةُ؛ لأن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم دعاه في هذا الحديث إلى العمل، ولقوله تعالى: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15]؛ (منار القاري ـ حمزة محمد قاسم ـ جـ 3 صـ 44).
(3) روى الترمذي عن أبي كبشة الأنماري: أنه سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((ثلاثة أُقسِم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه))، قال: ((ما نقص مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلِم عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا، ولا فتَح عبدٌ بابَ مسألة إلا فتح الله عليه بابَ فقر))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1894).
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (ولا فتَح عبدٌ)؛ أي: على نفسه، (بابَ مسألة)؛ أي: بابَ سؤال وطلب مِن الناس، لا لحاجة وضرورة، بل لقصد غنًى وزيادة، (إلا فتَح الله عليه بابَ فقر)؛ أي: بابَ احتياج آخر، أو بأن سلَب عنه ما عنده من النعمة، فيقَع في نهاية مِن النقمة؛ (مرقاة المفاتيح - علي الهروي - جـ: 8 - صـ: 3308).
(4) روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن سأل الناسَ أموالهم تكثُّرًا، فإنما يسألُ جمرًا (أي: من جهنَّم)، فليستقلَّ أو ليستكثِرْ))؛ (مسلم حديث: 1041).
قال الإمام النووي (رحمه الله): معناه: أنه يُعاقَب بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يُكوَى به؛ كما ثبَت في مانع الزكاة؛ (مسلم بشرح النووي جـ: 4 صـ 143).
(5) روى الشيخانِ عن أبي هريرة: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: ((ليس المسكين بهذا الطوَّافِ الذي يطوف على الناس، فترُدُّه (تسدُّ حاجته) اللقمةُ واللقمتانِ، والتمرةُ والتمرتانِ)) قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يجِد غنًى يُغنيه، ولا يُفطَن له، فيُتصدَّقَ عليه، ولا يسأل الناس شيئًا))؛ (البخاري حديث: 1479/ مسلم حديث: 1039).
قال الإمام النووي (رحمه الله): قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (ليس المسكينُ بهذا الطوَّاف): معناه المسكين الكاملُ المسكنةِ الذي هو أحقُّ بالصدقة وأحوجُ إليها ليس هو هذا الطوَّافَ، بل هو الذي لا يجد غنًى يُغنيه، ولا يُفطَن له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفيَ أصلِ المسكنة عن الطوَّاف، بل معناه نفيُ كمالِ المسكنة؛ (مسلم بشرح النووي جـ 4 صـ 140).
(6) روى الشيخانِ عن حكيم بن حزام، قال: سألت النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ((إن هذا المال خَضِرة حُلوةٌ، فمن أخذه بطِيبِ نفسٍ بورك له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى))؛ (البخاري حديث: 3143/ مسلم حديث: 1035).
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إن هذا المال خَضِرة حُلوة) شبَّهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة؛ فإن الأخضر مرغوبٌ فيه على انفراده، والحُلو كذلك على انفراده؛ فاجتماعهما أشد، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى ولا تراد للبقاء.
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (فمن أخذه بطيب نفس، بورك له فيه) معناه: مَن أخذه بغير سؤال ولا إشرافٍ وتطلُّع، بورك له فيه.
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (ومن أخذه بإشراف نفسٍ، لم يبارَكْ له فيه)، قال العلماء: إشراف النفس: تطلُّعُها إليه، وتعرُّضُها له، وطمعها فيه.
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (وكان كالذي يأكل ولا يشبع): هو الذي به داء لا يشبَعُ بسببه.
فوائد الحديث:
في هذا الحديث: الحث على التعفف، والقناعة، والرضا بما تيسر في عفاف، وإن كان قليلًا، والإجمال في الكسب، وأنه لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه؛ فإنه لا يبارَكُ له فيه؛ (مسلم بشرح النووي جـ: 4 صـ 136: 135).
(7) روى الطبراني عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((لو يعلَم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأَلْ))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث: 5342).
معنى الحديث:
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لو يعلم صاحب المسألة)؛ أي: الذي يسأل الناس شيئًا من أموالهم، (ما له فيها)؛ أي: مِن الخُسران والهوان، (لم يسأل) أحدًا مِن الناس شيئًا، مع ما في السؤال من الذل؛ (التيسير بشرح الجامع الصغير ـ عبدالرؤوف المناوي ـ جـ 2 صـ: 314).
( روى ابن حبان عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقسم ذهبًا إذ أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، أعطِني، فأعطاه، ثم قال: زِدْني، فزاده، ثلاث مرات، ثم ولى مدبرًا، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((يأتيني الرجل فيسألني فأعطيه، ثم يسألني فأعطيه ثلاث مرات، ثم ولى مدبرًا وقد جعل في ثوبه نارًا إذا انقلَب إلى أهله))؛ (حديث صحيح) (التعليقات الحسان للألباني جـ 5 صـ: 190 حديث: 3254).
(9) روى الشيخانِ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعُودني عامَ حجة الوداع من وجَعٍ اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنةٌ، أفأتصدَّق بثُلُثَيْ مالي؟ قال: ((لا))، فقلت: بالشَّطر؟ فقال: ((لا))، ثم قال: ((الثُّلُث، والثُّلُث كثير، إنك أن تذَرَ ورثتك أغنياءَ، خيرٌ من أن تذَرَهم عالةً (أي: فقراء) يتكفَّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل فِي فِي (أي: فَمِ) امرأتك))؛ (البخاري حديث: 1295/ مسلم حديث: 1628).
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يتكفَّفون الناس)؛ أي: يسألون الناس بأكُفِّهم، ومدها إليهم.
يقال: تكفَّف الناسَ: إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكُفُّ عنه الجوع، أو سأل كفًّا من طعام؛ (فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني- جـ 5 - صـ 366).
خطورة التَّسوُّل من ناحية العقيدة:
إن اتخاذ التَّسوُّل حرفةً، وجعله وسيلة لجمع المال: دليلٌ على ضعف ثقة المتسوِّل بالله تعالى الذي ضمن الأرزاق لجميع عباده، وأمرهم بالأخذ بالأسباب للحصول على الرزق؛فالمتسوِّل بدلًا من أن يتوجه إلى الله لطلب الرزق، فإنه يمد يده إلى الناس.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): أخبر تعالى أنه متكفِّل بأرزاق المخلوقات، من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بَحْرِيِّها، وبَرِّيِّها، وأنه ﴿ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ [هود: 6]؛ أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها؛ (تفسير ابن كثير جـ 4 صـ 305).
وقال سبحانه: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22، 23].
روى الشيخانِ عن عبدالله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو الصادقُ المصدوق، قال: ((إن أحدَكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مِثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا، فيُؤمَر بأربع كلمات، ويقال له: اكتُبْ عمله، ورزقه، وأجلَه، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح))؛ (البخاري حديث: 3208 / مسلم حديث: 2643).
سؤال هام:
هل المتسوِّل الذي يقف أمام المساجد أو في الأماكن العامة مِن السَّائل والمحروم؟
الجواب:
المتسوِّل الذي يتخذ من التَّسوُّل مهنةً لكسب المال، ويُذِلُّ نفسه للناس، وهو غير محتاج، ليس من السائل ولا المحروم؛ لأن السائل والمحروم لا يسألك، بل تظنُّه غنيًّا من التعفُّف.
يقول الإمام الغزالي (رحمه الله تعالى): السؤال فيه إذلالُ السائلِ نفسَه لغير الله سبحانه وتعالى، وليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه لغير الله؛ فسائر الخلق عباد أمثاله، ثم إنه أيضًا إيذاءٌ للمسؤول؛ لأنه ربما لا يسمَح بالبذل عن طيب نفس؛ وذلك لأنه إن بذل، بذَل من قَبيل الحياء، وإن أعطى، أعطى مِن باب الرِّياء، وإن منَع فقد ألحق نفسَه بالبخلاء، ففي بذله شِرك، وفي منعه بُخل، والسائل هو السبب في كل هذا الإيذاء، والإيذاءُ محرَّم باتفاق الآراء؛ (موسوعة الرقائق والأدب صـ 3178).
ظاهرة التسول:
ظاهرة تفشت في المجتمع المصري ولا نبالغ عندما نقول أنها أصبحت مهنة مربحة للغاية يلجأ إليها الكثير لتحسين المستوى الاجتماعي لا لأنه في حالة احتياج مادي حقيقي، وإنما لأنه يبحث عن مستوى أعلى من تغطية احتياجه. إنه "التسول" الوباء الاجتماعي الذي ساد في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة وأصبح عملاً لقطاعات عريضة من أبناء هذا المجتمع أصبح للتسول مفهوم حديث يتناسب مع روح العصر والمجتمع أيضاً الذي تظهر فيه الظاهرة ، وعلى الرغم من أن معظم القائمين به من الفئة التي لم تنل من العلم ما يؤهلها لدراسة المجتمع إلا أنهم يعلمون جيداً كيفية الوصول للفئة التي يتسولون منها و من الملاحظ أيضا أن نسبة التسول في النساء والأطفال واضحة بشكل ظاهر مع تراجعها عند الرجال بشكل ملحوظ .
أسباب ظاهرة التسول:
أن المتسول ليس مريضاً نفسياً وأنه لا علاقة بين المرض والتسول ، أما الظاهرة ترجع لأسباب عديدة من بينها الفقر والبطالة وتفاقم ظاهرة أولاد الشوارع التي تعد قنبلة موقوتة أقترب انفجارها كما أن الحقد الاجتماعي يلعب دوراً فيها، فالمتسول يعتقد خطأ أنه يأخذ حقه من المواطنين الذين سلبوه حقه في الحياة الكريمة وان ما يقوم به أفضل الطرق بدلاً من اللجوء للسرقة أو النصب.
و يعتبر التسول مشروع اقتصادي مربح لبعض فئات المجتمع من التي تستغل من هم أقل منهم و تعلم طرق التحايل على القانون هذه الفئة تعلم جيدا سبل الاستغلال الجيد لفئة أخرى يغفل عنها المجتمع وهم أطفال الشوارع المستغلين في كل الوظائف التي تسبب ضررا للمجتمع مثل (التسول، ترويج المخدرات، السرقة، الاعتداء الجنسي) وكلها أمراض تسبب الآلام للمجتمع المصري الذي يحاول التبرير للظاهرة عادةً ولا يضع يده على نقاط القوة والضعف فيها .
موقف الإسلام من التسول:
دعا الإسلام إلى التعفف وأكد على مكانة الفقراء الذين يرفضون التسول حفاظاً على أنفسهم وتعففاً حتى لو اضطروا لأي شيء المهم أنهم يرفضون النظرة الدنيا من الآخرين، وأكد علماء الدين ورجال الفقه أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية اقتضت التنفير الشديد من التسول، أما إذا كان الإنسان في حالة احتياج حقيقي ولا يجد حلاً أخر فلا لوم عليه، وإنما اللوم على من رفض مساعدته ، أما من يؤثر التسول وهو بإمكانه أن يستغنى فحكمه هو الكراهية الشديدة حيث أكدت الآيات على التنفير والتحذير من ذلك فالتلاعب والكذب والتضليل واستعمال الأطفال وما يشبه ذلك أعمال محرمة ولاشك في تحريمها.
موقف عمر بن الخطاب من المتسوِّلين:
سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سائلًا يسأل بعد المغرب، فقال لواحد من قومه: عَشِّ الرَّجل، فعشَّاه، ثم سمعه ثانيًا يسأل، فقال: ألم أقُلْ لك: عَشِّ الرَّجل؟ قال: قد عشَّيْتُه، فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزًا، فقال: لستَ سائلًا، ولكنك تاجرٌ، ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدَيْ إبلِ الصدقة، وضربه بالدرة، وقال: لا تَعُدْ؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 211).
أقوال السلف الصالح في ذم التَّسوُّل:
(1) قال لقمان الحكيم (رحمه الله) لولده: يا بني، إياك والسُّؤالَ؛ فإنه يُذهِب ماءَ الحياء مِن الوجه، وأعظمُ مِن هذا استخفافُ الناسِ بك؛ (المستطرف - للأبشيهي - صـ 303).
(2) قال قيسُ بن عاصم المنقري (رحمه الله) لِبَنيه: يا بَنيَّ، إياكم والمسألةَ؛ فإنها آخِرُ (أي: أدنى وأرذلُ) كَسْبِ الرَّجل؛ (الذخائر والعبقريات - عبدالرحمن البرقوقي - جـ 1 صـ 135).
(3) قال مُطرِّف بن عبدالله لابن أخيه: إذا كانت لك حاجةٌ، فاكتُبْها في رقعة؛ فإني أصونُ وجهَك عن الذُّلِّ؛ (بريقة محمودية ـ أبو سعيد الخادمي - جـ 3 صـ 226).
حكم التَّسوُّل:
(1) قال الإمام النووي (رحمه الله): اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلف العلماء في سؤال القادر على الكسب على وجهين، أصحهما: التحريم لظاهر الأحاديث؛ (مسلم بشرح النووي جـ 10 صـ 408).
(2) قال الإمام أبو حامد الغزالي (رحمه الله): السؤال حرام في الأصل، وإنما يباح للضرورة، وإنما قلنا: إن الأصل فيه التحريم؛ لأنه لا يخرج عن ثلاثة أمور محرمة:
الأول:
السؤال إظهار الشكوى من الله تعالى؛ إذ السؤال إظهار للفقر، وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه، وهو عين الشكوى.
الثاني:
السؤال فيه إذلال السائلِ نفسَه لغير الله تعالى، وليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه لغير الله، بل عليه أن يُذِلَّ نفسه لمولاه؛ فإن فيه عزة، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله، فلا ينبغي أن يَذِلَّ لهم إلا لضرورة، وفي السؤال ذل للسائل بالإضافة إلى إيذاء المسؤول.
الثالث:
السؤال لا يخلو من إيذاء المسؤول غالبًا؛ لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه، فإن بذل حياء مِن السائل، أو رياءً، فهو حرام على الآخذ، وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع؛ إذ يرى نفسه في صورة البخلاء، ففي البذل نقصان ماله، وفي المنع نقصان جاهه، وكلاهما مؤذيان، والسائل هو السبب في الإيذاء، والإيذاء حرام إلا لضرورة؛ (إحياء علوم الدين ـ للغزالي جـ 4 صـ 223).
أحوال يباح فيها التَّسوُّل:
يباح السؤال لضرورة؛ كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتًا أو مرضًا، وسؤال العاري وبدنه مكشوف ليس معه ما يواريه، وهو مباح ما دام السائل عاجزًا عن الكسب؛ فإن القادرَ على الكسب وهو بطَّالٌ ليس له السؤال، وأما المستغني فهو الذي يطلب الشيء وعنده مثله وأمثاله، فسؤاله حرام قطعًا، وأما المحتاج حاجةً مهمةً فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء، وكمَن له جُبَّة لا قميص تحتها في الشتاء وهو يتأذى بالبرد؛ (موعظة المؤمنين ـ جمال الدين القاسمي ـ جـ 1 صـ 296).
قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
وقال سبحانه: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات: 19].
قوله تعالى: ﴿ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات: 19]: أي الذي لا مال له، بأي سبب كان، قد ذهب ماله، سواءٌ كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك مالُه أو نحوه بآفة أو نحوها؛ (تفسير ابن كثير جـ 7 صـ 419).
وقال جل شأنه: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 10].
روى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحمَّلت حَمَالةً، فأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أسأله فيها، فقال: ((أقِمْ حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها))، قال: ثم قال: ((يا قَبيصةُ، إن المسألة لا تحِلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حَمَالةً، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قِوَامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قَبيصةُ سُحتًا يأكلها صاحبها سُحتًا))؛ (مسلم حديث: 1044).
قال الإمام النووي (رحمه الله) قوله: (تحملت حَمَالة) هي المال الذي يتحمله الإنسان؛ أي: يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البَيْن؛ كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك، وإنما تحل له المسألة، ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية؛ (مسلم بشرح النووي جـ 4 صـ 144).
جائحة: الآفة التي تُهْلك الثمارَ والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة.
فاقة: فقرٌ وضرورة بعد غنًى.
ذوي الحجا: أصحاب العقل الراجح والخبرة.
أسباب ظاهرة التَّسوُّل:
يمكن أن نوجز أسباب انتشار ظاهرة التَّسوُّل في الأمور التالية:
(1) ضعف الثقة برزق الله تعالى، الذي ضمن الرزق لجميع مخلوقاته.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6].
وقال سبحانه: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22، 23].
(2) انتشار آفة الفقر الشديد في المجتمـع.
(3) انتشـار البطالـة التـي يعاني منهـا المجتمع.
(4) غياب التكافـل الاجتماعي بيـن أفـراد المجتمـع، وكذلك غيـاب العدالـة الاجتماعية.
(5) بعض الناس يفضِّلون الراحة على العمل، ويعتبرون التَّسوُّل حرفةً مربحة، تجلب عليهم مالًا كثيرًا بسهولة.
(6) كثيرٌ من الناس تغلِبُ عليهم العاطفة، فيجُودون بالمال على المتسوِّلين؛ اعتقادًا منهم أن هذا امتثالٌ لقول الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 10].
(7) كثير من الناس لا يسعَوْن لإيجاد فرص عمل حقيقية للمتسولين؛ (العمل - لأحمد البقري - صـ 72).
وسائل التَّسوُّل:
سوف نذكر بعض وسائل وصور التَّسوُّل التي يحتال بها المتسوِّلون على الناس:
(1) يقوم بعض المتسوِّلين بإيقاف الناس في الطريق، ويطلبون منهم بعض المال ليركبوا وسيلة مواصلات إلى بلدهم، بحجة أن حافظة نقودهم قد سُرقت أو ضاعت.
(2) تقوم بعض المتسوِّلات بوضع طفلها الرضيع في حجرها والجلوس أمام المساجد أو في الميادين العامة؛ استجلابًا لعطف الناس وترقيقًا لقلوبهم، وتطلب منهم مساعدتها لإطعام الأيتام، أو لشراء دواء.
(3) يقوم بعض المتسوِّلين بإظهار شهادات مرَضِيَّة مزيفة، ويطلبون من الناس مساعدتهم لإجراء عملية جراحية، أو شراء دواء.
(4) يقوم بعض المتسوِّلين المحترفين باستخدام الأطفال الصغار كوسيلة للتسوُّل؛ وذلك بجعل هؤلاء الأطفال يرتدون ثيابًا ممزقةً، والسير بلا أحذية؛ استجلابًا لعطف الناس، مع إرسالهم إلى المنازل، أو أبواب المساجد، أو الأماكن العامة.
(5) يقوم بعض المتسوِّلين بإظهار العجز، إما بالحقيقة؛ كبعض العُمْيان؛ ليعذِرَهم الناس بالعمى، فيُعطوهم، وإما بادعاء المرض وإظهار ذلك بأنواع من الحيل.
(6) يلجأ بعض المتسوِّلين إلى أقوال وأفعال يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها، فيعطوهم بعضًا من أموالهم.
(7) يتحايل بعض المتسوِّلين بالأشعار والكلام المنثور، مع حسن الصوت، ومن المعلوم أن الشِّعر الموزون أشدُّ تأثيرًا في النفس؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 3 صـ 228).
نصيحة للمتصدِّقين:
يجب على المسلم الذي يتصدق على الفقراء أن يبذل جهده ويتثبت، ولا يبذل زكاته إلى كل من مد يده، بل يسأله بدقة، ويتحقق من الأوراق التي تُعرَض عليه، وربما حصل المتسوِّل على أضعاف ما فيها، ولو أن هؤلاء المتسوِّلين استعملوا في طريقٍ منتجٍ - مِن تجارةٍ أو غيرِها - ما يصل إلى أيديهم من الصدقات، لَمَا بقي في الأمة منهم متسول، ولكن هؤلاء قوم أَلِفوا هذا العيش، وركنوا إليه، لا يدفعهم إليه فقر، ولا يردهم عنه غنًى، وقد ظهر أن بعض المتسوِّلين عندهم ثروة كبيرة قد جمعوها من التَّسوُّل، وهذا سببه عدم التثبت؛ (موارد الظمآن لدروس الزمان - عبدالعزيز السلمان - جـ 3 صـ 546).
علاج ظاهرة التَّسوُّل:
يمكن أن نوجز وسائل القضاء على ظاهرة التَّسوُّل فيما يلي:
أولًا: ترغيب الناس في العمل:
الدعوة إلى العمل وصية ربِّ العالمين:
(1) قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 9، 10].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ﴾ [الجمعة: 10]؛ أي: فُرغ منها، ﴿ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 10] لَمَّا حجَر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله؛ (تفسير ابن كثير جـ 13 صـ 563).
قال ابن أبي حاتم (رحمه الله): كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتَني، فارزقني من فضلك، وأنت خيرُ الرازقين)؛ (تفسير ابن أبي حاتم جـ 10 صـ 3356 رقم: 18897).
(2) قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): ذكر سبحانه نعمته على خَلْقه في تسخيره لهم الأرض، وتذليله إياها لهم، بأن جعلها قارَّةً ساكنةً لا تمتدُّ ولا تضطرب، بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلَك فيها من السُّبل، وهيَّأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار، فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ [الملك: 15]؛ أي: فسافروا حيث شئتم مِن أقطارها، وتردَّدوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيَكم لا يُجدي عليكم شيئًا، إلا أن ييسرَه الله لكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15]؛ فالسعيُ في السبب لا ينافي التوكلَ؛ (تفسير ابن كثير جـ 14 صـ 75).
أنبياء الله هم القدوةُ في العمل:
(1) قال تعالى عن داودَ صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 80].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ﴾ [الأنبياء: 80] يعني صنعةَ الدُّروع؛ (تفسير ابن كثير جـ 9 صـ 424).
وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ (الدروع) وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [سبأ: 10، 11].
قال مجاهد بن جبر في قوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ [سبأ: 11]: لا تُدِقَّ (تُصغِّر) المسمارَ؛ فيَقْلَقَ (يتحرَّك) في الحلقة، ولا تُغلِّظْه، فيفصِمَها (يكسرها)، واجعَلْه بقدر؛ (تفسير ابن كثير جـ 11 صـ 263).
(2) قال الله تعالى عن موسى صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾[القصص: 26 - 28].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله تعالى: ﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ﴾ [القصص: 27]؛ أي: على أن ترعَى علَيَّ ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي ثمان كفاية؛ (تفسير ابن كثير جـ 10 صـ 453).
(1) روى البخاري عن أبي هريرة، عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ما بعَث الله نبيًّا إلا رعى الغنم))، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريطَ (النقود) لأهل مكة))؛ (البخاري حديث: 2262).
قال العلماء:
الحكمةُ في إلهام الأنبياء رَعْيَ الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرنُ برعيها على ما يكلَّفونه مِن القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يُحصِّلُ لهم الحِلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيِها وجمعها بعد تفرُّقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوِّها من سَبُع وغيره؛ كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرُّقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة - أَلِفُوا من ذلك الصبرَ على الأمة، وعرَفوا اختلافَ طباعها، وتفاوُتَ عقولها؛ فجبَروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحمُّلهم لمشقة ذلك أسهلَ مما لو كُلِّفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لِما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخُصَّت الغنم بذلك؛ لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثرُ من تفرق الإبل والبقر؛ لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرُّقها فهي أسرع انقيادًا من غيرها؛ (فتح الباري - لابن حجر العسقلاني - جـ 4 صـ: 441).
(2) روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((كان زكريَّاءُ نجَّارًا))؛ (مسلم حديث: 2379).
قال الإمام النووي (رحمه الله): هذا الحديث دليلٌ على أن النجارة صنعةٌ فاضلة، وفيه فضيلة لزكرياءَ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنه كان صانعًا يأكل مِن كَسْبِه؛ (مسلم بشرح النووي - جـ 8 - صـ 147).
نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم يحثنا على العمل:
(1) روى البخاري عن المِقدام رضي الله عنه: أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ما أكَلَ أحدٌ طعامًا قط خيرًا مِن أن يأكلَ مِن عمل يده))؛ (البخاري حديث 2072).
(2) روى أحمدُ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إن قامت الساعةُ وبيد أحدكم فَسِيلة (نخلة صغيرة)، فإن استطاع ألا يقومَ (من مكانه) حتى يغرِسَها، فليفعل))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 20 صـ 292 حديث: 12981).
هذا الحديث فيه الحثُّ على غرس الأشجار، وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدار عامرةً إلى آخرِ أمدها المحدودِ المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرُك فانتفعتَ به، فاغرس أنت لمن يجيءُ بعدك لينتفع، وإن لم يبقَ من الدنيا إلا وقت قليل؛ (فيض القدير ـ عبدالرؤوف المناوي جـ 3 صـ 40).
(3) روى البخاري عن أبي هريرة، قال: قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الساعي على الأرملةِ والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائمِ الليل، الصائم النهار))؛ (البخاري حديث: 5353).
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (كالمجاهد في سبيل الله)؛ أي: ثواب القائم بأمرهما وإصلاح شأنهما والإنفاق عليهما، كثواب الغازي في جهاده؛ فإن المالَ شقيقُ الرُّوح، وفي بذله مخالفة النفس، ومطالبة رضا الرب؛ (مرقاة المفاتيح - علي الهروي - جـ: 7 ـ صـ: 3101).
قال النووي: المراد بالساعي: الكاسبُ لهما، العامل لمؤنتهما؛ (مسلم بشرح النووي - جـ 9 ـ صـ 339).
(4) روى الشيخانِ عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة))؛ (البخاري حديث: 2320/ مسلم حديث: 1553).
قال النووي (رحمه الله): هذاالحديث فيه فضيلةُ الغرس، وفضيلة الزرع، وأن أجرَ فاعلي ذلك مستمرٌّ ما دام الغراسُ والزرع، وما تولد منه إلى يوم القيامة؛ (مسلم بشرح النووي - جـ 5 - صـ 480).
(5) روى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إن الله تعالى يحبُّ إذا عمِل أحدكم عملًا أن يُتقِنَه))؛ (حديث حسن) (السلسلة الصحيحة للألباني حديث: 1113).
هذا الحديث دليلٌ على أن إتقانَ العمل فيه طاعةٌ لله تعالى.
حرص أصحاب نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم على العمل:
(1) روى الشيخان عن الأعرج قال: أخبرني أبو هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرةَ يُكثر الحديث على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والله الموعدُ، إني كنت امرأً مسكينًا، ألزم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على ملء بطني، وكان المهاجرون يَشغَلُهم الصَّفقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يَشغَلهم القيام على أموالهم، فشهدتُ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم وقال: ((مَن يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني))، فبسطت بردةً كانت عليَّ؛ فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعتُه منه؛ (البخاري حديث 7354/ مسلم حديث 2492).
(الصَّفق بالأسواق): أي التجارة والمعاملة في الأسواق.
(2) الخليفة: أبو بكر الصديق:
لما استُخلِف أبو بكر رضي الله عنه، أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتَّجِرُ بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوقَ، قالا: تصنعُ ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ فقال: من أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما، ففرَضوا له كل يوم شَطْر شاة؛ (المنتظم لابن الجوزي جـ 4 صـ 71).
(3) عبدالرحمن بن عوف:
روى البخاري عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: لما قدمنا المدينةَ، آخَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيني وبين سعدِ بن الربيع، فقال سعدُ بن الربيع: إني أكثرُ الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هوِيتَ، نزلتُ لك عنها، فإذا حلَّتْ تزوجتَها، فقال له عبدالرحمن: لا حاجةَ لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوقُ قينقاع، قال: فغدا إليه عبدالرحمن، فأتى بأقط وسمن، قال: ثم تابع الغُدوَّ، فما لبث أن جاء عبدالرحمن عليه أثرُ صُفرة (عطر)، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((تزوجت؟))، قال: نعم، قال: ((ومن؟))، قال: امرأةً من الأنصار، قال: ((كم سُقْتَ؟))، قال: زِنَةَ نواة من ذهب، فقال له النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أَوْلِمْ ولو بشاة))؛ (البخاري حديث: 2048).
(4) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يقعد أحدُكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزُقْني؛ فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً؛ (إحياء علوم الدين للغزالي ـ جـ 2 ـ صـ 63: 62).
الإمام أحمد بن حنبل:
سئل أحمدُ بن حنبل (رحمه الله): ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجلٌ جَهِل العلم، أما سمع قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إن اللهَ جعل رزقي تحت ظل رمحي))؛ (إحياء علوم الدين للغزالي ـ جـ 2 - صـ 63: 62).
ثانيًا: تحقيق التكافل الاجتماعي:
لا يخلو مجتمعٌ من العاجزين عن العمل والكسب من كدِّ اليد، والاعتماد على النفس؛ مِن أمثال الأرامل واليتامى، والشيوخ وأصحاب العاهات المعوقة، وكذلك الذين لا يكفيهم دخلُهم من العمل، أو القادرين الذين لم يتيسر حصولهم على عمل، وهؤلاء جميعًا لم يتركهم الإسلام هملًا وعُرضةً لآفة الفقر والحرمان، تسحَقُهم وتلجئهم مكرَهين إلى ذل السؤال والتكفُّف، بل عمل على كفالتهم من قِبَلِ المجتمع المسلم الذي ينتمون إليه ويُحسَبون عليه، وللتكافل في الإسلام وسائلُ كثيرة، يمكن أن نوجزها فيما يلي
(1) الزكاة المفروضة:
تعتبر الزكاةُ وقايةً اجتماعية وضمانة للعاجز الذي يبذل جهده ثم لا يجد ما يسُدُّ حاجته الضرورية من المسكن والمأكل والملبس وما شابه ذلك، إن اللهَ لم يخلق الناس متساوين؛ لحِكَم جليلة، فجعل منهم الغني والفقير، وجعل لهذا الفقير حقًّا معلومًا في مال الغني، يأخذه منه كل عام، فيسد به حاجته الضرورية، ويعمُّ الأمن بين الناس؛ فالغنيُّ يتمتع بماله آمنًا، والفقير يُكفَى الحاجة، فيَكفي الناسَ شرورَه؛ فإن كثيرًا من أنواع الشر - كالسرقة والغش والخداع والتَّسوُّل - ينشأ من اضطرار الفقراء، وضِيق يدهم، فإذا دفع الأغنياءُ زكاة أموالهم، كان ذلك سببًا في دفع الشرور، وتثبيتًا لدعائم الأمن في المجتمع المسلم.
وفي إخراج الزكاة أيضًا إيجادُ روح الاتحاد بين المسلمين؛ لأن الله أراد أن يجمع العالم الإسلامي ويربط قلوب المسلمين بعضهم ببعض، بحيث يصبح الجميعُ كعائلة واحدة، ويكون الأغنياء منهم بمثابة آباء ورؤوس لتلك العائلة، فيُحسنون على فقرائهم، ويوسِّعون على مَن ضاقت به الحياة منهم، ويحمونهم من ذلِّ السؤال؛ (التأمين في الشريعة والقانون للدكتور كنعان محمد عليان صـ 181: صـ 186).
وقد حدَّد اللهُ ثمانية أصناف من الناس تُصرَفُ لهم زكاةُ الأموال.
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].
(2) الصدقات الاختيارية:
لقد حثَّنا الإسلامُ على الصدقاتِ؛ مِن أجل سدِّ حاجة الفقراء، وتحقيقًا للتكافل بين المسلمين داخل المجتمع الواحد.
قال سبحانه: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
وقد اعتبر القرآنُ الكريم الصدقةَ قرضًا للهِ مضمونَ الوفاء.
قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245].
وقال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].
(3) الصدقات الواجبة:
ومِن صور التكافل في الإسلام: أن الشريعةَ الإسلامية قد أمَرت بأنواعٍ مِن الصدقات الواجبة، التي يجب على المسلمِ الذي تنطبق عليه شروطُها: إخراجُها؛ من هذه الصدقاتِ الواجبة: صدقةُ الفِطر، والكفَّارات، وهي عقوبات قدَّرها الشرع الشريف عند ارتكاب أمرٍ فيه مخالفةٌ لأوامر الله تعالى،
ومن ذلك:
(1) كفارة القتل الخطأ.
(2) كفارة اليمين المنعقدة.
(3) كفارة الظِّهار.
(4) كفارة الأذى للمحرِم بالعمرة أو الحج.
(5) كفارة من جامع زوجته قبل التحلُّل.
(6) كفارة من أفسد صومه بالجِماع في نهار رمضان عمدًا.
(7) كفارة من انصرف من عرفةَ قبل غروب الشمس.
(
كفارة من لم يَبِتْ بمزدلفة.
(9) كفارة المحصر إذا لم يشترط.
(10) كفارة من ترك الميقات من غير إحرام.
(11) كفارة صيد البرِّ للمحرِم بالحج والعمرة.
(12) كفارة لُبس المخيط في الحج والعمرة.
(13) كفارة قطع شجر الحرم ونباتِه الأخضر، إلا الإذخر.
(14) كفارة العاجز دائمًا عن صوم رمضان.
(15) كفارة العجز عن الوفاء بالنذر.
(16) الهدي بالنسبة للقارن والمتمتع بالحج والعمرة.
(17) النذور، وهناك صدقات واجبة غير ذلك، والهدف من هذا كله هو طاعة الله تعالى، والتوسعة على الفقراء والمحتاجين.
إن تعاليم الشريعة الإسلامية تهدف إلى تحقيق التكافل بين الأفراد في جميع نواحي الحياة، والفرد في المجتمع المسلم جزءٌ من كل، الفرد مسؤول عن الجماعة، والجماعة مسؤولة عنه؛ (التأمين في الشريعة والقانون للدكتور كنعان محمد عليان صـ 186: صـ 190).
كفالة غير المسلمين:
(1) قال عبدالله بن أبي حدرد: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب الجابية (مكان) إذا هو بشيخ من أهل الذِّمَّة (رجل من غير المسلمين) يستطعم (أي: يتسوَّل)، فسأل عنه، فقلنا: يا أمير المؤمنين، هذا رجلٌ من أهل الذمة، كَبِرَ وضعُف، فوضع عنه عمرُ الجزية التي في رقبته، وقال: كلَّفتموه الجزيةَ حتى إذا ضعف، تركتموه يستطعم، فأجرى عليه من بيت المال عشرة آلاف دراهم، وكان له عيال؛ (تاريخ دمشق - لابن عساكر ـ جـ 27 صـ 334).
(2) كتب خالدُ بن الوليد رضي الله عنه (في عقد الذِّمة لأهل الحيرة بالعراق، زمن خلافة أبي بكر الصِّدِّيق): أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابَتْه آفة، أو كان غنيًّا فافتقر، وصار أهلُ دِينه يتصدَّقون عليه - طُرِحت جزيتُه، وعِيلَ مِن بيت مال المسلمين وعيالُه ما أقام بدار الهجرة ودارِ الإسلام؛ (الخراج لأبي يوسف صـ 144).
(3) كتَب عمرُ بن عبدالعزيز إلى عديِّ بن أرطاة (أمير البصرة): انظُرْ مَن عندك مِن أهل الذمة قد كبِرَتْ سنُّه، وضعفت قوَّتُه، وولَّتْ عنه المكاسب، فأَجْرِ عليه مِن بيت مال المسلمين ما يُصلِحُه، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوكٌ كبِرَتْ سِنُّه وضعُفَت قوَّتُه وولَّتْ عنه المكاسب، كان مِن الحق عليه أن يقُوتَه حتى يفرِّق بينهما موتٌ أو عتقٌ؛ (الأموال لأبي عبيدٍ القاسم بن سلام صـ 50).
عمر بن عبدالعزيز يقضي على التَّسوُّل:
(1) قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمرُ بن عبدالعزيز حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعَلوا هذا حيث ترون، فما يبرح يرجعُ بماله كلِّه، قد أغنى عمرُ الناسَ؛ (سير أعلام النبلاء ـ للذهبي جـ 5 صـ 131).
(2) قال الإمام ابنُ كثير (رحمه الله): كان منادِي عمرَ بن عبدالعزيز في كلِّ يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكينُ؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلًّا مِن هؤلاء؛ (البداية والنهاية ـ لابن كثير جـ 9 صـ: 200).
(3) كتب عمرُ بن عبدالعزيز إلى عبدِالحميد بن عبدالرحمن والي العراق: أن (أخرِجْ للناس أُعْطِيَاتِهم)، فكتب إليه عبدالحميد: إني قد أخرجتُ للناس أُعْطِيَاتِهم، وقد بقي في بيت المال مالٌ، فكتب إليه: أن (انظُرْ كلَّ مَن ادَّانَ في غيرِ سَفَهٍ ولا سَرَفٍ، فاقضِ عنه)، فكتب إليه: إني قد قضيتُ عنهم، وبقي في بيت مال المسلمين مالٌ، فكتب إليه: أن (انظُرْ كلَّ بِكْرٍ ليس له مال فشاء أن تزوِّجَه، فزوِّجْه، وأَصْدِقْ عنه)، فكتب إليه: إني قد زوَّجتُ كلَّ مَن وجدتُ، وقد بقي في بيت مال المسلمين مالٌ، فكتب إليه بعد مخرج هذا: أن (انظُرْ مَن كانت عليه جزيةٌ فضعُف عن أرضِه، فأسلِفْه ما يقوَى به على عملِ أرضِه؛ فإنا لا نُريدهم لعامٍ ولا لعامين)؛ (الأموال للقاسم بن سلام صـ 109 رقم: 625).